فقه التغيير:عن الجدل الفقهي حول ثوره الشباب العربى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فقه التغيير:عن الجدل الفقهي حول ثوره الشباب العربى

 

د.صبري محمد خليل

 

التغيير بين الإصلاح والثورة في الفكر السياسي الاسلامى

التغيير: التغير لغة اشتقاق من ماده (غَيَّرَ) والتي تدور على أصليْن: الاول إحْداث شيء لم يكن قبلَه. والثاني انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى ( التعريفات، الجرجاني، باب التاء، مادة التغيير – التغير) و (لسان العرب، ابن منظور، حرف الراء، مادَّة غير).

أما اصطلاحا فهو تحول بدون اضافه ( تغير)، او من خلال الاضافه(تغيير).

وقد اعتبر منهج المعرفة الاسلامى ان التغير هو سنه إلهيه كليه تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف:

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ)..

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مكين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ).

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11].

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الأنفال: 53].
غير ان التغير كقانون نوعى يضبط حركه نوع معين من أنواع الوجود ، هو الذى يحدد لنا شرط فعالية التغير كقانون كلى فيه، فهو يأخذ شكل تحول بدون اضافه في الطبيعه المسخرة ( تغير) كما فى الآيتين الأولى والثانية. كما يأخذ شكل تحول من خلال الاضافه عند الإنسان المستخلف( تغيير ) كما فى الآيتين الأخيرتين.

ويأخذ التغيير في منهج المعرفة الاسلامى شكل تكويني يتمثل في حل الإنسان لمشاكله المتجددة من خلال ثلاثة خطوات هي المشكلة ، الحل ، العمل. وشكل تكليفي يحدد الشكل التكويني السابق فيكمله ولكن لا يلغيه، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته، حيث يحدد نوع المشاكل التي يواجهها الإنسان، وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها، وأسلوب العمل اللازم لحلها.

انماط التغيير: والتغيير كسنه إلهيه قائم على السببية ، اى تحقق المسبب (الأثر) بتحقق السبب(العلة)، وتخلفه بتخلف السبب (العلة) .  وبناءا على هذا فان  سنه التغيير الالهيه يمكن تعويق فاعليتها (بعدم الالتزام بأسبابها وعللها) ، ولكن لا يمكن إلغاء حتميتها( اى لا يمكن الغاءعلاقه التلازم بين عللها وأثارها )، وبناءا على هذا فان للتغيير نمطين ، النمط الاول  هو الإصلاح ، وهو نمط التغيير الاساسى (الأصل) فى منهج التغيير الاسلامى، لأنه تعبير عن اضطراد التغيير كسنه إلهيه ، كما انه تعبير عن المشاركة كسنة إلهية تضبط العلاقة بين الناس مضمونها تبادل العلم بمشكلة مشتركة ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمشكلة ، وقد عبر القران عنها  بمصطلحات ايجابيه كالتأليف(واذكروا نعمه الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )(13: آل عمران) والتعاون( وتعاونوا على البر والتقوى )(2: المائدة)و الموالاة (المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(7: التوبة) . والنمط الثاني هو الثورة ، وهو نمط التغيير الثانوي (الفرع) في منهج التغيير الاسلامى، لأنه يجئ كمحصله لمحاوله تعويق فاعليه سنه التغيير إلهيه. ولانه تعبير عن الصراع الذى يوجد عند تعطل فاعليه المشاركة كسنه إلهيه ، فهو عقبه أمام التطورالاجتماعى من خلال حل المشاكل المتجددة وغايته إلغائه ، وقد عبر عنه القران  فى كثير من المواضع بمصطلحات سالبه منها البغضاء( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)(91: المائدة) والعدوان(ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (2: المائدة).

الإصلاح: وردت الاشاره إلى مصطلح الإصلاح فى القران الكريم كما فى قوله تعالى (ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت)(هود:88). والمفهوم الاسلامى للإصلاح هو التغيير  من خلال نظام قانوني تتوافر  فيه امكانيه التغيير ، فهو تغيير تدريجي جزئي سلمى  يتم من خلال نظام قانوني تتوافر له الشرعية التكليفيه (نظام قانوني اسلامى)والتكوينية( السلطة فيه جاءت من خلال بيعه  صحيحة باعتبارها عقد اختيار لم يدخله إجبار، وهى نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها)، فهو شكل من أشكال مراقبه السلطة.

 ومن أدله الإصلاح اى التغيير التدريجى  السلمي وأولويته كنمط التغيير قوله صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس بعد ذلك من الإيمان شيء) (صحيح مسلم رقم 78).

ويأخذ الإصلاح كنمط للتغيير أشكال عده أهمها التقويم الذى عبر عنه ابوبكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). والتقويم يعبر عن موقف يتجاوز كل من موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على اخذ  وقبول الصواب، ورد ورفض الخطأ،  فهو نقد للسلطة لتقويمها اى بهدف الكشف عن أوجه قصورها عن أداء دورها .

 ومن أشكال الإصلاح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(لدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه … بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
الثورة : وردت الاشاره إلى مصطلح الثورة بمعناه اللغوي اى القلب  فى القران الكريم  كما فى قوله تعالى(لا ذلول تثير الأرض)(البقرة:71) (اى لا تقلبها بالحرث القلب الذى يغيرها فيجعل عاليها سافلها)، وكما في قوله تعالى(كانوا اشد منهم قوه واثأروا الأرض وعمروها)(الروم:9) (اى قلبوها وبلغوا عمقها). أما المفهوم الاسلامى  للثورة فهو  التغيير خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر فيه امكانيه التغيير. فهو تغيير فجائي وكلى يتم خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر له الشرعية التكليفيه والتكوينيه ، ورغم استخدام بعض المتقدمين لمصطلح الثورة في التاريخ الاسلامى كقول ابن الأزرق عندما دعا اصحابه إلى الحاق بثوره عبد الله بن الزبير بمكه لنصرتها والدفاع عن بيت الله الحرام(وهذا قد من قد ثار بمكه فاخرجوا بنا نات البيت ونلق هذا الرجل) (محمد عماره ،الإسلام وضرورة التغيير، كتاب العربى، 1997 ،ص 11-17) إلا انه قد عبر عن الثورة بمصطلحات أخرى كخلع السلطان الجائر.

التغيير وأنماطه عند أهل السنة: أما أهل السنة فهم يتفقون على وجوب الإصلاح( التقويم والنصح…) كنمط اساسى للتغير، كما اتفقوا على وجوب الثورة كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعية التكليفيه( ككفر الحاكم اوعدم التزامه بالشرع مع إنكاره له) لورود النصوص الدالة على ذلك  ومنها عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذعلينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)( صحيح البخاري رقم 6647)، ولكنهم اختلفوا فى الثورة كنمط للتغيير في حاله انتفاء الشرعية التكوينية( كالبيعة التي يدخلها إجبار او الإمام الظالم او الفاسق) إلى مذهبين :

المذهب الاول (عدم الجواز) : يرى عدم الجواز الثورة على الحاكم الظالم اوالفاسق ، ويستدل بادله منها قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )﴿النساء: ٥٩﴾. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ) ، قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال ( لا ما صلوا ) (صحيح مسلم رقم 4907).

يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28 ) . ويقول الامام الأشعري( و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لا يخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين  323) .

و هذا المذهب مبنى على  سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسده المترتبه على خلع الحاكم الظالم ، والمتمثلة  في الفتنه والفوضى التى  قد تلزم من خلعه، على المصلحة المتحققة من خلعه .

يقول البزدوي ( إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة  الفتن و الفساد فيالعالم)( أصول الدين 190 )
يقول النووي ( قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليهما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزلهأكثر منها في بقائه ) (شرح صحيح مسلم 12\229 [31)
المذهب الثانى(الجواز) :  يرى جواز الثورة على الحاكم الظالم او الفاسق ، ويستدل بادله منها قوله تعالى ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )﴿آل‌عمران: ١٠٤﴾.  ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [39]. قال ابن رجب معلق على هذا الحديث : ( وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد ) [40].
ومنها ما روى  عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار( أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين ) فسكتوا فقال ذلك مرتين ، أو ثلاثا ، فقال بشر بن سعد‏( لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح ) ‏(‏القدح ‏:‏ ومنه الحديث ‏”‏ كان يسوي الصفوف حتى يدعها مثل القدح ‏”‏ أي مثل السهم أو سطر الكتابة‏.‏ النهاية ‏(‏4/20‏)‏ ب‏)‏، فقال عمر‏(أنتم إذن أنتم إذن ) ( كنز العمال لعلاء الدين بن الهندي 5 / 687 . العقد الفريد 2 /100 فيض القدير شرح الجامع الصغير 2181 ( 2 / 416 )
يقول الإمام الجصاص  وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن للجصاص 61 ).

و ذكر ابن العربي  من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن)

وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية ) من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة).
ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311).

ويقول الإمام ابن حزم ( وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة. … وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم. فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكراً(.

ومن الواضح ان  الحكم بالمنع او الإيجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الاول كما ذكرنا قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسده المترتبه على خلع الحاكم الظالم على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثانى بالإيجاب فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم  من خلعه. وبناء على ما سبق فان الحكم بمنع او  إيجاب الثورة على الحاكم الظالم اوالفاسق هو اجتهاد لان مصدره قاعدة سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادرالشريعه التبعية ، و ليس أصل من اصول الدين، والتي لا يباح الخلاف  فيها، والتي مصدرها مصادر الشريعة الاصليه. ويمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان الحكم بالمنع او الايجاب إنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الظالم ، او المنفعه التي قد تتحقق من ذلك، وبالتالي الحكم بالمنع على درجاته من كراه او تحريم حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك، والحكم بالإيجاب على درجاته من اياحه واستحباب ووجوب حسب المصلحة التي قد تتحقق من ذلك.
، والمذهب الذى نرجحه ، والذي يجمع بين مضمون مذهبي أهل السنة ، هو تقسيم الحكم على خلع الحاكم الظالم إلى: حكم أصلى هو الايجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من خلعه ،ودرء  المفسدة التي قد تلزم من ذلك  دون المنع، بالالتزام بجمله ضوابط التكليفيه والتكوينيه منها توافر القدرة لقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ ، و نبذ العنف إلا دفاعا عن النفس ، واستخدام الوسائل السلمية فى التعبير لدخول ذلك فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ ، وعدم اللجوء إلى التخريب لدخول ذلك فى عموم النهى عن الإفساد في الأرض﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾َ ، وعدم الاستعانة بالاجنبى الا للضرورة  لاتفاق الفقهاء على ذلك ، ولمخالفته حكم ان الجهاد يكون فرض عين اذا دخل العدو ارض الإسلام ، والالتزام بوحدة الصف والبعد عن التفرق لقوله تعالى﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾… وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من خلعه ،ودرء  المفسدة التي قد تلزم من ذلك .

 

منهج التغيير الإسلامي

منهج التغيير الإسلامي يهدف إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان، من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار: السياسي،الاقتصادي،الاجتماعي،الحضاري… و الذى يمثل ما هو كائن  ، إلى الاستخلاف بكل أشكاله: السياسية،الاقتصادية،ألاجتماعيه،الحضارية… والذي يمثل ما ينبغي ان يكون، وأدلته قوله تعالى﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ وقوله تعالى ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمه ونجعلهم الوارثون﴾.

