الوحدة والتعددية بين الفلسفة الغربية والفكر الاسلامي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الوحدة والتعددية

 بين الفلسفة  الغربية والفكر الاسلامي


د. صبري محمد خليل

 

المقدمة

 موضوع البحث:

يتناول البحث مشكله الوحدة والتعددية على المستويين الوجودي )الانطولوجى( والسياسي الاجتماعي ، واهم الحلول التي تم وضعها للمشكلة في الفلسفة الغربية و الفكر الاسلامي ،

خطه البحث:

وقد اخترنا تقسيمه إلى قسمين:

القسم الأول عن الوحدة و التعدد في الفلسفة الغربية ويتضمن:

ا/ الوحدة والتعدد في نظريه الوجود(الانطولوجيا).

ب/الوحدة والتعدد في الفلسفة السياسية والاجتماعية: مذهب الوحدة(الهيجليه/ الماركسية)،مذهب التعدد(الليبرالية).

القسم الثاني:عن الجمع بين الوحدة والتعددية في الفكر الإسلامي ويتضمن:

ا/ الجمع بين الوحدة والتعدد في التصور الإسلامي للوجود.

ب/ الجمع بين الوحدة والتعدد في الفلسفة السياسية والاجتماعية الاسلاميه: الوحدة والتعدد على المستويين التكويني والتكليفى، الحرية الدينية وحقوق غير المسلمين،التعددية السياسية وتعدد الأحزاب،الوحدة والتعددية في العلاقات الدولية.

الدراسات السابقة:

هناك العديد من الدراسات السابقة التي تناولت موضوع البحث فى كل من الفلسفة الغربية والفكر الاسلامى طرقنا لها في مكانها.

منهج البحث:

استخدم الباحث المنهج النقدي المقارن في البحث،ويتمثل المنهج النقدي  في عدم الاكتفاء بعرض أراء الفلاسفة الغربيين والمفكرين الإسلاميين في موضوع البحث بل بيان أوجه القوه والضعف في هذه الآراء،كما يتمثل المنهج المقارن في أن موضوع البحث هو المقارنة بين الحلول المقدمة من كل من الفلاسفة الغربيين والمفكرين الإسلاميين لمشكله الوحدة والتعدد،ونسبه لطبيعة المنهج الفلسفي التجريدية اكتفى البحث يتناول المشكلة على المستوى النظري.

 

 

أولا:الوحدة والتعددية  في الفلسفة الغربية

أولا: في نظريه الوجود (الانطولوجيا):

تناولت الفلسفة الغربية مشكله الوحدة والتعدد على المستوى الوجودي (الانطولوجي)، واْهم الحلول التي قدمتها هي:

(1) مذهب الوحدة: يرى أن هناك وجود حقيقي واحد،أما التنوع الذي يبدو للخبرة الإنسانية العادية فهو مجرد تجليات مختلفة لهذا الوجود الواحد ليس له أي وجود حقيقي.ولهذا المذهب شكلان:

(ا)الوحدة المادية:يرى أن المادة وحدها ذات الوجود الحقيقي،أما ما سواها (مثل الفكر أو الروح) فما هو إلا انعكاس للمادة ليس له وجود حقيقي. أهم ممثلي هذا المذهب المدرسة الأيونية في الفلسفة اليونانية، حيث نجد (طاليس) يرجع جميع الأشياء إلى مبدأ واحد ظهر عنه ويقوم به كل شيء هو الماء،ثم نجد( انكسمنيس) يذهب إلى مبدأ الأشياء هو الهواء. ثم نجد (هيرفليطس) يرى أن الأشياء جميعاً صدرت عن مبدأ مادي واحد هو النار.وفي الفلسفة الحديثة نجد (دي لامتري) يرى أنه لا يوجد سوى المادة ، وأن التفكير ليس إلا مرحلة معقدة من التنظيم المادي ، وكذلك (فيورباخ) الذي نفى أي وجود وراء الظواهر المحسوسة،وكذلك (ماركس) الذي يرى أن المادة وحدها ذات الوجود الحقيقي، أما الفكر فليس إلا انعكاس لحركة تطور المادة.

