الليبرالية من منظور إسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الليبرالية من منظور إسلامي


د,صبري محمد خليل


مقدمه

تتناول هذه الدراسة الليبرالية كفلسفة ومنهج معرفه ومذاهب متعددة من منظور نقدي اسلامى ، من خلال تناول القضايا ألتاليه:

  • دلالات مصطلح ليبرالية(الدلالة العامة المشتركة. الدلالة الخاصة المنفردة) .
  • المواقف  المختلفة من الليبرالية(الرفض المطلق (التقليد).القبول المطلق (التغريب) الموقف النقدي (التجديد)).
  • مناهج المقارنة بين الليبرالية والإسلام.
  • الفلسفة الليبرالية.
  • منهج المعرفة الليبرالي.
  • المذاهب والنظم الليبرالية.
  • مفهوم الحرية.
  • الراسماليه والاقتصاد الحر.
  • الديمقراطية الليبرالية.
  • حقوق الإنسان.
  • علاقة الدين  بالدولة(العلمانية).
  • مصطلحات ومفاهيم ليبرالية(الليبرالية الاسلاميه والإسلام الليبرالي)
  • مفاهيم ليبرالية فى الفكر الاسلامي المعاصر( مفهوم الملكية الخاصة).
  • الخاتمة

بسم الله الرحمن الرحيم

دلالات المصطلح والمواقف المختلفة من الليبرالية

أولا:دلالات مصطلح ليبرالية:

مصطلح الليبرالية(LIBERALISME) برجع في أصله اللغوي إلى معنى الحرية(1)، غير أن للمصطلح دلالتين، شان اغلب المصطلحات ذات الدلالات(المعاني) المتعددة .

الدلالة العامة المشتركة :

 اى الحرية كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج( بصرف النظر عن أوجه الاختلاف بينها).

الدلالة الخاصة المنفردة :

 اى ما اكتسبه مفهوم الحرية من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا(واقع المجتمعات الغربية منذ القرن السابع عشر حتى اليوم). وهو المعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين(هما الليبرالية كفلسفة ومنهج معرفه) .

 وبالتالي فان اللبرالية طبقا لدلالتها الخاصة المفردة تعبير عن تيار فكرى معين ظهر في الغرب  منذ القرن السابع عشر استهدف تحرير الإنسان الاوربى من الوصايا الكنسية والملكيات المطلقة والإقطاع(الذين سادوا أوربا في العصور الوسطي ) مستندا إلي فلسفه ومنهج معينين تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم انتهى إلي اقامه نظام (علماني في موقفه من الدين، فردى في موقفه من المجتمع، راسمالى في موقفه من الاقتصاد، ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة) كان محصله عوامل( ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية) سادت أوربا نحو سبعه قرون.

ثانيا:المواقف  المختلفة من الليبرالية:

يتصل الموقف من الليبرالية بمشكلة (حضارية) أشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري في المجتمعات المسلمة ؟ يترتب على هذا أن هناك ثلاثة مواقف من الليبرالية هي ذات المواقف من مشكله كيفيه تحقيق التقدم الحضاري لهذه المجتمعات.

الرفض المطلق (التقليد):

 يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. فهو

(1) الموسوعة الفلسفية العربية،دار الإنماء العربي 1986م.

موقف يقوم على الرفض المطلق لليبرالية.

القبول المطلق (التغريب):

 يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبالتالي فهو يقوم على القبول المطلق لليبرالية ، فهو موقف يستند إلى التغريب  الذي يمكن مضمونه أن تستبدل القيم والآداب والقواعد التي جاء بها الاسلام بالقواعد والآداب والقيم الاوربيه التي كانت محصله تطور هذه المجتمعات لمده سبعه قرون وهو ما يؤدى إلى قدر من الشعور بالانتماء إلى الحضارة الغربية وهو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء للنظام الليبرالي( الفردي،الراسمالى،العلماني…

الموقف النقدي (التجديد):

        يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.

و بالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق لليبرالية إلى موقف نقدي يقوم على التمييز بين دلالتي مصطلح ليبرالية، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لليبرالية، اى الحرية كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج .أما الدلالة الخاصة المنفردة اى ما اكتسبه مفهوم الحرية من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع المجتمعات الغربية منذ القرن السابع عشر حتى اليوم والذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين(هما الليبرالية كفلسفة ومنهج للمعرفة)، فان الموقف الاسلامي يقوم على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين ممثله فى النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، ورد ورفض ما يناقضها.

مناهج المقارنة بين الليبرالية والإسلام

تعددت مناهج المقارنة بين الليبرالية والإسلام ، ويرجع هذا التعدد فى بعض مناحيه إلى تعدد المواقف من الليبرالية طبقا للمواقف السابقة الذكر:

أولا:

 فطبقا للموقف التقليدي القائم على الرفض المطلق لليبرالية فان المقارنة تأخذ شكل التركيز على ما يناقض الدين (دون تمييز بين أصوله وفروعه) من مفاهيم وقيم وأساليب ليبرالية وتجاهل ما وافق أصول الدين من هذه المفاهيم والقيم والأساليب أو امكانيه استيعابها.

