منهج التغيير الاسلامي

منهج التغيير الاسلامي

د. صبرى محمد خليل

منهج التغيير الاسلامي يهدف إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان، من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار:السياسى،الاقتصادى،الاجتماعى،الحضارى… و الذى يمثل ما هو كائن  ، إلى الاستخلاف بكل اشكاله: السياسيه،الاقتصاديه،الاجتماعيه،الحضاريه… والذى يمثل ما ينبغى ان يكون، وادلته قوله تعالى﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ وقوله تعالى ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمه ونجعلهم الوارثون﴾.

حول قاعده التدرج: وهذا التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، الى ما ينبغي أن يكون استنادا الى قاعده التدرج التي قررها الإسلام،وهنا يجب التمييز بين نوعين من انواع التدرج:

اولا: التدرج فى التشريع: اى التدرج فى بيان درجه الالزام فى القاعده الشرعيه المعينه( من الاباحه الى الكراهه الى التحريم او من الندب الى الوجوب…)،ومن اشكاله التدرج فى بيان درجه الالزام فى شرب الخمر من الاباحه عند قوله  تعالى{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67], الى الكراهه عند قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219], و قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43], الى التحريم عند قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، غير ان هذا النوع من انواع التدرج قد انتهى بختم النبوه بوفاه الرسول(ص).

التدرج فى التطبيق: اى التدرج فى تطبيق القاعده الشرعيه وليس فى بيان  درجه الالزام فى القاعده  الشرعيه ومن ادلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاعما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خيرالحاكمين )(حلية الأولياء  5/282– صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128)

مرحله الممكن( الاستطاعه): وهذه المرحله لها مستويان:

المستوى الاعتقادى: المستوى الاصلى لهذه المرحله هو المستوى الاعتقادى، ذلك ان منهج المعرفة الاسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل والايمان على العمل (الا الذين امنوا وعملوا الصالحات), وبالتالى فانه طبقا له فان  تغيير الفكر سابق على تغيير الواقع.

وقد عبر البعض عن هذا المستوى ايضا بمصطلح الدعوه ، وهنا يجب ملاحظه  ان الحديث هنا عن الدعوه كمرحله لا كفرض اذ أن الدعوة كفرض باقية إلى يوم الدين، وأن الدعوة هنا ليست دعوة كفار أو مشركين إلى الإسلام  ، بل دعوة للمسلمين بالارتقاء من بواقعهم مما هو كائن(الاستضعاف- الاستكبار) الى ماينبغى ان يكون(الاستخلاف)  ، كما ان  هذه الدعوة ليست فردية بل هى دعوة اجتماعية منظمة، اى تتم عبر جماعه ،  ودليل ذلك بيعة النصح لكل مسلم في السيرة  ، التي هي جزء من بيعة المسلمين للرسول (ص) على أعمال الإسلام ، فقد أخرج أبو عوانة في مسنده الجزء الأول أن جرير بن عبد الله تحدث يوم مات المغيرة بن شعبة فقال (أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له فإني بايعت بيدي هذه على الإسلام واشترط على النصح لكل مسلم فورب الكعبة إني ناصح لكم أجمعين) (أخرج البخاري أتم منه، الجزء الأول). وإذا كانت هذه البيعة للرسول (ص) فإن كل مسلم مأمور بالنصح كشرط للإسلام.

ولهذا المستوى مضمون سالب هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى (المتضمن لنمطى التفكير شبه الخرافى والاسطورى)، كما ان له مضمون ايجابي  هو تبنى نمط التفكير الاجتهادى (المتضمن لنمطى التفكير العلمى والعقلانى الغير متناقضين مع الوحى).

المستوى العملى:  المستوى الفرعى لهذه المرحله هو المستوى العملى ، اى مرحله الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن وادلته: تقرير القران والسنه لقواعد الاستطاعه  قال تعالى (فَاتّقُواْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ) وقال (ص) ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ماستطعتم )(متفق عليه) ورفع الحرج قال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]. والوسع قال تعالى(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286] يقول ابن كثير) وَقَوْله ” لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ” أَيْ لَا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ وَهَذِهِ هِيَ النَّاسِخَة الرَّافِعَة لِمَا كَانَ أَشْفَقَ مِنْهُ الصَّحَابَة فِي قَوْله ” وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه ” أَيْ هُوَ وَإِنْ حَاسَبَ وَسَأَلَ لَكِنْ لَا يُعَذِّب إِلَّا بِمَا يَمْلِك الشَّخْص دَفْعه فَأَمَّا مَا لَا يَمْلِك دَفْعه مِنْ وَسْوَسَة النَّفْس وَحَدِيثهَا فَهَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ الْإِنْسَان وَكَرَاهِيَة الْوَسْوَسَة السَّيِّئَة مِنْ الْإِيمَان).

مرحلة ما ينبغى ان يكون( العزم) : و من ادلتها قوله تعالى(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الامور)( لقمان: 17) وقوله تعالى( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) يقول ابن كثير( قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَعْنِي لَمِنْ حَقّ الْأُمُور الَّتِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهَا أَيْ لَمِنْ الْأُمُور الْمَشْكُورَة وَالْأَفْعَال الْحَمِيدَة الَّتِي عَلَيْهَا ثَوَاب جَزِيل وَثَنَاء جَمِيل)

 المستوى العملى: وهو المستوى الاصلى  لهذه المرحله وهي مرحلة انبثاق جماعة من القاعدة المسلمة التي كونتها جماعة الدعوة.هذه الجماعة لها مهمة تحرير الأمم والشعوب المسلمة من كافة أشكال الاستضعاف_ الاستكبار الاقتصادي والسياسي والعالمي وقيادتها إلى مرحلة الاستخلاف بالاحتكام إلى هذه الأمم والشعوب لا بالوصاية عليها وأدلة ذلك:قال تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (الأنفال: 72)، فالآية ميزت بين جماعة الدعوة (الذين آمنوا ولم يهاجروا)، وجماعة التمكين (المهاجرين).وفي السيرة تبدأ مرحلة التمكين ببيعتي النصرة للأنصار والهجرة للمهاجرين وتستمر حتى تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلي ذلك.أخرج الإمام عن جابر قال: مكث رسول الله (ص) في مكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم وفي سوق عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول: “من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة … فتقدم سبعين رجلاً من الأنصار وبايعوه…. قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ….. وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة”66 (إسناده جيد على شرط مسلم)، فالبيعة دليل على أن جماعة التمكين مستقلة (تنظيماً) عن جماعة الدعوة وإن كانت متحدة (عقائدياً) معها.

المستوى الاعتقادى: وهو المستوى الفرعى لهذه المرحله ومن ادلتها قوله تعالى(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبه:122)

Advertisements

فكرة واحدة على ”منهج التغيير الاسلامي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s