(ب)الوحدة الروحية:يرى أن الفكر والعقل أو الروح وحدة الوجود الحقيقي أما ما سواه (مثل الظواهر والأشياء المادة) فما هي إلا تجلي لهذا الفكر أو العقل ليس لها وجود حقيقي. ففي الفلسفة اليونانية نجد المدرسة (الايلية) كممثل لهذا المذهب، حيث نجد (بارميندس) يقول أنه ليس من المعقول أن تجئ الأشياء للوجود من العدم، أو أنها تتحلل للعدم، وانتهى إلى القول بأن الوجود واحد مستمر غير حادث ولا قابل للفناء ، واعتبر الحركة والتغير والتنوع مظاهر وهمية مصدرها خداع الحواس.ثم نجد(أفلاطون) يرى أن وراء العالم المحسوس المتضمن للظواهر الحسية المتغيرة المتعددة يوجد عالم المثل المتضمن للمعاني المعقولة الثابتة الواحدة. وهو  وحده ذو الوجود الحقيقي، أما هذا العالم المحسوس فما هو إلا ظلال وأشباح لعالم المثل .

  وفي الفلسفة الأوربية الحديثة نجد هيجل يرى أن الفكر المطلق (المفارق لفكر الإنسان) هو الوجود الحقيقي الوحيد، أما المادة فليست إلا تعبير عن الفكر المطلق المحكوم بالجدل. فهذا الفكر المطلق إذ يسير متطوراً يتبعه تطور المادة.

  (2) مذهب التعدد:يرى أن هناك تعدد في الوجود الحقيقي،ولهذا المذهب شكلان أيضا:

(ا)التعدد المادي: في الفلسفة اليونانية نجد أن (امبادوقليس) يرد الأشياء إلى ما أسماه الجذور الأربعة (الماء، النار، التراب والهواء) بالإضافة إلى مبداْى الحب والكراهية ،وهي متساوية في القيمة والخلود.ثم نجد أن المدرسة(الذرية) *تقول بالتعدد حيث يقول( ديموقريطس) أن الحقيقة تنقسم إلى وجود (ذرات) ولا وجود (فراغ).وقد أخذ (ابيقور) بالمذهب الذري بعد أن أجرى بعض التغييرات عليه.

(ب)التعدد الروحي: يعتبر (ليبنتز) المؤسس الحقيقي للمذهب،ويرى أن الكون مركب من أجزاء لا تقبل القسمة هي عبارة عن جواهر روحية أطلق عليها اسم الموانادات (ومعناها الأجزاء التي لا تتجزأ)، ولا يمكن أن يتفاعل أي موناد مع أي موناد آخر إذ أن كل منها يتميز عن الآخر بشكل مطلق ،وإن كان يستطيع أن يعكس نشاطه نظاماً تصاعدياً، والله هو الموناد الأعظم ،وينفرد كل موناد عن غيره من المونادات ولكن حاصل ترتيبها هو نتيجة للتناسق الأزلي الذي أقامة الله من قبل.(1)(2).

ثانيا: في الفلسفة الاجتماعية والسياسية: كما تناولت الفلسفة الغربية مشكله الوحدة والتعدد على المستوى الاجتماعي والسياسي، إذ يطرح المجتمع في كل زمان ومكان مشكله دائمة هي كيفيه حل التناقض الدائم بين وحده المجتمع وتعدد الأفراد المكونين له. واهم الحلول التي  قدمتها الفلسفة الاجتماعية و السياسية الغربية للمشكلة على هذا المستوى هي:

 مذهب الوحدة:

الهيجليه:كما سبق بيانه فقد تناول (هيجل )مشكله الوحدة والتعددية على المستوى الوجودي من

 

(1)جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بيروت،دار الكتاب اللبناني،1982، الجزء الأول، ص 305.

(2)المعجم الفلسفي المختصر- مجموعة مؤلفين- موسكو- دار التقدم- 1986 ص 132 .