  مع الاكتفاء ببيان اسبقيه الإسلام على الفلسفات والمناهج فى تقرير الدلالة العامة المشتركة لليبرالية اى الحرية كمفهوم مجرد تشترك فى فهمه كل هذه الفلسفات والمناهج،

ثانيا:

وطبقا للموقف التغريبي القائم على القبول المطلق لليبرالية ( والذي يتمثل فيما يسمى بتيار الإسلام الليبرالي) فان المقارنة تأخذ شكل التركيز على ما وافق الدين من مفاهيم وقيم وتطبيقات وأساليب ليبرالية مع تجاهل ما خالف أصوله،أو تأويل النصوص لتتفق مع اليبراليه دون تمييز بين ما هو يقيني الورود قطعي الدلالة وبالتالي لا يقبل التاويل، وما هو ظني الورود والدلالة وبالتالي يحتمل التاؤيل أو اتخاذ إقرار الإسلام للدلالة العامةالمشتركه لليبرالية كدليل على قبوله المطلق للدلالة الخاصة لليبرالية.

ثالثا:

أما الموقف التجديدى النقدي فيتجاوز الموقفين السابقين لأنه يلزم منهما المساواة الإسلام والليبرالية ( إذ المقارنة تكون بين المثيلين) بصرف النظر عن اختلافهم في النتائج (تطابق أو تناقض) فالإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، ومصدر هذه الصلاحية اكتفائه بوضع المبادىء التي فيها صلاح الناس في كل زمان ومكان، مع دعوته للمسلمين  للاجتهاد بوضع المفاهيم والقيم والأساليب التي تصلح لزمانهم ومكانهم المعين، بشرط عدم تناقضها مع هذه المبادىء الكلية . أما الليبرالية فهي فلسفه ومنهج للمعرفة تم تطبيقها في واقع زماني ومكاني معين (مذاهب)كما سبق بيانه، فهي ابتداع يشرى نسبى يحتمل الصواب والخطأ.

وبالتالي فان المقارنة هنا تأخذ شكل بيان ما يتفق مع هذه المبادى الكلية من مفاهيم وقيم وأساليب ليبرالية تمهيدا لأخذها واستعابها، أو ما يختلف مع هذه المبادىء تمهيدا لرفضها,

الفلسفة الليبرالية

تتميز الفلسفة الليبرالية بأنها لم توضع بواسطة فيلسوف واحد(كالماركسية أو الهيجليه…) بل ساهم فى وضعها عدد كبير من الفلاسفة، ظهروا خلال فتره زمنيه طويلة(القرن السادس عشر والقرون التي تليه). كما تتميز بأنها لم تبحث فى الوجود العام، بل ركزت جهدها على البحث في الوجود الانسانى وتحديدا تنظيم علاقة الفرد بالمجتمع، فهي ليست فلسفه في الوجود إنما فلسفه اجتماعيه مضمونها أن الفرد ذو حقوق طبيعية سابقة على وجود المجتمع ذاته. وهى بهذا تتطرف في تأكيد وجود الفرد إلي درجه تلغى فيها وجود الجماعة( فالفرد هو الكل والجماعة هي الفرع).

أما الفلسفة الاسلاميه فهي فلسفه تتخذ المفاهيم الكلية التي جاء بها الوحي مسلمات أولى لها، كما أنها تجمع بين تناول الوجود العام والوجود الانسانى، فهي فلسفه في الوجود وفلسفه اجتماعيه في نفس الوقت ، الفلسفة الاجتماعية الاسلاميه تجعل المجتمع بالنسبة للفرد بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه. هذه الفلسفة الاجتماعية هي  جزء من التصور الاسلامي الكلى  الذي يهدف إلي تحقيق أقصى حد ممكن من التوازن بين الفرد و الجماعة. فالشريعة تنقسم إلى العبادات الأصل فيها الفرد والفرع فيها الجماعة ،والمعاملات الأصل فيها الجماعة والفرع فيها الفرد  والمقصود بالأصل الكل والفرع الجزء.

منهج المعرفة الليبرالي:

 يستند المنهج الليبرالي إلي فكره القانون الطبيعي، وهي ككل الأفكار الاوربيه ذات جذور في الفلسفة اليونانية( السوفسطائيه، الرواقية…)ومضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة)..

     وقد علم المنهج  الليبرالي الأوربيين أن الواقع قابل للتغيير،وان ما يحول دون تغييره هي القيود المفروضة على فعالية القانون الطبيعي، وان عليهم أن يحطموا تلك القيود حتى يتغير الواقع،وان( التحرر) لازم للتغيير،وأدى هذا إلي تمرد الأوربيين على سادتهم ، وان يسقطوا وصايا الكنيسة وامتيازات الملوك والنبلاء وأمراء الإقطاع ،ويمزقوا العلاقات الاقطاعيه. أدى تحطيم هذه القيود إلي قهر الطبيعة بالعلم والثورة الصناعية وإرساء قواعد حضارة الرخاء   المادي ( الحضارة الاوربيه المعاصرة).

لكن رغم انه علمهم كيف يتحررون إلا انه لم يعلمهم ماذا يفعلون بالحرية اتكالا على أن النشاط الفردي ينتهى إلي تحقيق مصلحه الجميع. وهذا ما أدى أن تصبح ثمار هذا التقدم ( ملكيه خاصة) لأصحابه، بل كان بالنسبة إلي غيرهم  من المجتمعات الاوربيه( الطبقات الأخرى) أو المجتمعات الأخرى(المجتمعات الشرقية في ظل الاستعمار الاوربى) فقرا على فقر وعبودية كعبودية القرون الوسطي وبقيت المجتمعات الاوربيه والمجتمعات الأخرى محرومة من ثمار التقدم إلي ما قبل قرنين.غير انه يجب ملاحظه الخلل الكامن في الليبرالية كمنهج والقائلة بان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاه ،إذ قبل أن ينتهى القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. مع ملاحظه انه بعد المتغيرات الدولية الاخيره المتمثلة في انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادى القطب ممثلا في الولايات المتحدة ظهرت بعض الدعوات التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة.