حول قاعدة التدرج: وهذا التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، الى ما ينبغي أن يكون استنادا إلى قاعدة التدرج التي قررها الإسلام،وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:

أولا: التدرج فى التشريع: اى التدرج فى بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم او من الندب إلى الوجوب…)،ومن أشكاله التدرج فى بيان درجه الإلزام فى شرب الخمر من الاباحه عند قوله  تعالى{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67], إلى الكراهة عند قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219], و قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43], الى التحريم عند قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوة بوفاة الرسول(ص).

التدرج فى التطبيق: اى التدرج فى تطبيق القاعدة الشرعية وليس في بيان  درجه الإلزام في القاعدة  الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاعهما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خيرا لحاكمين )(حلية الأولياء  5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128)

مرحله الممكن( الاستطاعه): وهذه المرحله لها مستويان:

المستوى الاعتقادى: المستوى الاصلى لهذه المرحلة هو المستوى الاعتقادى، ذلك ان منهج المعرفة الإسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل والإيمان على العمل (الا الذين امنوا وعملوا الصالحات), وبالتالي فانه طبقا له فان  تغيير الفكر سابق على تغيير الواقع.

وقد عبر البعض عن هذا المستوى ايضا بمصطلح الدعوه ، وهنا يجب ملاحظه  ان الحديث هنا عن الدعوه كمرحله لا كفرض اذ أن الدعوة كفرض باقية إلى يوم الدين، وأن الدعوة هنا ليست دعوة كفار أو مشركين إلى الإسلام  ، بل دعوة للمسلمين بالارتقاء من بواقعهم مما هو كائن(الاستضعاف- الاستكبار) الى ماينبغى ان يكون(الاستخلاف)  ، كما ان  هذه الدعوة ليست فردية بل هى دعوة اجتماعية منظمة، اى تتم عبر جماعه ،  ودليل ذلك بيعة النصح لكل مسلم في السيرة  ، التي هي جزء من بيعة المسلمين للرسول (ص) على أعمال الإسلام ، فقد أخرج أبو عوانة في مسنده الجزء الأول أن جرير بن عبد الله تحدث يوم مات المغيرة بن شعبة فقال (أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له فإني بايعت بيدي هذه على الإسلام واشترط على النصح لكل مسلم فورب الكعبة إني ناصح لكم أجمعين) (أخرج البخاري أتم منه، الجزء الأول). وإذا كانت هذه البيعة للرسول (ص) فإن كل مسلم مأمور بالنصح كشرط للإسلام.

ولهذا المستوى مضمون سالب هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى (المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى)، كما ان له مضمون ايجابي  هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي (المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي).

المستوى العملى:  المستوى الفرعى لهذه المرحله هو المستوى العملى ، اى مرحله الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن وادلته: تقرير القران والسنه لقواعد الاستطاعه  قال تعالى (فَاتّقُواْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ) وقال (ص) ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ماستطعتم )(متفق عليه) ورفع الحرج قال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]. والوسع قال تعالى(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286] يقول ابن كثير) وَقَوْله ” لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ” أَيْ لَا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ وَهَذِهِ هِيَ النَّاسِخَة الرَّافِعَة لِمَا كَانَ أَشْفَقَ مِنْهُ الصَّحَابَة فِي قَوْله ” وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه ” أَيْ هُوَ وَإِنْ حَاسَبَ وَسَأَلَ لَكِنْ لَا يُعَذِّب إِلَّا بِمَا يَمْلِك الشَّخْص دَفْعه فَأَمَّا مَا لَا يَمْلِك دَفْعه مِنْ وَسْوَسَة النَّفْس وَحَدِيثهَا فَهَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ الْإِنْسَان وَكَرَاهِيَة الْوَسْوَسَة السَّيِّئَة مِنْ الْإِيمَان).

مرحلة ما ينبغى ان يكون( العزم) : و من ادلتها قوله تعالى(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الامور)( لقمان: 17) وقوله تعالى( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) يقول ابن كثير( قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَعْنِي لَمِنْ حَقّ الْأُمُور الَّتِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهَا أَيْ لَمِنْ الْأُمُور الْمَشْكُورَة وَالْأَفْعَال الْحَمِيدَة الَّتِي عَلَيْهَا ثَوَاب جَزِيل وَثَنَاء جَمِيل)

 المستوى العملي: وهو المستوى الاصلى  لهذه المرحلة وهي مرحلة انبثاق جماعة من القاعدة المسلمة التي كونتها جماعة الدعوة.هذه الجماعة لها مهمة تحرير الأمم والشعوب المسلمة من كافة أشكال الاستضعاف_ الاستكبار الاقتصادي والسياسي والعالمي وقيادتها إلى مرحلة الاستخلاف بالاحتكام إلى هذه الأمم والشعوب لا بالوصاية عليها وأدلة ذلك:قال تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (الأنفال: 72)، فالآية ميزت بين جماعة الدعوة (الذين آمنوا ولم يهاجروا)، وجماعة التمكين (المهاجرين).وفي السيرة تبدأ مرحلة التمكين ببيعتي النصرة للأنصار والهجرة للمهاجرين وتستمر حتى تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلي ذلك.أخرج الإمام عن جابر قال: مكث رسول الله (ص) في مكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم وفي سوق عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول: “من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة … فتقدم سبعين رجلاً من الأنصار وبايعوه…. قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ….. وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة” (إسناده جيد على شرط مسلم)، فالبيعة دليل على أن جماعة التمكين مستقلة (تنظيماً) عن جماعة الدعوة وإن كانت متحدة (عقائدياً) معها.

المستوى الاعتقادى: وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة ومن أدلتها قوله تعالى(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122)

مفهوم الثورة بين العلم والفلسفة والدين

تعريف الثورة : الثورة لغة الهيجان والوثوب والظهور والانتشار والقلب ، ورد في لسان العرب (ثار الشيء ثورا وثورا وثورانا وتثور هاج… وثار إليه ثورا وثؤرا وثورانا وثب… وثار الدخان وغيرهما يثور ثورا وثؤورا وثورانا ظهر وسطع ) ويقول الطبري ( ثار يثور وثورانا إذا انتشر في الأفق ) .ويقول تعالى (لا ذلول تثير الأرض)(البقرة:71) (اى لا تقلبها بالحرث القلب الذي يغيرها فيجعل عاليها سافلها)، و(كانوا اشد منهم قوه واثأروا الأرض وعمروها)(الروم:9) (اى قلبوها وبلغوا عمقها).

أما المصطلح اللاتيني  Revolution  فهو تعبير فلكي الأصل شاع استعماله بعد أن أطلقه العالم  البولندي كوبر تيكوس على الحركة الدائرة المنتظمة للنجوم حول الشمس والتي لا تخضع لسيطرة الإنسان، وبالتالي تضمن المصطلح معنى الحتمية  (  جابر السكران، الثورة: تعريفها/ مفهومها/ نظرياتها، جريده الجريدة).
أما  الثورة اصطلاحا فقد تعددت تعريفاتها ، بقول  ميرل الثورة هي حركة اجتماعية بها تحل بعنف أسطورة جديدة محل أسطورة قديمة ، ويقول دن الثورة هي تغيير جماهيري سريع وعنيف ، ويقول جورج سوبر بيتي الثورة هي إعادة بناء الدولة ، ويقول  مود الثورة مجرد تغيير في بناء الحكومة ، ويقول شاتوبريان الثورة انقطاع في التاريخ،ويقول بيتي هنتنجتون و نيومان الثورة إبدال القيم…و بالجمع بين ما هو مشترك في هذه التعريفات يمكن تعريف الثورة بأنها التغيير خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر فيه امكانيه التغيير، فهي تغيير فجائي وكلى يتم خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر له الشرعية ، وهي  بهذا تختلف عن  الإصلاح  الذي هو التغيير  من خلال نظام قانوني تتوافر  فيه امكانيه التغيير ، فهو تغيير تدريجي جزئي سلمى  يتم من خلال نظام قانوني تتوافر له الشرعية.

علم اجتماع: تعددت تعريفات علماء الاجتماع للثورة ولكنها تشترك في نقاط عامه منها :أن الثورة تغيير مفاجئ سريع، ذو اثر كبير على الكيان الاجتماعي. و يحطم استمرارية الأحوال الراهنة فيه، حيث يصف هربرت بلومر مثلا الثورة بأنها تبتغي إعادة بناء وتنظيم النظام الاجتماعي كله تنظيما وبناء جديدا. ويرى كارل مانهايم أن الثورة عمل قصدي ، فهي تعني توقع حدوث وقصد إحداث  تحطم في الكيان و التنظيم الاجتماعي الراهن ، فهي ردود أفعال الأفراد على الأحوال غير المرضية في حياتهم الاجتماعية ، ولكن بعد أن تنتظم في عمليات السلوك الجمعي .

 كما اختلف علماء الاجتماع في تحديد الأسباب التي تؤدى إلى حدوث الثورات، حيث يرجح بعضهم الأسباب الغريزية (هربرت ميلر وسروكن) ، ويرجح بعضهم الأسباب الاقتصادية كالبطالة أو الصراع الطبقي (كارل ماركس)  أو الاحتجاج على الضرائب( مريمان) ، ويرجج آخرون الأسباب العقائدية والفكرية–الايديولوجيه- والقيميه ممثله في طهور قيم وأفكار وعقائد جديدة، (دوركايم وبارك) ، كما يرجح بعضهم الأسباب الكارزميه ممثله في ظهور زعامة أو قيادة جديدة (توماس كارلايل وهيغل وسبنسر ) ، كما يرجح  آخرون الأسباب الحضارية ممثله في الاحتكاك الحضاري بين الشعوب، ويرجح آخرون الاسياب الديموغرافيه(السكانية) ممثله في التغيرات التي تطرأ على السكان كالتناقص أو التزايد السريع في السكان (كارلي ) .

 كما يرى علماء الاجتماع أن هناك بعض الظواهر الاجتماعية التي تميز مرحله ما قبل الثورة منها انتشار الاضطراب الاجتماعي(ومن أشكاله ازدياد نسبه الإخلال بالنظام والتمرد عليه ، وارتفاع معدلات الجريمة…) ، وانتشار التشهير بنقائص النظام والتحريض على تغييره ، ويبدأ في هذه المرحلة أيضا تبلور إيديولوجي–فكرى- ثوري يوجه السلوك الجمعي نحو التغيير، و يذهب ادواردز إلى أنه لابد من بروز ظاهرتين في المرحلة التي تسبق الثورة وهما: انتقال وتحول ولاء المثقفين، وتكون الخرافة الاجتماعية (الحلم بتحقيق أوسع أهداف الثورة أو الذهاب بعيدا بها إلى حد التصور بتحقيق حياة مثالية). ويصاحب هذه المرحلة ضعف وانهيار قوة السلطة السياسية الحاكمة..

كما يرى علماء الاجتماع أن الثورة تمر بمراحل متعددة، أهمها مرحلتين:  الأولى منها تلقائية تفتقر إلى التنظيم، وتكون فيها الأهداف ذات طابع عام مجرد. أما المرحلة الثانية فتتميز بالتنظيم الواضح و تبلور الأهداف و ظهور القيادات.