*المدرسة الذرية:أحدى مدارس الفلسفية اليونانية التي تقول بالتعدد المطلق استنادا إلى مفهوم الذرة(الجزء الذي لا يتجزأ) واهم أعلامها لوقيبوس وديمقريطس وظل تصورها للذرة سائدا إلى حين اكتشاف التركيب الداخلى للذره1911

خلال فلسفة مثالية موضوعية قائمه على أولوية الفكر على المادة ،اى أن للفكر وحدة الوجود

الحقيقي، أما المادة فمجرد تجلي أو انعكاس للفكر ليس له اى وجود حقيقي ،ولا يقصد هيجل بالفكر  هنا الفكر الانسانى  بل الفكر المطلق اى ما يقابل الإله في الدين

كما تناول المشكلة على المستوى السياسي والاجتماعي  خلال منهج مثالي جدلي اى منهج قائم على أن الفكر المطلق يتطور من خلال الجدل ، والجدل يعني أن التطور يتم من خلال صراع المتناقضات عبر ثلاث لحظات ( الدعوى ونقيض الدعوى وجامع الدعوى ونقيضها ) .فهذا الفكر المطلق يتطور عبر ثلاث مراحل هي المرحلة الذاتية (وتتضمن اللذة والعاطفة والفضيلة) وهي تقابل لحظة الدعوى ، والمرحلة الموضوعية (وتتضمن الأخلاق والعرف والقانون) وهي تقابل لحظة نقيض الدعوى ،والمرحلة الجامعة للذات والموضوعية أو المرحلة المطلقة (وتتضمن الفن والدين والفلسفة) وتقابل لحظة جامع الدعوى ونقيضها  .

وبتطبيق المنهج المثالي الجدلي على حركه المجتمع نجد أن الفكر المطلق يتجسد أولا في الاراده الفردية الحرة ولكن يتجاوزها صاعدا إلى الدولة، فالاراده الحرة لابد لها أولا من التجسد فى الأشياء حتى لا تبقى مجرده ، وهكذا يكون حق ملكيه الأشياء أول تجسيد للاراده الحرة، إلا أنها تجد نفسها في تناقض  من حيث هي مجسده في شيء فتنزع إلى تجاوز هذا الوضع اى التخصيص في شيء إلى أن تكون اشمل من ذلك الشيء ،وذلك بان تتحد مع غيرها من الارادات الحرة لأفراد آخرين فتوجد العائلة التي تجسد الاراده الحرة على وجه يتجاوز الملكية، ولكنه يضيق بها أيضا فتنزع إلى  مزيد من الشمول،وهكذا يتكون المجتمع ،وبهذه السلسلة من الصعود يصل الإنسان إلى تجاوز وجوده الفردي ليصبح جزء من كل ،ولما كانت الدولة هي المثل للمجتمع فان اراده الدولة هي ارقي تمثيل للاراده الفردية ،ويكون القانون الذي تعبر به الدولة عن إرادتها فوق كل اراده فرديه، لأنه الحرية في أرقى إشكالها، وتكون الدولة هي مصدر الحريات ولا يكون القانون حدودا للحريات بل خالق لها(1)

وهكذا فان هيجل أكد على وحده المجتمع ممثله في الدولة كاْرقى تجسيد للفكر المطلق، ولكنه ألغى حرية الأفراد فيه باعتباره الدولة مصدر الحريات والقانون خالق لها.

الماركسية:

 كما سبق بيانه فان ماركس تناول مشكله الوحدة والتعددية على المستوى الوجودي طبقا لفلسفه

ماديه تقوم على أن المادة وحدها الوجود الحقيقي أما الفكر فمجرد انعكاس لحركة المادة ليس له

(1)عصمت سيف الدولة ، الطريق،دار الوحدة، بيروت ،ج2 ،ص52-53.

اى وجود حقيقي . كما تناول المشكلة على المستوى الاجتماعي والسياسي طبقا للمنهج المادي الجدلي*القائم على أن حركة المادة جدلية اى عبارة عن تطور من خلال صراع المتناقضات ، وان الفكر يتبع المادة إلى حيث هي متطورة.