 و يلتقي المنهج الاسلامي مع المنهج الليبرالي في تقريره أن تحرير الناس من القيود المفروضة عليهم شرط لازم لتغيير الواقع  ولكنه يرى أن لهذا التحرير وجهان: سلبي وإيجابي.

فعلى المستوى الذاتي نجد أن الوجه السلبي يتمثل في تحرير الذات من الغايات المطلقة الزائفة ،وهو ما عبر عنه القرآن باجتناب الطاغوت. فاتخاذ الطاغوت هو عملية تقوم الذات بموجبها بتحويل غاية محدودة (فعلاً) إلي غاية مطلقة (لأن التصور لم يتصل بالمستقبل الذي يتخطاها) والطاغوت بما هو كذلك قد يمد الذات بإمكانيات محدودة للتطور، لكن لابد أن يأتي وقت يستنفذ فيه هذه الإمكانيات، ويصبح بعدها معوقاً للتطور، لأنه في واقع الأمر الأمر غاية محدودة بالزمان والمكان وبالتالي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان).أما الوجه الإيجابي فيتمثل في أن اتخاذ الله تعالي غاية مطلقة يمد الذات بإمكانيات غير محدودة للتطور، لأنه لا تتوافر للذات الإنسانية إمكانية التحقيق النهائي فضلاً عن تجاوزها.

أما على المستوى الموضوعي فإن الوجه السلبي للتحرير فيتمثل في تحرير الفعل الإنساني من أي فعل مطلق زائف وهو ما عبر عنه القرآن بالاستكبار، فالاستكبار هو إسناد الفعل المطلق لسواه تعالى، وهو ما يؤدي إلي إلغاء فعل الآخرين، وبالتالي إلغاء المساواة بين الناس ،ونشؤ علاقة ذات طرفين المستكبر والمستضعف. أما الوجه الإيجابي فيتمثل في أن إسناد الفعل المطلق لله تعالى يمد الفعل الإنساني بإمكانيات غير محدودة للتطور لأنه ضمان موضوعي مطلق لاستمراره.

المذاهب والنظم الليبرالية

وتطبيق المنهج الليبرالي على المشاكل التي طرحها الواقع الغربي أدى إلى ظهور الكثير من النظريات في الدولة(الديمقراطية الليبرالية) والقانون(سيادة القانون) والاقتصاد(الراسماليه أو الاقتصاد الحر) والاجتماع والأخلاق(الفردية) والأدب(الفن للفن) ومذاهب في الدين المسيحي(حركات الإصلاح الديني “المذاهب البروتستانتية المختلقة “) والتي يمكن أن نطلق على مجموعها المذاهب والنظم الليبرالية. ولما كانت المذاهب و النظم الملائمة لتحقيق المبادىء الكلية الصالحة لكل زمان ومكان والتي جاء بها الإسلام، في زمان ومكان معين خاضعة لاجتهاد المسلمين. فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم الليبرالية بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية و واقع المجتمعات المسلمة .

مفهوم الحرية:

المفهوم الليبرالي للحرية قائم على أن حرية المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال سعى  كل فرد لتحقيق حريته الخاصة استنادا إلي فكره القانون الطبيعي.

فهو مفهوم يركز على الحرية الفردية ويتجاهل حرية الجماعة كما انه يركز على الجانب السلبي للحرية(التحرر من القيود المفروضة على الإنسان) ويتجاهل الجانب الايجابي للحرية ممثلا فى الاجابه على السؤال ماذا نفعل بالحرية اتكالا على أن النشاط الفردي ينتهي إلي تحقيق مصلحه الجميع.

أما  الحرية في التصور الاسلامي فهي ليست المقدرة على الفوضى، بل المقدرة على التطور المادي والروحي( اى المقدرة على إشباع الحاجات المادية والروحية أو تحقيق الغايات والمثل العليا المحدودة والمطلقة أو حل المشاكل المادية والمعنوية والروحية المتجددة زمانا ومكانا).لكن هذه المقدرة ليست مطلقه بل محدودة( مقيده) تكوينيا بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود  وتكليفيا بالأوامر والنواهي التي جاء بها الوحي ،وهذا التحديد هو ضمان موضوعي مطلق  لتوافر هذه المقدرة،وبالتالي تحقيق الحرية بتحقيق التوازن بين  ببعديها السلبي (التحرر من القيود المفروضة على مقدره الإنسان على التطور) والايجابي (استمرارية هذه المقدرة) على المستويين الذاتي (تصورا لذات لهذه الغايات أو الحاجات اوالحلول) والموضوعي (الفعل اللازم لإشباع الحاجات أو تحقيق الغايات أو حل المشاكل)، وحرية الفرد( الترقي الفردي) وحرية الجماعة( الترقي الاجتماعي).