و يتفق فريق كبير من علماء الاجتماع منهم بلومر، داوسون  وهيوز، كشلو، بارك على أن القائد في الثورة في مراحلها الأولى هو من نوع المحرض. وفي المرحلة التي تكتسب فيها الثورة شرعيتها يكون القائد من نوع رجل دولة. وفي المرحلة اللاحقة التي تتبلور فيها الثورة يكون القائد من النوع الإداري.

كما يصنف علماء الاجتماع الثورات إلى أنواع متعددة طبقا لمعايير متعددة، فهي تنقسم طبقا لمعيار التسلح إلى مسلحة وسلميه. وهى تنقسم طبقا لمعيار الحقل الذي تحدث فيه إلى: سياسيه أو حضارية أو صناعية، و تنقسم  طبقا للمعيار المادي التاريخي (الماركسي)إلى ثورات إقطاعيه وبرجوازيه وبروليتاريه وتحرر وطني .. ( د. حاتم الكعبي ، في علم اجتماع الثورة، بغداد ،1959، عرض حميد الهاشمي، يوميه  إيلاف الالكترونية)
الفلسفة : وقد انقسم الفلاسفة إلى تيارين: الأول يرفض الثورة كوسيلة للتغيير ، ومن أعلام هذا التيار مونتسكيو الذي كان يرى أن الطغيان هو النظام الطبيعي في الثورات . و سوروكين الذي كان يصفها بأنها شذوذ وانحراف . و فليب جوستاف لوبون الذي كان يراها جهداً ضائعاً ، لأن المجتمع يمكنه أن يصل إلي ما وصل إليه بالثورة بدون التضحيات و الخسائر التي تطلبتها الثورة .أما التيار الثاني فيأخذ بالثورة كوسيلة للتغيير ومن أعلام هذا التيار كارل ماركس الذي يرى طبقا لمنهجه المادي الجدلي ومحصله تطبيقه في التاريخ (المادية التاريخية ) أن الثورة هي  محاوله لإلغاء التناقض في أسلوب الإنتاج  بين علاقات الإنتاج وأدوات الإنتاج، والذي يعبر عن ذاته في شكل صراع طبقي بين الطبقة السائدة والطبقة المسودة، لذا وتطبيقا لذلك يقول لينين إن العلامة الجوهرية للثورة هي انتقال سلطة الدولة من طبقة لطبقة . وكذلك روبسبير  الذي كان يرى أن الثورة هي حرب الحرية ضد أعدائها .(احمد اراجه، مفهوم الثورة، منتديات الفكر القومي العربي) وهربرت ماركيوز الذى كان يعتقد أن الطلبة هم مستقبل العالم لإحداث التغيير بعدما فشلت الطبقة العاملة التي راهن عليها ماركس فى احداث هذا التغيير. وجان بول سارتر الذى رهن التغيير ايضا بالطلاب حيث يقول عنهم (  تملكون خيالا أخصب من أسلافكم، أمر تفصح عنه تلك الشعارات المكتوبة على الجدران. يتدفق منكم شيء مدهش، مزعزع، يدين كل ما أدى إلى وصول مجتمعنا إلى ما وصل إليه من رداءة. ظاهرة اسميتها حقل الممكنات) .

الدين:

أولا: آهل السنة:اتخذ أهل السنة موقفين من الثورة التي عبروا عنها بمصطلح خلع الحاكم الجائر

 الموقف الأول: منع الثورة على الحاكم الجائر، يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28 ) . ويقول الإمام الأشعري( و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لايخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين  323) . الموقف الثاني :  وجوب الثورة على الحاكم الجائر
يقول الإمام الجصاص  وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن للجصاص 61 ).و ذكر ابن العربي  من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن)
ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311).

 ثانيا: الفرق الأخرى:

 الخوارج: قالوا بوجوب الخروج على السلطان الجائر، فهم يرون أن الثورة هي النمط الوحيد للتغيير، وبالتالي يرجحون كفه الثورة على كل المحاذير، و يرفضون الإصلاح كنمط للتغيير.

 المعتزلة: قالوا أن الخروج على السلطان الجائر إنما يكون بشرطي التمكن ووجود الإمام الثائر.

المرجئة: قالوا بتحريم الخروج على الحاكم الكافر والجائر، ويترتب على مذهبهم انكارالتغيير بأنماطه المختلفة (الإصلاح والثورة)  لأن هذه الفرقة ترجي (تؤخر) عقاب العصاة إلى يوم القيامة. وتقول ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة) أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة.

الشيعة الاماميه: قالوا بعدم جواز الامامه، او الخروج على السلطان الجائر ،  أو صلاه الجماعة…إلا بعد ظهور المهدي، هذا الموقف السلبي حاول الخومينى تعديله ( في المجال السياسي) بقوله بنظريه ولاية الفقيه (الخومينى، الحكومة الاسلاميه، ترجمه حسن حنفي،القاهرة،1975) ، وهى نظريه تلقى معارضه حتى من داخل المذهب الشيعي باعتبارها دخيلة عليه.

 

 

 

 

 

 

 

ثوره الشباب العربي وإبعادها الفكرية

تمهيد: هذه الدراسة هي تحليل منهجي لظاهره الانتفاضات الشعبية شبه المتزامنة ، والتي اندلعت شرارتها الأولى في تونس، ومنها انتقلت الى مصر، وما زالت أثارها تتفاعل ، تلك الانتفاضات الشعبية التي  كان طليعتها الشباب (ومن هنا جاء اسم ثوره الشباب)، وكانت أداه الإعلام بها والتعبئة فيها القنوات الفضائية والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فيه (كالفيسبوك والتوتير واليوتيوب…). هذا تحليل ينظر إلى ثوره الشباب من زاوية كليه نظريه اى  فكريه – فلسفيه. وهذا التحليل على الوجه يكمل – ولا يلغى – النظر اليها من زاوية جزئيه – عينيه اى علميه، متمثله في العلوم ذات  الصلة كعلوم الاجتماع والسياسة والقانون  والعلاقات الدولية والاستراتيجيه… 

لماذا الشباب : الشباب هم شريحة من المجتمع، تندرج تحت إطار مرحله عمريه معينه، لها خصائصها الفسيولوجية والفكرية والوجدانية المشتركة،رغم تباين أفرادها طبقا لمعايير. متعددة.وكما ذكرنا فان تلك الانتفاضات الشعبية رغم أنها عمت اغلب شرائع و فئات المجتمع ، إلا ان الشباب كان طليعتها ، وليست هذه الظاهرة بجديده ، إذ ان الشباب ارتبط دائما بالتغيير، وبالثورة كنمط من انماط التغيير، ومرجع ذلك عده عوامل منها ان الإنسان فى مرحله الشباب يكون أكثر نقاءا ، فأكثر تمثلا للمثل العليا التى تتعلق بما ينبغي ان يكون ، مما يخالطه خلال رحله الحياة بعد ذلك . ومنها إن الآباء والأمهات والأخوة الكبار واقعون نهائياً في قبضة النظم كقادة أو موظفين أو عاملين ، إنهم مربوطون بالعجلة الدائرة بسلاسل من أجل رغيف الخبز . فبرزت حركة الثورة في أكثر قطاعات الشعوب استقلالاً عن مصادر القهر ، وهم  الشباب (الطلاب والخريجين الذين يعانون من البطالة ) .

ارتباط السلطة والرأسمال : قرر كثير من الباحثين ان ثوره الشباب هي ثوره على واقع قائم على ارتباط غير شرعي بين السلطة والرأسمال، فهي ثوره ضد استبداد السلطة والرأسمال في نفس الان ، ومرجع ذلك ان الديموقراطيه الليبرالية  في المجتمعات الغربية اذ تحرر الشعب من استبداد الحاكمين ، لا تضمن عدم استبداد الرأسماليين فيه، لان النظام الراسمالى هو النظام الليبرالي في الاقتصاد، فالديمقراطية الليبرالية  في تلك المجتمعات إذ تضمن  ان تحتفظ للشعب بسلطته في مواجهه الحاكمين ،تأتى الليبرالية – ممثله فى نظامها الاقتصادي اى الرسماليه- فلا تضمن ان يسلب الرأسماليين الشعب سلطته ( د.عصمت سيف الدولة، النظرية ، ج2، ص197-198 ). اما الانظمه التي تعرضت لتلك الانتفاضات الشعبيه فقائمه على النظام الليبرالي فى الاقتصاد  اى الراسماليه التي عبر عنها بأسماء عديدة منها الخصخصة والانفتاح الاقتصادي… فلم تضمن ان يسلب الرأسماليين الشعب سلطته ، وعدم استبدادهم فيه، وفى ذات الوقت لم تلتزم بالنظام السياسى لليبراليه اى الديمقراطية الليبرالية، فلم تضمن  ان يحتفظ للشعب بسلطته فى مواجهه الحاكمين ، و عدم تحرره من استبدادهم . وخرج من رحم هذا الاستبداد المزدوج الفساد .

التناقض داخل النسق الليبرالي: و هناك تفسير لثوره الشباب يقوم على القول بان الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الرأسمالي هما وجهان لعمله واحده  ، لذا عندما يكون الاتجاه العام اقتصاديا الى الرسماليه(كما فى النظم التي قامت فيها ثوره الشباب) لابد ان يصاحب المبادرات الراسماليه مبادرات ديمقراطيه ليبراليه ليكتمل النظام الليبرالي اقتصادا وسياسة فى مرحله لاحقه (د. عصمت سيف الدولة، الأحزاب ومشكله الديموقراطية ،دار المسيرة ، بيروت،ص28). وهذا التفسير هو تفسير صحيح، لكنه  يكون قاصر عندما يركز على تفسير ثوره الشباب باعتبارها محاوله لحل  هذا التناقض الداخلي السابق الذكر(اى تناقض داخل النسق الفكري الليبرالي)، ويتجاهل تفسيرها محاوله لحل تناقض خارجي يمثل في التناقض بين الشكل الليبرالي للاقتصاد( الرسماليه) ومصالح الشباب و اغلب الشعب ، والتفسير الاول القاصر هو التفسير الليبرالي لثوره الشباب،هو التفسير ( المعلن) للغرب وفى مقدمته الولايات المتحدة والذي عبرت عنه هيلارى كلنتون وزيره خارجية أمريكا بقولها ان الاقتصاد والسياسة لا يسيران معا فى الشرق الأوسط. وفى تبنيه نهاية هذه الثورة.

مؤشر ضعف الذراع الأيمن لقهر الشعوب(الامبرياليه الامريكيه):  وجاءت ثوره الشباب كمؤشر آخر على ضعف الولايات المتحدة كذراع ايمن لقهر الشعوب بعد شل الذراع الأيسر ممثلا في الاتحاد السوفيتي سابقا.وسعى الشعوب إلى استرداد حريتها، وإلغاء هذا القهر الممارس عليها بواسطة انظمه تابعه للولايات المتحدة الامريكيه، ومن المؤشرات الأخرى المشكلة القومية في أمريكا التى تجلت فى اندلاع العنف بين القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي مباشره،و فوز اوباما في انتخابات الرئاسة الامريكيه كدليل على ضعف قبضه الواسب( البيض الأنجلو سكسون البروتستانت)  على المجتمع الامريكى وانهاك القوه العسكرية والامنيه لأمريكا في ما سمته الحرب على الإرهاب
والازمه الاقتصادية العالميه.