والمادية التاريخية*هي محصلة تطبيق المادية الجدلية على التاريخ ومضمونها أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية ) مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج ) . وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية .

والدولة والقانون وجهان لعمله واحده فمن حيث الأسس كلاهما ينتميان إلى البناء الفوقي ويعكسان القاعدة المادية ويتطوران معها ،ومن حيث الوظيفة يؤديان معا وظيفة واحده القانون يأمر والدولة تنفذ و من حيث الطبيعة كلاهما أداه ردع طبقي فالقانون ليس إلا أداه للصراع الطبقي، وكل دوله هي قوه خاصة لردع الطبقة المقهورة، ومن حيث النشاْه كانا وليدي مرحله تاريخية معينه(ظهور الملكية الخاصة في الطور العبودى)، ومن حيث المصير سينتهي وجودهما معا في الطور الشيوعي العلمي.

والدولة والقانون في دوله البروليتاريا –مرحله انتقالية بين الراسماليه والشيوعية-أداه قهر طبقي تمارس بها البروليتاريا سيطرتها على الطبقة البرجوازية. أما كيف تتحدد مصلحه البروليتاريا فاستنادا إلى المادية فان مصلحه البروليتاريا محدده ماديا وموضوعيا( إلغاء الملكية الفردية) سواء كانوا واعين بها أم لا وإذا كانوا غير واعين بها فان هذا لا يعنى أنها ليست مصلحتهم الحقيقية بل أن لطليعتهم (الحزب الشيوعي) أن توعيهم بها(1).وهكذا فان الماركسية أيضا اختارت التأكيد على وحده المجتمع وإلغاء تتعد الأفراد فيه بتقريرها أن الدولة والقانون هما أدوات قهر طبقي تمارس بها الطبقة الحاكمة سيطرتها على الطبقة المحكومة.

 

(1)عصمت سيف الدولة، الطريق، ج2،ص68-76.

*المنهج المادي الجدلي:منهج المعرفة الذي استند إليه كارل ماركس ،ومضمونه أن حركه المادة عبارة عن تطور من خلال صراع المتناقضات .

*المادية التاريخية:هي محصله تطبيق المنهج المادي الجدلي على التاريخ،وهذا المصطلح لم يضعه ماركس إنما وضعه تلاميذه.

تقويم:وهكذا فان الفلسفات السياسية الغربية التي تنتمي لمذهب الوحدة كالهيجليه والماركسية اختارت التأكيد على وحده المجتمع ولكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء حرية الأفراد فيه وهذا الحل يقود كما هو واضح إلي الاستبداد.

 مذهب التعددية:

الليبرالية: تناولت الليبرالية مشكله الوحدة التعددية على المستوى الاجتماعي والسياسي استنادا إلى فكره القانون الطبيعي التي مضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة).بناءا على هذا تري أن تكف الدولة عن التدخل في المحاولات الفردية لتغير الواقع وان تبقي الدولة في حدود وظيفتها ( الطبيعية) وهي حراسة (القانون الطبيعي) من أي محاولات لتعويق فعاليته وذلك بان توفر للناس الأمن الخارجي والداخلي وتنفيذ ما يصل إليه الناس بإرادتهم.

وبناءا على هذا فان الليبرالية مذهب سياسي تعددي، يركز أساسا على التعددية الفردية اى حرية الأفراد المكونين للمجتمع،لكنه يرتب على هذه التعددية الفردية إلغاء أو التقليل من وحده المجتمع ممثله في الدولة، وذلك بدعوتها إلى أن تكف عن التدخل في المجتمع.