الراسماليه والاقتصاد الحر

الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه تلتقي مع الفلسفة الاقتصادية الليبرالية في تقريرها للحرية الاقتصادية، إلا أنها تختلف عنها في وضعها لمجموعه من المبادىء الكلية التي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للحرية في المجال الاقتصادي

إسناد ملكية المال لله تعالى وحده:

يقرر القران أن الملكية صفة من صفات ربوبية الله تعالى:﴿ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾ (المائدة: 17).﴿آتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ (النور: 33)،وعلى هذا فان التصور الاسلامى قائم على إسناد ملكية كل شئ لله تعالى وحده. وإسناد الملكية إلى غيره هو شرك في الربوبية يقول تعالى﴿ ولم يكن له شريك في الملك﴾ (إلا سراء: 111)ويشكل إسناد ملكيه المال لله تعالى وحده أول ضابط موضوعي مطلق للحرية في المجال الاقتصادي ،إذ أن إسناد ملكيه المال لغيره تعالى يؤدى إلى أن يصبح حق التصرف المطلق للمال لفرد أو فئة دون الجماعة ،وهذا الأمر نلحظه عند المقارنة مع المذهب الاقتصادي الليبرالي ،فالرأسمالية إذ أسندت الملكية لغير الله ( الشعب أو الأفراد) انتفى الضمان الموضوعي المطلق لحرية انتفاع الناس بالمال علي وجه المساواة وانتهت في الواقع إلى إسناد الملكية إلى فئة المترفين ( الطبقة البرجوازية بالمصطلح الماركسي ) وبالتالي انفرادها بالانتفاع بالمال وهي الطبقية التي تلغي المساواة بين الناس فأصبح القانون يعبر عن مصالح طبقة.

استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال:

إذا كانت ملكية المال لله وحده كما بينا فإنه تعالى منزه عن الانتفاع به ومن هنا كانت حكمة استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال على الوجه الذي يحدده ملك المال تعالى يقول تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7).في تفسير ألنسفي “يعني إن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما مولكم إياها للاستمتاع به وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي بأموالكم في الحقيقة وما انتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى وليكن عليكم إلا نفاق منها كما يهون على الرجل إلا نفاق من مال غيره إذا أذن له فيه –أو جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم”

ويشكل استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال ثاني ضابط موضوعي مطلق للحرية في المجال الاقتصادي، إذ طبقا له لابد من الرجوع للجماعة (المستخلفة عن الله) لتحديد ما تريده في إطار الضوابط التي وضعها المستخلف(الله تعالى).

ولما كانت المذاهب النظم والإشكال الفنية الاقتصادية الملائمة لتحقيق هذه المبادىء الكلية في زمان ومكان معين خاضعة لاجتهاد المسلمين. فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم الاقتصادية الليبرالية (الراسماليه) في هذا المجال بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية و واقع المجتمعات المسلمة .

الديمقراطية الليبرالية:

تلتقي الفلسفة السياسية الاسلاميه مع الفلسفة السياسية الليبرالية في تقريرها للحرية السياسية، لكنها تختلف عنها في تقريرها لمجموعه من المبادىء الكلية التي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للحرية في مجال السياسة

إسناد الحاكمية لله وحدة :

يقرر القرآن أن الحاكمية صفة من صفات الربوبية ﴿ أن الحكم إلا لله يقضي الحق هو خير الفاصلين ﴾ ( الأنعام:57) ﴿أن الحكم إلا لله أمر إلا تعبدوا إلا إياه﴾ (يوسف:54).  ﴿أن الحكم إلا لله، أمر إلا تعبدوا إلا إياه﴾ ( يوسف: 40) ﴿ إلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ﴾ ( الأنعام:62) ﴿ ألا له الخلق والأمر﴾ ( الأعراف:54).

وعلى هذه فإن الحاكمية ( السيادة ) لله تعالى وحدة وإسنادها إلى غير سواء كان فرد أو فئة أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية ﴿ لم يكن شريك في الملك ﴾ ( الفرقان:2).

ويشكل إسناد ألحاكميه(السيادة) لله تعالى أول ضابط موضوعي مطلق للحرية السياسية للجماعة لأنه ضمان لان لا ينفرد فرد أو فئة بالسيادة دون الجماعة.

استخلاف الجماعة في إظهار حاكمتيه:

ولما كان لله تعالى الوجود المطلق المنزه عن الوجود في المكان والحركة خلال الزمان كانت حكمته تعالى في استخلاف الإنسان إظهار لصفاته في الأرض ( أي عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان ) وبهذا فان الله تعالى بعد أن اسند ألحاكميه لذاته استخلف الجماعة في إظهار حاكمتيه في الأرض. ولما كانت السلطة-الأمر- هي ممارسة السيادة- الحاكمية- في الزمان والمكان، فإن السلطة هي إظهار للسيادة فاستخلاف الجماعة في إظهار حاكميه الله إذا تعني إسناد السلطة- الأمر- لها أما أدلة أن المستخلف في السلطة- الأمر- الجماعة لإفراد أو فئة، تقرير القران الأمر شورى بين المسلمين ومصطلح الأمر كما أوضحنا يقابل مصطلح السلطة  ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾  وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن … ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ ( فاطر: 39).فاستخلاف الجماعة في إظهار حاكميه الله تعالى في الأرض إذا يشكل ثاني ضابط موضوعي مطلق للحرية السياسية للجماعة لان مضمونه إسناد السلطة لها.

ولما كانت المذاهب النظم والإشكال الفنية السياسية الملائمة لتحقيق هذه المبادىء الكلية في زمان ومكان معين خاضعة لاجتهاد المسلمين. فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم السياسية الليبرالية (الديمقراطية) في هذا المجال بشرط اتفاقها مع بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية وواقع المجتمعات المسلمة .

حقوق الإنسان

الفلسفة الليبرالية لحقوق الإنسان تتميز بالآتي:

أولاً: تقوم على أن مصدر هذه الحقوق هو الإنسان نفسه أي أنها حقوق طبيعية استمدها الإنسان من القانون الطبيعي المستقر في ضميره.

ثانياً:  إن هذا الحقوق تنصب على الفرد ،فالمقصود بالإنسان الليبرالي الفرد لا المجتمع فهي حقوق فردية مقدسة سابقة على وجود المجتمع وبالتالي يجب التزام الدولة ( ممثل المجتمع) باحترام هذه الحقوق.

وأول أوجه النقد للفلسفة الليبرالية لحقوق الإنسان أنها جعلت مصدر تلك الحقوق هو الإنسان نفسه بموجب القانون الطبيعي المستقر في ضمير، إن واقع الممارسة أثبت فشل هذا القانون الطبيعي أي أن ترك كل واحد يفعل ما يشاء يؤدي إلى أن كثيراً من الناس لا يستطيعون  أن يفعلوا ما يشاءون أي يصبح للناس في ظل الليبرالية  حقوقاً متساوية ولكنها  تبقي بالنسبة للأغلبية حقوقاً شكلية غير ذات مضمون فعلي . وهنا نجد الفلسفة الإسلامية تمتاز عن الفلسفة الليبرالية بأنه جعلت مصدر هذه الحقوق هو الله تعالى لا الإنسان لذا نجد في الفكر الإسلامي مصطلح (حق الله) بمعني أن مصدره هو الله تعالى تأكيداً لالزاميته يقول ألشاطبي ” وإن كل حكم شرعي فيه حق الله من جهة وجوب العمل به وفيه حق للعبد من جهة أنه ما شرع إلا المصلحة(1).

أما النقد الثاني فهو أن هذه الحقوق في الفلسفة  الليبرالية قد انصبت على الفرد ففكرة أن هذه الحقوق السابقة على  وجود المجتمع تعرضت للانتقاد حتى  من بعض المفكرين في أوربا ذاتها منهم أميل دوركهايم ، جوزيف دي ميستير ، جورج دافي ، دي بولاند ، هانس كيلس.(2)

كما يترتب على هذه الفكرة التزام الدولة ( ممثل المجتمع) بالتزام هذه الحقوق وهو ما يعني أن لا تتدخل الدولة لإقرار هذه الحقوق إذ أن مجرد قبول مفكري الليبرالية مبدأ تدخل الدولة هو إقرار بسقوط القانون الطبيعي ، وهنا نشير إلى ما قرره مؤتمر دراسة حقوق الإنسان في الدول النامية عام 1964م في كابول ” أن المفهوم المجرد لحقوق الإنسان يمثل على المستوى الطبقي

ترفاً قد تستطيع الدول المتقدمة تحقيقه أما الدول النامية فهي في حاجة إلى دولة راعية مسئولة

(1)ألشاطبي ، الاعتصام ، ص 52.

(2) عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت،مركز دراسات  الوحدة العربية، 1986، ص445.

عن تحقيق لرعاياها تحقيق التنمية الكافية ليكون الإنسان إنساناً”

أول ما يقابلنا في الفلسفة الإسلامية لحقوق الإنسان أن مصدر هذه الحقوق هو الله تعالى إذ أن الحق هو صفة من صفات ربوبيته تعالى.” فذلك الله ربكم الحق”  ” ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق”.هذه الصفة لها ظهور تكويني:” ما خلق الله ذلك إلا بالحق” ” وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق”ويتمثل في أن الله تعالى  جعل للإنسان حقوقاً بحكم تكوينه فالفلسفة الإسلامية هنا تلتقي مع الفلسفة الليبرالية في ذلك ولكنه تختلف عنها في أن هذه الحقوق التكوينية مصدرها الله تعالى لا حقوق مستقلة بذاتها عنه تعالى.كما أن لهذه الصفة ظهور تكليفي:” وقل الله يهدي للحق ..”ويتمثل في الحقوق الأساسية التي قررها تعالى للإنسان في شرعه والنقطة الثانية في التصور الإسلامي هي أن الله تعالى استخلف الإنسان في الأرض لتنزهه تعالى عن المحدودية بالزمان والمكان قال تعالى ” يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض…) وقد قرر الإسلام الحقوق الأصلية للإنسان أما الحقوق الفرعية التي تجدد زماناً ومكاناً فقد ترك الإسلام للمسلمين الاجتهاد فيها وأباح لهم الأخذ بإسهامات غيرهم من الأمم بشرط أن لا تناقض أصلاً في الشرع، وبالتالي فانه يبيح الأخذ بالنظم والأساليب التي وضعتها  اللبرالية لضمان حقوق الإنسان بشرط عدم تناقضها مع أصول الشرع أو واقع المجتمعات المسلمة.

علاقة الدين  بالدولة(العلمانية)

إن مشكله علاقة الدين المطلق عن قيود الزمان والمكان غير الخاضع للتطور أو التغير فيهما،

بالدولة (السلطة) المحدودة بالزمان والمكان الخاضعة للتطور والتغيير فيهما ،تم تناولها من خلال ثلاثة حلول:

أولا- علاقة خلط:

الحل الأول يقوم على الخلط بين الدين والدولة ومن ممثليه نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه.ومن أشكال هذا الخلط تدخل الكنبسه فى الحكم فى أوربا فى العصور الوسطي باعتبار أن البابا يمثل اراده الله فى الأرض. وفى الفكر الإسلامي يقارب هذا الحل مذهب الاستخلاف الخاص اى أن الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض وهو مذهب قال به بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين وقال به الشيعة في حق ألائمه من أحفاد على غير أن الاستخلاف الخاص كما سبق ذكره مقصور على الأنبياء وبختم النبوة ووفاه الرسول (ص) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف . كما أن هذا الحل يودى إلى  تحويل المطلق عن قيود الزمان والمكان (الدين) إلى محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما(الدولة أو السلطة) أو العكس اى تحويل ما هو محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما (الدولة) إلى مطلق اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهادا تهم المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله  والاجتهاد الذي جعله حقا للناس كما أن هذا الحل مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين قال تعالى   (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ” الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم” فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾

ثانيا:علاقة فصل:

الحل الثاني هو فصل الدين(المطلق) عن الدولة(المحدود)  واهم ممثل له العلمانية التي كانت في الأصل جزء من الديانة المسيحية تحولت إلي تيار فكرى معين ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة هو النظام الليبرالي تشكل العلمانية احد أركانه كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون.غير ان هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي للمشكلة فان جوهر الدعوة إلى العلمانية في مجتمع اسلامى هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية (التغريب)

ثالثا:علاقة وحدة وتمييز:

الحل الإسلامي  يقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل)فهي علاقة وحده(لا خلط) لان السلطة في الإسلام  مقيده بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا وبالتالي لا يباح تجاوز والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام والتي تسمى باصطلاح القران الحدود إذا هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. ﴿ تلك حدود الله فلا تعدوها﴾ ( البقرة: 229)  : ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ .(البقرة187)كما أنها علاقة تمييز( لا فصل)لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد .والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾.

ثبت في صحيح مسلم م حديث بريدة بن الحصيب قوله (ص) “إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك”.لما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر” فقال: لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

مصطلحات ومفاهيم ليبرالية

الليبرالية الاسلاميه والإسلام الليبرالي:

وهنا يجب التمييز بين مصطلحي الإسلام الليبرالي المرفوض لأنه قائم على اتخاذ إقرار الإسلام للدلالة العامةالمشتركه لليبرالية كدليل على قبوله المطلق للدلالة الخاصة لليبرالية.

ومصطلح الليبرالية الاسلاميه الذي يمكن قبوله بشرط فهمه بمعنى أن الاسلام لا يتناقص  مع الدلالة المشتركة العامة للحرية. وان هذه الدلالة لا تحول دون اكتساب مفهوم الحرية دلاله منفردة خاصة تتمثل في استناد مفهوم الحرية إلي الأساس الفكري الاسلامي ،وبالتالي يكتسب دلاله مغايرة(لا مناقضه أو مطابقة) للحرية المستندة إلي اللبرالية كأساس فكرى،  كما أنها لا تحول دون أن يكتسب مفهوم الحرية دلاله خاصة عند مراعاته لواقع المجتمعات الاسلاميه المغاير لواقع المجتمعات الاوربيه عند التطبيق اى لا تحول دون وجود وجود نمط خاص من أنماط الليبرالية.

مفاهيم ليبرالية فى الفكر الاسلامي المعاصر:

مفهوم الملكية الخاصة:

من المفاهيم الليبرالية التي تسربت إلى الفكر الاسلامىالحديث والمعاصر مفهوم الملكية الخاصة اى الملكية التي تخول للفرد التصرف المطلق في الملك وتسمى(ملكية الرقبة)  وساهم فى هذا التسرب الخلط بين مفهومي الملكية الخاصة على الوجه السابق بيانه والذي يرفضه الإسلام  والملكية الفردية التي قررها الإسلام فقد وضح لنا فيما سبق أن الإسلام  اسند الملكية المال  لله تعالى وان إسنادها لفرد أو فئة أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية واستخلف الجماعة فى الانتفاع بالمال فالملكية الخاصة للمال تناقض التصور الإسلامي لأنها قائمه على إسناد ملكية المال لفرد أو فئة دون التقيد بالقواعد التي وضعها الله تعالى مالك المال ودون اعتبار مصلحة الجماعة المستخلفة أصلا عن مالك المال في الانتفاع به. أما الملكية الفردية بمعنى انتفاع الفرد بالمال مقيدا في التصرف فيه على الوجه الذي حدده الله تعالى مالك المال ، وعلى وجه لا يتناقض مع مصلحة الجماعة المستخلفة أصلا فى الانتفاع بالمال فقد اقرها إلا سلام على الوجه الذي سنوضحه بعد قليل.

فالقول أن إلا سلام قائم على الملكية الخاصة غير صحيح، أدلة ذلك:

* وضع الإسلام حد السرقة وجعل عقوبتها قطع اليد واتخذ البعض هذا دليل على إقرار الملكية الخاصة وهو غير صحيح إذ أن الحدود هي “محظورات شرعية زجر الله عنها بعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى (1).

 وما كان حق الله يعنيان وضعه كان لحماية مصلحة الجماعة لا مصلحة الفرد يقول الكاساني (والمقصود بحق لله كل فعل أو امتناع ترجع علة إيجابه أو النهي عنه إلى الجماعة”.

وهذا دليل على أن حد السرقة إنما وضعه الشارع تعالى لحماية مصلحة الجماعة التي لها حق الانتفاع أصلا وأن كان الانتفاع بيد الفرد، إذ لو كان المراد إقرار الملكية الخاصة لكانت عقوبة السرقة قصاص لا حد إذ المقصود بالقصاص” ما وجب إتيانه أو الامتناع عنه لحق الفرد”( (2).

إي أن القصاص وضع لحماية حق الفرد ولذا يجوز العفو في القصاص ولا يجوز في الحد.

* إن كلمة ملكية في القرآن تسند إلى الله تعالى إذ الملكية من صفات الربوبية على الوجه الذي أوضحنا. وأسندها القرآن مرة إلى سواه وهو الجماعة لا الفرد في معرض الحديث عن الأنعام… فهم لها مالكون” بمعنى منتفعون.

* إن القرآن أضاف كلمة المال إلى ضمير الفرد سبع مرات فقط (3) غلب عليها صفة الذم منها:

﴿ويل لكل همزة لمزه * الذي جمع مالا وعدده * أيحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة﴾ (الهمزة: 1-4).

﴿تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب﴾ (المسد: 1-3).

﴿ وإما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم ادر ما حسابية * يا ليتها كانت القاضية * ما اغني عني مالية * هلك عني سلطانية﴾  (الحاقة : 25-29).

وفي السنة:

 قوله (ص) “يقول ابن آدم مالي  هل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت” (رواه مسلم وأبن حنبل والترمذي).

 

(1)الكاسانى بدائع الصنائع، ج7، ص ،56.

(2)المرجع السابق، ص 320 .

(3) ا لمعجم المفهرس لالفظ لقرآن الكريم، محمد فؤاد وآخرون، مادة مال.

بينما أضيفت كلمة المال إلى ضمير الجمع في القرآن 47 مره منها: ﴿ خذ من أموالهم صدقة .. ﴾

(التوبة : 103). ﴿ آتوا اليتامى أموالهم﴾ ( النساء 2) ﴿ لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ (آل عمران: 186).

الخاتمة

دلالات مصطلح ليبرالية:للمصطلح دلالتين:الدلالة العامة المشتركة : اى الحرية كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج.والدلالة الخاصة المنفردة : اى ما اكتسبه مفهوم الحرية من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا(واقع المجتمعات الغربية منذ القرن السابع عشر حتى اليوم). وهو المعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين(هما الليبرالية كفلسفة ومنهج معرفه) .

المواقف  المختلفة من الليبرالية:

الرفض المطلق (التقليد): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. فهو موقف يقوم على الرفض المطلق لليبرالية.

القبول المطلق (التغريب):يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبمنظور علم أصول الفقه رفض أصول الدين وفروعه، وبالتالي فهو يقوم على القبول المطلق لليبرالية .

الموقف النقدي (التجديد):يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. فهو يقوم على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين من الدلالة الخاصة المنفردة لليبرالية ، ورد ورفض ما يناقضها.

الفلسفة الليبرالية :الفلسفة الليبرالية ليست فلسفه في الوجود إنما فلسفه اجتماعيه مضمونها أن الفرد ذو حقوق طبيعية سابقة على وجود المجتمع ذاته.أما الفلسفة الاسلاميه فلسفه في الوجود وفلسفه اجتماعيه في نفس الوقت ، الفلسفة الاجتماعية الاسلاميه تهدف إلي تحقيق أقصى حد ممكن من التوازن بين الفرد و الجماعة.

منهج المعرفة الليبرالي:  يستند المنهج الليبرالي إلي فكره القانون الطبيعي، ومضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة)..

و يلتقي المنهج الاسلامي مع المنهج الليبرالي في تقريره الجانب السلبي للمنهج الليبرالي ممثلا في أن تحرير الناس من القيود المفروضة عليهم شرط لازم لتغيير الواقع  ولكنه يختلف عنه في الجانب الايجابي ممثلا في وضعه مجموعه من الضوابط التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصلحه الفرد ومصلحه الجماعة.

المذاهب والنظم الليبرالية:وتطبيق المنهج الليبرالي على المشاكل التي طرحها الواقع الغربي أدى إلى ظهور الكثير من النظريات في الدولة(الديمقراطية الليبرالية) والقانون(سيادة القانون) والاقتصاد(الراسماليه أو الاقتصاد الحر) والاجتماع والأخلاق(الفردية) والأدب(الفن للفن) ومذاهب في الدين المسيحي(حركات الإصلاح الديني “المذاهب البروتستانتية المختلقة “) والتي يمكن أن نطلق على مجموعها المذاهب والنظم الليبرالية. ولما كانت المذاهب و النظم الملائمة لتحقيق المبادىء الكلية الصالحة لكل زمان ومكان والتي جاء بها الإسلام، في زمان ومكان معين خاضعة لاجتهاد المسلمين. فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم الليبرالية بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية و واقع المجتمعات المسلمة .

مفهوم الحرية:المفهوم الليبرالي للحرية قائم على أن حرية المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال سعى  كل فرد لتحقيق حريته الخاصة استنادا إلي فكره القانون الطبيعي.فهو مفهوم يركز على الحرية الفردية ويتجاهل حرية الجماعة كما انه يركز على الجانب السلبي للحرية(التحرر من القيود المفروضة على الإنسان) ويتجاهل الجانب الايجابي للحرية ممثلا فى الاجابه على السؤال ماذا نفعل بالحرية اتكالا على أن النشاط الفردي ينتهي إلي تحقيق مصلحه الجميع.أما  الحرية في التصور الاسلامي فهي ليست المقدرة على الفوضى، بل المقدرة على التطور.لكن هذه المقدرة ليست مطلقه بل محدودة( مقيده) تكوينيا بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود  وتكليفيا بالأوامر والنواهي التي جاء بها الوحي ،وهذا التحديد هو ضمان موضوعي مطلق  لتوافر هذه المقدرة،وبالتالي تحقيق الحرية بتحقيق التوازن بين  أبعادها المختلفة.