المثقفين العرب والنخبوية  بدلا من الطليعية:وجاء الدور السلبي للمثقفين العرب فى ثوره الشباب كدليل على اتصاف  اغلبهم بالنخبوية بدلا من الطليعية، اى إنه بدلاً من ان يكون  المثقفين العرب طلائع التغيير الفكري للمجتمعات العربية بتبنيهم لنمط تفكير اجتهادي علمي عقلاني في كل المجالات (السياسية الاجتماعية الاقتصادية…) ، فإن اغلبهم أصبح انعكاسا لواقع تخلف النمو الحضاري بتبنيهم لنمط تفكير بدعي شبه خرافي شبه اسطورى شانهم شان باقي فئات المجتمع ، مع رغبتهم فى التميز الوظيفي والاقتصادي والاجتماعي عن باقي فئات المجتمع، ومن خلال اتخاذهم لموقف القبول المطلق للانظمه ، بدلا من الموقف النقدي  الذى يمثل جوهر دور المثقف فى المجتمع. وبهذا أصبح اغلب المثقفين العرب جزءا من النخب العربية السياسية والاقتصادية والثقافية  المتغربة  التي تكرس لقبول الاستعمار الجديد ، احتجاجا بقوه البطش ، وتمسكا بما هو كائن، واتساقا مع ايديولجيتها القائمة على تكريس  التبعية السياسية والاقتصادية  والثقافية …

تطور وسائل الاتصال والإعلام والتجاوز النسبي للتجزئة : وجاءت ثوره الشباب العربي كتأكيد على الروابط الموضوعية(الجغرافية،التاريخية،الاجتماعية،الحضارية…) التي تشد أجزاء الامه العربية المسلمة رغم التجزئة السياسية التى فرضها الاستعمار منذ اتفاقيه سايكس بيكو1916. فى عهد الاستعمار القديم عبرت تلك الروابط عن نفسها في شكل التزامن بين الثورات فى الأقطار العربية، فما ان تنتهي ثوره فى مكان حتى تقوم ثوره في مكان آخر، ولم يكن النصر حليفها لانها كانت في إطار التجزئة السياسية، وفى ظل انعدام وسائل الاتصال والإعلام ألحديثه التي تستطيع ان تحقق قدر ولو نسبى من التجاوز لهذه التجزئة السياسية، وعلى سبيل المثال فى مصر بدأت ثوره بقياده عرابى فور الإنذار بالاحتلال، فلما انهزمت  قامت الثورة المهدية  فى السودان والتى انذر المهدي فيها الخديوي توفيق بأنه قادم لتحرير مصر من الغزاة. ولما أدير الصراع من اجل التحرر من الاستعمار، على أساس التضامن القومي ،فى عهد عبد الناصر ،مسندا إلى الاذاعه (صوت العرب) وكسيله  اتصال  وإعلام متجاوزه للتجزئة السياسية بقدر نسبى، تحررت اغلب أجزاء الوطن العربي فى اقل من عشره أعوام. وانطلقت ثوره الشباب من تونس وانتقلت إلى مصر في أسابيع لأنها استندت الى القنوات الفضائية والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فيه(الفيسبوك والتويترواليوتيوب..) كوسائل اتصال وإعلام أكثر مقدره على تجاوزا لتجزئه السياسية بشكل نسبى.

التغريب: ويمكن اعتبار ثوره الشباب كدليل على فشل محاوله تغريب الشباب العربى وصهره فى بوتقة الحضارة الغربية، ويؤكد صحة هذا التفسير أنها انطلقت من اكثر النظم التزاما بالتغريب (تونس منذ عهد بورقيبه ) ، ومضمون التغريب هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للامه)، بالقيم والآداب والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية . فمنذ قرون والغرب يحاول فرض حضارته الفردية المادية الاقتصادية على امتنا وحضارتها القومية الإسلامية الروحية الانسانيه ، موجها ضربته إلى الشباب عامة،. وإلى بدايات مرحلة الشباب خاصة ، عن طريق إغراء الشباب المتطلع إلى أن يلعب دوراً في حياة أمته بأن يقلد الشباب الغربي ويتخذ منه مثلاً أعلى فيما حققه من تقدم مادي ، بدون استفزازه بالكشف عما يستدرج إليه من عقائد وقيم وتقاليد وعادات صاحبت هذا التقدم المادي مستغلا قلة خبرته ولكنه ينقض هيكل شخصيته ” خطوة خطوة ” ، وحين تندس القيم الفردية في أذهان شبابنا العربي تنفرط علاقات الانتماء القومية فالوطنيه فالقبليه فالأسرية ليبرز الفرد الذي يقدسونه ، وحين يصبح الشاب العربي فرداً فعليه أن يجري لاهثاً في سباق المنافسة الحرة لعله
يدرك النجاح المادي . ويصبح الثراء هو غايته ، والمال هو محور حياته ، ويحتكم في سباقه الحر من أجل الثروة إلى القوانين البيولوجية التي تحتكم إليها الحيوانات في الغابات : البقاء للأقوى . ولما كان الغزاة هم الأقوى فإنهم يفترسونه…(د.عصمت سبف الدوله،الشباب العربى ومشكله الانتماء، ص18). غير انه يجب تقرير ان كلا الموقفين  التغريب والتقليد هما وجهين لعمله واحده هى استمرار التخلف الحضاري ، فالتغريب يقوم على القول بوجوب إلغاء القيم الحضارية للشخصية العربية الاسلاميه واستبدالها بقيم جديدة ؛ متناسيا ان أن محاولة اجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام شخصية.  والتقليد يقوم على الإبقاء علي الشخصية العربية الاسلاميه كما هي كائنة ؛ متناسيا ان هذا يعنى الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي افرزها التخلف الحضاري. ولن تفلح المجتمعات العربية فى تحقيق التقدم الحضاري إلا بتبني موقف التجديد القائم على إلغاء المظاهرالسلبيه للشخصية العربية الاسلاميه بإلغاء سببها (تخلف النمو الحضاري)،وفى ذات الوقت إبقاء القيم الحضارية للشخصية العربية  الاسلاميه الايجابية  لتسهم سلبا فى بناء شخصيه مطهره من هذه المظاهر ألسلبيه وإيجابا فى انتاج مظاهر ايجابيه جديدة..

الخصخصة وتداعيات الازمه الاقتصادية العالميه: وهناك من يفسر ثوره الشباب بانها ثوره ضد واقع أوجدته تداعيات الازمه الاقتصادية العالميه التى بدأت في الولايات المتحدة الامريكيه و أثرت على معظم دول العالم في مراحل تاليه . ان جذور هذه الازمه ترجع إلى صميم النظام  الاقتصادي الرأسمالي  الربوى المستند إلى الليبرالية كمنهج والقائلة بان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى النظام الاقتصادي القائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع.  وتاريخ النظام الاقتصادي الراسمالى هو تاريخ النمو من خلال الأزمات التي تكاد تتكرر بصوره دوريه..فالازمه الاخيره هي  احد هذه الأزمات الدورية ،والتي يتم تجاوزها دائما من خلال تدخل الدولة، اى من خلال نفى الأساس الفكري الايديولوجى الذي يستند إليه النظام الاقتصادي الراسمالى. لذا كانت الدول التي اتخذت موقف القبول المطلق  من الخصخصة (الاليه الاساسيه للراسماليه)(ومنها تونس ومصر)،هى اكثر الدول تاثرا بالازمه الاقتصادية العالميه، لان هذا  الموقف يعنى التبعية للاقتصاد الراسمالى الغربي،  وبالتالي التأثر بكل أزماته الدورية.

هنا لا يجب إنكار انه فى ظل هذه الخصخصة تم تحقيق قدر كبير من التقدم الاقتصادي  لكن السوال هنا هو: من الذى سيستفيد من هذا  التقدم الاقتصادي أنها الاقليه وليس الاغلبيه.

ولا يعنى ما سبق ان الموقف الصحيح من الخصخصة هو الرفض المطلق لها لان هذا يعنى العزله عن الاقتصاد العالمي ، بل موقف نقدي من الخصخصة قائم على التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد  مع العمل على إصلاح القطاع العام ،وعدم خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية. وضمان ديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة.

مقاييس الاستقرار: كما جاءت ثوره الشباب كتأكيد على ان  الحفاظ على الاستقرار  لا يمكن ان يتم الا طبقا للمقياس القانوني،اى  اتفاق علاقات الناس مع القانون ، ولما كان خرق القانون ظاهرة اجتماعية متكررة في كل مجتمع فأنها لن تؤثر في الاستقرار طالما كان اكتشافها وتحقيقها وتوقيع الجزاء عليها مستقرا هو أيضا على قواعد القانون الخاص بالإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية ، أما وضع مقياس خاص للاستقرار غير المقياس القانوني فانه لن يؤدى فى خاتمه المطاف إلا عدم الاستقرار ، إذ لا يستطيع أحد من الناس وهو يمارس حياته ويدخل في علاقات خاصة أو عامة مع غيره أن يعرف مقدما أن ما يقوم به يطابق أو لا يطابق  مع  هذا المقياس الخاص.

ثوره الشباب ودور مصر القومي :  ان انتقال ثوره الشباب من تونس إلى مصر، وما ستكشفه الأيام المقبلة من انتقال لهذه الثورة إلى دول عربيه أخرى ، يؤكد على صحة مقوله ان مصر هى قلب الامه العربية المسلمة طبقا للمفهوم القومي وليس طبقا للمفهوم الشعوبي، فهذه المقولة طبقا للمفهوم الاول تعنى ان هناك تأثير متبادل بين مصر كجزء من كل هو الامه العربية المسلمة ، وباقي أجزاء الامه ، فالقلب كعضو بالجسم لا حياه  له إلا من خلال دوره قائمه على ورود الدم له من سائر الجسم ، وضخه هو للدم الى كل الجسم ، ويترتب على ما سبق ان هذه المقولة تعنى طبقا للمفهوم القومي ان اى تغيير  شامل فى الوطن العربي لابد ان يمر من خلال مصر، دون ان يعنى هذا انه يجب ان يبدأ في مصر،  لذا كانت بدايه ثوره الشباب فى تونس ومنها انتقلت الى مصر ، ولكن بانتقالها الى مصر صار من الممكن انتقالها الى كل الدول العربية ما توافرت شروطها االموضوعيه والذاتية . والادله على هذا كثيره فقد  بل كانت بدايه الفكر القومي العربي فى الشام،  لكنه لم ينتشر فى الدول العربية إلا عندما تبناه عبد الناصر فى  مصر، وكان أول انقلاب عسكري في الوطن العربي في سوريا عام  1949 لكن لم يتم تبنيه كأسلوب للتغيير إلا عندما تبناه الضباط الأحرار في مصر يوليو، وعندما تبنى السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة بعد توليه الحكم فى مصر بعد وفاه عبد الناصر 1970 تبنت اغلب الدول العربية هذه السياسيات الاقتصادية، وعندما وقع السادات اتفاقيه سلام مع إسرائيل وقعت كثير من الدول  العربية اتفاقيات مماثله. أما المفهوم الشعوبي لهذه المقولة فيضع مصر فى موقع التأثير دون التأثر، ويقوم على اعتبارها كل قائم بذاته ومستقبل عن غيره، وأن غاية شرود  الجزء من الكل  – وهو ما يلزم من هذا المفهوم – الفشل والشلل للأجزاء جميعا.

الارتداد عن منجزات ثوره يوليو: ان التقييم الصحيح لاى تجربه هو التقييم الذى يتجاوز كل من موقفى القول المطلق والرفض المطلق إلي الموقف النقدي القائم على البحث عن أوجه الصواب وأوجه الخطأ في التجربه،  وبناءا على هذا نقول ان في تجربه ثوره 23 يوليو أوجه صواب(ايجابيات) واوجه خطا(سلبيات). من هذه الايجابيات أنها  إقليميا وعالميا حولت مصر الى القيادة الدولية لحركة عدم الانحياز، والمركز المرموق بين قادة التحرر العالمي، والثقل الاجتماعي والثقافي والسياسي العربى..كما انها داخليا اتخذت خطوات كبيره تجاه تحرير الفلاحين والعمال من الاستغلال، وتحرير الفقراء الكادحين من العوز، و الاستقلال الاقتصادي والتخطيط الشامل والتنمية مطردة التقدم … ومن سلبيات التجربه المحاكم الاستثنائية ، و تحويل  زنازين المخابرات العامة والبوليس الحربي إلى أماكن تعذيب وسجون، وهزيمه1967…وهى السلبيات التي اكتشفها جمال عبد الناصر وحاول تصحيحها  قبل وفاته 1970. وكان من المفترض ان  يستمر خلفاء عبد الناصر(السادات ومبارك)  في تبنى هذا الموقف النقدي  بالحفاظ على ايجابيات الثورة وتنميتها وإلغاء سلبياتها، لكن ما حدث هو اتخاذ هؤلاء الخلفاء لموقف الرفض المطلق منها ، ممثلا في الارتداد بالثورة عن مسارها ، فانتقلت الى خانه التبعية الى الولايات المتحدة الامريكيه، والتطبيع مع العدو الصهيوني، و القضاء على التضامن العربى، والانحياز الى الأغنياء لا الفقراء… وجاءت ثوره الشباب فى مصر لتثبت فشلْ هذا الخط السياسي المرتد عن منجزات ثوره يوليو.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نقد التفسير الليبرالي للثورة

التفسير الليبرالي لثوره الشباب العربي: هذا المقال هو  قراءه نقدية للتفسير الليبرالي لظاهره الانتفاضات الشعبية العربية شبه المتزامنة ، والتي اندلعت شرارتها الأولى في تونس، ومنها انتقلت إلى مصر، وما زالت آثارها تتفاعل ، تلك الانتفاضات الشعبية التي كان طليعتها الشباب (ومن هنا جاء اسم ثوره الشباب)، وكانت أداه الإعلام بها والتعبئة فيها القنوات الفضائية، والموبايل، والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فيه (كالفيسبوك والتوتير واليوتيوب…)… هذا التفسير يرى في هذه الانتفاضات انتصارا لليبراليه كفلسفة ومنهج وأسلوب حياه شامل متكامل راسمالى في موقفه من الاقتصاد، ديموقراطى ليبرالي في موقفه من الدولة، علماني في موقفه من الدين، فردى في موقفه من المجتمع…
ومضمون هذا التفسير ان الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الرأسمالي هما وجهان لعمله واحده ، لذا عندما يكون الاتجاه العام اقتصاديا إلى الراسماليه(كما في النظم التي بدأت فيها ثوره الشباب العربي) لابد ان يصاحب المبادرات الراسماليه مبادرات ديمقراطيه ليبراليه ليكتمل النظام الليبرالي اقتصادا وسياسة في مرحله لاحقه.  وهذا التفسير الليبرالي هو التفسير ( المعلن) للغرب ، وفى مقدمته الولايات المتحدة، والذي عبرت عنه هيلارى كلنتون وزيره خارجية أمريكا بقولها ان الاقتصاد والسياسة لا يسيران معا في الشرق الأوسط.

 الخلط بين دلالات مصطلح الليبرالية: أول أوجه النقد التي يمكن ان توجه إلى هذا التفسير هو انه يخلط  بين دلالتين لمصطلح الليبرالية: دلالته العامة المشتركة اى الحرية كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج. ودلالته الخاصة المنفردة اى ما اكتسبه مفهوم الحرية من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا(هو واقع المجتمعات الغربية منذ القرن السابع عشر حتى اليوم)، وهو المعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معينين(هما الليبرالية كفلسفة ومنهج) .

الخلط بين الليبرالية والديمقراطية:  ثاني أوجه النقد التي يمكن ان توجه إلى هذا التفسير هو انه يخلط بين الليبرالية كفلسفة طبيعيه -على المستوى الوجودي- فرديه -على المستوى الاجتماعي-. وكمنهج للمعرفة يستند إلى فكره القانون الطبيعي، والتي مضمونها ان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة. وكأسلوب شامل متكامل للحياة  راسمالى في موقفه من الاقتصاد، ، علماني في موقفه من الدين ، فردى في موقفه من المجتمع، ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة… والديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام . والتحرر من هذا الخلط ، ومن ثم التمييز بين الديقراطيه والليبرالية بتحقق من خلال تخليص الديمقراطية من الليبرالية كفلسفة ومنهج وأسلوب حياه شامل (رأسمالي، فردي، علماني..) وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية. مع وجوب ملاحظة ان الديمقراطية كنظام غير مقصورة على نموذج واحد، ومع وجوب مراعاة الظروف الخاصة بكل مجتمع. هذا الموقف نجد عده أمثله له منها ان تبنى الكثير من المجتمعات للديمقراطية لم يلزم منه وصول قوى سياسيه ليبرالية للحكم ، بل العديد من القوى السياسية الأخرى كالقوى السياسية الاشتراكبه في أمريكا اللاتينية(كحزب العمال في البرازيل،والرئيس هوجو شافيز في فنزويلا ) وأوربا(كالحزب الاشتراكي الاسباني والفرنسي والالمانى…)، او القوى السياسية المحافطه في أوربا(كأحزاب المحافظين في بريطانيا وغيرها) وأمريكا (كالحزب الجمهوري)، او القوى السياسية ذات الأصول الدينبه(كالأحزاب الديمقراطية والاجتماعية والمسيحية في أوربا…)،او القوى السياسية الوطنية والقومية في العديد من أنحاء العالم …

الخلط بين المواقف المتعددة من الليبرالية:  ثالث أوجه النقد التي يمكن ان توجه  إلى هذا التفسير انه يخلط بين موقفين من الليبرالية. الاول هو الموقف النقدي (التجديد) الذي يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام، التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة، سواء كانت من إبداع المسلمين، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى ، ومن ضمنها المجتمعات الغربية الليبرالية، ومن هذه الإسهامات  الديموقراطيه كنظام فني لضمان تحرر الشعب من استبداد الحكام. و الثاني  هو موقف القبول المطلق لليبرالية (التغريب)، ويستند إلى أن  تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور، وتبني قيم المجتمعات الغربية الليبرالية، اى تبنى الليبرالية كأسلوب حياه شامل متكامل راسمالى في موقفه من الاقتصاد، ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة، علماني في موقفه من الدين ، فردى في موقفه من المجتمع… جاء محصله عوامل تاريخيه وحضاريه وجغرافيه … متفاعلة سادت أوروبا نحو ستة قرون.. في حين ان ثوره الشباب العربي هي في ذاتها دليل على فشل محاوله تغريب الشباب العربي وصهره في بوتقة الحضارة الغربية، ويؤكد صحة هذا التفسير أنها انطلقت أولا من تونس والتي جرت فيها  أكثر محاولات التغريب (والعلمنة) في الوطن العربي جراءه  (منذ عهد الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة ) ،ثم انتقلت ثانيا إلى مصر التي جرت فيها اكبر محاولات التغريب في الوطن العربي (نابليون، الخديوي إسماعيل…)، وبها واحده من اكبر النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية..العربية المتغربة. غير انه يجب تقرير ان كلا الموقفين التغريب والتقليد هما وجهين لعمله واحده هي استمرار التخلف الحضاري ، فالتغريب يقوم على القول بوجوب إلغاء القيم الحضارية للشخصية العربية الاسلاميه واستبدالها بقيم جديدة ؛ متناسيا ان أن محاولة اجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام شخصية. والتقليد يقوم على الإبقاء علي الشخصية العربية الاسلاميه كما هي كائنة ؛ متناسيا ان هذا يعنى الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي افرزها التخلف الحضاري. وبناءا على هذا فان المجتمعات العربية التقليدية كالتي جرت فيها محاولات تغريب ة غير معصومة عن انتقال عدوى الانتفاضات الشعبية إليها(اليمن نموذجا). ولن تفلح المجتمعات العربية في تحقيق التقدم الحضاري إلا بتبني موقف التجديد القائم على إلغاء المظاهر السلبية للشخصية العربية الاسلاميه بإلغاء سببها (تخلف النمو الحضاري)،وفى ذات الوقت إبقاء القيم الحضارية الايجابية للشخصية العربية الاسلاميه .

التناقض الخارجي و النظام الليبرالي للاقتصاد( الراسماليه): رابع أوجه النقد التي يمكن ان توجه لهذا التفسير هو  أنه يركز على تفسير ثوره الشباب العربي باعتبارها محاوله لحل هذا التناقض الداخلي السابق الذكر(اى تناقض داخل النسق الفكري الليبرالي)، ويتجاهل تفسيرها كمحاوله لحل تناقض خارجي يمثل في التناقض بين الشكل الليبرالي للاقتصاد( الراسماليه) ومصالح الشباب العربي و اغلب الشعب العربي .

ا/ الخصخصة وتداعيات الازمه الاقتصادية العالمية: حيث يشير كثير من الباحثين إلى ان ثوره الشباب العربي هي أساسا ثوره ضد واقع أوجدته تداعيات الازمه الاقتصادية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة الامريكيه و أثرت على معظم دول العالم في مراحل تاليه . ان جذور هذه الازمه ترجع إلى صميم النظام الاقتصادي الرأسمالي الربوى المستند إلى الليبرالية كمنهج، والقائلة بان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى النظام الاقتصادي القائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع. وتاريخ النظام الاقتصادي الراسمالى هو تاريخ النمو من خلال الأزمات التي تكاد تتكرر بصوره دوريه..فالازمه الاخيره هي احد هذه الأزمات الدورية ،والتي يتم تجاوزها دائما من خلال تدخل الدولة، اى من خلال نفى الأساس الفكري الايديولوجى الذي يستند إليه النظام الاقتصادي الراسمالى. لذا كانت الدول التي اتخذت موقف القبول المطلق من الخصخصة (الاليه الاساسيه للراسماليه)(ومنها تونس ومصر)،هي أكثر الدول تأثرا بالازمه الاقتصادية العالمية، لان هذا الموقف يعنى التبعية للاقتصاد الراسمالى الغربي، وبالتالي التأثر بكل أزماته الدورية.
هنا لا يجب إنكار انه في ظل هذه الخصخصة تم تحقيق قدر كبير من التقدم الاقتصادي لكن السوال هنا هو: من الذى سيستفيد من هذا التقدم الاقتصادي إنها الاقليه وليس الاغلبيه.
وهنا يجب الاشاره إلى ان قيام الثورات والانتفاضات الشعبية ضد واقع  أوجدته الخصخصة كاداه أساسيه للنظام الليبرالي في الاقتصاد ( الراسماليه) ليس بالأمر الجديد، فقد شهدت نهاية القرن السابق وبداية الألفية الجديدة الكثير من الانتفاضات الشعبية ضد  الخصخصة التي جرى تطبيقها تحت شعار الليبرالية الجديدة ، وبتوصية  من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في كثير من أنحاء العالم كإندونيسيا والأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرهم، ففى إندونيسيا سقطت ديكتاتورية سوهارتو التي استمرت 32 عاماً على يد انتفاضة الجماهير عام 1998، بعد سلسلة من المظاهرات الطلابية الدامية احتجاجاً على تداعيات الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها النمور الآسيوية ، وفى القلب منها إندونيسيا، عام 1997،والتي استندت على الخصخصة كاداه أساسيه للتنمية الاقتصادية .أما أمريكا اللاتينية. فقد شهدت بداية الألفية الجديدة سلسلة من الانتفاضات الجماهيرية أطاحت بالديكتاتوريات الحاكمة احتجاجا على الأزمة الاقتصادية التي خلّفتها الخصخصة التي جرى تطبيقها هناك تحت شعار الليبرالية الجديدة ، فخلال أربعة أسابيع فقط تداولت الأرجنتين 4 رؤساء فى أعقاب الانتفاضة التي اجتاحت البلاد فى 19ـ20 ديسمبر 2001 على أثر إعلان الحكومة الأرجنتينية تجميد ودائع العمال والمواطنين فى البنوك، وتخفيض الأجور والمعاشات للقطاع الحكومي، ثم إعلان حظر التجوال بعد مهاجمة العاطلين لمحلات السوبر ماركت الكبيرة للحصول على الطعام، وانتهى الأمر بوصول البيرونى “دوهالدى” إلى منصب الرئاسة، ليدشن محادثات مكثفة مع صندوق النقد الدولي للخروج من الأزمة.  كما شهدت الإكوادور أيضاً سقوط ثلاث حكومات متتالية كان أولها عام 2000 حين انتفض الآلاف من المواطنين احتجاجاً على السياسات الاقتصادية التي أفقرت قطاعات واسعة من الجماهير. حيث انخفض الناتج المحلى الإجمالي للبلاد بمقدار 7% عن العام السابق ووصل التضخم إلى 60%. وقد اجبر تصاعد الانتفاضة الرئيس “جميل ماهود” على الهروب خارج البلاد. ولم يكد يمر عامان على هروب الرئيس الإكوادوري مستقلاً طائرة هليكوبتر حتى لحقه بنفس الطريقة الرئيس البوليفي “سانشيز دى لوزادا” عام 2003 على أثر انتفاضة الفلاحين المسلحين بالأسلحة البيضاء والمناجل والفؤوس، ومعهم العمال، فى أعقاب إعلان الحكومة تصدير الغاز الطبيعي إلى شيلى. لكن الحقيقة أن انفجار 2003 جاء كحصاد موجات متلاحقة من الاحتجاجات والمواجهات الدامية بدأت عام 2000 مع إعلان الحكومة خصخصة قطاع المياه، ثم ارتفعت حدة المواجهات مع زيادة الضرائب في فبراير 2003…

ولا يعنى التحليل السابق ان الموقف الصحيح من الخصخصة هو الرفض المطلق لها ،لان هذا يعنى العزلة عن الاقتصاد العالمي ، بل هو الموقف النقدي من الخصخصة قائم على التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد مع العمل على إصلاح القطاع العام ،وعدم خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية. وضمان ديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة.
ب/ ارتباط السلطة والرأسمال :  كما قرر كثير من الباحثين ان ثوره الشباب هي ثوره على واقع قائم على ارتباط غير شرعي بين السلطة والرأسمال، فهي ثوره ضد استبداد السلطة والرأسمال في نفس الآن ، ومرجع ذلك ان الديموقراطيه الليبرالية في المجتمعات الغربية إذ تحرر الشعب من استبداد الحاكمين ، لا تضمن عدم استبداد الرأسماليين فيه، لان النظام الراسمالى هو النظام الليبرالي في الاقتصاد، فالديمقراطية الليبرالية في تلك المجتمعات إذ تضمن ان تحتفظ للشعب بسلطته في مواجهه الحاكمين ،تأتى الليبرالية – ممثله في نظامها الاقتصادي اى الرسماليه- فلا تضمن ان يسلب الرأسماليين الشعب سلطته ( د.عصمت سيف الدولة، النظرية ، ج2، ص197-198 ). أما الانظمه التي تعرضت وستتعرض لتلك الانتفاضات الشعبية فقائمه على النظام الليبرالي في الاقتصاد اى الراسماليه التي عبر عنها بأسماء عديدة منها الانفتاح الاقتصادي والإصلاح الاقتصادي والخصخصة وتطوير القطاع العام… فلم تضمن ان يسلب الرأسماليين الشعب سلطته ، وعدم استبدادهم فيه، وفى ذات الوقت لم تلتزم بالنظام السياسي لليبراليه اى الديمقراطية الليبرالية( وبدعم من الغرب الليبرالي بقياده الولايات المتحدة) ، فلم تضمن ان يحتفظ للشعب بسلطته في مواجهه الحاكمين ، و عدم تحرره من استبدادهم . وخرج من رحم هذا الاستبداد المزدوج الفساد في أسوء أشكاله، وكما هو معلوم فان الفساد هو احد أهم أسباب الثورات والانتفاضات الشعبية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الجدل حول شرعيه التظاهر السلمي

التظاهر لغة مشتق من ظهر الشيء إذا بان واتضح، واستظهرت بفلان إذا استعنت واستنصرت به (لسان العرب). وقد ورد لفظ التظاهر فى القرآن الكريم  بمعانيه اللغوية السابقة الذكر في أكثر من موضع( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتـقين)( التوبة:4) ،(وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا)(الأحزاب:26).

أما التظاهر اصطلاحا فهو إعلان رأي وإظهار عاطفة بصورة جماعية (المعجم الوسيط).

مذاهب حول حكم التظاهر:

المذهب الاول (المنع) : يقوم على عدم جواز التظاهر استدلالا بادله عديدة أهمها :

أولا: مخالفه التظاهر للنصوص التي توجب طاعة الحاكم كقوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾(النساء: ٥٩).

ثانيا: كون التظاهر مستحدث، لم تكن في العهد الأول، ولم يقم عليه دليل شرعي ، وهو ما يخالف قوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) [صحيح البخاري 2550].

ثالثا: تنافض التظاهر مع  وجوب سريه نصيحة الحكام استنادا إلى العديد من النصوص أهمها  الحديث «من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له».

غير إن طاعة الحاكم في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه، بل مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس  إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) .

كما انه ليس من الضروري أن يُبحَث عن سند شرعي من النصوص لأيّ إجراء في مجال السياسة الشرعية، بل الذي عليه أن يبحث عن الدليل الشرعي هو الذي يمنع من الإجراء؛ لأن الأصل في ذلك الإباحة حتى يرد الحظر والمنع من الشرع ، يقول إمام الحرمين الجويني: (فما لم يُعلم فيه تحريمٌ يجري على حكم الحِلِّ؛ والسبب فيه أنَّه لا يثبت لله حكمٌ على المكلفين غير مستند إلى دليل؛ فإذا انتفى دليل التحريم ثَمَّ، استحال الحكم به) [غياث الأمم في التياث الظلم، لإمام الحرمين الجويني، ص 301] ( أ. عبد العزيز مصطفى الشامي،الاعتصام السلمي رؤية مغايره).

نصيحة الحكام بين السرية والعلنية:  واذا كان هذا المذهب يقول بوجوب سريه نصيحة الحكام ،فان هناك مذهب أخر يقول بوجوب علنية نصيحة الحكام بأدلة منها الحديث المشهور (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)، وعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحديد المهور حاجّته امرأة قرشية قائلة له: كيف تحدد المهور والله يقول إذ أتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه” فقال عمر: “أخطأ عمر وأصابت امرأة” . والمذهب الذى نرججه هو الجمع بين سريه وعلانيه نصيحة الحكام نسبه لورود نصوص مطلقه من شرطي السرية و العلنية كقوله (صلى الله عليه وسلم)(لدين النصيحة ، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم )، ورود نصوص تفيد سريه النصيحه، وأخرى تفيد علنيتها، هذا الجمع يتحقق من خلال التمييز بين مراحل النصيحة ومضمونها، اما من حيث مراحل النصيحه فيفضل ان يكون مبتدا النصيحه السرية ، فإذا أصر المنصوح على الخطأ كانت علنيتها، أما من حيث مضمون النصيحه فيجب التمييز بين الشأن الشخصي والشأن العام، فيفضل سريه النصيحه فى الشأن الشخصي ، كما يفضل علنيتها في الشأن العام ، ويمكن الاستئناس في ذلك بتمييز  الامام ابن تيمية بين من اظهر المنكر و من استتر بذنبه عندما سُئلَ عن حديث:‏ ‏(‏لاغيبة لفاسق) فقال(‏…‏ فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك‏.‏ فهذا معنى قولهم‏:‏ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له‏.‏ بخلاف من كانمستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب، ويذكر أمره على وجه النصيحة). ويمكن ترجمه هذا المذهب فيما يتعلق بالتظاهر انه يفضل ان يسبق التظاهر كوسيلة للتعبير عن الراى استخدام وسائل اخرى كالعرائض، وان يتجنب المتظاهرون التعرض للشان الشخصي.

كما ان هذا المذهب مبنى على  سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسده المترتبه على التظاهر ، والمتمثلة  فى الفتنه والفوضى التي  قد تلزم من التظاهر، على المصلحة المتحققة منه، يقول الشيخ بن باز رحمه الله (إن العلماء وجميع الدعاة وأنصار الحق أوصوا بتجنب المسيرات والمظاهرات التي تضر بالدعوة ولا تنفعها ، وتسبب الفرقة بين المسلمين ، والفتنة بين الحكام والمحكومين) (مجموع الفتاوى 7/344).

وواضح أيضا ان المنع فى هذا المذهب ليس منع مطلق لأنه يجيز التظاهر إذا أجازه ولى الأمر.

المذهب الثانى(الايجاب) : يرى جواز التظاهر ) انظرعلى سبيل المثال أ‌. د سعود الفنيسان،نظرات شرعية في وسائل التعبير العصرية ، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) ، ويستند هذا المذهب على تخريج التظاهر على مسألة تغيير المنكر باللسان كما فى قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وعلى الجهاد باللسان كما فى قوله صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ،وقوله صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة ورجل خرج إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [أخرجه الحاكم 3/ 195، وحسنه الألباني].

كما يرى ان للتظاهر سوابق إسلاميه  منها ما ورد فى الحديث الصحيح عن إياس بن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم( لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال( يا رسول الله قد ذئـر(اجترأ) النساء على أزواجهن) فأمر بضربهن. فلما أصبح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد طاف البارحة بآل محمد سبعون إمرأة كل إمراة تشتكي زوجها ثم قال : فلا تجدون أولئك خياركم) ابن ماجه (2/366) والنسائي في الكبرى ( 5/371)والحاكم (المستدرك 2/188) على شرط مسلم ووافقه الذهبي .

 ومنها قول محمد بن حرب سئل الإمام أحمد عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه قال:( يأمره قلت فإن لم يقبل؟ قال: تجمّع عليه الجيران وتهوّل عليه لعل الناس يجتمعون ويشهرون به) (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ، صـ117).

