عن التراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدولة

عصمت-سيف-الدولة-220x300

عن التراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدولة

.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com

تمهيد : يتضمن التراث الفكري ، للمفكر العربي الدكتور عصمت سيف الدولة، ثلاثة مستويات  هي:

أولا المستوى الفلسفي : ويتضمن جانب سلبي يتضمن نقده للفلسفات الغربية الاساسيه(الماركسية، الليبرالية،الوجودية…)،كما يتضمن جانب ايجابي يتضمن ما اسماه الفلسفة الانسانيه والمفاهيم الفلسفية المتصلة بها.

الفلسفة الانسانيه: حيث ينطلق التراث الفكري للدكتور عصمت سيف الدولة – على المستوى الفلسفي- من ما اسماه الفلسفة الانسانيه والتي عرفها بأنها (…تعنى الانطلاق من الإنسان كحقيقة أولى (كما هو)، كائن متفرد نوعيا بأنه وحده من الذكاء والمادة) (د.عصمت سيف الدولة، النظرية،ج2،ص83).

 الميتافيزيقا : وطبقا لهذه الفلسفة الانسانيه يرفض الدكتور عصمت سيف الدولة إحدى دلالات مصطلح الميتافيزيقا، مضمونها (بحث العقل في ما وراء الطبيعة”عالم الغيب” دون الاستعانة بالوحي) ، ويلزم منها الخلط بين الميتافيزيقا والفلسفة والمنهج حيث يقول ( فهي – اى الفلسفة الانسانيه-من ناحية أولى ترفض إقحام المقولات الميتافيزيقية على علم الاجتماع ،فتستبعد من مجال البحث فيه محاوله الاجابه على السؤال أيهما وجد أولا المادة أم الفكر ،على أساس أن هذا السؤال لم يحسمه البحث العلمي، ومادام كذلك فهو لا يزال في نطاق الأبحاث الميتافيزيقية)(د.عصمت سيف الدولة، النظرية،ج2،ص83). ولكنه في ذات الوقت لا يرفض كل دلالات مصطلح ميتافيزيقا أو يدعو إلى فصل الميتافيزيقا عن الفلسفة والمنهج ، بل يمكن القول بأنه يقبل دلاله معينه لمصطلح الميتافيزيقا تتجاوز كل من موقفي الفصل والخلط ، إلى موقف جدلي يقوم على التمييز(لا الفصل)والوحدة(لا الخلط) بين الميتافيزيقا والفلسفة والمنهج، ومضمونها (الإيمان بالغيب كمصدر للمعرفة، والوحي كوسيلة لمعرفته ،يحدد ولا يلغى عالم الشهادة كمصدر للمعرفة، والحواس والعقل كوسائل لمعرفته) ، فعلاقة الميتافيزيقا( طبقا لهذه الدلالة ) بكل من الفلسفة والمنهج  والمذهب هي علاقة تحديد لا علاقة إلغاء،يقول الدكتور عصمت (ذلك أن الإسلام كما هو بدون مذاهب قد جاء للناس في كل زمان ومكان … وما كان له أن يكون كذلك لو لم يكن ما جاء به من شرائع وقواعد وآداب مقصورا على أصول ما يحقق مصالح الناس من حيث هم ناس بدون قيد من الزمان والمكان، أما ما دون ذلك من شرائع وقواعد وآداب تقتضيها مصالح الناس المتغيرة المتطورة تبعا لتغير فى المكان والتطور فى الزمان ،فقد تركها الإسلام لأصحاب المصلحة فيها يضعونها على الوجه الذى يتفق مع مصالحهم المتغيرة المتطورة على هدى ما جاء به الإسلام في القران) (د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، ص374). واتساقا مع هذه الدلالة لمصطلح الميتافيزيقا يشير الدكتور عصمت سيف الدولة إلى المفاهيم القرانيه الكلية الثلاثة(التوحيد والتسخير والاستخلاف)، والتي يمكن أن تشكل الأساس العقدي – الديني للفلسفة الانسانيه في الحضارة الاسلاميه ،حيث يقول عن مفهوم التوحيد (قرون نحن نتعلم ونعلم ،وتوحي لنا امهاتنا ،ونوحي إلى أبنائنا أن الله الواحد القادر على كل شيء، ذا الاراده المطلقة، ليس من البشر وليس كمثله شي، لينفى لنا التوحيد نفيا قاطعا وجود الهه من البشر، قادرين على أن يرفعوا إرادتهم فوق اراده البشر)(د.عصمت سيف الدولة ، الطريق،ج1،ص 162). ويقول عن مفهوم الاستخلاف(ومن هنا كان الاهتمام الفذ الذى يوليه القران للإنسان في آيات آمره ناهيه مرشده مذكره محذره تستهدف جميعا تقويم إنسان ليكون صالحا لدور القائد لحركه التطور الاجتماعي على الأرض التي استخلف فيها)(د.عصمت سيف الدولة ، النظرية،ج1 ص90). ويقول عن مفهوم التسخير(ثلاثة عشره قرنا ونحن نسمع ونقرا في الطفولة والشباب ، والى آخر العمر ما يمدنا كبشر بعصارة التفوق ،ويغذى في نفوسنا كبرياء الإنسان، كل شي مسخر للإنسان، أن الأرض بجبالها وأنهارها وكنوزها ،والسماء بشموسها وأقمارها كل هذا من اجلنا نحن بني الإنسان)(د.عصمت  سيف الدولة ،الطريق، ج1 ،ص162).

