الحكمة: اعادة بناء مفهوم الفلسفة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحكمة: اعاده بناء مفهوم الفلسفة

مصطلح الفلسفة: الدلالة والتعريف

دلالة اللفظ: ترجع الدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة، وهناك من يرى أن هذا اللفظ قال به فيثاغورس الذي رأى أن الإله وحده الحكيم أما الإنسان فيجب أن يكتفي بمحبة الحكمة. غير أن هذا الرأي رفضه البعض لأن فيثاغورس كان معروف عنه الغرور وعدم التواضع ، وهناك من يرى أن سقراط هو أول من استخدمها. وعلى أي حال استخدمها أفلاطون ليميز بين حب الحكمة عند سقراط وادعاء الحكمة عند السوفسطائيين.
تعريفات الفلسفة: وقد تعددت تعريفات الفلسفة طبقاً لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفها.
أ) في الفلسفة اليونانية:
المدرسة الطبيعية: ترى أن الفلسفة هي بحث في طبيعة الوجود، أي الإجابة على السؤال ما هي المادة الأولى التي صدرت منها سائر الموجودات.
أرسطو: أما أرسطو فجعل الفلسفة هي المعرفة ،غير أنه ميز بين نوعين من أنواع المعرفة (أو العقول بتعبيره):فهناك المعرفة العلمية (العقل العلمي) وتنصب على ما هو عرض (وهو المادة) والمعرفة هنا وسيلة لغاية هي منفعة الإنسان وهذا النوع من المعرفة لا علاقة له بالفلسفة بل ما يسمى العلوم التطبيقية الآن.وهناك المعرفة النظرية (العقل النظري) وتنصب على ما هو جوهر (وهو الأفكار) والمعرفة هنا غاية في ذاتها هذا النوع من أنواع المعرفة هو الفلسفة، وتضم الطبيعيات والرياضيات والإلهيات ولكن الإلهيات هي أهم موضوعاتها وقد أسماها الفلسفة الأولى.
ب) في الفلسفة الغربية المعاصرة:
الوضعية المنطقية: هي فلسفة ترى أن القضايا ذات المعنى هي نوعين فقط قضايا وضعية (تجريبية) وتضم العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء،و قضايا منطقية وتضم العلوم المنطقية والرياضة. أما باقي القضايا ففارغة من المعنى، وبناءاً على هذا فإن الفلسفة لا يمكن أن تتناول قضايا مستقلة وخاصة بها،بل هي منهج في التحليل المنطقي للغة المستخدمة في العلوم.
تقويم: حصرت الوضعية المنطقية معيار المعرفة في الحواس، واستبعدت العقل لذا وقعت في تناقض واضح هو تعريفها للفلسفة (منهج لتحليل لغة العلم) ليس من القضايا التجريبية أو القضايا المنطقية الرياضة، وبالتالي يصبح فارغ المعنى طبقاً لمنطق هذه المدرسة ذاتها.
الوجودية:هي فلسفة ترى أن كل الكائنات سوى الإنسان يسبق ماهيتها (صفاتها وخصائصها) وجودها ، فالنجار مثلاً يحدد صفات المنضدة ثم يوجدها ، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، أي أنه يوجد أولاً ثم يختار صفاته بأن يكون خيراً أو شريراً عالماً أو جاهلاً.فالوجود الذي تتحدث عنه الوجودية إذاً هو الوجود الإنساني، هذا الوجود الإنساني هو الوجود الفردي الذاتي (النفسي).وبناءاً على هذا فإن الفلسفة عند الوجودية هي منهج يصف الوجود الذاتي، لذا يرى كيركيجارد أن الفلسفة ليست بحثاً في المعاني المجردة مثل الموت، بل المعاني الشخصية مثل أني أحيا إني أمت. وعرف سارتر الفلسفة بأنها تحليل العالم ومن وجهة نظر الإنسان الموجود.
تقويم: إن التعريف الوجودي للفلسفة يحيل الإنسان إلى كائن ذاتي (نفسي) متجاهلة أنه وخده من الفكر والمادة لا وجود له ولا حريته إلا في الظروف (المادية والفكرية) التي يعيش فيها.
ج) التعريف المرجح:
ونرجح تعريف الفلسفة بأنها: فاعليه او نشاط معرفي ، يهدف إلى محاوله حل ذات المشاكل التي يطرحها واقع معين، لكن على مستوى معين، يتصف بالكلية والتجريد،(خصائص قضايا الفلسفة) ،وهى تهدف هنا إلى معرفه(نظريه المعرفة) الوجود: كما هو كائن(نظريه الوجود)، وكما ينبغي ان يكون (نظريه القيم)(فروع الفلسفةالاساسيه)، ومن خلال منهج استدلالي مضمونه الانتقال من مقدمات عقليه إلى نتائج عقليه، و يتصف بالعقلانية والمنطقية والنقدية والشك المنهحى(خصائص المنهج الفلسفي)، وهى تشكل بذلك نمط تفكير معين(هو نمط التفكير العقلاني) العلاقة بينه وبين انماط التفكير الأخرى(كنمط التفكير الديني ونمط التفكير العلمي) هي علاقة تحديد وتكامل لا إلغاء وتناقض..
قضيه تأصيل الفلسفة
ترتبط مشكلة تأصيل الفلسفة بمشكلة (حضارية) أشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي والمعرفي) في المجتمعات المسلمة؟ ويترتب على هذا أن هناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل الفلسفة هي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة.
الموقف الأول: يقوم على إن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي ، والعزلة عن الإسهامات المعرفية للمجتمعات المعاصرة، وفي مجال تأصيل الفلسفة يفهم عملية تأصيل الفلسفة على أنها الاكتفاء بما جاء به الوحي عن الوجود والمعرفة والقيم (الأصول)، مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال الفلسفة دون تمييز بين فروعها المختلفة .
الموقف الثاني: يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال الفلسفة دون تمييز بين فروعها المختلفة
الموقف الثالث:يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي والمعرفي) يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة، سواء كانت من إبداع المسلمين أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى في مجال الفلسفة. كما يفهم عملية تأصيل الفلسفة على أنها عملية ذات أوجه متعددة:
فمن جهة فإن تأصيل الفلسفة هو نشاط معرفي عقلي يبحث في الوجود والمعرفة والقيم، ويتخذ من النصوص القطعية التي وردت فيها ضوابط موضوعية مطلقة له.
كما يتخذ من إسهامات الفلاسفة المسلمين نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي.
وهذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال الفلسفة، إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية، والرد والرفض لما يناقضها.وفى الفكر الاسلامى نجد العديد من العلماء المسلمين الذين اتخذوا هذا الموقف من إسهامات المجتمعات الأخرى الفلسفية منهم الإمام ابن تيميه والإمام الغزالي كما سنوضح عند الحديث عن الموقف الحقيقي للعلماء المسلمين من الفلسفة
فلسفه الاستخلاف
تقوم فلسفه الاستخلاف على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف(الله تعالى) والمستخلف(الإنسان)والمستخلف فيه(الكون)، وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى لها، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم متخذه من اجتهادات أهل السنة الكلامية نقطه بداية لا نقطه نهاية.
مفهوم التوحيد:ومضمونه إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى ، ومضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق ،يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.). و مضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة، يقول ابن تيمية ( …. ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ….. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره)..
فالتوحيد يتعلق بإفراد الوجود المطلق فعلا وغاية لله تعالى، والوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به وبتعبير الغزالي( فهو القيوم لان قوامه بذاته ،وقوام كل شيء به ،وليس ذلك إلا الله تعالى)( الغزالي، المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى). والذات هي عين هذا الوجود المطلق، أما الصفات فهي ما دل على هذا الوجود.
ولهذا الوجود ظهور ذاتي مطلق في الحياة الاخره وظهور ذاتي محدود، وله شكلان: والتكليفى يتمثل في الوحي،وتكويني يتمثل فى المعجزات
كما ان له ظهور صفاتي في الحياة الدنيا ، وله شكلان:
أولا: شكل تكويني: يتمثل في الكون المسخر والإنسان المستخلف، والسنن الإلهية التي تضبط حركتهما يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)( ابن تيميه، مجموع الفتاوى،1/48).
ثانيا: يتمثل في الوحي وهو مقصور على الوجود الاستخلافى الإنسان، يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته)
مفهوم التسخير: ومضمونه أن الظواهر والأشياء التي لها درجه التسخير إنما تظهر صفات الله تعالى على وجه الإجبار، فهي دائما آيات داله على وجوده تعالى يقول ابن القيم( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها) ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما:الموضوعية والسببية
مفهوم الاستخلاف: و مضمون مفهوم الاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبية وألوهيه الله تعالى في الأرض ، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، وذلك على المستوى الصفاتى، اى إظهار لصفات ربوبيه والوهيه الله تعالى (ما دل على وجوده المطلق فعلا وغاية )، في الأرض (عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان )، قدر طاقته المحدودة. يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( الالوسى،روح المعنى،ص223). وإظهار صفات الالوهيه يكون بتوحيد الالوهيه والعبادة.وللعبادة معنى خاص ومعنى عام ، ومضمون الأخير اتخاذ الله تعالى غاية مطلقه واتخاذ صفات الوهيته مثل عليا -قيم-مطلقه، يسعى الإنسان لتحقيقها في الأرض ( اى في واقعه المحدود زمانا ومكانا)، دون ان تتوافر له امكانيه التحقيق النهائي لها، ولا يكون ذلك بإلغاء تصور الإنسان للمثل العليا- القيم- المحدودة زمانا ومكانا، بل تحديدها باتخاذ مقتضى صفات الالوهيه ضوابط موضوعيه مطلقه لها يقول ابن تيميه( أن من أسماء الله تعالى وصفاته ما يحمد الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة).
أما إظهار صفات الربوبية فيكون بتوحيد الربوبية والعبودية، ولا تعنى العبودية إلغاء الفعل الانسانى بل تحديده، وذلك باتخاذ مقتضى صفات الربوبية ضوابط موضوعيه مطلقه للفعل الانسانى ، وبناء على هذا يصبح مضمون الاستخلاف أن تأخذ حركه الإنسان شكل فعل غائي محدود بغاية مطلقه(الالوهيه) وفعل مطلق( الربوبيه)، اى كدح إلي الله بالتعبير القرانى” يا أيها الإنسان انك كادح إلي بربك كدحا فملاقيه”
الحكمة والمفهوم الاسلامى للفلسفة:

ان مصطلح (حكمة) فيما نرى هو مصطلح القرآن المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي ،وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540.)
وينطلق مفهوم الاسلامى للفلسفة -ممثلا في مفهوم حكمة – ابتداء من ان الحكمة صفه إلوهية(والله عزيز حكيم) (المائدة: 38) ، و بالتالي فان أولى نتائج تطبيق مفهوم التوحيد (توحيد الإلوهية)هنا هو إفراد الحكمة المطلقة لله تعالى ،وبالتالي فإن إسناد الحكمة المطلقة لسواه تعالى هو شرك في الإلوهية (سواء كان شرك علمي أو اعتقادي)،وبالتالي فانه إذا كان من الممكن في المفهوم الاسلامى إطلاق صفه حكيم – فيلسوف على شخص معين، فانه لا يجوز فيه إطلاق صفه الحكيم – الفيلسوف – (ب “ال” التعريف) على اى شخص مع إيضاح أن الحكمة الإلهية مطلقة والحكمة الإنسانية محدودة.
وللحكمة الإلهية (المطلقة) شكلين من أشكال الظهور: ذاتي في الحياة الآخرة،و صفاتي في الحياة الدنيا، وللأخير شكلين:
الاول: تكويني: يتمثل في إيتاء الله تعالى الإنسان العقل بما هو نشاط او فاعليه معرفيه عقليه محدودة تكوينيا وتكليفيا.
الثاني:تكليفي: يتمثل في الوحي، والقواعد الموضوعية المطلقة التي يتضمنها ، والتي تحدد العقل بما هو نشاط او فاعليه معرفيه عقليه فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه.
وطبقا لمفهوم التسخير فان الأشياء والظواهر التي لها درجه التسخير تظهر الحكمة الالهيه المطلقة على وجه الإجبار ، فهي دائماً آيات دالة على حكمته المطلقة تعالى.
و مضمون مفهوم الاستخلاف هنا هو إظهار الإنسان لصفة الحكمة الالهيه المطلقة في الأرض (أي في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان) على وجه الاختيار (يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..) وهو ما يكون بالآتي:
توحيد الإلوهية: بإفراد الحكمة المطلقة لله تعالى كما سبق بيانه.
العبادة : ومضمونها هنا اتخاذ صفة الحكمة الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان إلى تحقيقه في الأرض،دون ان تتوافر له امكانيه التحقيق النهائي له ، فضلا عن تجاوزه.ولا يعني هذا إلغاء الحكمة الإنسانية بل تحديدها ،وذلك باتخاذ مقتضى صفة الحكمة الإلهية التكويني (السنن الإلهية الكلية والنوعية التي تضبط حركه العقل كفاعليه معرفيه عقليه ) والتكليفى (القواعد التي جاء بها الوحي والتي تحدد العقل كفاعليه معرفيه عقليه ) ضوابط موضوعية مطلقة للحكمة الإنسانية.
والحياة الاخره قائمه على ظهور ذاته تعالى، والذي عبر عنه القران بمصطلح التجلي، بخلاف الحياة الدنيا القائمة على ظهور صفاته تعالى ، وفيها تظهر الحكمة الالهيه المطلقة ظهورا ذاتيا لا صفاتيا، يدل على هذا جمله من الآيات التي تصف الاخره، وتقرن هذا الوصف بإسناد صفه الحكمة إلى الله تعالى( خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم )(لقمان: 2)( وان ربك هو يحشرهم انه حكيم عليم)(الحجر:25).
الحكمة التكوينية والحكمة التكليفيه : وطبقا للمفهوم الاسلامى للفلسفة المستند إلى مفهوم الحكمة، فان للحكمة شكلين :
الاول: الحكمة التكوينية: ومضمونها نشاط او فاعليه معرفيه ، تهدف إلى محاوله حل المشاكل التي يطرحها واقع معين، لكن على مستوى معين يتصف بالكلية والتجريد، ومن خلال منهج معين يتصف بالعقلانية والمنطقية والنقدية والشك المنهحى،وهى ما يقابل الفلسفة في الفكر الغربي، ويمكن استنباط مفهوم الحكمة التكوينية من القران الكريم وكتب التفاسير يقول تعالى (يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا )( البقرة:269)( قال ابن أبى نجيح عن مجاهد يعنى بالحكمة الاصابه في القول ، وقال ليث عن مجاهد ليست النبوة لكن العلم والفقه والقران ،وقال ايراهيم النخعى الفهم ،وقال ابن وهب عن مالك قال زيد بن اسلم العقل( ابن كثير، تفسير القران العظيم)، وقال تعالى (ولقد آتينا لقمان الحكمة ان اشكر الله )فى التفسير(الحكمة التي آتاه الله العقل هي الفقه والعقل والاصابه في القول) ( زبده التفاسير من فتح القدير ص 540)
ثانيا: الحكمة التكليفية: وهى القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي، و التي تحدد الحكمة التكوينية، وهى ما يقابل الدين. وهناك العديد من الآيات التي تشير إلى الحكمة التكليفيه كقوله تعالى( ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة)( الإسراء:39).
والعلاقة بين الحكمة التكليفيه والحكمة التكوينية هي علاقة الكل بالجزء،
ويترتب على هذا ان العلاقة بين الدين(الحكمة التكليفيه) والفلسفة(الحكمة التكوينية) في المفهوم الاسلامى للفلسفة، والمستند إلى مفهوم الحكمة القرانى، ليست علاقة فصل ( كما في بعض الفلسفات الغربية كالوضعية المنطقية والماركسية…) ، ولا علاقة خلط (كما في الفلسفات الغربية في العصر الوسيط كفلسفات أوغسطين وتوما الاكوينى وفلسفات الأديان الشرقية القديمة)، بل هي علاقة تحديد وتكامل، اى ان الدين(الحكمة التكليفيه) يحدد الفلسفة(الحكمة التكوينية) كما يحدد الكل الجزء فتكملها وتغنيها ولكن لا يلغيها.
الحكمة بين الامكانيه والتحقق: كما انه يجب التمييز بين لا الفصل بين معنيين لمصطلح الحكمة المعنى الاول: الحكمة كنشاط او فاعليه معرفيه مستمرة في كل زمان ومكان، لأنها محاوله لحل المشاكل المتجددة زمانا ومكانا (الاجتهاد).
المعنى الثاني: انماط او أشكال هذه الفاعلية المعرفية ،والتي مضمونها محاوله حل مشاكل يطرحها واقع معين زمانا ومكانا .
فالحكمة بالمعنى الاول تمثل العقل بتعبير ابن تيميه، أما الحكمة بالمعنى الثانى فتمثل محصول العقل بتعبير ابن تيميه.
أما العلاقة بينهما فهي ان الحكمة بالمعنى الاول تتخذ من الحكمة بالمعنى الثانى نقطه بداية ، اى تعتبرها حلول تتجسد فيها تجارب وخبره الامه وماضيها، وليست نقطه نهاية تعوقها او تلغيها .
الحكمة ومصطلح الفلسفة: ان ما سبق من حديث عن الحكمة ينصب على علاقتها بالفلسفة من حيث المضمون(المعنى او الدلالة)، أما الفلسفة من حيث الشكل (اللفظ او المصطلح) ،فلا حرج من استخدامه ما دام هذا الاستخدام للفظ ذو دلاله لا تتناقض مع قواعد الوحي المطلقة على الوجه السابق بيانه، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل، كما ان القران الكريم احتوى على عشرات الكلمات ذات الأصول الاعجميه كسندس وكرسي وإستبرق ..(عدنان سعد الدين ، الحركة الاسلاميه رؤية مستقبليه ،مكتبه مدبولى، ص271 )،كما الكثير من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة بدون حرج، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار (1/118 ). وابن عساكر ، تاريخ دمشق (51/350 )).
الحكمه و خصائص التفكير الفلسفى
الإسلام والتفكير الفلسفي: ساد نمط التفكير الأسطوري(اللا عقلاني) في الشعوب والقبائل التي تسود المنطقة، ثم جاء الإسلام فهدى الناس إلى إعمال العقل، وأنشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماطاً متعددةً من التفكير العقلاني الذي لا تناقض الأيمان أو الوحي؛ وإن كانت تناقض (بالتأكد) نمط التفكير الأسطوري(الفلسفة الاسلاميه،علم الكلام،التصوف، علم أصول الفقه…)
وعندما حدث للمجتمعات المسلمة توقف التقدم الحضاري أو بطئه؛ ظهرت بعض خصائص التفكير الأسطوري في بعض أنماط تفكير ألشخصية المسلمة ، وليس في أغلب أو كل أنماط التفكير فيها؛ أي أن الشخصية المسلمة لم ترتد إلى نمط التفكير الأسطوري (كما يرى بعض المستشرقين)؛ لأن هذا النمط من أنماط التفكير يناقض الإسلام الذي يشكل الهيكل الحضاري لهذه ألشخصية، بل تحولت إلي شخصية يختلط فيها التفكير العقلاني مع التفكير الأسطوري( يمكن أن نطلق عليه نمط التفكير شبه الاسطورى أو شبه العقلاني) بفعل الخلل الذي أصابها نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية متفاعلة. فالتفكير الفلسفي مثلاً كنمط من أنماط التفكير العقلاني ازدهر في مراحل التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، وعندما بدأت هذه المجتمعات تتخلف تخلُّف التفكير الفلسفي؛ إذ أن الفلسفة نشاط معرفي حضاري مما أفسح المجال لظهور بعض أنماط التفكير الأسطوري.ويمكن إيضاح هذا التحول بالرجوع إلى خصائص التفكير العقلاني ( الفلسفي مثالا له) وبيان موقف الإسلام منها:
أولا: خصائص المشاكل الفلسفية: لكل نمط معرفة مشاكل خاصة يحاول حلها بمنهج خاص. غير أن الخصوصية لا تعني أن هذه المشاكل قائمة بذاتها ومستقلة عن المشاكل التي يطرحها الواقع، بل يعني تناول ذات المشاكل الواقعية لكن على مستوى معين أي منظور إليها على مستوى مجرد كلي.
1) التجريد:المجرد هو الفكر لأنه مجرد من الزمان والمكان والمادة، ونقيضه العيني أي ما بوجد في مكان معين وزمان معين، وهو الشيء المادي المحسوس.والفلسفة تخصص في الدراسات الفكرية المجردة، لذا فإن موضوعات الفلسفة هي النظريات والمفاهيم والتصورات والأفكار. وكل موضوع عيني (أي موجود في زمان أو مكان معين) فهو علم وليس فلسفة. غير أن هذا لا يعني أن الفلسفة منفصلة عن الواقع إذ أن المعرفة قائمة على الانتقال من العيني (المشكلة) إلى المجرد (الحل) غلى العيني مرة أخرى من أجل تغييره (بالعمل).فالفلسفة بمثابة مقدمات مجردة لا يؤخذ في عزلة عن نتائجها العينية، ووظيفتها إيضاح الأصول الفكرية المجردة لمواقف عينية. وبالتالي فإن كل دعوة للالتزام بأفكار مجردة وراءها دعوة لموقف معين من الواقع المعين.
2) الكلية:الفلسفة هي مفهوم كلي للوجود، فهي تبحث في علاقة الإنسان بالإله والآخرين من طبيعة ومجتمع لذا فإن مواضيع الفلسفة هي العلاقات. وبالتالي فإن أي موضوع جزئي (أي يتناول نوع معين من أنواع الوجود فهو علم وليس فلسفة).غير أن هذا لا يعني أن الفلسفة بما هي كلية تلغي العلم بما هو جزئي ذلك أن الكل لا يلغي الجزء بل يحده فيكمله ويغنيه.
ثانيا: خصائص المنهج الفلسفي: وللفلسفة منهج خاص لحل المشاكل الفلسفية يتصف بالشك المنهجي والعقلانية والمنطقية والنقدية.
1) الشك المنهجي (النسبي): يقوم المنهج الفلسفي على الشك المنهجي أو النسبي، وهو شك مؤقت ووسيلة لا غاية في ذاته، إذ غايته الوصول إلى اليقين، أي أن مضمونه المنهجي عدم التسليم بصحة حل معين للمشكلة إلا بعد التحقق من كونه صحيح، ويمكن أن نجد نموذجاً لهذا النوع من الشك في القرآن (فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين).والشك المنهجي يختلف عن كل من الشك المذهبي والنزعة القطعية. فالشك المذهبي أو المطلق دائم وغاية في ذاته أي أن مضمونه المنهجي قائم على أنه لا تتوافر للإنسان إمكانية حل أي مشكلة. وقد عبر القرآن هذا الشك المرفوض بالريب (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا).أما النزعة القطعية فتقوم على التسليم بصحة حل معين دون التحقق من كونه صادق أم كاذب وقد وجه القرآن الذم لهذه النزعة في عدة مواضع كما في قوله تعالى: (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباؤنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون).
2) العقلانية: ويتصف المنهج الفلسفي بالعقلانية. أي استخدام ملكة الإدراك (المجرد) كوسيلة للمعرفة إذ الفلسفة هي محاولة إدراك الحلول الصحيحة للمشاكل الكلية المجردة. والقرآن يدعو إلى العقلانية التي لا تناقض الدين والعلم (أي التي لا تناقض فيها استخدام الإدراك أو العقل مع استخدام الوحي والحواس كوسائل للمعرفة ) ، لذا فقد ورد في القرآن مادة عقل وما اشتق منها تسعة وأربعون مرة، ومادة فكر ثمانية عشر مرة، ومادة فقه عشرون مرة ومادة أولي الألباب ستة عشر مرة.
3) المنطقية:ويتصل بالخصيصة السابقة أن المنهج الفلسفي يستند إلى المنطق بما هو القوانين (السنن الإلهية) التي تضبط حركة الفكر الإنساني، ذلك أن الفلسفة لكي تصل إلى حلول صحيحة لمشاكلها يجب أن يستند إلى القوانين أو السنن الإلهية التي تضبط حركة تحول الطبيعة وتطور الإنسان وحركة الفكر. وقد أشار القرآن إلى عدد من قوانين المنطق حيث نجد على سبيل المثال الإشارة إلى قانون عدم التناقض (أما أ أو لا أ) كما في قوله تعالى (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيراً) (الإسراء: 82).
4) النقدية:والمنهج الفلسفي قائم على الموقف الرافض لكل من القبول المطلق والرفض المطلق والذي يرى أن كل الآراء (بما هي اجتهادات إنسانية) تتضمن قدراً من الصواب والخطأ وبالتالي نأخذ ما نراه صواباً ونرفض ما نراه خطأ. وقد أشارت النصوص إلى هذا الموقف النقدي قال تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقال صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت بل وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم).
الحكمه والمواقف المختلفة من الفلسفة في الفكر الإسلامي
مذهب الرفض المطلق:هذا المذهب يرى أن هناك تعارض بين الدين الإسلامي والفلسفة بصورة عامة والفلسفة اليونانية بصورة خاصة، إذ أن الفلسفة المعرفة حينها هي الفلسفة اليونانية ،وأن هذا التعارض مطلق، وبالتالي فإن الموقف الصحيح من الفلسفة هو الرفض المطلق ومن ممثلي هذا المذهب بعض الفقهاء المتأخرين كابن الصلاح في كتابه (الفتاوى).
تقويم:هذا المذهب كما ذكرنا مبني على أساس أن هناك تعارض بين الدين والفلسفة وهو غير صحيح للآتي:
· أنه قائم على فرضية أن الفلسفة تأخذ موقفاً موحداً من جميع القضايا ، وأن هذا الموقف مناقض لموقف الدين منها، وهى فرضيه غير صحيحة كما قرر ابن تيمية في معرض رده على من قال أن الفلاسفة جميعاً قالوا بقدم العالم (أما نفي الفلسفة مطلقاً أو إثباتها فلا يمكن إذ ليس للفلاسفة مهب معين ينصرونه ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات والمعاد والنبوات ولا في الطبيعيات والرياضيات) ( ابن تيمية، منهاج السنة، ص253)
· كما أن هذا الموقف ظهر في فترة تحولت (الفلسفة) من نشاط عقلي كلي مجرد، إلى بحث في الغيبيات، فاختلطت بمعارف محرمة كالسحر والكهانة والشعوذة ،ويدل على هذا ربط متأخري الفقهاء بين الفلسفة وهذه العلوم المحرمة. يقول النووي (قد ذكرنا من أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه أو مباح فالمحرم كتعلم السحر فإنه حرام على المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور وكالفلسفة والشعبذة (الشعوذة) والتنجيم وعلوم الطائعين)( النووي المجموع شرح المهذب، ج1، ص27 ) وواضح أن هذه المعارف تمثل أنماط التفكير الأسطوري والخرافي التي تتناقض مع نمط التفكير الفلسفي والعلمي فضلاً عن الدين.
· كما أن هذا المذهب يتفق مع راى بعض المستشرقين ، إذ يتخذ هؤلاء المستشرقين موقف أنصار هذا المذهب كدليل على إنكار أصالة الفلسفة الإسلامية.
المذهب النقدي:وهذا المذهب قائم على أنه ليس هناك تعارض مطلق بين الفلسفة بصورة عامة واليونانية بصورة خاصة والدين ، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، وفي حالة الاختلاف يكون الرفض، وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول.
ابن تيمية: فابن تيمية مثلاً لا يأخذ موقف موحد من الفلسفة (المقصود هنا الفلسفة اليونانية) سواء بالرفض أو القبول بل يقسمها إلى ثلاثة أقسام:
1) الإلهيات (الميتافيزيقا): وهو يرفضه، وأغلب رفضه للفلسفة ينصب على هذا القسم منها.
2) الطبيعيات: ويرى جواز الأخذ به مع عدم ربطه بالإلهيات (الميتافيزيقا) اليونانية، ويعتبره (غالبه كلام جيد ،وهو كلام كثير واسع ، ولهم عقول عرفوا بها، وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد، ولكنهم جهال بالعلم الإلهي).
الرياضيات: ويرى وجوب الأخذ به وبتعبيره (ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة وغيرها)( ابن تيمية، الرد على المنطقيين، طبعة بيروت دار المعرفة)
وبناءاً على هذا لا يلغي صفة الإسلامية عن الإنتاج الفكري لهؤلاء الفلاسفة، بل يقرر (أنه كان في كل من هؤلاء من الإلحاد التحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة ما وافقوا فيه ذلك)( ابن تيمية، منهاج السنة، ص252)
الغزالي:كما أن الغزالي يأخذ نفس الموقف فيقسم الفلسفة اليونانية إلى ثلاثة أقسام حسب تعارضها أو توافقها مع أصول الدين:
1. قسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ومعنا:ً وحصره في ثلاث قضايا هي (قول الفلاسفة اليونانيين بقدم العالم وإنكار البعث الجسدي وإنكار علم الله تعالى بالجزئيات.
2. قسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ويتوافق معها معناً :وحصره في سبعة شعرة قضية.
3. قسم يوافق هذه الأصول لفظاً ومعناً(الغزالي تهافت الفلاسفة، طبع بيروت، ص 9-13)

ثم يحدد الموقف من هذه الأقسام (قسم يجب التكفير فيه وقسم يجب التبديع به وقسم لا يجب إنكاره أصلاً) ( الغزالي، المنقذ من الضلال، طبع دمشق، ط2، ص85-88.)
ابن حزم الظاهري: أما ابن حزم الظاهري من أئمة مذهب أهل الظاهر (أحد مذاهب أهل السنة فيرى أن الفلسفة تتفق مع الدين في الغاية (إصلاح النفس)، لذا يجب الأخذ بها (في حالة احتفاظ الفلسفة بهذه الغاية) ، فيقول (ان الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها والغرض المقصود نحوه ليس شيئاً غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤيدة إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية وهذه نفسه لا غيره هو غرض السريعة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة) (ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ج1، طبعة القاهرة، 1317هـ.)
الحكمة والموقف النقدي من الفلسفة: و الحكمة تتمثل في هذا الموقف النقدي من الفلسفة ، كما عبر عنه علماء الإسلام المشار إليهم أنفا ، والذي مضمونه أنه ليس هناك تعارض مطلق بين الدين والفلسفة ، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، وفي حالة الاختلاف يكون الرفض، وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول.
الحكمة و علاقة الفلسفة بالدين والعلم
لكل مجال من هذه المجالات مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلول، ومنهج خاص لحلها. لكن يجب ملاحظة أن يكون لكل مجال مشاكل خاصة لا يعني أنها قائمة بذاتها ومستقلة عن المشاكل التي يطرحها واقع الناس المعين في الزمان والمكان، بل يعني أن هذه المشاكل ما هي إلا محصلة لتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى معين (أي منظور إليها من جهة معينة).
أ) مجال الفلسفة: فالمشاكل الفلسفية مثل (الوجود، أو المعرفة أو القيم) ما هي إلا محصلة تناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ، لكن على مستوى كلي مجرد ، أي منظور إليها من جهة معينة هي الأصول الفكرية (الكلية، المجردة) لهذه المشاكل (الجزئية العينية). بالتالي فإن العلاقة بين الكلي (الفلسفة بما هي مفهوم كلي للوجود) الجزئي (العلم بما تناول الوجود النوعي أي بحث في القوانين النوعية التي تضبط حركة النوع المعين) هي علاقة تحديد لا إلغاء إذا الكل يحد الجزء ولا يلغيه ولا يحدث التناقض بينهما ما دامت الفلسفة مقصورة على الكلي قاصرة عن الجزئي أي مادامت لا تستغني بالكل أو العام (الفلسفة ذاتها) عن الجزئي أو الخاص (العلم).
كما أن العلاقة بين المجرد (الفلسفة بما هي تناول للوجود مثل المبادئ السابقة على التجربة التي يستند إليها العلم مثل الموضوعية) والعيني (العلم بما هو بحث في الواقع المعينة زماناً ومكاناً) هي علاقة جدلية، إذ المعرفة الإنسانية هي قائمة على جدل العيني والمجرد أي الانتقال من العيني إلى المجرد ومن المجرد إلى العيني.
ولا يحدث التناقض بينهما مادامت الفلسفة مقصورة على الدراسات الفكرية المجردة مادامت لا تتجاوز محاولة إرساء مقدمات مجردة تمهيداً للاقتراب من الواقع العيني إلى المحاولة اتخاذ مواقف عينية من الواقع.
هذه المشاكل الخاصة تقتضي منهج خاص لتناولها هو المنهج الفلسفي يتصف بخصائص معينة هي العقلانية، المنطقية، الشك المنهجي، والنقدية.
ب) مجال العلم: المشاكل العلمية ما هي إلا محصلة لتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى جزئي عيني، أي منظور إليها من جهة معينة هي البحث في قوانين تحول الطبيعة وتطور الإنسان والتي لابد أن تأتي حلول هذه المشاكل على مقتضاها لتكون صحيحة.
وهذه المشاكل الخاصة تقتضي منهج خاص في تناولها هو المنهج العلمي والذي يتصف بخصائص أو مراحل معينة هي(1) الملاحظة أي مراقبة مفردات الظاهرة ورصدها خلال حركتها (2) الافتراض: أي محاولة افتراض قانون لتلك الحركة من أطوارها على قاعدة واحد في ظروف مماثلة(3) التحقق: إذ الممارسة هي اختبار مستمر لصحة القانون.
ج) مجال الدين: الدين يتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ولكن على مستوى معين ، اى منظور إليها من جهة معينة هي علاقتها من حيث جزء من الواقع المحدود بالمطلق، فالمطلق لا يلغي المحدود بل يحده، وبه تصبح حركة الإنسان ليس مجرد فعل غائي اي مجرد تطور يتم خلال حل المشاكل التي يطرحها الواقع المعين ، بل تتحول إلى فعل غائي محدود بفعل مطلق (الربوبية) وغاية مطلقة (الالوهية)، أي كدح إلى الله بتعبير القرآن، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها ،وطريقة العلم بها ، ويحدد نمط الفكر الذي يصوغ هذه الحلول، كما يحدد أسلوب العمل اللازم لتنفيذها.
ولما كان المستوى الذي يتناول من خلاله الدين ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين هو المستوى المطلق عن قيود الزمان والمكان، وبالتالي لا يخضع للتغير أو التطور في المكان وخلال الزمان، ولما كانت الحواس والعقل لا ينصبان إلا على ما هو محدود المكان وخلال الزمان وبالتالي يخضع للتغير والتطور، فإن وسيلة المعرفة هي الوحي من حيث هو ظهور ذاتي للعلم الإلهي المطلق.
والتسليم بصحة الوحي قائم على الإيمان لكن هذا لا يلغي دور الحواس أو العقل، ومعنى الإيمان لغه التصديق كما في قوله تعالى (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) ومعناه الاصطلاحي هو التسليم بصحة فكرة لا يمكن إثباتها بالتجربة والاختبار العلميين لان موضوعها غير محدود بالزمان والمكان ، ولكن يمكن إثبات صحتها بالاستدلال العقلي بما هو انتقال الذهن من حكم إلى آخر لعلاقة ضرورية بينهما.قال تعالى (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) (البقرة:242).
ولا يمكن أن يحدث تناقض بين الدين والفلسفة والعلم مادام الدين مقصور على المطلق ولا يتجاوزه إلى ما هو محدود (نسبي)، كما حدث في أوربا في العصور الوسطى، حين جعل بعض رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية بعض النظريات العلمية جزء من الدين المسيحي،وحين ثبت خطئها حدث تناقض (زائف) بين العلم والدين. وكما يحدث عند البعض من محاولة جعل القرآن كتاب علم من علوم الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء، والواقع من الأمر أن القرآن قد اكتفى في هذا المجال (كما في سائر المجالات) بما فيه هذى للناس في كل زمان ومكان، وترك لهم أمر الاجتهاد فيما و محدود بالزمان والمكان نسبي فيهما، فاكتفى بأن حرص المسلمين على أن ينتهجوا البحث العلمي إلى المعرفة ، فقرر أن حركة الوجود منضبطة بسنن لا تتبدل ثم دعاهم إلى الاجتهاد في معرفتها والتزامها.قال تعالى (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (آل عمران: 137).
أما الآيات المتضمنة بتفسير بعض الظواهر الطبيعية فهي بمثابة أمثلة مضروبة للناس من أجل حثهم على البحث العلمي في السنن الإلهية التي تضبط الواقع الطبيعي والإنساني لا الاكتفاء بما في القرآن ،فهي أشبه بالأسلوب التعليمي في تدريس العلوم الرياضية، حيث يورد الكتاب القانون أو القاعدة ثم يورد بعض التطبيقات لهذا القانون (الأمثلة) ،ثم يطلب من الباحث الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل على هذا القانون.
الحكمة والعلاقة بين المجالات الثلاثة: وطبقا للمفهوم الاسلامى للفلسفة والمستند إلى مفهوم الحكمة فانه يمكن تفسير العلاقة بين كل من العلم و الدين والفلسفة باعتبار أنها محاولات لتفسير ذات الوجود، أي تتناول ذات الوجود، لكن على مستويات متعددة (أي منظور إليه من جهات متعددة).فالدين يتناول الوجود على مستوى ماهوي أي الإجابة على السؤال ما هو الوجود؟ (أي ماهية القوة التي تحرك الوجود، بداية الوجود، نهايته). والعلم يتناول الوجود على مستوى كيفي، أي البحث في ضوابط الحركة في الكون واتجاهاتها.والفلسفة تتناول الوجود على مستوى لماذي (أي الإجابة على السؤال لماذا(اى غايات الوجود الإنسان كالحق والخير والجمال..) .كما يمكن تناول العلاقة بين المجالات الثلاثة من ناحية الوجود بأن كل درجة من درجات الوجود (أو مستوى من مستوياته) هي بالنسبة للدرجة الأدنى بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ويغنيه ولا يلغيه.
وبالتالي فإن العلاقة بين الدين والفلسفة والعلم (الذين اختصوا بتفسير إحدى هذه الدرجات “أو المستويات”) هي علاقة تحديد لا إلغاء. فالفلسفة بالنسبة للعلم هي بمثابة الكل للجزء تحده ولا تلغيه، والدين بالنسبة للفلسفة (وبالتالي للعلم) هي علاقة المطلق بالمحدود يحده فيكمله ويغنيه ولا يلغيه.
كما يمكن تناول هذه العلاقة من ناحية المنهج بأن العلم يبحث في المحدود (المتغير)، والدين يبحث في المطلق (الثابت) أما الفلسفة فتبحث في الجامع بين الثبات والتغير)، أي المركب الجدلي الذي يتجاوزها (كنقيضين) ويحاول التأليف بينهما.
علم الكلام و فلسفه الدين الاسلامى:
معنى الكلام:
لغة: الكلام هو اللفظ الدال على معنى.
اصطلاحاً: النظر العقلي في أمر العقائد الدينية يقول ابن خلدون: (هو العلم الذي يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية)(1)يقول الأيحي (والكلام علم يقتدر معه إثبات العقائد الإيمانية بإيراد الحجج ودفع الشبة)(2).
سبب تسميه بعلم الكلام:وذكر الأيحي أربعة أقسام هي:
أ) إن الكلام (الجدل) هو أداة هذا العلم كما أن المنطق هو أداة علم الفلسفة أو بتعبيره “لأنه إزاء المنطق للفلسفة”.
ب) لأن أبوابه عنونت أولاً الكلام في كذا.
ج) لأن مسألة كلام الله تعالى (القرآن) أشهر أجزائه حتى كثر فيه التشاجر والسفك فغلب عليه.
د) لأنه يولد قدرة على الكلام في الشرعيات مع الخصم(3).
تعدد أسماء العلم:وتعددت أسماء هذا العلم تبعاً لتعدد الجهات المنظور إليه منها فأطلق عليه بالإضافة إلى علم الكلام، علم أصول الدين وعلم النظر والاستدلال وسماه أبو حنيفة الفقه الأكبر، ويقول التهانوي “علم الكلام، ويسمى بأصول الدين أيضاً، وسماه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بالفقه الأكبر.
والاسم الذي اختاره هو علم التوحيد لأنه يشكل أحد المفاهيم القرآنية الكلية التي تفسر العلاقة بين محاور الوجود (الله تعالى، الإنسان، الكون) بالإضافة إلى مفهومي الاستخلاف والتسخير. يقول التهاوي “ويسمى بعلم النظر والاستدلال أيضاً ويسمى بعلم التوحيد والصفات”.(1)
ويقول التفتزاني “العلم المتعلق بالأحكام الفرعية أو العلمية يسمى بعلم الأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية تسمى علم التوحيد والصفات”.(2)
علاقة علم الكلام بالفلسفة: يذهب بعض الباحثين إلى أن هناك خلافاً منهجياً بين الكلام والفلسفة، فالمتكلم يسلم أو لا يسلم بفروض ميتافيزيقية ثم يحاول إقامة الأدلة على صحتها. أما الفيلسوف فإنه لا يسلم فروض عند البداية ثم يحاول التوصل إلى النتائج فمثلاً (المتكلم يسلم أولاً بوجود الله ثم يحاول إقامة الأدلة على وجوده أما الفيلسوف فإنه لا يسلم بشئ عند البداية ثم يحاول البرهنة على وجود الله).(3)
ويقرب أحمد أمين الفكرة السابقة بالمقارنة بين القاضي الذي يبدأ باتخاذ موقف محايد ثم يتبع الأدلة حتى يصل إلى براءة أو تجريم المتهم، والمحامي الذي ينطلق من البداية من مسلمة وهي براءة المتهم.
غير أن هذا القول – فيما نرى- يضمر تصوراً غير صحيح للفلسفة وهو وجوب أن لا تنطلق في البداية من الميتافيزيقا بينما أي مذهب فلسفي إنما ينطلق من فروض مسلم بها دون أن تكون قابلة للإثبات أو النفي بالتجربة والاختبار العلميين أي فروض ميتافيزيقية، بهذا المعنى.
فعلم الكلام هو فلسفة إسلامية بمعنى أنه يتخذ العقائد الدينية التي جاء بها الإسلام بمثابة مسلمات أولى ينطلق منها كما يدل تعريفه، وبالتالي فهو أحد قطاعات الفلسفة الإسلامية دون نفي الفلسفة الإسلامية التي وضعها الفلاسفة العرب والمسلمون (الكندي، الفارابي، ابن سينا)، والتي اختارت منهجاً مغايراً وهو الانطلاق من مقولات الفلسفة اليونانية ،ثم محاولة تطويرها لتتلاءم مع العقيدة الإسلامية، لأن هؤلاء الفلاسفة عنوا بالدفاع عن الدين الإسلامي في وجه عقائد ومذاهب وأديان اتخذت من الفلسفة والمنطق اليونانيين كأدوات للدفاع عنها، أي أنهم انطلقوا مما هو مسلم عند هذه العقائد والمذاهب ( الفلسفة والمنطق اليونانيين) ليصلوا به إلى ما هو مسلم لديهم (الدين الإسلامي) تقول د. زينب الخضيري (سمي أستاذنا د. يحي (هويدي) هذه الفلسفة التي ازدهرت بالعلوم الفقهية والكلامية وعلم أصول الدين بفلسفة الإسلام لأنها تقوم على القرآن وفلسفته).(1)
5) أسباب نشأة علم الكلام:
أ) الأسباب الداخلية:
عندما ظهر الإسلام كانت المجتمعات التي توجد المنطقة التي تسمى بالعربية أما القبائل أو الشعوب، وكانت الهجرة بمثابة ترقي إلى ما فوق الطور القبلي فقد قطعت الروابط القبلية وأصبح المؤمنون من القبائل المختلفة يخضعون لنظام معاملات واحد كما في (الصحيفة) وبدأت الأمة العربية المسلمة جنيناً في رحم هذا المجتمع (الشعب).
وكانت فترة الخلافة الراشدة امتداداً لمدرسة النبوة فقامت على المساواة بين الناس – وقطع العلاقات العشائرية والقبلية غير أنه بعد عهد الخلافة الراشدة بدأ تراخي في تطبيق مبدأ المساواة (رغم الإقرار النظري) مما أدى لنشوء صراع اجتماعي أخذاً شكل صراع داخلي قائم بين قوى تستهدف كل منها الخلاف (الدولة أداة السيطرة على الإمكانيات المشتركة) وتدعو كل منها أنها أحق من غيرها بها، وتحاول إيجاد تبرير ديني لذلك، وأن كانت كل منها تحمل معها تراثها القبلي فيما تدعيه من وحدة الأصل (الأمويين، الهاشميين، العباسيين …) كما دخل هذا الصراع الشعوب غير العربية والتي ضمتها الدولة مثل فارس (إيران).
كل ذلك بمثابة توافر لشروط الذاتية لنمو بذرة المذاهب الكلامية ومن ثم علم الكلام ففرقة الخوارج كان أغلب أنصارها من القبائل العربية غير القرشية لا جعلوا من مبادئهم أن الخلاف ليست في قريش وليست لعربي دون عجمي وقد اختاروا عبد الله بن وهب بالراسبي أميراً عليهم أول وهو ليست قرشي.
ويري غير قليل من الباحثين أن فرقة الشيعة نجد جذورها في الأفكار الفارسية حول الملك وورثته وأن التشابه بين مذاهبهم ونظام الملك الفارسي وأضح. كما كان أغلب أنصار مذهب المعتزلة من الموالي وهم أبناء الشعوب غير العربية التي ضمت إلي الدولة. وكان من أنصار مذهبي الجبر والإرجاء الأمويين حتى قيل ” الجبر والإرجاء دين الملوك “. وفي هذه الأرض الواحدة انصهرت الشعوب حتى من خلال هذا الصراع وتفاعلت فصنعت من أرضها وبلغتها أنماطاً من الفكر والمذاهب والفن – والعلم والتقاليد وعناصر الحضارة الأخرى كان منها علم الكلام.
ب) الأسباب الخارجية:
إن الفتح الإسلامي شمل مجتمعات مختلفة في درجة تكوينها الاجتماعي، وبالتالي ذات حضارات مختلقة أي ذات أنماط مختلفة من الفكر والمذاهب والعقائد والفلسفات… وهذا ما اقتضى استخدام المناهج العقلانية والمنطقية في نقص هذه العقائد والفلسفات والدعوة إلى العقيدة الإسلامية.
مواقف من علم الكلام في الفكر الإسلامي:
أ) موقف الرفض المطلق (التحريم):من ممثليه بعض متأخري الحنابلة والصوفية كالسيوطي” في كتابه (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام) والهواري في كتابه (ذم المنطق وأهله) ، كما استند بعضهم إلى تأويل خاطئ لبعض أقوال المنطقية من السلف في النهي عن الخوض في الكلام تحت اسم (التفويض).
تقويم: التفويض لا يعني السكوت عن العقائد الفاسدة، بل السكوت عن الخوض في مسائل العقيدة مادام الفهم الصحيح هو السائد، ودلالة صحة العقيدة العمل الصالح، وهو ما كان سائداً على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
أما إذا كان هماك انحراف عن الفهم الصحيح لها فالمسلمون مكلفون بالعمل على تصحيح هذا الفهم ، وهو ما حدث في مرحلة متأخرة من تاريخ المسلمين عندما تصدى بعض السلف للفهم الفاسد للعقيدة ، يقول الحسن البصري “لم يكن أحد من السلف يذكر ذلك ولا يجادل فيه لأنهم كانوا على أمر واحد، وإنما أحدثنا الكلام فيه لما أحدث الناس من أنكره له فلما أحدث المحدثون في دينهم أحدث الله للمتمسكين بكتابه ما يطلبون به المحدثات ويحرزون من المهلكات”.(1)
كما يؤكد ذلك ما أورده ابن عبد البر (وأما الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع برد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه أو خشي ظلال عامة أو نحو هذا).(1)
والقول بأن السلف سكتوا عن الخوض في هذه المسائل وعدوا ذلك بدعة على الإطلاق غير صحيح ونورد أمثلة على ذلك:
* أورد ابن تيمية عن ابن حنبل (ويقول أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية أنها تأولت فيما شكت فيه من تشابه القرآن وتأويله غير تأويله ثم تكلم على معناها(2) وروى البيهقي فاستناده عنه.
الموقف التقويمي (النقدي): و الموقف الصحيح من هذا العلم ليس الرفض المطلق أو القبول المطلق بل الموقف النقدي القائم على محاولة وضع حلول صحيحة للمشاكل التي طرحها علم الكلام ، على أن تكون تلك الحلول محدودة بالقواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة التي وضعها الله تعالى للمعرفة الإنسانية، ويؤكد هذا الموقف الحقيقي لابن تيمية وهو (جواز الإشغال بعلم الكلام لإحقاق الحق وإبطال الباطل وإذا لم بقصد به الاستدلال بالأدلة الفاسدة أو تبني المقررات الباطلة) يقول ابن تيمية “فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ (الجوهر) و(العرض) و(الجسم) وغير ذلك بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات قد يكون فيها من الباطل المذموم في الأدلة والحكام ما نهى عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معني مجملة في النفي والإثبات… فإن عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنت بالكتاب والسنة بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة الانطلاق كل منهما فالغزالي استند إلى نظرية الكشف الصوفي وبالتالي اعتبر كل ذلك هو الحق). وبناء على الموقف في كثير من المسائل الكلامية مثل العلاقة بين الوجود والموجود والقدر والجبر والاختيار والقدم بالنوع – كان في الجزء الثالث من مجموعة فتاواه.
كما يمثل هذا الموقف الإمام الغزالي مع الاختلاف بينهما في نقطة علم الكلام لا يفيد المعرفة اليقينية والتي تحصل عليها بالكشف أو الإلهام لأنه استند إلى العقل.(ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته وطالعت كتب المحققين منهم وصنفت فيه ما أوردت أن أصنف فصادفته علماً وافياً بمقصوده غير وافٍ بمقصودي وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويق أهل البدعة. ولكنهم اعتقدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم واضطرهم إلى تسليمها أما التقليد أو إجماع الأمة أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خصومهم في استخراج متناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم وهذا قليل النفع في جبن من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً أصلاً، فلم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لدائي كنت أشكوه شافياً).
واعتبر أن علم الكلام حلال مندوب أو واجب باعتبار منفعته ، وحرام باعتبار مضرته (أن فيه منفعة وفيه مضرة، فهو باعتباره منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما تقتضيه الحال، وهو باعتباره مضرته في وقت الاستضرار حرام).

علم الكلام والحكمة: فعلم الكلام إذا يمثل فلسفه الدين الاسلامى ، وهو على هذا الوجه احد انماط الحكمة، لكن الحكمه تتحقق على أكمل وجه ممكن لها من خلال الموقف النقدى منه.
الفلسفة الإسلامية وفلسفه الحضارة الاسلاميه:
علاقة الفلسفة الإسلامية بالفلسفة اليونانية:
هنالك تصورين لعلاقة الفلسفة الإسلامية بالفلسفة اليونانية سوف نتناولها بالتفصيل:
التصور الأول: أن الفلسفة الإسلامية مجرد نقل للفلسفة اليونانية: ينكر التصور الأول أصالة الفلسفة الإسلامية ، فيعتبرها مجرد نقل للفلسفة اليونانية، وبعبارة أخرى فإن ما يسمى بالفلسفة الإسلامية ما هي إلا فلسفة يونانية مترجمة إلى اللغة العربية دون أي إضافة، وأن من يسمون بالفلاسفة الإسلاميين ليسوا مسلمين بل خارجين عن الدين الإسلامي. وهذا التصور يمثله بعض المستشرقين ويستند إلى تبريرات عدة:
التبرير الأول: أن القدرة على التفلسف (أي ممارسة النشاط العقلي التجريدي) ينفرد بها الجنس الأري (الذي ينتمي إليه قدماء اليونانيين)، أما العرب الشعوب الإسلامية فلا تمتلك هذه القدرة لأنها تنتمي إلى الجنس السامي، ومن أنصار هذا التبرير رينان وجوتيه.
التبرير الثاني: إن الدين الإسلامي والقرآن يمنعان النشاط العقلي الحر (الذي يميز الفلسفة)، ومن أنصار هذا التبرير ثنمان في كتابه (المختصر في تاريخ الفلسفة).
تقويم التصور الأول:التبرير الأول يستند إلى العنصرية التي هي من خصائص أطوار التكوين الاجتماعي القبلي، حيث معيار الانتماء إلى القبيلة وحدة النسب (الدم) الحقيقي أو الوهمي ، غير أن التطور الاجتماعي في أغلب مجتمعات العالم قد تجاوز هذه الأطوار إلى طور جديد هو الأمة التي مناط الانتماء إليها الهوية الحضارية (التي وعاؤها اللغة)، لذا تراجع أغلب المستشرقين عن هذا التبرير في مراحل لاحقة.كما أن هذا التبرير ينطوي على جملة من الأخطاء والمتناقضات أهمها أن تقسيم البشر إلى ثلاثة أقسام (ساميين، حاميين وأريين) هو تقسيم لغوي لا عرقي، إذ لا يوجد عرق نقي لم يختلط بباقي الأجناس ،وأن التجريد (كما يقرر علم النفس) هو ملكة عقلية إنسانية لا يختص بها جنس معين.
أما التبرير الثاني فقائم على تصور معين للفلسفة هو وجوب انفصالها عن الميتافيزيقا والدين، والواقع من الأمر أن أي مذهب فلسفي إنما ينطلق من فرض أو فروض يسلم بها دون أن تكون قابلة للنفي أو الإثبات بالتجربة العلمية ،وإن كانت قابلة للتحقق بالأدلة العقلية، فهي ميتافيزيقية بهذا المعنى. كما أن هذا التصور يلزم منه استبعاد كل الفلسفات الدينية الغربية والشرقية وهي تشكل جزءاً كبيراً من الفلسفة في كل مراحل تطور الفلسفة. كما أن أي فلسفة إنما تنطلق من القيم الحضارية للأمة التي ينتمي إليها الفيلسوف المعين، وبناء على هذا فإن استناد الفلسفة الإسلامية إلى الميتافيزيقا أو انطلاق الفلاسفة الإسلاميين من الإسلام الذي يشكل الهيكل الحضاري للأمم والشعوب المسلمة لا تنفي كونها فلسفة. والملاحظ أن بعض الكتاب الإسلاميين بدافع نقية الفكر الإسلامي من الشوائب اتفقوا مع المستشرقين في هذا التصور.
التصور الثاني: أن الفلسفة الإسلامية هي محصلة أخذ وتنمية وتطوير الفلسفة اليونانية:
هذا التصور يقول بأصالة الفلسفة الإسلامية، أي أن العرب وإن كانوا قد أخذوا بذور المعرفة بما فيه الفلسفة من اليونان فإنهم نموها وطوروها ،ويؤكد هذا تاريخ هذه الفلسفة التي مرت بثلاث مراحل:
أولاً: الترجمة: أنشا المأمون لذلك ديوان الحكمة استغرقت الترجمة قرناً من الزمان (القرن الثاني الهجري) ، والترجمة ليست عملاً آلياً ينقل فيه نص من لغة إلى لغة، بل هي عملية انتقاء ما لا يناقض بنية حضارة معينة لهذا فأن العرب ترجموا كتب الفلسفة دون كتب الأدب الأسطورة اليونانية ،وترجمت أرسطو أكثر مما ترجمت كتب أفلاطون، وترجمة الجمهورية أكثر مما ترجمت المحاورات الخاصة بالأخلاق و الجمال.
ثانياً: الشرح: ما أن حل القرن الثالث حتى بدت بوادر الشرح والتأليف،و الشرح ليس التعبير عن عبارة بعبارة أخرى، بل هو عملية تمثيل جديد كما يبدو في كتاب فلسفة أرسطو للفارابي.
ثالثاً: التأليف: بعد الترجمة والشرح بدا بوادر التأليف،و هي مرحلة الإضافة ،فقد كتب الفارابي فلسفة أرسطو أولاً كي يكتب أخيراً (تحصيل السعادة).
لماذا اتخذ الفلاسفة الإسلاميين الفلسفة اليونانية نقطة بداية:إذا كان ما سبق ينهض دليلاً على أن الفلسفة الإسلامية لم تكن مجرد نقل للفلسفة اليونانية بل هي عملية أخذ وتنمية وتطوير للأخيرة، إلا أنه يجب أن نضع في الاعتبار أن الفلاسفة الإسلاميين قد اتخذوا الفلسفة اليونانية نقطة بداية لأن الشعوب التي ضمها الفتح الإسلامي كانت تسود بها عقائد وأديان ومذاهب اتخذت من الفلسفة والمنطق اليونانيين أدوات أو أسلحة للدفاع عن هذه العقائد، فكان على الفلاسفة الإسلاميين الذين عنوا أساساً بالدفاع عن الدين الإسلامي في وجه هذه العقائد والمذاهب ،محاربتهم بنفس سلاحهم ،أي الانطلاق من ما هو مسلم بصحته لديهم (الفلسفة والمنطق اليونانيين)، للوصول على ما هو مسلم لدى الفلاسفة الإسلاميين (الدين الإسلامي)، مع الإقرار أنه قد أصابهم نوع من التبجيل للفلسفة والمنطق اليونانيين كنتيجة لطول استخدامهم لها كأدوات أو أسلحة ،بخلاف علم الكلام الذي اتخذ من مفاهيم الدين الإسلامي نقطة بداية لأن المتكلمين خاطبوا أساساً المسلمين ،وانطلقوا من ما هو مسلم لديهم (الدين الإسلامي). وبعبارة أخرى فإن الفلسفة الإسلامية هي محاولة لبناء عقلانية إسلامية ذات خطاب موجه (بصورة أساسية) إلى شعوب تسلم صحة الفلسفة والمنطق اليونانيين ولا تسلم بصحة الدين الإسلامي، وعلم الكلام هو محاولة لبناء عقلانية إسلامية ذات خطاب موجه (بصورة أساسية) إلى جماعات تسلم بالدين الإسلامي.
علاقتها بالحضارة الإسلامية: المقصود بصفة الإسلامية في مصطلح الفلسفة الإسلامية الحضارة الإسلامية لا الدين الإسلامي ،فهي ليست من علوم الدين الإسلامي بل من علوم الحضارة الإسلامية لا الدين الإسلامي، ويمكن توضيح هذه الحقيقة من خلال تقسيم الفقهاء للعلوم ويميزوا بين العلوم الدينية (الشرعية) والعلوم العقلية (الدنيوية)، الأولى تتعلق بأصول الدين والأخيرة ثمرة لنشاط العقل الإنساني، ولكنها ظهرت في المجتمعات الإسلامية، فتسمية إسلامية بالمعنى الحضاري لا المعنى الديني. فالفلسفة الإسلامية تنتمي إلى النوع الأخير من العلوم شأنها شأن العمارة الإسلامية والفن الإسلامي والصيدلة الإسلامية.
هل هي عربية أم إسلامية:
1) عربية: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الفلسفة عربية، لأن العرب هم حملة لواء الدفعة الأولى فيها (أول الفلاسفة هو الكندي الذي ينتمي إلى قبيلة كندا العربية)، ومن أنصار هذا الرأي لطفي السيد مدير الجامعة المصرية في عهده.
2) إسلامية: أما أصحاب هذا الرأي فيذهبون إلى أن هذه الفلسفة إسلامية لأن العديد من فلاسفتها ذو أصول غير عربية (إيرانية، تركية، ….) ومن أنصار هذا الرأي الشيخ مصفى عبد الرازق شيخ الأزهر في عصره.
3) عربية إسلامية: إن الإسلام هو الهيكل الأساسي للحضارة العربية لأنه هو الذي نقل القبائل والشعوب في هذه المنطقة إلى أمة واحدة ،وبالتالي فإن كل الرأيين السابقين على حده غير صحيح ،لأنه يقوم على الفصل بين العروبة والإسلام وهو غير صحيح ومستحيل، وإذا كان مناط الانتماء إلى القبيلة هو النسب أو الدم فإن مناط الانتماء إلى الأمة العربية المسلمة برابطة الهوية الحضارية التي وعي بها اللغة، وبالتالي فإن عدم انتماء أغلب هؤلاء الفلاسفة للقبائل العربية برابطة النسب لا ينفي انتماءهم إلى الأمة العربية المسلمة برابطة الهوية الحضارية التي وعاؤها اللغة العربية لقوله صلى الله عليه وسلم “ليست العربية فيكم من أب وأم إنما العربة لسان فمن تحدث العربية فهو عربي” .كما أنها ليست إسلامية فقط لأن الإسلام كدين باعتباره ديناً انطوى تحته العديد من الأمم كان لكل منها حضارته وفلسفته وهناك الفلسفة الإسلامية الإيرانية وهناك الفلسفة الإسلامية التركية….
الفلسفة الاسلاميه والحكمة: ما سبق من حديث يدور عن الدلالة الضيقة لمصطلح الفلسفة الاسلاميه،اى الإنتاج الفكري للكندي والفارابي وابن سينا في المشرق وابن ماجه وابن طفيل وابن رشد في المغرب، والفلسفة الاسلاميه طبقا لهذه الدلالة هي فلسفه الحضارة الاسلاميه . أما الدلالة الواسعة لمصطلح الفلسفة الإسلامية فتمتد ليشمل علوم كأصول الدين (علم الكلام) وأصول الفقه وأصول التفسير… إذ مصطلح الأصول في الفكر الإسلامي يقارب في المعنى مصطلح فلسفة في الفكر الغربي (إذ كلاهما يتضمن صفتي الكلية والتجريد)،وغيرها من المعارف الاسلاميه.
ومصطلح الحكمة إذ يقارب الدلالة الواسعة لمصطلح الفلسفة الاسلاميه، فان دلالته الضيقة تمثل احد انماط الحكمة لا كل أنماطها كما كان يرى بعض المستشرقين.لكن الحكمه تتحقق على أكمل وجه ممكن لها من خلال الموقف النقدى منها.
علم اصول التفسير و فلسفه مناهج معرفه دلالات ألفاظ القران الكريم:
تعريف التفسير: التفسير لغة صيغة تفعيل من الفعل (فسر) وهو البيان، يقال فسرت الشيء إذا بينته.أما التفسير اصطلاحا فهو: العلم أو المعرفة بدلالات(معاني) ألفاظ القران الكريم. هذا المعنى الاصطلاحي للتفسير نجده في تعريفات العلماء لعلم التفسير، يقول الإمام الزركشي في كتابه البرهان: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالتُه على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.ويقول صديق بن حسين القنوّجي في كتابه أبجد العلوم : هو علم باحث عن معنى نظم القرآن بحسب الطاقة البشرية وبحسب ما تقتضيه اللغة العربية.أما علم أصول التفسير فهو مجموعة من القواعد التي تحدد مناهج( طرق) معرفه دلالات(معاني) ألفاظ القران الكريم.
وطبقا للتعريفات السابقة فانه إذا كان القران الكريم وضع الهي مطلق عن قيود الزمان والمكان(غير الخاضع للتطور أو التغير فيهما) ، فان التفسير (وأصوله) هما اجتهاد انسانى محدود بالزمان والمكان ،وبالتالي خاضع للتطور خلال الزمان والتغير في المكان، لذا كان تعدد التفاسير (ومذاهب علم أصول التفسير) بتعدد المناهج ونظريات المعرفة التي يستند إليها التفسير المعين (والمذهب المعين في علم أصول التفسير).ففي إطار أهل السنة هنالك التفسير الأشعري كما في” التفسير الكبير” للفخر الرازي، وهناك التفسير الحنبلي كما في “تفسير القرآن العظيم” لأبن كثير، وهنالك التفسير الصوفي كما في “لباب التأويل في معاني التنزيل” للخازن . وخارج إطار أهل السنة هناك التفسير ألمعتزلي كما في” الكشاف للفخر الرازي، وهنالك التفسير الشيعي كما في “البيان” للطبري…
ولا يترتب على ذلك أن تفسير القران في عصرنا يعنى إلغاء كل التفاسير(و كل الاجتهادات في مجال علم أصول التفسير ) التي وضعت في العصور السابقة ، بل التمييز بين ما هو محكم (أصل) وما هو متشابه(فرع)، ففي الحالة الأولى يجب التزام ما اتفق عليه السلف وعلماء أهل السنة في مجال التفسير (وأصوله) مع مراعاة أن مصدر الإلزام هنا النص المحكم(الأصل)لا اتفاقهم على تفسير معين( أو قواعد معينه في علم أصول التفسير)،أما في الحالة الثانية فانه ينبغي اتخاذ اجتهادات السلف وعلماء أهل السنة على اختلاف مذاهبهم(حنابلة، أشاعره، ماتريديه ، طحاويه،أهل الظاهر) في مجال التفسير (و أصوله) نقطه بداية لا نقطه نهاية.
الاهتداء كغاية للنص القرانى:وهنا نوضح أن اهتداء الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ومكان كغاية للنص القرانى وتفسيره، استنادا إلي الاستخلاف كفلسفةاسلاميه ومنهج و نظرية معرفة.
فطبقا لفلسفة الاستخلاف ومفاهيمها الثلاث (التوحيد، الاستخلاف، التسخير) ينطلق التفسير من أن الهداية صفة ربوبية أي ان مضمونها دال علي الفعل المطلق الذي ينفرد به الله تعالي:”كلا ان معي ربي سيهدين “(الشعراء :162) “الذي خلقني فهو يهدين”.وعالم الشهادة قائم علي ظهور صفة الهداية (شأن سائر الصفات الالهيه). ولهذا الظهور شكلان:
تكويني (الهداية التكوينية): ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية التي تحكم الوجود الهادي والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها ليهتدي إلي ما فيه صلاحه،”وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات والبر والبحر “(الإنعام : 97)”والقي في الأرض رواسي ان تميد بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون” (النحل : 15).
تكليفي (الهداية التكلفية):ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع المتضمنة لأصول اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان: “يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم” (النساء: 26 ).”وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون”( البقرة: 53).والاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبيه الله تعالى وألوهيته في الأرض على المستوى الصفاتى ، وبالتالي فإن مضمونه هنا إظهار الإنسان لصفة الهداية كصفه من صفات الربوبيه في الأرض وهو ما عبر عنه القرآن بالاهتداء:”من اهتدى فإنما يهدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل لنفسه”( يونس: 108).هذا الإظهار يتم من خلال:
توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى:”إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”(القصص: 56)
العبودية (التكوينية والتكليفية):وذلك باتخاذ مقتضى الهداية التكويني (الهداية التكوينية)، والتكليفي (الهداية التكلفية)ضوابط موضوعية مطلقة:”من يهد الله فهو المهتدي”( الأعراف: 178).
أما طبقا للاستخلاف كمنهج للمعرفة فان التفسير يهدف إلى اهتداء الإنسان إلي القواعد الموضوعية (من وضع الله تعالى لا عقل الإنسان) المطلقة (لا تخضع للتطور أو التغيير في المكان او المكان) التي تحدد كدحه إلى الله تعالى (تطوره المادي والروحي)ولا تلغيه فتكمله وتغنيه فتكون بمثابة ضمان موضوعي لاستمرار فاعليته، وذلك من خلال الاهتداء إلي القواعد التي تحدد نمط الفكر الذي يصوغ حلولها، والقواعد التي تحدد أسلوب العمل اللازم حلها. وعلى هذا الوجه يتم الربط بين التفسير والواقع الاجتماعي والمشاكل التي يطرحها،وهو ما قرره السلف والعلماء، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه إلا أن فيه علم ما يأتي، والحديث عن ما مضي، ودواء دائكم ،ونظم ما بينكم)([1])
أما طبقا للاستخلاف كنظرية للمعرفة فان التفسير يستند معرفيا إلى أن العلم كصفة إلوهية تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
تكويني:يتمثل في عالم الشهادة والسنن الإلهية التي تضبط حركته كمصدر للمعرفة والحواس والعقل كوسائل لمعرفته، وعالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. ومضمون الاستخلاف هنا إظهار العلم الإلهي في الأرض وذلك بإفراد العلم المطلق لله واتخاذ صفة العلم
الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى لتحقيقه في واقعه المحدود دون أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائي له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها.ويترتب على هذا أن هناك نوعان من الموضوعية: موضوعية تكوينية: تتمثل في أن للكون وجود مستقل عن العقل الإنساني وغيرمتوقف عليه .وموضوعية تكليفية: تتمثل في
الوحي ذو الوجود المستقل عن عقل الإنسان وغير متوقف عليه(لأنه وضع إلهي لا من وضع العقل الإنساني) وهي موضوعية مطلقة. والتفسير يمثل الذاتية، والنص القرآني يمثل (الموضوعية التكليفية) ،بينما الكون يمثل (الموضوعية التكوينية)، وبالتالي فإن الموضوعية التكليفية (النص) تمثل (المطلق)، والموضوعية التكوينية (الكون) والذاتية (التفسير) يمثلان المحدود، ولما كان المطلق يحدد المحدود ولا يلغيه فإن النص القرآني يحدد جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي (فيحدد طرق معرفه المشكلة العينية) إلي الذاتي ( فيحدد طرق العلم بالحل المجرد لها ) إلي الموضوعي (الواقع) مرة أخرى من أجل تغييرها بالعمل فيحدد الاسلوب اللازم لحلها)، ولا يلغيه فيكون بمثابة ضمان لاستمرار فاعليته.
المحكم والمتشابه(الأصل والفرع):
يترتب على ما سبق أن غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان بحكم أن الإسلام الرسالة الخاتمة “وما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين” وكل مكان بحكم أن الإسلام رسالة لكل الناس “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
والنص القرانى يجمع بين كونه مطلق (وضعا وغاية)عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور أو التغير فيهما، ومراعاته التطور خلال الزمان و التغير في المكان ،وذلك بانقسامه إلى قسمين: القسم الأول هو ما أسماه المفسرين آيات الأصول أو الآيات المحكمات أو أم الكتاب ،
والقسم الثاني هو ما أطلقوا عليه اسم آيات الفروع أو الآيات المتشابهات قال تعالى: “هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات”،يقول ابن كثير في تفسير
قوله تعالى” هُنَّ أُمّ الْكِتَاب “: أَيْ أَصْله الَّذِي يُرْجَع إِلَيْهِ عِنْد الِاشْتِبَاه )([2])والقسم الأول يمثل المطلق والقسم الثاني يمثل المحدود ، وهذا التقسيم ينصب على الدلالة لا الوضع لان كلاهما وضع الهي وبالتالي مطلق.
حيث يمكن تقسيم النص القرانى :
من حيث وحده الدلالة أو تعددها (إمكان التاؤيل أو عدمه): ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله واحده لا تحتمل التأويل.وآيات ذات دلالات متعددة ،وبالتالي تحتمل التأويل،وفي تأويلها اختلف المسلمون ومازالوا يختلفون دون إثم. فالآيات الأولى هي الآيات المحكمة والثانية هي الآيات المتشابهة، ينقل السيوطى ( وقال الماوردى: المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه بخلافه) ([3])
ثانياً: من حيث الغايات والوسائل:ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله قائمه بذاتها وآيات ذات دلاله قائمه بغيرها ينقل السيوطى(وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره)([4] ).فالآيات الأولىيمكن اعتبارها غايات تتحقق من خلالها هداية الناس في كل زمان ومكان،أما الآيات الثانية فيمكن اعتبارها وسائل للغايات السابقة ،ولما كانت الغايات تحدد أسلوب العمل اللازم لتحقيقها (الوسائل) فإن النوع الأول من الآيات يحدد النوع الثاني بحيث لا يمكن تفسير الأخيرة إلا استناداً إلي الأولى.
الحكمة وعلم اصول التفسير: فعلم اصول التفسير إذا هو فلسفه مناهج(طرق) معرفه دلالات (معانى) ألفاظ القران الكريم ،وهو يتناول أيضا قضيه حدود المعرفة الانسانيه من منظور اسلامى، وهو على هذا الوجه احد انماط الحكمة.
علم أصول الفقه وفلسفه القانون الاسلاميه:
أصول الفقه وعلم أصول الفقه :
يجب التميز بين ( أصول الفقه ) بمعنى قواعد السلوك (العامة ، المجردة، الملزمة) التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ( المطلقة عن قيود الزمان والمكان، اى التي لا تخضع للتطور والتغير فيهما )،والتي لا يجوز فيها الاجتهاد أو التجديد، وبين العلم بهذه الأصول ( علم أصول الفقه ) بمعنى المعرفة الإنسانية (المحدودة ) بالزمان والمكان النسبية فيهما، والتي بالتالي تخضع للتطور والتغيير فيهما وبالتالي يجوز الاجتهاد فيها.ولما كانت المعرفة الإنسانية تتعدد بتعدد أساليبها وطرقها ( مناهج المعرفة ) فقد تعددت الاجتهادات فى علم أصول الفقه بتعدد المناهج المستخدمة فيه. ففي إطار أهل السنة هناك علم أصول الفقه الظاهري في كتاب “الإحكام في أصول الأحكام” لابن حزم. وهناك علم أصول الفقه الشافعي كما يتمثل في كتاب” الرسالة” للشافعي.. وخارج إطار أهل السنة هناك علم أصول الفقه الاعتزالي كما يتضح فى كتاب” المعتمد في أصول الفقه” لابو الحسين البصري.ولا يترتب على هذا إلغاء كل الاجتهادات السابقة في مجال علم أصول الفقه بل اتخاذ اجتهادات علماء أهل السنة نقطه بداية لا نقطه نهاية.
وعلم أصول الفقه فى الفكر الاسلامى يقابل فلسفة القانون فى الفلسفة الغربية،غير أن وجه الاختلاف ان الأول يستند إلى الحواس والعقل والوحي كوسائل للمعرفة بينما الأخيرة تكتفي بالحواس العقل وتستبعد الوحي كوسيلة للمعرفة.
المنهج الاصولى :
وبناء على تطبيق منهج المعرفة الاسلامى فان علم أصول الفقه يبحث فى كيفية تحديد المطلق ( وهو هنا قواعد السلوك العامة ، المجردة ،الملزمة ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ) للمحدود ( وهو هنا أساليب العمل اللازمة لحل المشاكل التي يواجهها الإنسان ) فهو يركز على ثالث خطوات المنهج ( العمل ) . أما المنهج الاصولى فيبحث فى أساليب وطرق هذا التحديد .
الأصول (المطلق ) والفروع (المحدود ):
ومعرفة طرق وأساليب تحديد المطلق للمحدود يقتضى معرفة مناط التمييز بين ما اسماه علماء أصول الفقه (الأصول ) التي تمثل المطلق و(الفروع ) التي تمثل المحدود . وهو ما يقتضى البحث فى فلسفة القانون ( تعريفه، نشأته، وظيفته ..) حيث نجد انه لا يمكن أن يوجد فرد بدون مجتمع ، ولا يمكن اى يوجد مجتمع بدون نظام ، والنظام هو مجموعة من قواعد السلوك العامة ( تخاطب الكافة ) ، الملزمة ( أمروه وناهيه ) المجردة لا تنصب على واقعة معينة زمانا ومكانا وأشخاصا ) تقوم على حراستها وضمان نفاذها ( ولو بالإكراه ) سلطه . ولا يمكن وجود نظام بدون مجموعة من القواعد لها ذات خصائص الأخرى ( عامة – مجردة – ملزمة ) إنما تتميز عن غيرها من القواعد انه لا يباح مخالفتها ، وعلة ذلك أنها الحل للتناقض بين وحدة المجتمع التي تتطلب وحده النظام ، وتعدد الناس فيه الذي يتطلب اختيار النظام الذي يرتضونه اى يتطلب تعدد النظم .
ويكون نظام الدولة إسلاميا إذا تضمنت قواعد النظام العامة فيه تلك القواعد والتي يشترط فيها (بالإضافة إلى ان تكون عامة مجردة ملزمة ) ان تكون يقينية الورود قطعية الدلالة.
قواعد التميز بين القواعد – الأصول والقواعد – الفروع :
يترتب على ما سبق ان مناط التميز بين قواعد النظام العام الاسلامى، والتي أطلق الأصوليون عليها اسم الأصول( والتي تمثل المطلق عن قيود الزمان والمكان غير الخاضع للتطور أو التغير ،والتي لا يجوز فيها الاجتهاد) ، وقواعد النظام الاسلامى الأخرى التي اسماها الأصوليون الفروع (والتي تمثل المحدود بالزمان والمكان النسبي فيهما والخاضع للتطور والتغير، والتي يجوز فيها الاجتهاد )أن الأولى مصدرها النصوص اليقينية الورود ( من عند الله تعالى او الرسول (ص)) قطعية الدلالة ( لا تحتمل التأويل) ، بينما الثانية مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة (والتي تمثل الفروع الالهيه: اى المحدود من حيث التفسير ، لا المحدود فى ذاته ) أو الاجتهاد ( والذي يمثل الفروع الانسانيه اى المحدود في ذاته ).
أولا فى القران الكريم :
أولا : من حيث الورود :القواعد التي مصدرها القران والسنة إما ان تكون يقينية أو ظنية الورود ( من عند الله تعالى أو الرسول )، والقران كله يقين الورود من الله تعالى لقوله تعالى ” انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ” . وبالتالي يتحقق فيه كله أول شروط القواعد – الحدود اى الأصول ( المطلق ) وهو شرط يقينية الورود
ثانيا : من حيث الدلالة : ينقسم القران إلى محكم ومتشابه قال تعالى ” هو الذى انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات ” ( آل عمران :7) والآيات المحكمة هي ذات الدلالة القائمة بذاتها و التي لا تحتمل التأويل .فهي وحدها التي يتحقق فيها ثانى شروط القواعد – الحدود اى شرط قطعية الدلالة .أما الآيات المتشابهة ذات دلاله قائمه بغيرها والتي تحتمل التأويل، وفى تأويلها اختلف المسلمون ويختلفون دون اثم، فمن أخطاء فهو مثوب مره ومن أصاب فهو مثوب مرتين،. وقد يرجع الاختلاف على معنيين ، وقد يرجع الاختلاف إلى المفاضلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازى إلى أخر الأسباب المعروفة فى فقه القران ومثال ذلك الآية :”انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف او ينفوا من الأرض ” قال البعض تفيد التوزيع، فمن قتل واخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال صلب، ومن اخذ المال ولم يقتل ينفى . وقال البعض تفيد التخيير فالحاكم المسلم مخير فى تطبيق العقوبة التى يراها مناسبة .والآيات المتشابهة ظنية الدلالة فهي مصدر للقواعد الفرعية اى ذات التفسير (المحدود ) زمانا ومكانا النسبي فيها وبالتالي يخضع للتطور والتغير فيهما.
ثانيا : فى السنة
أولا:من حيث الورود: تنقسم السنة إلى أحاديث يقينية الورود وأحاديث ظنية الورود وذلك من حيث ا/ إفراد الراوي ومشاركة غيره.ب/ عدالة الراوي.
ا/ من حيث إفراد الراوي او مشاركة غيره
تنقسم السنة من حيث أفراد الراوي او مشاركة غيره إلى :
المتواترة:وهى التي رواه جماعة عن جماعة مثلهم يستحيل فى كل طبقة تواطئهم على الكذب على الرسول وهى نوعان :
التواتر اللفظي : ما اتفق الرواة على كل لفظ من ألفاظه ، وهو أمر صعب لذا قال العلماء ما اتفقت ألفاظ الرواة على المعنى مثل قوله ” من كذب على معتمدا فيتنبأ مقعده من النار “.
التواتر المعنوي :ما اختلفت ألفاظ الرواة فيه ولكنها تتفق على قدر مشترك ويصح ان تروى ألفاظه بطريقه الآحاد حتى تبلغ الرواة حد التواتر كقوله ” إنما الأعمال بالنيات” .
والتواتر ثابت للسنة الفعلية في أداء فروض العبادات أما السنة القولية فيرى بعض العلماء ان التواتر غير موجود فى الأحاديث المروية ويرى آخرون انه موجود ولكن يضعون له ثلاثة شروط :
1/ ان تخرجه كتب الحديث جميعا.
2/ أن تتعدد طرق إخراجه كي لا يكون بعضه مكررا.
3/ أن يثبت التعدد فى كل طرق الإخراج فى أول الرواية ووسطها وأخرها.
الآحـــاد :وهى ما رواه عن الرسول عدد لا يبلغ حد التواتر
والاحاديث المتوترة يتحقق فيها أول شروط القواعد – الحدود التى تمثل الأصول او المطلق ( يقينية الورود ) أما أحاديث الآحاد فهي ظنية الورود بالتالي هي مصدر القواعد الفرعية اى ذات التفسير (المحدود) زمانا ومكانا والخاضع بالتالي للتطور والتغير فيهما . وأدلة ذلك عند الصحابة ( رض) كان ابوبكر لا يقبل إلا ما شهد اثنان بصحته ، وعائشة كانت لا تستوثق بالآحاد اذا علمت بمعارضته بما هو قوى منه .وعند الأئمة كان ابو حنيفه لا يقبل الآحاد الا اذا رواه جماعة عن جماعة او اتفق عليه فقهاء الأمصار ،وكان مالك يقبل المرسل فى الآحاد ما دام رجاله ثقات . أما عند الشافعي فكان القياس عنده ياتى بعد خبر الآحاد وينقل عن ابن حنبل اذا روينا عن رسول الله فى الحلال والحرم تسددنا فى الأسانيد . وإذا روينا عن النبي فى فضائل الأعمال وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا فى الأسانيد ([5]).
ورغم وضع ابن حنبل لهذه القاعدة لا انه كان يقدم الآحاد على الاجتهاد .
ب/ من حيث عدالة الراوى :تنقسم ألسنه من حيث عدالة الراوى إلى أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة
الصحيح: هو ما اتصل سنده بنقل ضابط عدل عن مثله حتى ينتهى إلى الرسول (ص) ولا يكون شاذا ولا معللا بعله مانعة ([6])
الضعيف :وهو ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن ، وقد سموه باعتبار الضعف فى المتن والسند وهو انواع منها : المرسل والمنطقع والمعضل .
والحديث الصحيح يقيم الورود وبالتالي يصلح كمصدر للقواعد الحدود اى الأصول (المطلق)
أما الحديث الضعيف فهو ظني الورود بالتالي لا يصلح إلا للقواعد الفروع اى ذات التفسير المحدود بالزمان والمكان النسبي فيهما .
ثانيا: من حيث الدلالة:كما تنقسم السنة من حيث الدلالة إلى قسمين:
1- قطعية الدلالة :ما يفيد ألفاظها الا معنى واحد نحو قول الرسول(ص) ” في خمسة من الابل شاه “
2- ظنية الدلالة :اى ما اشتملت على لفظ يحتمل أكثر من معنى واحد نحو قوله ” لا نكاح الا بولي ” يحتمل النفي بمعنى الكمال فيكون الزواج هنا ناقص الكمال قد يكون النفي منصبا على الصحة فيكون الزواج باطل والاحاديث القطعية الدلالة هي التى تصلح كمصدر للقواعد – الحدود او الأصول التي تمثل ( المطلق ) عن قيود الزمان والمكان غير الخاضعة للتطور والتغير ولا يجوز فيها الاجتهاد . أما الأحاديث ظنية الدلالة فهي مصدر للقواعد الفروع اى ذات التفسير (المحدود ) زمانا ومكانا التطور المتغير فيهما
طرق تحديد الأصول المطلقة للفروع المحدودة ( المصادر التبعية ):
اما ما اسماه علماء أصول الفقه المصادر التبعية من قياس وإجماع وعرف واصطحاب وسد الذرائع .فهي مصدر للقواعد – الفروع. والمقصود بها هنا الفروع الاجتهادية لأنها تمثل المحدود بالزمان والمكان المتطور المتغير فيهما فى ذاته . اذ ان كل ما جاء من هذه المصادر هو اجتهاد انسانى لا تشريع الهي. وكل ما جاء من قواعد بناء عليه فهي اجتهادية، وكل اجتهاد ينسب إلى من اجتهد في وضعه، لا يحتج به على الإسلام ، بل الإسلام حجة عليه، فلا يحتج به علي المسلمين إلا إذا قبلوه وفى حدود ما يقبلون منه، فلا يكرهون عليه إذ يصبح حينها غير مشروع .
الحكمة و علم أصول الفقه :و علم أصول الفقه يمثل فلسفه القانون الاسلاميه،وهو على هذا الوجه أحد انماط الحكمة.

التصوف وفلسفة الترقي الروحي الاسلامى
أصل كلمة تصوف:
اختلف الباحثون في اشتقاق كلمة صوفي:
· فقيل إنه لقب أي لا تشهد له من جهة العربية اشتقاق أو قياس.
· وقيل المشتق من الصفاء وإلى هذا يشير السبتي:
“تنازع الناس في الصوفي واختلفوا فيه وظنوه مشتقاً من الصوف وليست الحل هذا للاسم مفتي- صافي فصوفي حتى لقب الصوفي.
· وقيل أنه مشتق من الصفو بمعنى الصفاء أيضاً.
· وقيل أنه مشتق من الصف الأول لأن الصوفية في الصف الأول أمام الله.
· وقيل نسبة لأهل الصفة وكانوا قوماً من فقراء المهاجرين والأنصار بنيت لهم صفة في مؤخرة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. والصفة موضع غير البيت ذو ثلاث حوائط مظلل ليستتر به من البرد والحر(1) وكانوا معروفين بالعبادة.
· وقيل أنه مشتق من اسم (صوفة بن مرة) أحد سدنة الكعبة في الجاهلية.
· وقيل مشتق من كلمة (صوفيا) اليونانية وهي تعني الحكمة.
· وقيل أنها مشتقة من الصوف ويقال الصوفي للرجل إذا لبس الصوف.
وكثير من الصوفية يرون هذا الرأي ومنهم السراج الطوسي في كتابه (اللمع) وأيده ابن خلدون وآخرون.
تقويم:رد التصوف إلى كلمة (صوفيا) وهو امتداد لمحاولة رد التصوف إلى مصدر أجنبي خالص هو الفلسفة اليونانية. كما أن رده إلى الصف لأن الصوفية في الصف الأول أمام الله هو تأويل صوفي للمصطلح ،يمكن اعتباره امتداد لمحاولة رد التصوف إلى مصدر إسلامي خاص، وكذلك رده إلى أهل الصفة الذين سكنوا مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم واشتغلوا بالعبادة وتعاون المهاجرون والأنصار على طعامهم طيلة أعوام الهجرة لشدة فقرهم. ونلاحظ أن الصوفية رأوا أن سلوكهم هو السلوك الأمثل في التصور الإسلامي وأنهم كانوا ينظرون إلى الحياة بعين السخط والتشاؤم ويستعجلون الخروج من الدنيا إلى الآخرة. والواقع أن سلوكهم كان سلوكاً استثنائياً ومرتبطاً بظروف الدعوة في مرحلة معينة بدليل أن أهل الصفة كانوا يشكون للرسول صلى الله عليه وسلم حالهم وكان يسهم بالحياة الأفضل في الدنيا قبل الآخرة، فمن أهل الصفة عبد الله بن الأسد المخزومي (كنا عند رسول فشكونا إليه الفقر والعري وقلة الشيء فقال عليه الصلاة والسلام اصبروا فوالله لأنا من كثرة الشيء أخوف عليكم من قتله وأنه لا يزال هذا الأمر فيكم حتى تفتح أرض فارس والروم) 2 وبدليل أنه بعد فتح مكة لم يبق أهل الصفة على ما كانوا عليه في الصفة عالة على إخوانهم.
المواقف المختلفة من التصوف:
1) موقف القبول المطلق:ويمثله بعض الصوفية .
2) مواقف الرفض المطلق:ويمثله بعض المتكلمين والفقهاء وخاصة بعض متأخري الحنابلة.
تقويم لموقف الرفض المطلق: هذا الموقف مبني على فهم خاطئ لموقف أئمة المذهب الحنبلي من التصوف ولكن القراءة المتكاملة لهؤلاء الأئمة تناقض هذا الموقف ، فعن الإمام أحمد بن حنبل نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (قد سئل مرة عن المريد فقال أن يكون مع الله كما يريد وأن يترك كل ما يريد لما يريد… وكان يعظم الصوفية ويكرمهم وقال وقد سئل عنهم وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم).
أما في العصر الحديث فيتسند أنصار هذا الموقف إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولكن العديد من النصوص المنقولة عنه تمثل الموقف النقدى أكثر من موقف الرفض المطلق، ففي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة “اعلم أرشدك الله – أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين”(1). وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول ” اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك…” وفي (لحق المصنفات) “هذه مسألة” صفحة (124) قال ” فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم “ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبره في نفسه”.
الموقف التقويمي (النقدي):
إن الموقف الذي يتجاوز الرفض أو القبول المطلقين إلى تناوله من حيث اتفاقه أو اختلافه مع أصول الدين المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة المطلقة عن قيود الزمان والمكان فإن اتفق معها كان القبول وإن اختلف كان الرفض .
وهو فيما نرى الموقف الحقيقي لابن تيمية الذي يقول “لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت (الصوفية والتصوف) وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف تبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب ويتوب أو قد لا يتوب ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاصٍ لربه. وقد انتسب غليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً…
كما أنه الموقف الحقيقي لابن القيم الذي يقول “فاعلم إن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العالم وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون “نحن أصحاب عبارة” و”الإشارة لنا والعبارة لغيرنا” وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وظلموهم. والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها زيل المحاسن وأجروا حكم القبول وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.والطائفة الثالثة:وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد(1)
وبناء على هذا يورد ابن القيم تعريفاُ للتصوف فيقول (… والتصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب). كما يورد تعريفاً آخراً فيقول “والدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد في الدين وكذلك التصوف قال الكتبي: التصوف هو الخلق فمن زاد في الخلق فقد زاد عليك في التصوف).( ابن القيم، مدارج السالكين، ج3)
مصادر التصوف:
أولاً: رد التصوف إلى مصدر أجنبي خالص
أ) المصدر الفارسي:هنالك من المستشرقين من ذهب إلى القول بأن التصوف من أصل فارسي منهم دوزي فهو يرى أن التصوف جاء من أصل فارسي حيث كان موجود قبل الإسلام فقد ظهرت فكرة صدور كل شئ عن الله والقول بأن العالم لا وجود له في ذاته وأن الموجود الحقيقي هو الله. وكل هذه المعاني يفيض بها التصوف الإسلامي.
ب) المصدر المسيحي:هنالك من المستشرقين من رأى أن التصوف من مصدر مسيحي ويستند أولئك إلى حجتين الأولى الصلات بين العرب والنصارى في الجاهلية والإسلام والثانية أو الشبه بين حياة الزهاد والصوفية وحياة المسيح والرهبان وطرقهم في العبادة والملبس ومن الذين يذهبون إلى هذا الرأي (جولدزيهير ونيكولسن واوليري).
ج) المصدر الهندي:ويميل بعض المستشرقين إلى رد التصوف الإسلامي إلى الفكر الهندي ومن هؤلاء هورتن ومارتنمان فقد ساق الأخير حججاً كثيرة منها أن الزهد الإسلامي هندي في أساليبه فاستعمال المخلاة والسبح عادة هندية بالإضافة للتشابه في عقائد الهنود في وحدة الوجود والفناء وعقائد متفلسفة الصوفية.
د) المصدر اليوناني:ومنهم من رد التصوف الإسلامي إلى مصدر يوناني وهم يعنون به التصوف الذي بدأ في الظهور في القرن الثالث الهجري على يد ذو النون البصري و الذي يطلق عليه اسم التصوف الفلسفي.
تقويم:نلاحظ أن المستشرقين إذا ردوا التصوف الإسلامي إلى مصدر أجنبي خالص لم يتوصلوا إلى موقف موحد فأوائل المستشرقين كانوا أميل إلى ردهم إلى مصدر واحد أما المتأخرين منهم فهم أميل إلى رفض فكرة المصدر الواحد ويقول نيكليسون في كتابه التصوف الإسلامي “برهن البحث الحديث على أصل الصوفية لا يمكن أن يرد إلى سبب واحد محدود ومن هنا لم يرتضِ باحث منصف هذه التعليمات الجارفة من أمثال أنها رد فعل للعقل الآلي تجاه الدين الإسلامي الفاتح أو أنها ليست إلا نتاج للفكر الفارسي أو الهندي”.(1) أما القول بالمصدر الفارسي فيمكن الرد كما يقول د. أبو الوفاء التفتزاني بأن هذه الأفكار لا توجد إلا عند أصحاب وحدة الوجود الذين ظهروا في وقت متأخر (القرنين السادس والسابع الهجري) وليس كل الصوفية في الإسلام قائلين بهذا المذهب.
ويعاب عن القول برد التصوف الإسلامي إلى الزهد المسيحي عن تأثر بغير الصوفية بالمسيحية لم يظهر إلى وقت متأخر (أواخر القرن الثالث الهجري) بعد أن كان الزهد قد استقر في القرنين الأول والثاني الهجريين وأصبح دعامة التصوف الإسلامي. كما نجد أن الحلاج الذي استخدم مصطلحات مسيحية كاللاهوت والناسوت ويرى نيكلسون نفسه في كتابه “تاريخ العرب العجمي “أن المسيحية على حيث أنها أثرت في التصوف الإسلامي”.أما القول برده إلى الفكر الهندي فيرد أبو الوفاء بأنه لم يعثر على تصوير صريحة تدل على معرفة صوفية المسلمين بعقائد الهنود وديانتهم إلا عند الصوفي المتفلسف ابن سبعين في كتابه “الرسالة النورية” حيث يذكر شيئاً من صيغ الأذكار عند البراهمه وهو ما كان في القرن السابع الهجري. كما يرى بعض المستشرقين أن هذا التشابه مبالغ فيه وسطحي أكثر من أن يكون جوهرياً كما عند (بروان) في كتابه “تاريخ الفرض الأدبي”.
أما القول الأخير فيمكن الرد عليه بأنه أن كل من غير المذكور أثر الفلسفة اليونانية عامة وفلسفة أفلوطين خاصة على التصوف الإسلامي خاصة عندما يطلق عليهم الصوفية المتفلسفين مثل السهروري وابن عربي وابن سبعين أنه لا يمكن رد التصوف الإسلامي كله إلى مصدر يوناني لأن الصوفية الأوائل لم يقبلوا على فلسفة اليونان إقبال الفلاسفة المسلمين(1)
ثانياًَ: المصدر الإسلامي الخالص:ومن الباحثين من ينكر أي أثر للمصادر الأجنبية على التصوف الإسلامي ويرده إلى مصادر إسلامية خالصة مثل القرآن والسنة وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ويقارب هذا الرأي ما أورده د. أبو الوفاء التفتزاني في كتابه السابق الذكر من أن “التصوف متعلق أساساً بالشعور والوجدان، والنفس الإنسانية واحدة على الرغم من اختلاف الشعور والأجناس وما تصل غليه نفس بشرية واحدة بطريق المجاهدات والرياضيات الروحية قد تصل إليه أخرى دون اتصال واحدة منها بالأخرى”.ويترتب على هذا أن التشابه بين التصوف الإسلامي وغيره من أنواع التصوف الأجنبية لا يعني دائماً وأبداً أخذه عنه.
ثالثاً: التأثير المتبادل بين المصادر الأجنبية والإسلامية:الواقع من الأمر أن كلا موقفين السابقين هو إنكار لسنة التأثير المتبادل فموقف المستشرقين القائم على رد التصوف الإسلامي إلى مصدر أجنبي خالص واعتباره مجرد نقل التراث الأجنبي هو إنكار لتأثير التصوف الإسلامي في هذا التراث حتى الصوفية الذين أخذوا من هذا التراث الأجنبي لم يكونوا مجرد نقلة له إنما أخذوه ثم نموه وطوروه.كما أن رد التصوف الإسلامي إلى مصدر أو مصادر إسلامية خالصة هو إنكار لتأثر التصوف الإسلامي بهذا التراث الأجنبي والحقيقة الحضارة العربية الإسلامية التي يعد التصوف الإسلامي أحد عناصرها جزء من المجتمع الإنساني وحضارات متأثرة به ومؤثرة فيه فلا تستطيع أي حضارة أن تنعزل عن العالم الذي يعيش فيه أو أن تأثيره فيها. غير أنه يجب النظر إلى طبيعة هذا التأثير المتبادل على التيارات المختلفة للتصوف الإسلامي ففي حين أن التيار الذي أطلق عليه اسم (التصوف الفلسفي) كما عند الجيلي (الاتحاد) والحلاج (الحلول) وابن عربي (وحدة الوجود) انطلق من مفاهيم مستمدة من المصادر الأجنبية أي أن عملية الأخذ والتنمية والتطوير لم يكن بعد الانطلاق من المفاهيم الإسلامية إنما تالياً لها. نجد أن التيار الذي يطلق عليه اسم (التصوف السني) كما عند الإمام الغزالي مثلاً انطلق أولاً من المفاهيم الإسلامية ثم تأثير في (1) د. أبو الوفاء التفتزاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، نفس المكان.
صياغته لهذه المفاهيم بمصادر غير إسلامية. هذا الموقف يقارب رأي بعض المستشرقين منهم سبنسر ترمنجهام في كتابه (الصوفية في الإسلام) حيث يقول “إن الصوف الإسلامي تطور طبيعي داخل حدود الإسلام ولا يمكن إلا بصلة طفيفة بالمصادر غير الإسلامية مع أنه نظام إشاعات من الحياة الصوفية الزهدية المسيحية الشرقية وفكرها وبالتالي فإن نظام الصوفية الواسعة المتطورة قد يكون في الإسلام ومهما كان الدين يدين للأفلاطونية المحدثة أو الغنوصية أو التصوف المسيحي إلا أنه ينبغي أن ننظر إليه بحث كما نظر إليه الصوفية على أنه النظرية الباطنية للإسلام.
نشأة وتطور التصوف:
عندما ظهر الإسلام كانت المجتمعات التي توجد بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي إما قبائل أو شعوب وقد أشار القرآن لهذين الطرفين (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) “الحجرات:13″ وكانت الهجرة بمثابة ترقي للعلاقة بين الناس إلى ما فوق الطور القبلي وهنا سيتحدث القرآن عن المؤمنين لا جملة بل حسب انتمائهم فإما مؤمنين ينتمون إلى قبائل (الأعراب) أو مؤمنون ينتمون إلى شعب (أهل المدينة) “ما كان أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله….) “التوبة:12″ وبالتالي قطعت الروابط القبلية فيصبح المؤمنون من القبائل المختلفة يخضعون لنظام معاملات واحد كما في (الصحيفة) التي كانت بمثابة دستور للشعب الجديد وبدأت الأمة العربية المسلمة جنيناً في رحم هذا المجتمع (الشعب) الذي أوجده الإسلام ولدت فيه ونمت معه واكتملت به وكانت فترة الخلافة الراشدة امتداداً لمدرسة النبوة فقامت على المساواة بين الناس وقطع العلاقات العشائرية والقبلية.غير أنه بعد الخلافة الراشدة مرحلة الصراع (الدفع) الاجتماعي كان الصراع الداخلي فيها قائماً بين قوى تستهدف كل منها الخلافة (الدولة إدارة السيطرة على الإمكانيات المشتركة) وتدعي كل منها أحق من غيرها بها وإن كانت كل منها تحصل معها تراثها القبلي فيما تدعيه من وحدة الأصل (الأمويون، الهاشميون والعباسيون).
1) كانت بداية التصوف متمثلة في فئة الزهاد الذين اتخذوا موقفاً من هذا الصراع يتمثل في اعتزاله والانشغال بالعبادة. يقول النموبخي “من الفرق التي افترقت في ولاية علي على فرقة اعتزلوا مع سعد ين مالك وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب فإن هؤلاء اعتزلوا عن علي وامتنعوا عن محاربته والمحاربة معه ودخولهم بيعته والرضا به فسموا المعتزلة”. ويقول المطلي “وهم سموا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن معاوية وسلم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي ولزموا مساجدهم وقالوا ننشغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك المعتزلة”.
ومن النصوص السابقة نفهم أن هذه الفئة لا تنتمي بصلة إلى المعتزلة الفرقة الكلامية المشهورة بأصولها الخمسة وإنما كانوا أسلاف الصوفية وأخذوا اسمهم من موقفهم من الصراع الاجتماعي الدائر في زمانهم والقائم على اعتزال القوى المتصارعة وبناء على هذا كانت المرحلة الأولى في نشأة التصوف هي مرحلة الزهد وهي الواقعة في القرنين الأول والثاني الهجري فكانوا اتساقاً مع خصائص هذه المرحلة أفراداً لهم طريقة زهدية تتصل بالمأكل والمشرب والملبس ومن هؤلاء الحسن البصري المتوفى 110هـ ورابعة العدوية. ويميز ابن الجوزي بين الزهد ومرحلة التصوف في قوله الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجب إلى إفرادهم بالذكر والتصوف طريقة ابتدءوها الزهد الكلي.(1)
2) منذ القرن الثالث للهجرة نجد الصوفية عنوا الكلام في دقائق أوائل الناس والسلوك وغلب عليهم الطابع الأخلاقي ونشأ علم للتصوف يتميز عن علم الفقه له لغته الاصطلاحية الخاصة التي لا يشارك الصوفية فيها غيرهم يقول ابن خلدون “فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من هذه الطريقة في طريقهم فنمهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس في الأخذ والترك كما فعل القشيري في الرسالة والسهروردي في كتاب (عوارف المعارف) فصار علم التصوف في الملة علماً مدوناً بعد أن كانت طريقة عبادة فقط.
3) ومن ناحية أخرى نجد بعد شيوخ التصوف في القرنين الثالث والرابع كالجنيد والسري السقطي والحراز يجمعون حولهم المريدين من أجل تربيتهم فتكونت لأول مرة الطرق الصوفية في الإسلام وكان أيضاً نوع من التصوف الفلسفي يمثله الحلاج الذي أعدم لمقالته في الحلول 309هـ.
4) ثم جاء الإمام الغزالي في القرن الخامس الهجري وأرسى القواعد من جديد من التصوف يساير أهل السنة على مذهب الأشاعرة الكلامي ويخالف تصوف الحلاج والبسطامي ومنذ القرن السادس الهجري أخذ التصوف السني في العالم الإسلامي يزداد بتأثير الغزالي وظهر صوفية كونوا طرقاً لتربية المريدين منهم أحمد الرفاعي المتوفى 570هـ وعبد القادر الجيلاني المتوفى 651هـ.
5) كما ظهر منذ القرن السادس مجموعة من شيوخ التصوف الذين مزجوا التصوف بالفلسفة ومنهم السهروردي صاحب حكمة الإشراق المقتول 549هـ والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي المتوفى سنة 638هـ وابن السبعين المتوفى 669هـ وقد أخذوا من المصادر الأجنبية كالفلسفة اليونانية وخاصة الأفلاطونية المحدثة.
6) غير أنه منذ دخول الأمم والشعوب المسلمة لمرحلة الاستضعاف وكمقدمة لها أصاب التصوف شيء من التدهور (منذ القرن الثامن الميلادي وحتى العصر الحاضر) فاتجه أصحابه إلى الشروع والتلخيصات لكتب المتقدمين وتوقف الاجتهاد فيه كما عني أصحابه من الناحية العلمية بضروب من الطقوس والشكليات أبعدتهم من جوهر دعوتهم. ولعل ابن تيمية يشير إلى بداية هذه المرحلة بتميزه بين طبقات الصوفية وقد صارت الصوفية ثلاث طبقات صوفية الحقائق فهم الذين وصفناهم صفية الأرزاق فهم الذين وقفت عليهم الخوانق والوقوف فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل التصوف وأما صوفية الرسوم فمنهم المقصودين المقتصرين على التشبه بهم في اللباس والآداب الوصفية فهم بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم”.(1)
7) وفي الفترة الحديثة والمعاصرة ظهر بعض المفكرين الذين دعوا إلى إصلاح التصوف وتخليصه من الشوائب التي علقت به في مراحله المتأخرة منهم محمد عبد وابن باديس.
اقسام التصوف
قسم الباحثون التصوف إلى:
1) التصوف السني:
ا. الحنبلى: ومن اهم ممثليه الامام الهروى وابن القيم فى كتابه”مدارج السالكين” لكن هذا المذهب لم يكتب له الاستمرار بفعل الصراع بين الحنابله والصوفيه.
ب.الاشعرى:ويستند إلى المذهب الأشعري واهم اعلامه الامام الغزالى.
2) التصوف الفلسفي: يستند إلى مفاهيم وعقائد أجنبية وينقسم إلى عدة مذاهب:
أ. مذهب الحلول: مضمونه إمكانية حلول روح الله تعالى في الإنسان وينسب الى الحلاج في كتاب الطواسين.
ب. مذهب الاتحاد: مضمونه إمكانية اتخاذ الذات الإنسانية بالذات الإلهية وينسب البسطامي.
ج. مذهب وحدة الوجود: ومضمونه أن هنالك وجود حقيقي واحد هو وجود الله تعالى أما وجود المخلوقات فهو وهمي مصدره خداع الحواس وينسب الى ابن سبعين.