ومن الواضح ان  الحكم بالمنع او الايجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها ، فالمذهب الاول كما ذكرنا قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسده المترتبه على التظاهر على المصلحة المتحققة منه ، وقال المذهب الثانى بالايجاب فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من التظاهر على المفسدة التى قد تلزم  منه.

وبناء على ما سبق فان الحكم بمنع او إيجاب التظاهر هو اجتهاد لان مصدره قاعدة سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادرالشريعه التبعية ، و ليس اصل من اصول الدين، والتي لا يباح الخلاف  فيها، والتي مصدرها مصادر الشريعة الاصليه.

 والمذهب الذى نرجحه ، والذي يجمع بين مضمون المذهبين السابقين ، هو تقسيم الحكم على التظاهر إلى:

أولا: حكم أصلى هو الايجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من التظاهر ، ودرء  المفسدة التي قد تلزم منه، دون المنع، بالالتزام بجمله ضوابط التكليفيه والتكوينيه منها : ان يكون التظاهر سلميا -الا  فى حاله الدفاع عن النفس – لدخول ذلك فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ ، وعدم اللجوء الى التخريب لدخول ذلك فى عموم النهى عن الإفساد في الارض﴿  إنما   جزاء  الذين  يحاربون  الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا  أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم ﴾َ ، وأن تكون مطالب  التظاهر مشروعة استنادا الى قاعدة «الأمور بمقاصدها»

ثانيا: حكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التى قد تتحقق من التظاهر ، ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك .

التظاهر بين الإصلاح والثورة : ما سبق من حديث يدور عن حكم التظاهر الذى يهدف إلى إحداث تغيير جزئي، بشكل تدريجي ،وفى إطار النظام القانوني المعين ، اى  عن التظاهر كوسيلة للإصلاح. أما التظاهر الذى يهدف إلى إحداث تغيير كلى  ، بشكل مفاجئ، وخارج إطار النظام القانوني المعين ، سواء كان سلميا ( كما حدث فى مصر وتونس)، او مسلحا (كما يحدث فى ليبيا)،اى التظاهر كوسيلة للثورة، فحكمه  هو حكم غايته (الثورة) والتى عبر عنها الفقهاء بخلع الحاكم الجائر، وهنا نجد مذهبين لأهل السنة هما  :

المذهب الاول (عدم الجواز) : يرى عدم جواز خلع الحاكم الجائر يقول الامام الأشعري( و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لايخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين  323) . و هذا المذهب مبنى على  سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسده المترتبه على خلع الحاكم الجائر، والمتمثلة  فى الفتنه والفوضى التى  قد تلزم من خلعه، على المصلحة المتحققة من خلعه يقول النووي ( قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليهما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزلهأكثر منها في بقائه ) (شرح صحيح مسلم 12\229 [31)
 المذهب الثانى(الجواز) :  يرى جواز خلع الحاكم الجائر ، ذكر ابن العربي  من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن) ويقول الإمام ابن حزم ( وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة. … وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم. فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكراً(.ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311).

والمذهب الذى نرجحه ، هو تقسيم الحكم على التظاهر الذى يهدف إلى خلع الحاكم الجائر الى: حكم أصلى هو الايجاب بدرجاته حسب درجه امكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من هذا الشكل من أشكال التظاهر ، ودرء  المفسدة التى قد تلزم منه دون المنع، بالالتزام بجمله من الضوابط التكليفيه والتكوينيه منها توافر القدرة لقوله تعالى ﴿ لا يكلف الله    نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ ، وان لا ترتب عليه دخول العدو ارض الإسلام ، لان الجهاد يكون فرض عين في هذا الحالة ، والتوحد  وعدم التفرق لقوله تعالى﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾، بالاضافه إلى جمله الضوابط السابق ذكرها… وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من هذا الشكل من أشكال التظاهر ،ودرء  المفسدة التى قد تلزم من ذلك وذلك في حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بهذه الشروط.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الجدل حول شرعيه الاستعانة بالاجنبى

التمييز بين غير المسلم المواطن والاجنبى : بداية يجب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الاجنبى، فالأول يجب الاستعانة به في السلم والحرب، لأن هذه الاستعانة جزء من حق المواطنة الذى اقره الإسلام على المستوى النظري حين اقر تعدد الانتماء الديني في الامه الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحده  الامه ، لذا نجد في القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة بين المنتمين إلي أديان متعددة في أمه واحده،فهو يدعو أهل الكتاب إلي ما هو مشترك في الأديان السماوية لا التخلي  عن دينهم والانتماء إليه فهو يدعوهم معه لا يدعوهم إليه﴿  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ﴾(آل عمران:64)، وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول أيهم اصح عقيدة دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾.(العنكبوت:46).

والذي اقره الإسلام على المستوى التطبيقي، ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة  تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه)  ولكن يتوحد الناس فيه مع اختلاف الدين في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ، اى علاقة انتماء إلى وطن.

ولا يتناقض مفهوم أهل الذمة  مع تقرير الإسلام لحق المواطنة لغير المسلم كما يزعم البعض بل هو تاكيد لذلك ، فالذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان(الفيروز ابادى، القاموس المحيط، 4/115) أما اصطلاحا  ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم)( أبو زهره المجتمع الانسانى، ص  194) فهو تقرير حقوق المواطنة لغير المسلم في الدولة الاسلاميه (اليهود أمه مع المؤمنين) مع احتفاظه بحريته الدينية على المستوى الدستوري( في ذمه الله ورسوله) ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه المسلمة مادام قائما بواجباتها.أما التمييز بين الذميين والمسلمين فلم يقل به احد من المتقدمين،وقال به بعض المتاخرين في مرحله تاريخية لاحقه، لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمين من باب الاحتراس ،فهو ليس قاعدة بل حكم تاريخي مربوط بظروف معينه(عبد العزيز كامل، معامله غير المسلمين ج1، ص199)

 ففيما يتعلق بالاستعانة بغير المسلم المواطن فى السلم بإسناد الأعمال له فإننا اذا كنا نجد نجد  من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، لكن هناك من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء حيث يرى ابن العربي( أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به)(ابن العربي، 16،268). كما جوز الماوردي وأبو يعلى لغير المسلم أن يتولى وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض .وتاريخيا استعان بهم الخلفاء.

أما فيما يتعلق بالاستعانة بغير المسلم المواطن فى الحرب فهناك سوابق تاريخية تؤيد ذلك ، ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه( أنهم طلبوا الأمان والصلح فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وان لا يؤخذوا بالجزية)( البلاذردى، فتوح البلدان،ج1/ ص217) ومع أهل ارمينه( أن ينفروا لكل غاره… على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلي ذلك)( الطبري، تاريخ الأمم، ج 5،ص 257.).

التمييز بين الاعانه والاستعانه : اما غير المسلم الاجنبى- وهو موضوع الحديث هنا – فيجب التمييز بين اعاننه والاستعانه به، ففيما يتعلق باعانه غير المسلم الاجنبى اتفق العلماء على منع اعانه غير المسلم على المسلم لورود العديد من النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى( يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) [ المائدة : 51 ] ، ولكنهم تفاوتوا فى درجه الحكم على من اعان غير المسلم على المسلم  ، فقال بعضهم ان هذه  الاعانه توجب التكفير ، وقال اخرون ليست كل إعانة مكفرة بدليل الحديث ( ان حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه كتب كتاباً لقريش يخبرهم فيه باستعداد النبي صلى الله عليه وسلم للزحف على مكة إذ كان يتجهز لفتحها وكان يكتم ذلك ليبغت قريشا ً على غير استعداد منها فتضطر إلى قبول الصلح وما كان يريد حرباً ، وأرسل حاطب كتابه مع جاريه وضعته في عقص شعرها فأعلم الله نبيه بذلك فأرسل في أثرها علياً والزبير والمقداد وقال : ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ) فلما أتي به قال : ( يا حاطب ما هذا ) ؟ فقال : يا رسول الله لا تعجل على ! إن كنت حليفاً لقريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا ً يحمون بها قرابتي ولم أفعله ارتدادا ً عن ديني ولا رضي بالكفر بعد الإسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام:  ( أما إنه قد صدقكم ) واستأذن عمر النبي صلى الله عليه وسلم في قتله فلم يأذن له )  ( أخرجه : البخاري ( 3007 ) ومسلم ( 6351 ، 6352 )يقول الامام الشافعي ( وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يُحذِّر أن المسلمين يريدون منه غِرَّةً ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفرٍ بَيِّن ) ( الأم 4/249 ) . و قالوا انه بمعرفة باعث الاعانه يكون الحكم ُبدليل  ان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم سال حاطب بقوله : ( يا حاطب ما هذا).. فإن كانت أعانه غبر المسلم لأجل دينه فهى كفر يقول الآلوسي:« وقيل : المراد من قوله تعالى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [ المائدة : 51 ] ؛ كافر مثلهم حقيقة , وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما , ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً ونصارى » .. ( تفسيره 3/157 ).. أما إن كانت الأعانه لأجل الدنيا فهى لا تقتضى التكفير ولكنها ذنب يوجب التوبه: وهذا يستفاد من حديث حاطب رضي الله عنه ؛ حينما اعتذر بإرادته مصلحةً دُنيويَّة ، وقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عذره ذاك ولم يحكم عليه بالكفر .يقول ابن كثير:« قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عذر حاطب لَمّا ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعةً لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد » .. ( تفسيره 4/410 ) . ويقول ابن تيمية ( وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ولا يكون به كافراً : كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) ( الفتاوى 7/522 ). يقول الشيخ الألباني رحمه الله عن المستعين بالكافر ( … لا نكفره إلا إذا استحل موالاة الكفار بقلبه، ) (سلسلة الهدى و النور،  شريط رقم 439 ).

الاستعانة بغير المسلم: أما الاستعانة بغير المسلم الاجنبى فيمكن تفضيلها الاتى:

 أولا: الاستعانة بغير المسلم في السلم :  اختلف العلماء فى حكم الاستعانة بغير المسلم فى حاله السلم، فقال بعضهم بالمنع، وقال آخرون يجوز للمسلم أن يستعين بغير المسلم المسالم في الأمور الدنيوية التي لا تتصل بالدين مثل: الطب، والزراعة، والصناعة، ومن الادله على ذلك ما جاء في حديث الهجرة إلى المدينة أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا نبي الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجر عبد الله بن اريقط، رجلاً من بني الديل بن بكر وكان مشركاً، يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما” (ابن هشام ج 2 ص 98[1]). وفي بيعة العقبة الكبرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه “إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له)  ابن هشام ج 1 ص 49).

 ثانيا: الاستعانه بغير المسلم فى الحرب :

ا/ الاستعانه بغير المسلم على غير المسلم بين الايجاب والمنع :

 مذهب الايجاب : . ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ , وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ , وَابْنَ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ إلَى  جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ بغير المسلم فِي قِتَالِ غير المسلم عِنْدَ الْحَاجَةِ .  يقول الجصاص الحنفي( وَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إذَا كَانُوا مَتَى ظَهَرُوا كَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ , فَأَمَّا إذَا كَانُوا لَوْ ظَهَرُوا كَانَ حُكْمُ الشِّرْكِ هُوَ الْغَالِبُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ ) [أحكام القرآن].  و يقول ابن قدامة: “فصل ولا يستعان بمشرك وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة وهو مذهب الشافعي ..” (9/207)
ويقول الامام الشافعي (وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم أو مشرك وكانت عليه دلائل الهزيمة والحرص على غلبة المسلمين وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به … ومن كان من المشركين على خلاف هذه الصفة فكانت فيه منفعة للمسلمين القدرة على عورة عدو أو طريق أو ضيعة أو نصيحة للمسلمين فلا بأس أن يغزي به [الأم (4/166)].

ومن أشكال الاستعانة بغير المسلم أخذ السلاح منهم، سواء كان بيعا، أو إعارة
ومن ذلك استعارة الرسول صلى الله عليه وسلم، أدرع صفوان بن أمية، كما حديث جابر الطويل في قصة غزوة حنين: « …بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعا، مائة درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: ( بل هي مضمونة حتى نؤديها إليك ) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا » [أخرجه الحاكم في المستدرك، برقم (4369) وقال: “صحيح الإسناد ولم يخرجاه]
مذهب المنع: و
َيَرَى الْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ , وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُوزَجَانِيُّ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِمُشْرِكٍ ; لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: ( فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونُوا فِي غَيْرِ الْمُقَاتِلَةِ , بَلْ فِي خَدَمَاتِ الْجَيْشِ
 مذهب الجمع بين الايجاب والمنع : والمذهب الذى نرجحه ، والذي يجمع بين مضمون المذهبين السابقين هو تقسيم الحكم الى : حكم أصلى هو الايجاب بدرجاته حسب درجه امكان الجمع بين جلب المصلحة التى قد تتحقق من الاستعانه بغير المسلم ،ودرء  المفسدة التى قد تلزم من ذلك دون المنع، بالالتزام بجمله الشروط التي أشار إليها الفقهاء منها أَنْ يَعْرِفَ الْإِمَامُ حُسْنَ رَأْيِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ وَيَأْمَنُ خِيَانَتَهُمْ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ)،وأَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ , بِحَيْثُ لَوْ خَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ , وَانْضَمُّوا إلَى الَّذِينَ يَغْزُونَهُمْ , أَمْكَنَهُمْ مُقَاوَمَتُهُمْ جَمِيع( الْإِمَامُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ)، وأَنْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدَ الْعَدُوّ الْمَاوَرْدِيُّ … (الموسوعةُ الفقهية )… وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من الاستعانه بغير المسلم ،ودرء  المفسدة التى قد تلزم من ذلك ، وذلك فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بهذه الشروط.

 ب/  منع الاستعانه بغير المسلم على المسلم:

كما اتفق العلماء على ان الحكم الاصلى للاستعانة بغير المسلم على المسلم هو المنع  لورود العديد من النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى (يائيها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)) [المائدة (51)]

يقول القرطبي ” قوله تعالى: ((ومن يتولهم منكم)) أي يعضدهم على المسلمين ((فإنه منهم)) بين تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع المولاة.
وقوله تعالى: ((الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا)) [النساء (139)].يقول القرطبي “قوله تعالى: (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) …وتضمنت المنع من موالاة الكافر وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين) [الجامع لأحكام القرآن (5/416)]

يقول الشيخ يوسف القرضاوى ( أما استعانة المسلم بغير المسلم على أخيه فلا يتوافر فيها اي شروط مما اشترطه الفقهاء لجواز الاستعانة بغير المسلمين. أولا: لأنها استعانة بالكافر على المسلم .وثانيا: أن هذا الكافر غير مأمون على المسلمين،.وثالثا: أنه ليس تحت سلطان المسلمين،.
ورابعا: أن تسمية هذا النوع من التعامل (استعانة بالكافر) هو لون من الخداع للنفس، فالمستعين لا بد أن يكون أصلا، والمستعان به فرعا مكملا) ( فقه الجهاد ( 721-703-1

الاباحه للضرره: ورغم اتفاق العلماء على ان الحكم الاصلى للاستعانة بغير المسلم على المسلم هو المنع كما سبق بيانه ، فان بعض العلماء اباح الاستعانه بغير المسلم على المسلم للضرورة . يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله فى الاجابه على السؤال  ما هو حكم الاستعانة بالكافر ضد المسلم؟ لا يجوز ذلك إلا عند الحاجة، كما حصل من موسى لما قتل ذلك القبطي مع أن ذلك الإسرائيلي لم يكن مُسلمًا في ذلك الوقت( فتوى رقم 3578)

ويقول  الشيخ القرضاوى في الحالة الليبية ردا على القذافي فى قوله ان الحرب على ليبيا هي صليبية … بما معناه انها ليست صليبية ، وهي جاءت بناء على طلب من الثوارالليبين والعرب ، وهي من باب الضرورة والحاجة.

جواز الاستعانة بغير المسلم لغرض الحماية ومنع الاذى :   وهنا لابد من قصر الضروره التى قررها بعض العلماء  اعلاه ، على حمايه حياه المسلمين من الاذى والخطرالمباشر الذى قد تتعرض له ، بعد عدم توافر امكانيه تحقيق ذلك بواسطه اهل البلد المعين خاصه والمسلمين عامه ، وان لا يتجاوز ذلك الى ما يمس مصلحه الدوله الاسلاميه المعينه ، ووحدتها وسلامه أراضيها ،وسيادتها على أرضها ،وذلك استنادا الى قاعده(الضروره تقدر بقدرها). ويمكن الاسئناس فى ذلك الى العديد من الادله – مع ملاحظه ان مصدر الاذى فى هذه الادله كان غير المسلم –ومن هذه الادله : أن أبا طالب كان يحمي الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من قريش .  وخروج الرسول صلى الله عليه وسلم الى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عزّ وجلّ( ابن هشام ج 2 ص 28). وماورد في امتاع الاسماع للمقريزي “ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف وانتهى الى حراء بعث رجلاً من خزاعة الى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه فأجاره” (امتاع الاسماع ص 28) . ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب اصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: “لو خرجتم الى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه. وعرض ابن الدغنة على أبي بكر جواره، فقبله أبو بكر، فقال ابن الدغنة: يا معشر قريش إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير (ابن هشام ج1 ص 396).

نصيحة الحكام فى السياسة الشرعية بين السرية والعلنية

مذهب سريه النصيحه: يرى وجوب سريه نصيحة الحكام ويحرم علنيتها استنادا الى العديد من النصوص أهمها  الحديث المنسوب لعياض بن غنم رضي الله عنه ، الذي جاء فيه جزءان  الجزء الاول منه: جلد عياض بن غنمٍ صاحب «دارا» حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول، حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام بن حكيم، فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض، ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس»؟أما الجزء الثاني: فقال عياض بن غنم: ياهشام بن حكيم! قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أو لم تسمع  رسول الله يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له»، وإنك ياهشام لأنت الجرىء إذ تجترىء على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى»,

وقال الإمام الشافعي  “مَنْ وَعَظَ أخَاهُ سِرًّا فقد نَصَحَه وزَانَه، ومَنْ وَعَظَهُ عَلانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وشَانَه”.

مذهب علنية النصيحه :  يرفض سريه النصيحه وبرى وجوب علنيتها احتجاجا بان  الجزء الأول من حديث عياض فقط هو الصحيح باتفاق العلماء ، وأكدته رواية مسلم ، اما الجزء الثاني منه فيرى انه لا يحتج به لسببين الأول ضعف الرواية (الروايه الاولى لأحمد مرسلة للانقطاع بين شريح وهشام،الرواية الثانية بيّن  ابن أبي عاصم في «السنة»  ضعف الرواة والانقطاع والتدليس، الرواية الثالثة لأبي  نعيم في «معرفة الصحابة» فيها عبد الوهاب بن الضحاك متروك الحديث ، الرواية الرابعة  للحاكم في «المستدرك» ضعفها الذهبي لضعف الرواة، الرواية الخامسة لأحمد كذلك قال عنها الحافظ ابن حجر موضوعة بلا ريب)  .والسبب الثاني  هو تضافر الأدلة على علانية النصيحة منها  قوله تعالى على لسان نوح ـ عليه السلام ـ (ُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وأَنصَحُ لَكُمْ وأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62]. وعلى لسان هود ـ عليه السلام ـ : }أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ{ [الأعراف: 68]. وعلى لسان صالح ـ عليه السلام ـ : (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ) [الأعراف: 79]. وعلى لسان شعيب ـ عليه السلام ـ :

(لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ)[الأعراف: 93]. . والحديث المشهور (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله). وحديث (والله لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذون على يد الظالم، ولتأطرونه على الحق أطراً) .وعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحديد المهور حاجّته امرأة قرشية قائلة له: كيف تحدد المهور والله يقول إذ أتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه” فقال عمر: “أخطأ عمر وأصابت امرأة” ، ويعلق السرخسى في المبسوط على موقف الإمام على بن أبى طالب من الخوارج بقوله( فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل وفيه دليل على أن التعرض بالشتم للإمام لا يوجب التعذير)(ج10، ص125-126).  وقال الحسن البصري : ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن فسقه غيبه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للآلكائى (279 – 280 )

مذهب الجمع بين سريه النصيحه وعلانيتها: والمذهب الذى نرجحه هو الجمع بين سريه وعلانيه نصيحة الحكام  لورود نصوص مطلقه من شرطي السرية و العلني كقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة ، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) [مسلم].  وعن جرير بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: ((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)). [البخاري].، ورود نصوص تفيد سريه النصيحه كقوله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك: (إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ) (متفق عليه). واخرى تفيد علنيتها كقوله -صلى الله عليه وسلم- في غير ما موقف: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا…).وكقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) (رواه البخاري) كما في قصة بني جذيمة.

 هذا الجمع يتحقق من خلال التمييز بين مراحل النصيحه ومضمونها، اما من حيث مراحل النصيحه فيفضل ان يكون مبتدا النصيحه السرية ، فإذا أصر المنصوح على خطاْه كانت علنيتها استئناسا بقوله تعالى ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولاَ لَهُ
قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(طه:43-44 ) فجعلت الايه بداية النصيحه القول اللين.

. أما من حيث مضمون النصيحه فيجب التمييز بين الشأن الشخصي والشأن العام، فيفضل سريه النصيحه فى الشأن الشخصي ، كما يفضل علنيتها فى الشأن العام ، ويمكن الاستئناس فى ذلك بتمييز  الامام ابن تيمية بين من اظهر المنكر و من استتر بذنبه عندما سُئلَ عن حديث:‏ ‏(‏لاغيبة لفاسق) فقال(‏ أما الحديث فليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه مأثور عن الحسن البصرى، أنه قال‏:‏ أترغبون عن ذكر الفاجر‏؟‏ اذكروه بما فيه يحذره الناس‏.‏ وفى حديث آخر‏:‏ من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له‏.‏ وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء‏.‏ أحدهما‏:‏ أن يكون الرجل مظهرا للفجور، مثل‏:‏الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة، فإذا أظهر المنكر، وجب الإنكار عليه بحسب القدرة …‏ فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك‏.‏ فهذا معنى قولهم‏:‏ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له‏.‏ بخلاف من كانمستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب، ويذكر أمره على وجه النصيحة).وكذلك يمكن الاستئناس بتمييز الامام احمد ابن حنبل بين الخاص و العام  عندما قيل له: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في اهل البدع؟ فقال: إذا صام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s