 الراسماليه:الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه تلتقي مع الفلسفة الاقتصادية الليبرالية في تقريرها للحرية الاقتصادية، إلا أنها تختلف عنها في وضعها لمجموعه من المبادىء الكلية التي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للحرية في المجال الاقتصادي أهمها:إسناد ملكية المال لله تعالى وحده واستخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال.أما على مستوى المذاهب النظم والإشكال الفنية الاقتصادية الملائمة لتحقيق هذه المبادىء،فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم الاقتصادية الليبرالية (الراسماليه) في هذا المجال بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية و واقع المجتمعات المسلمة .

الديمقراطية الليبرالية: تلتقي الفلسفة السياسية الاسلاميه مع الفلسفة السياسية الليبرالية في تقريرها للحرية السياسية، لكنها تختلف عنها في تقريرها لمجموعه من المبادىء الكلية التي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للحرية في مجال السياسة أهمها: إسناد الحاكمية لله وحدة واستخلاف الجماعة في إظهار حاكمتيه: أما على مستوى المذاهب النظم والإشكال الفنية السياسية الملائمة لتحقيق هذه المبادىء الكلية في زمان ومكان معين. فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المذاهب والنظم السياسية الليبرالية (الديمقراطية) في هذا المجال بشرط اتفاقها مع بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية وواقع المجتمعات المسلمة .

حقوق الإنسان:الفلسفة الإسلامية لحقوق الإنسان ترى أن في أن الله تعالى  جعل للإنسان حقوقاً بحكم تكوينه فالفلسفة الإسلامية هنا تلتقي مع الفلسفة الليبرالية في ذلك ولكنه تختلف عنها في أن هذه الحقوق مصدرها الله تعالى لا حقوق مستقلة بذاتها عنه تعالى. وقد قرر الإسلام الحقوق الأصلية للإنسان أما الحقوق الفرعية التي تجدد زماناً ومكاناً فقد ترك الإسلام للمسلمين الاجتهاد فيها وأباح لهم الأخذ بإسهامات غيرهم من الأمم بشرط أن لا تناقض أصلاً في الشرع، وبالتالي فانه يبيح الأخذ بالنظم والأساليب التي وضعتها  الليبرالية لضمان حقوق الإنسان بشرط عدم تناقضها مع أصول الشرع أو واقع المجتمعات المسلمة.

علاقة الدين  بالدولة:

أولا- علاقة خلط: الحل الأول يقوم على الخلط بين الدين والدولة ومن ممثليه نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه.ومن أشكال هذا الخلط تدخل الكنبسه فى الحكم فى أوربا فى العصور الوسطي باعتبار أن البابا يمثل اراده الله فى الأرض. و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله  والاجتهاد الذي جعله حقا للناس ولأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) فهذه السلطة مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة.

ثانيا:علاقة فصل:الحل الثاني هو فصل الدين(المطلق) عن الدولة(المحدود)  واهم ممثل له العلمانية التي كانت في الأصل جزء من الديانة المسيحية تحولت إلي نظام متكامل للحياة هو النظام الليبرالي التى تشكل العلمانية احد أركانه كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون.غير أن هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي للمشكلة كما ان جوهر الدعوة إلى العلمانية في مجتمع اسلامى هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية (التغريب)

ثالثا:علاقة وحدة وتمييز:الحل الإسلامي  يقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحده(لا خلط) لان السلطة في الإسلام  مقيده بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا وبالتالي لا يباح تجاوز والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام والتي تسمى باصطلاح القران الحدود إذا هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. كما أنها علاقة تمييز( لا فصل)لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد .والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف .

الليبرالية الاسلاميه والإسلام الليبرالي: يجب التمييز بين مصطلحي الإسلام الليبرالي المرفوض لأنه قائم القبول المطلق للدلالة الخاصة لليبرالية.ومصطلح الليبرالية الاسلاميه الذي يمكن قبوله بشرط فهمه بمعاني أن الاسلام لا يتناقص  مع الدلالة المشتركة العامة للحرية. وان هذه الدلالة لا تحول دون اكتساب مفهوم الحرية دلاله منفردة خاصة تتمثل في استناد مفهوم الحرية إلي الأساس الفكري الاسلامي ، و مراعاة واقع المجتمعات الاسلاميه المغاير لواقع المجتمعات الاوربيه عند التطبيق.

مفاهيم ليبرالية فى الفكر الاسلامي المعاصر:

مفهوم الملكية الخاصة:من المفاهيم الليبرالية التي تسربت إلى الفكر الاسلامىالحديث والمعاصر مفهوم الملكية الخاصة اى الملكية التي تخول للفرد حق التصرف المطلق في الملك وتسمى(ملكية الرقبة)  وساهم فى هذا التسرب الخلط بين مفهومي الملكية الخاصة على الوجه السابق بيانه والذي يرفضه الإسلام  والملكية الفردية بمعنى انتفاع الفرد بالمال مقيدا في التصرف فيه على الوجه الذي حدده الله تعالى مالك المال ، وعلى وجه لا يتناقض مع مصلحة الجماعة المستخلفة أصلا فى الانتفاع بالمال والتي اقرها إلاسلام

 

 

 

المراجع

  1. الكاسانى، بدائع الصنائع ، شركة المطبوعات العلمية،القاهرة،1327.
  2. الشاطبي ، الاعتصام ، طبعه القاهرة،1946.
  3. عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت،مركز دراسات  الوحدة العربية،1986.

4.محمد فؤاد وآخرون ،المعجم المفهرس لالفظ لقرآن الكريم، ، دار القلم، بيروت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s