تقويم : تسميه التيار الثاني بالفلسفي غير موفقه لان الاسم يوحى بالتعارض المطلق بين الفلسفة والدين بينما هناك مواقف ومذاهب تتعارض مع الدين وأخرى تتفق معه.كما يوحى ان مصدر كل هذه المفاهيم هو الفلسفة وهو غير صحيح فكثير منها يرجع إلى الديانات الشرقية القديمة.
وعلاقة التصوف الاسلامى بقسميه بالفكر الانسانى هي علاقة تأثير متبادل لكن طبيعة هذا التأثير تختلف طبقاً لقسمي التصوف: ففي حين أن التيار الذي أطلق عليه اسم (التصوف الفلسفي) انطلق من مفاهيم مستمدة من المصادر الأجنبية أي أن عملية الأخذ والتنمية والتطوير لم يكن بعد الانطلاق من المفاهيم الإسلامية إنما تالياً لها. نجد أن التيار الذي يطلق عليه اسم (التصوف السني) كما عند الإمام الغزالي مثلاً انطلق أولاً من المفاهيم الإسلامية ثم تأثير في صياغته لهذه المفاهيم بمصادر غير إسلامية..
و القولبالحلول او الاتحاد او وحدة الوجودالإسلام يتعارض مع التصور التنزيهى لله تعالى الذي مضمونه أن وجوده تعالى مطلق عن قيود الزمان والمكان لا تتوافر للإنسان امكانيه معرفته بحواسه وعقله .
فضلا عن ان التصورالتنزيهى يدعم التطور او الترقي الروحي (الذي مضمونه اتخاذ الله تعالي غاية مطلقة واتخاذ صفات ألوهيته مثل عليا -قيم-مطلقه يسعى الإنسان لتحقيقها في الأرض )،دون ان يلغى التطور المادي اى البعد المادى للإنسان ،فهو يمد ألذات الانسانيه بإمكانيات غير محدودة للتطور، لأنه لا تتوافر لهذه ألذات إمكانية التحقيق النهائي لها ،فضلاً عن تجاوزها، يقول ابن القيم (فإن السالك لا يزال سائراً إلي الله تعالى حتى يموت ولا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي). بخلاف القولبالحلول او الاتحاد او وحدة الوجود لانه يترتب عليه القول بان لهذا التطور أو الترقي الروحي نهاية ، اى انه تتوافر للذات الانسانيه امكانيه التحقيق النهائي لهذه الغاية المطلقة أو المثل العليا – القيم المطلقة وبالتالي يترتب عليه إلغاء الترقى أو التطور المادى اى البعد المادى للوجود الانسانى.
والقول بوحدة الوجود يترتب عليه إنكار الموضوعية ،اى إنكار أن للعالم وجود مستقل عن الوعي غير متوقف عليه وسابق عليه فى الوجود.
الحكمه والتصوف الاسلامى: والتصوف الاسلامى هو فلسفه الترقى الروحي الاسلامى ،وهو على هذا الوجه احد انماط الحكمه، لكن الحكمه تتحقق على أكمل وجه ممكن لها من خلال الموقف النقدى منه.
خاتمه: نتائج وتوصيات
· تجاوز الموقف الشكلي من تأصيل الفلسفة ،والقائم على الاكتفاء بإطلاق أسماء إسلاميه على فروع الفلسفة، إلى تناولها من حيث المضمون.
· اتخاذ إسهامات فلاسفة الإسلام في مجال الفلسفة نقطة بداية لا نقطة نهاية لعمليه التأصيل.
· تجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال الفلسفة، إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية ورفض ما يناقضها.
· التأكيد على أن علاقة الفلسفة بالدين هي علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل).
· التأكيد على أن الفلسفة والفكر الإسلاميين يتصفان بالوحدة والتنوع.
· تفعيل دور الفلسفة في تنقية التصورات والمفاهيم الشعبية من التصورات الخاطئة والأفكار ذات الجذور الخرافية والأسطورية

(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 363.

(2) الأيحي، الموقف. ص 10.

(3) الأيحي، الموقف، ص10.

(1) التهاوي، مجمع السلوك، ص20.

(2) التفتزاني، شرح العقائد، ص11.

(3) د. عطية أبو عازر، علم الكلام، مطبعة جامعة النيلين، ص5.

(1) د. زينب الخضيري، أثر ابن رشد في الفلسفة في العصور الوسطى، دار التنوير، ص111.

(1) ابن المرتضى، المنية والأمل، ص12.

(1) ابن عبد البر، مختصر جامع بيان العلم وفضله، ص155.

(2) ابن تيمية، تفسير سورة الإخلاص، ص71.

[1]علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، خطبة 157.

[2] تفسير ابن كثير،الايه7:العمران،

[3]الإمام السيوطى،الإتقان في علوم القرآن،4-9.

[4]الإمام السيوطى،المرجع السابق، نفس المكان.

[5] مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الاسلامى.ص65.

[6] محمد الخضري، أصول الفقه، طبعه ثانيه، مصر ،1933،78.

(1) محمد البيهلي ، الحقيقة التاريخية للتصوف، ص10.
(2) ابن نعيم، حلية الأولياء، ص337.

(1) عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، ص15

(1) د. أبو الوفاء التفتزاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، ص25-31.

(1) ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص171-175.

(1) ابن تيمية، مختصر الفتاوى

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s