المعرفة: يرى الدكتور عصمت سيف الدولة أن المعرفة هي عمليه جدليه ، قائمه على الانتقال من الموضوعي (المشكلة العينية)إلي الذاتي (الحل المجرد)إلي الموضوعي (الواقع) مرة أخرى من أجل تغييره. كما أشار إلى وسائل المعرفة الاساسيه وهى: أولا: الإحساس: وهى معرفه تلقائية للوقائع المحيطة بالإنسان عن طريق ما تنقله الحواس.ثانيا: الإدراك المجرد ويتضمن:ا/ التصور: وهو أعاده تشكيل عناصر الواقع في صوره جديدة هي الغاية أو المثل الأعلى، ب/التذكر: وهو استرجاع وقائع الماضي،ج/الإدراك: وهو معرفه العلاقة بين مفردات الواقع على الوجه الذى تنقله الحواس .ثالثا: الوحي: وهو يحدد المعرفة الانسانيه ولا يلغيها فيكملها ويغنيها، حيث يحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها، وطرق العلم بها، ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها ،وأسلوب العمل اللازم لحلها.

 ثانيا المستوى المنهجي: ويتضمن جانب سلبي يتضمن نقد الدكتور عصمت سيف الدولة لمناهج المعرفة الغربية الاساسيه (كالمنهج الجدلي بشكله المثالي كما عند هيجل ، وشكله المادي كما عند ماركس، والمنهج الليبرالي…)،كما يتضمن جانب ايجابي يتضمن ما اسماه منهج جدل الإنسان ومضمونه إسناد الجدل (التطور من خلال صراع المتناقضات) للإنسان وليس المادة (كما في المادية الجدلية عند ماركس) أو الفكر (كما في المثالية الجدلية عند هيجل )،وطبقا له فان النقيضين في الإنسان هما الماضي والمستقبل ، وتتسق الحركة الجدلية من خلال الخطوات الثلاثة هي: المشكلة:اى التناقض بين الواقع وغاية في الذهن،فالحل:اى إلغاء التناقض بينهما في الذهن ، ثم  العمل:اى إلغاء التناقض بينهما في الواقع بتنفيذ الحل في الواقع. كما يشير الدكتور عصمت سيف الدولة إلى شكل تكليفي للجدل،يحدد شكله التكويني السابق الذكر ولكن لا يلغيه، وقد عبر عنه بمصطلح جدل الأديان حيث يقول (غير أن بعض الأديان تتجاوزه شمولا وسموا في الوقت ذاته، لأنها تجمع في حركه جدليه واحده كل ماضي الإنسان منذ وجوده الأول، في مواجهه مستقبله كله حتى نهاية الوجود … وبهذا الفارق فى الشمول بين جدل الإنسان وجدل الأديان يرتفع الدين على ان يكون محلا للاختبار)(د.عصمت سيف الدولة،الأسس، ص 238-239).

ثالثا المستوى المذهبي: ويتضمن جانب سلبي ويتضمن نقد المذاهب السياسية الغربية الاساسيه (كالنظرية السياسية الليبرالية والنظرية السياسية الماركسية…)،كما يتضمن جانب ايجابي يتضمن  ما اسماه نظريه الثورة العربية بأركانها الثلاثة المنطلق(الامه) والغايات(الحرية والاشتراكية والوحدة) والوسيلة(التنظيم الواحد).

العروبة والإسلام:  وفى كتابه (عن العروبة والإسلام) يقرر الدكتور عصمت سيف الدولة  أنه لا تناقض بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه، والإسلام كعلاقة انتماء إلى دين، كما يقرر أن الإسلام هو الهيكل الحضاري للامه العربية، فضلا عن تقريره وجوب أن يكون نظام دوله الوحدة هو النظام الاسلامى، كما يقرر في دراسات أخرى أن المذهب السني بتفريعاته المتعددة هو جزء من البنية الحضارية للامه العربية حيث يقول . (فالامه العربية مثلا وهى أمه كامله التكوين التاريخي والاجتماعي، تغلب عليها آراء أهل السنة في مسالة الخلافة أو الامامه أو الحكم ) (الجريدة الناصرية، فيلسوف القومية الدكتور عصمت سيف الدولة).

موقفه من  العلمانية: بناءا على ما سبق فان الدكتور عصمت سيف الدولة يرفض العلمانية باعتبارها شكل من أشكال التغريب ، حيث يقول في كتابه (عن العروبة والإسلام ) أن العلمانية( اخطر أشكال مناهضه الإسلام بالعروبة  نفاقا وأكثرها اتقانا)( عن العروبة والإسلام ، ص186) ، وان (للعلمانية نظاما وللإسلام نظاما وهما لا يلتقيان في أكثر من وجه) (عن العروبة والإسلام، ص240)، وان ( جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين ، هو أن تستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام ،شرائع وقواعد وآداب وضعيه) (عن العروبة والإسلام،ص423) .

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s