عرفت الموسوعة السياسية (التعددية) بأنها( مفهوم ليبرالي ينظر إلى المجتمع على انه متكون من روابط (سياسية وغير سياسية )متعددة، ذات مصالح مشروعة متفرقة. و أن التعدد والاختلاف يحول دون تمركز الحكم ويساعد على تحقيق المشاركة وتوزع المنافع) (1)

أما قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيعتبر (التعددية) بمثابة تنظيم حياة المجتمع وفق قواعد عامة مشتركة تحترم وجود الاختلاف والتنوع في اتجاهات السكان في المجتمعات ذات الأطر الواسعة وخاصة المجتمعات الحديثة حيث تختلط الاتجاهات الأيديولوجية والفلسفية والدينية. ويستطرد قاموس المصطلحات موضحا أنها تنظيم للجسد السياسي حيث تعمل الجماعات الأيديولوجية والفكرية المختلفة على الحفاظ على القيم الخاصة بها، وأن تشارك بفعالية في الحياة السياسية، وفي سبيل ذلك تقوم بإنشاء مؤسساتها وتنظيماتها الخاصة للوصول إلى أهدافها المنشودة.

 

(1)عبد الوهاب ألكيالي- الموسوعة السياسية- الجزء الأول- الدار العربية- بيروت- ص 768

تقويم:  وهكذا فان الفلسفات السياسية الغربية التي تنتمي إلى مذهب التعددية وأهمها الليبرالية قد اختارت التأكيد على حرية الأفراد المكونين للمجتمع لكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء وحده المجتمع، وهذا الحل يؤدى إلي إلغاء المساواة كما هو ماثل في تجربه المجتمعات الغربية،وقد يؤدى إلى الفوضى (تفكك الدولة،الانهيار الاقتصادي) كما هو ماثل في تجربه مجتمعات العالم الثالث.

الجمع بين الوحدة  والتعددية في الفكر الاسلامي

أولا:في التصور الاسلامي للوجود:

التصور الاسلامي للوجود يناقض مذهب الوحدة بقسميه، فهو يناقض مذهب الوحدة الروحية بمناقضته لما يلزم من نظرية وحده الوجود(الإقرار بوجود خالق وإنكار وجود مخلوق،أو الخلط بين وجود الخالق ووجود المخلوق)، رغم أننا نجد في الفكر الإسلامي من يتبنى هذه النظرية طبقا لصياغات معينه مثل ابن عربي الذي يرى أن ثمة وجوداً واحداً فقط هو وجود الله تعالى، أما الكثرة المشاهدة في العالم، فهي وهم على التحقيق تحكم به العقول القاصرة(1). كما يناقض مذهب الوحدة المادية بمناقضته لما يلزم منه من إنكار حدوث العالم وإنكار وجود اله.

 كما يناقض مذهب التعدد لأنه معادل فلسفي لتعدد الإله،رغم أننا  نجد ما يقارب هذا المذهب متمثلا في انتقال المذهب الذري إلى المتكلمين، و قد أطلقوا عليه اسم (الجواهر الفردة) قال به المعتزلة .كما قال به بعض مخالفوهم من أصحاب الأشعري مثل الباقلاني والجويني  الذين استخدموه كوسيلة لإثبات وجود الله، ولكنهم لم يقولوا ما قاله اليونان من أن الجوهر (حامل للعرض) أي أنه قائم بالعرض أو بدونه، وبالتالي قائم بذاته، بل عرفوه بأنه ما يقبل العرض أي أن الجوهر لا يقوم إلا بالعرض.

فالتصور الإسلامي إذن يتجاوز مذهبي الوحدة المطلقة والتعدد المطلق في الفلسفة الغربية إلى مذهب يجمع بين الوحدة والتعددية استنادا إلى مفهوم التوحيد الذي مضمونه إفراد الوجود المطلق لله تعالى،وطبقا لهذا المفهوم فان لله تعالى وجود حقيقي مطلق وبالتالي واحد(عينا ونوعا) أما ما سواه فله وجود حقيقي محدود وبالتالي متعدد. يقول د. محمد عماره(نحن في الرؤية الإسلامية لدينا واحدية وأحدية في الحق. في الذات الإلهية لا تعدد ولا تركب. كل شيء في هذا الكون إذن ما عدا الذات الإلهية يقوم على التعدد والتمايز والاختلاف)(2).
ثانيا:في الفلسفة الاجتماعية و السياسية الاسلاميه :

والتصور الاسلامي استنادا إلي مفهوم الوسطية يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد، فهو يؤكد

على وحده المجتمع( بتقريره المساواة) وكما يؤكد على التعددية وحرية الإفراد المكونين له(

 

(1) انظر ابن عربي،الفتوحات المكية، تحقيق د. عثمان يحي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972.

(2)محمد عماره ،الاسلام السياسي والتعددية السياسية من منظور إسلامي،القاهرة.

بتقريره الحرية) وقد تناول كلاهما على المستويين التكليفى والتكويني:

أولا:الوحدة :

المستوى التكويني : يتمثل في تقرير الإسلام  وحدة الكون ووحدة البشر ، بمعنى وحدة الأصل البشرى،  المساواة بين إفراده ، بخضوع كل الناس لذات السنن الالهيه الكلية والنوعية  التي هي إظهار لأراده الله ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ﴾ (الحجرات:13) .

المستوىالتكليفي : يتمثل في تقرير مفهوم وحده الدين  بمعنى وحده مصدر كل الأديان السماوية (الله تعالى) ، واْن  الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفيا أو إلغاءا  لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره آخر واْرقي مراحل الوحي،فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه ﴿  مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه﴾  ( المائدة:48) بخلاف نظريه وحده الأديان التي رفضها علماء أهل السنة، والتي ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي فان علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي  انتفاء  الموضوعية .

ثانيا: التعددية:

المستوى التكويني : يتمثل في تقرير القران التعدد كسنه إلهيه﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمه واحده﴾ ( المائدة:48) ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم:22) وهي سنة التعدد التي أشار إليها القرآن﴿ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ﴾ ( الشورى : 8), ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾  ( النحل: 97) , وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان ﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم ﴾ ( الرعد: 30) ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء﴾ ( الأنعام: 42) , كما أنه مضطرد في المكان﴿ وقطعناهم في الأرض أمما﴾  ( الأعراف: 168)  ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ ( هود: 48).

المستوى التكليفى: ويتمثل في تقرير تعدد الشرائع. بناءا على هذا اقر الإسلام تعدد الانتماء الديني في الامه الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحده  الامه لذا نجد في القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة بين المنتمين إلي أديان متعددة في أمه واحده،فهو يدعو أهل الكتاب إلي ما هو مشترك في الأديان السماوية لا التخلي  عن دينهم والانتماء إليه فهو يدعوهم معه لا يدعوهم إليه﴿  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ﴾(آل عمران:64) وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول أيهم اصح عقيدة دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾.(العنكبوت:46)

الحرية الدينية وحقوق غير المسلمين:

لذا قرر الإسلام الحرية الدينية ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية لغير المسلمين  بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي(لا إكراه في الدين)(البقره:256 )،كما قرر جمله من الحقوق لغير المسلمين منها:

إسناد الأعمال لغير المسلم:

إذا كان هناك من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام اْحمد فإن هناك من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء حيث يرى ابن العربي” أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به،كما جوز الماوردي وأبو يعلى للرئيس أن يتولى وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض وتاريخيا استعان بهم الخلفاء.والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الاجنبى، فالأول يحق له إسناد الأعمال له مادام شرط الكفاءة متوفرا له، لأنه جزء من حق المواطنة  أما الثاني فيتوقف على مصلحه الدولة.

الشورى:كما يحق له الأخذ برأيه في الشورى لان مجال الشورى هو  الفروع لا الأصول يقول ابن كثير ( (اسألوا أهل الذكر) اى اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)(1)

 حول مفهوم أهل الذمة:

الذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان(2) أما اصطلاحا  ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم)(3) فهي تقرير حقوق المواطنة لغير المسلم في الدولة الاسلاميه(اليهود أمه مع المؤمنين) مع احتفاظه بحريته الدينية على المستوى الدستوري( في ذمه الله ورسوله) ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه المسلمة مادام قائما بواجباتها.

حول التمييز:

أما التمييز بين الذميين والمسلمين فلم يقل به احد من المتقدمين وقال به ابن تيميه وابن القيم في مرحله تاريخية لاحقه لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمي