تأصيل العلوم من منظور حضاري

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تأصيل العلوم من منظور حضاري

 

 د. صبري محمد خليل

 

اولا:تمهيد:

     1– طبيعة البحث: يتناول البحث قضيه تأصيل العلوم من منظور حضاري. ويمكن ادراج الموضوعات التي يتطرق لها  تحت إطار فلسفه العلم كفرع من فروع الفلسفه، مع ملاحظه ان التركيز هنا على فلسفه العلم   من منظور اسلامى. وكذلك يمكن ادراجها تحت اطار الفكرالاسلامي المتضمن لعلم الكلام واصول الفقه واصول التفسير مع التركيز على اراء علماء اهل السنه والجماعه طبقا لمذاهبهم المختلفه(الحنبلى، الاشعرى…).

     2- أهميه البحث: تعتبر قضيه تاصيل العلوم احد القضايا الهامه التى تناولها الفكر الاسلامى عبر مراحل تطوره المختلفه، وقد تعددت الاسهامات التى قدمها المفكرين الاسلاميين  فى هذا المجال كما انها اصبحت مثار جدل بين التيارات الفكريه المختلفه فى العصر الحديث، وتكمن أهميه البحث في انه  يربط  قضيه تأصيل العلوم بقضية حضارية اشمل هي كيفيه تحقيق التقدم الحضاري(المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة،اى قضيه الاصاله والمعاصره والمواقف المختلفه منها.  كما انه يجاوز موقفى الرفض المطلق(التيار التغريبى) والقبول المطلق(التيار التقليدى) لقضيه تاصيل العلوم الى موقف نقدى (تجديدى) يتجاوزسلبيات الموقفين السابقين.

     3– أهداف واسئله البحث : يهدف البحث إلى الاجابه على الاسئله: ماهى طبيعه العلاقة بين العلم والفلسفة و الدين؟ وما هي علاقة قضيه تأصيل العلوم بقضية الاصاله والمعاصرة؟ وما هو الموقف الصحيح من القضيتين؟ وما هي أسس وخصائص التصور الاسلامى للعلم ؟ وما هو التفسير الصحيح للايات العلميه والكونيه .

    4- المناهج المستخدمه فى البحث: اقتضت طبيعه البحث استخدام مناهج البحث العلمى التاليه:

    ا/المنهج النقدى: ويتمثل فى عدم الاكتفاء  ببيان اراء المفكرين والعلماء فى القضايا التى تناولها البحث( كتاصيل العلوم،والاصاله والمعاصره،والتصور الاسلامى للعلم…)، بل بيان اوجه القوه الضعف فى هذه الاراء.

    ب/المنهج المقارن: ويتمثل فى المقارنه بين الاراء المتعدده فى القضايا التى يتناولها البحث،وبيان اوجه الاشتراك واوجه الاختلاف بينها.

   ج/المنهج الاصولى: كما استخدم الباحث-فى تناوله للفكر الاسلامى- المنهج الاصولى اى المنهج الذى استخدمه علماء اصول الفقه الاسلامى والقائم على التمييز بين المفاهيم التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله، والتى لاتحتمل التاويل ولا يجوز مخالفتها،والمذاهب والاراء التى مصدرها النصوص الظنيه الورود والدلاله،والتى هى بمثابه اجتهادات تحتمل الصواب والخطا.،وبالتالى تحتمل الاخذ والرد والقبول والرفض.

   د/المنهج الاستدلالى:كذلك استخدم الباحث المنهج الاستدلالى الكلامى الذى يلتقى مع المنهج الفلسفى فى عمله الاستدلال القائمه على الانتقال من مقدمات للوصول الى نتائج ،ولكنه يتميز عنه فى انه يجعل مصدر مقدمات الاستدلال هى النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله لا العقل، فيتخذ  من المفاهيم القرانيه الكليه(التوحيد الاستخلاف التسخير) مقدمات يستنبط منها نتائج عقليه متخذا من اجتهادات علماء اهل السنه (فى علم الكلام واصول التفسيرواصول التفسير) نقطه بدايه لا نقطه نهايه لهذا الاستنباط.

   5- عناصر البحث: وقد اخترنا تقسيم البحث كالاتى:

اولا:تمهيد: طبيعه البحث واهميته واهدافه ومناهجه وعناصره.

ثانيا: علاقه الغلم بالفلسفه والدين: العلاقه بين العلم والفلسفة،العلاقه بين العلم و الدين.

ثالثا: علاقة تأصيل العلوم بقضية الاصاله والمعاصرة:مصطلح تاصيل،مصطلح المنظور الحضارى، المواقف المختلفه من قضيه الاصاله والمعاصره (الموقف التقليدي،الموقف التغرييي، الموقف التجديدى).

رابعا:التصور الاسلامى للعلم: مصطلح علم، الدلالتين الخاصه والعامه لمصطلح علم، مصطلح فلسفه العلم، التنوع والوحده فى التصور الاسلامى للعلم، اسس التصور الاسلامى للعلم،أنماط العلم في التصور الاسلامى:العلم التكوينى والعلم التكليفى،تقسيم العلوم طبقا للتصور الاسلامى للعلم.

خامسا: موقف الإسلام من نمطي التفكير العلمي والخرافي : المستوي النظرى ،المستوى التطبيقى .

سادسا: الآيات العلميه والكونية ومذاهب تفسيرها: غايات النص القرانى فى الايات  العلميه والكونيه،الاصول والفروع، مذهب رد الاصل الى الفرع ومذهب رد الفرع الى الاصل.

ثانيا:علاقة العلم بالفلسفة والدين:

   1/ علاقة العلم بالفلسفة:من القوال الشائعة أن العلم قد استقل عن الفلسفة. وهنا سنحاول تحليل هذه المقولة من ناحية تاريخية،ومن ناحية الدلالة للتوصل إلى العلاقة الصحيحة بين العلم والفلسفة.

   ا/من الناحية التاريخية:

    i التخصص: إن هذه المقولة صحيحة من الناحية التاريخية (على الأقل في الغرب)، إذ أن إحدى دلالات مصطلح الفلسفة التي سادت في الغرب طويلاً المعرفة بكل أنماطها، وليس نمط معين من أنماط المعرفة يتصف بالكلية والتجريد كما هو سائد الآن. وترتب على سيادة هذه الدلالة (التي ترجع إلى أرسطو)، أن اعتبر العلم من فروع الفلسفة. غير أنه بتطور المعرفة، أصبح كم هذه المعرفة من الضخامة بحيث استحال على فرد واحد أن يحيط بها (كما كان سائداً في الماضي حيث نجد أن الفيلسوف هو في ذات الوقت عالم وموسيقي وطبيب … الخ كما هو الحال مع أرسطو نفسه أو ابن سينا أو ابن رشد في الفلسفة الإسلامية)، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى تخصص فرد أو مجموعة من الأفراد في نمط معين من أنماط المعرفة،أو جزئية معينة من جزيئات هذا النمط أو ذاك من أنماط المعرفة، كما هو سائد الآن في الغرب.

ii      – محاولة تجاوز الخلط: من جهة أخرى فإن سيادة الدلالة السابقة لمصطلح فلسفة أدى إلى خلط الغربيين ولفترة طويلة بين الفلسفة والعلم ، ويتمثل هذا الخلط في اعتقادهم بأن منهج الفلسفة (المنهج الاستدلالي القائم على الانتقال من مقدمات عقلية إلى نتائج عقلية) هو المنهج الصالح للعلم ، لذا ظلت الدراسات العلمية خاضعة للمنهج ألتأملي لفترة طويلة. وظل هذا الخلط مستمراً إلى فترة عصر النهضة الأوربي حيث ظهر التيار التجريبي (الذي كان رائده فرنسيس بيكون) ودعا إلى الأخذ بالمنهج الاستقرائي القائم على الانتقال من مقدمات تجريبية إلى نتائج عقلية، مع ملاحظة أن هذه الدعوة اتصفت بالتطرف من حيث هي رد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة،فاستخدمت مصطلح العلم (ومنهجه الاستقرائي) للدلالة على المعرفة بكل أنماطها لا للدلالة على نمط معين من أنماط المعرفة، وبالتالي أصبحت الفلسفة (ومنهجها الاستدلالي) تابع للعلم (ويتجلى ذلك في القول بان وظيفة الفلسفة التحليل المنطقي واللغوي لنتائج العلوم عند الوضعية المنطقية التي هي أحد فروع التيار التجريبي) أو مرحلة سابقة للعلم يجب تجاوزها (و يتجلى ذلك في القول بقانون الحالات الثلاث اللاهوتية، الميتافيزيقية الوضعية عند أوجست كونت وفلسفته الوضعية الاجتماعية). كما يجب تقرير أن للفكر الإسلامي السبق التاريخي لهذه الدعوة،ولكنه نظر للعلم بالمعنى السابق القائم على المنهج الاستقرائي كنمط من أنماط المعرفة وليس كل أنماط المعرفة.

    ب/من ناحية الدلالة:

 – i   الخصوصية: كما أن مقولة استقلال العلم عن الفلسفة غير منكورة من ناحية الدلالة إذا أريد بها أن كل من الفلسفة والعلم يمثل نمط من أنماط المعرفة له مشاكل خاصة ومنهجاً خاصاً لحلها.

 – ii   استقلال العلم نسبى وليس مطلق: غير أن مقولة استقلال العلم عن الفلسفة تصبح خاطئة من ناحية الدلالة إذا أريد بها أن يتحول العلم إلى كل قائم بذاته ومستقل عن الفلسفة، وبالتالي يصبح هذا الاستقلال للعلم عن الفلسفة مطلق لا نسبي، وهذه الدلالة جاءت كرد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة التي جعلت العلاقة الصحيحة بين العلم والفلسفة علاقة خلط.

      ج/علاقة وحده وارتباط: أن العلاقة الصحيحة بين العلم والفلسفة هي علاقة وحدة وارتباط لا خلط، وتمييز لا فصل، وآية هذا أن العلم بما هو النشاط المعرفي الذي يبحث في القوانين الموضوعية التي تضبط حركة الظواهر الطبيعية و الإنسانية لا يمكن أن يوجد ما لم نبحث في افتراضات نظرية(مجرده ( سابقة على هذا البحث العلمي ، والمجرد هو الفكر لأنه مجرد من الزمان والمكان والمادة ،ونقيضه العيني أي ما يوجد في مكان معين وزمان معين وهو الشئ المادي المحسوس. والفلسفة تخصص في الدراسات الفكرية المجردة، لذا فإن موضوعات الفلسفة هي النظريات والمفاهيم والتصورات والأفكار… وكل موضوع عيني (أي موجود في زمان و مكان معين) فهو علم وليس فلسفة. غير أن هذا لا يعني أن الفلسفة منفصلة عن العلم إذ أن المعرفة قائمة على الانتقال من المعين (المشكلة) إلي المجرد (الحل) إلي العيني مرة أخرى من أجل تغييره (بالعمل).هذه الافتراضات النظرية تتصف بالكلية اى تتناول علاقة الإنسان بكل من الطبيعة والمجتمع والإله  و الفلسفة هي مفهوم كلي للوجود، فهي تبحث في علاقة الإنسان بالإله والآخرين من طبيعة مجتمع، لذا فإن مواضيع الفلسفة هي العلاقات، وبالتالي فإن أي موضوع جزئي (أي يتناول نوع معين من أنواع الوجود فهو علم وليس فلسفة.).غير أن هذا لا يعنى انه لا علاقة بين الفلسفة والعلم إذ أن الكل (الفلسفة) يحد الجزء(العلم) ولا يلغيه فيكمله ويغنيه.          .

     2/علاقة العلم بالدين:

    ا-علاقة خلط: في أوربا  العصور الوسطي جعل بعض رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية بعض النظريات العلمية جزء من الدين المسيحي، وبالتالي اعتبرت الدراسات العلمية في تلك الفترة جزءاً من الدين.

    ب-علاقة فصل: جاءت الدعوة على فصل العلم عن الدين كرد فعل متطرف على موقف بعض رجال في الكنيسة الكاثوليكية السابق ذكره الذي انتهى إلى الخلط بين العلم والدين.

    ج-علاقة وحدة وتمييز:وفي تصورنا أن علاقة العلم بالدين (كما الفلسفة) علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل)كما سنوضح عند الحديث عن التصور الاسلامى للعلم.

ثالثا: تأصيل العلوم ومشكلة الأصالة والمعاصرة:

      1/مصطلح التأصيل: يستخدم الباحثون عده مصطلحات كتأصيل العلوم،توطين العلوم،اسلمه العلوم ،تبيئه العلوم… للدلالة على ذات المعنى ، غير أننا نفضل استخدام مصطلح تأصيل لعدة أسباب منها: أن مصطلح تأصيل أكثر شمولاً ،إذ أن المصطلح يدل على الرد إلى الأصل، والأصل يرد بمعنى الدين اى النص اليقيني الورود القطعي الدلالة، كما يرد بمعنى يقارب معنى الفلسفة اى القاعدة الكلية المجردة التي تندرج تحتها قواعد جزئية عينية ورد في شرح المحلى على الورقات(فَالْأَصْلُ … مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ. كَأَصْلِ الْجِدَارِ، أَيْ: أَسَاسِهِ. وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ، أَيْ: طَرَفُهَا الثَّابِتُ فِي الْأَرْضِ. وَالْفَرْعُ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْأَصْلِ: مَا يُبْنَى عَلَى غَيْرِهِ. كَفُرُوعِ الشَّجَرَةِ لِأَصْلِهَاوَفُرُوعِ الْفِقْهِ لِأُصُولِهِ)  ([1])، فهو يتضمن تحديد للعلاقة بين العلم والفلسفة والدين ، كما أن مصطلح تأصيل يدل على اندراج مشكلة تأصيل العلوم تحت مشكلة أشمل هي مشكلة

العلاقة بين الأصالة والمعاصرة.

   2/مصطلح المنظور الحضاري: لمصطلح الحضارة العديد من التعريفات منها: أنها مجموعة من القيم الثقافية.. هـي مركـب اجتماعـي لثلاثة عناصر هي الإنسان التراب ، الزمـن (مالك بن نبي).. هي مجموع العادات والمعلومات والمهارات والحياة الخاصة والعامة في السلم والحرب ، والدين والعلم والفن وتتمثل الحضارة في نقل تجارب الماضي للجيل الجديد(غوستاف كلم Gustef Kelmm).

ويمكن أن نورد هنا تعريفا للحضاره يضم اغلب عناصر التعريفات السابقه هو تعريفها بأنها:

ا/ نسق معرفي مركب يضم العادات والتقاليد والأخلاق والقيم الجمالية والاخلاقيه والدين …

ب/ يشكل ضوابط تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه سلوكاً تجاه الآخرين (من طبيعة ومجتمع).

ج/ يكتسبه الإنسان من انتماءه إلى مجتمع معين زمان ومكان معين.

د/ وهو محصله تفاعل الانسان مع الطبيعه والمجتمع خلال الزمان..

هذا التعريف مبنى على اسبقيه المعرفة على الفعل﴿ إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات﴾. وانه في نطاق التأثير المتبادل بين الطبيعه والإنسان فان الانسان هو الفاعل وما الطبيعه إلا موضوع فعله( مفهومي استخلاف الانسان وتسخير الطبيعه)،وبالتالي تصبح الأشياء المادية آثار داله على الحضارة وليست جزءا من تعريف الحضارة.

أما المقصود بالمنظور الحضاري لقضية تأصيل العلوم أن مشكلة تأصيل العلم ترتبط بمشكلة (حضارية) أشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة؟

    3- المواقف المختلفه من تأصيل العلوم: وهناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل العلوم هي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة.

    ا/القبول المطلق (التقليد) : ويقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة. وبمنظور علم أصول الفقه يفهم عمليه التأصيل على أنها الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وفي مجال تأصيل العلوم يفهم عملية التأصيل بأنها الاكتفاء بما جاء به الوحي من نصوص قطعية عن الطبيعة والإنسان(الأصول) واجتهادات العلماء المسلمين في فهم ما جاء في الوحي من نصوص ظنية أو دراسة الظواهر الجزئية- العينية (الفروع). مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال العلم دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم (أصول) أو تلك التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي (فروع).

هذا الموقف يقارب في التاريخ الاسلامى موقف الرفض المطلق للتراث اليوناني الذي  يرى كان يرى أن هناك تعارض مطلق بين الدين الإسلامي والتراث اليوناني،وبالتالي فان الموقف الصحيح من هذا التراث هو الرفض المطلق، ومن ممثلي هذا الموقف بعض متأخري الحنابلة كابن الصلاح في كتابه (الفتاوى).

كما أن هذا الموقف يقوم على الخلط بين الدين والعلم إذ يحاول الكشف عن الظواهر (الجزئية، العينية) وقوانين حركتها لا في الإنسان والطبيعة ولكن في القرآن، ومرجع ذلك عدم تمييزه بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة.

كما أن هذا الموقف رغم رفضه القاطع لفصل العلم عن الدين إلا أنه لا يرفض بصورة قاطعة فصل العلم عن الفلسفة دون الانتباه إلى فصل العلم عن الفلسفة هو الخطوة الأولى لفصل العلم عن الدين.

    ب/الرفض المطلق (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه (وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض). فهو موقف يقوم على الرفض المطلق لتأصيل العلوم. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت إطار فلسفه العلم وتلك التي تنطوي تحت إطار العلم التجريبي.

    ج/ الموقف النقدي (التجديد):يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. كما يفهم عملية تأصيل العلوم على أنها عملية ذات أوجه متعددة.

فمن جهة فإن تأصيل العلم هو نشاط معرفي عقلي يبحث في مسلمات نظرية كلية سابقة على البحث العلمي في الظواهر الجزئية العينية يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن الإنسان والطبيعة ضوابط موضوعية مطلقة له.

كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن الطبيعة أو الإنسان أو دراساتهم المتعلقة بالظواهر الجزئية العينية نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي.

كما يميز بين فروع العلم التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم، وفروعه التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي. فمجال التأصيل من هذه الجهة ينصب على فروع العلم التي تنطوي تحت فلسفه العلم لا تلك التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي، أي تلك التي تنطوي على درجة أكبر من الكلية والتجريد ودرجة أقل من الجزئية والعينية.وبالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال فلسفه العلم إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية،والرد والرفض لما يناقضها. غير أن هذا لا يعني القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم التجريبي،بل يعني أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين، فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.

هذا الموقف يجعل العلاقة بين العلم وكل من الفلسفة والدين علاقة وحدة لا خلط وتمييز لا فصل.كما أن هذا الموقف يقارب الموقف النقدي من التراث اليوناني وهذا الموقف قائم على أنه ليس هناك تعارض مطلق بين التراث اليوناني والدين الاسلامى بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف وفي حالة الاختلاف يكون الرفض وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول.من ممثليه ابن تيميه والغزالي. فابن تيمية مثلاً لا يأخذ موقف موحد من الفلسفة المقصود هنا الفلسفة اليونانية سواء بالرفض والقبول بل يقسمها إلي ثلاثة أقسام: الأول:الإلهيات (الميتافيزيقا) وهو يرفضه وأغلب رفضه ينصب على هذا القسم منها… الثاني: الطبيعيات: ويرى جواز الأخذ به مع عدم ربطه بالإلهيات “الميتافيزيقا” اليونانية ويعتبره غالبه كلام جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا به وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد ولكنهم جهال بالعلم الإلهي([2])

…الثالث: الرياضات: ويرى وجوب الأخذ به ومعرفته ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة والميراث وغيرها. وبناءاً على ذلك لا يلغي صفة الإسلامية عن الإنتاج الفكري لهؤلاء الفلاسفة بل يقرر أنه( كان في كل من هؤلاء من الإلحاد التحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة ما وافقوا فيه ذلك)( [3])

كما أن الغزالي يأخذ نفس الموقف فيقسم الفلسفة اليونانية إلي ثلاثة أقسام            حسب تعارضها أو توافقها مع أصول الدين: قسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ومعناً وحصره في ثلاث قضايا هي (قول الفلاسفة اليونانيين بقدم العالم وإنكار البعث الجسدي وإنكار علم الله تعالى بالجزيئات). وقسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ويوافقها معها معناً وحصره في سبعة عشرة قضية. وقسم يوافق هذه الأصول لفظاً ومعناً([4]).ثم يحدد الموقف من هذه الأقسام (قسم يجب التكفير فية، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلاً([5]).

رابعا:التصور الاسلامى للعلم:

    1-مصطلح العلم: لمصطلح العلم دلالات متعددة ([6])وكثيرا ما يستخدم الباحثون المصطلح دون تحديد الدلالة التي يعنيها الباحث باستخدامه للمصطلح مما يؤدى إلى الخلط بين هذه الدلالات المتعددة، وللخروج من هذه المشكلة يجب التمييز بين دلالتين لمصطلح العلم:

        ا/الدلالة الخاصة: اى العلم كنمط  معين من أنماط المعرفة يهدف إلى معرفة القوانين الموضوعية (أو السنن الإلهية بتعبير القران) التي تضبط حركة تحول الطبيعة وتطور الإنسان،و التي لابد أن تأتي حلول المشاكل على مقتضاها لكي تكون صحيحة وبالتالي يتصف العلم ( طبقا لهذه الدلالة) بصفتين:

– i     العينية: أي أن العلم يبحث في وقائع معينة بذاتها زماناً ومكاناً وبالتالي تخضع للتجربة والاختبار.

– ii    جزئية (النوعية): أي أن العلم يبحث في الوجود النوعي (الجزئي) أي يبحث في القوانين النوعية التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود.

    ب/الدلاله العامه: اى العلم باعتباره المعرفة بكل أنماطها.

ونلاحظ أن المذاهب التجريبية والمادية في الفلسفة الغربية تقصر العلم على دلالته الخاصة بينما التصور الاسلامى يقر بالدلالات المتعددة للعلم كما سنوضح عند الحديث عن أنماط العلم في التصور الاسلامى .

    2/مصطلح فلسفه العلم: فلسفة العلم هي إحدى فروع الفلسفة التي تربط بين الفلسفة والعلم، إذ زعم أن لكل منهما مشاكل خاصة يحاول حلها ومنهج خاص لحلها، إلا أن الخصوصية لا تعني أن كل منهما منفصل عن الآخر، إذ أن كلاهما يتناول ذات المشاكل ولكن على مستوى مختلف أي منظور إليها من جهة مختلفة. وتتصف فلسفة العلم بصفتين الأولى هي التجريد: أي أنها تبحث في الافتراضات السابقة على البحث العلمي كالموضوعية (هل الكون ذو وجود مستقل عن الوعي وغير متوقف على معرفته والسابق على هذه المعرفة أم من خلق وعي الإنسان) والحتمية (هل هنالك  القوانين الحتمية تضبط حركة الأشياء والظواهر والإنسان).والثانية هي الكلية فالفلسفة مفهوم كلى للوجود، وهذا المفهوم الكلي للوجود لا يتحقق إلا من خلال محاولة تقديم تفسير فلسفي لنتائج البحث العلمي في كل نوع من أنواع الوجود، هذا التفسير الفلسفي هو تعميم لنتائج البحث العلمي الجزئية. هذا التعميم هو أحد وظائف فلسفة العلم.([7]).

      3 /التنوع والوحدة في التصور الاسلامى للعلم:يجب تقرير أن التصور الاسلامى للعلم( أو فلسفه العلم الاسلاميه) يتصف بالتنوع والوحدة، فهو يتصف بالتنوع من جهة تنوع أنماط هذا النشاط المعرفي العقلي، ففي الفكر الإسلامي نجد هذا التنوع ماثلاً في وجود تصورات متنوعة للعلم فهناك التصور الصوفي للعلم(وهو ما يتنوع فهناك تصور صوفي – أشعري (سني) كما عند الغزالي، وتصور صوفي (حلولي) يستند إلى وحدة الوجود كما عند محي الدين بن عربي) وهناك تصور المتكلمين للعلم (وهو ما يتنوع أيضاً فهناك تصور أشعري كما عند الرازي وتصور معتزلي وتصور شيعي وتصور حنبلي (ابن تيمية، ابن القيم …) …)وهناك تصور الفلاسفة الإسلاميين للعلم(وهو ما تنوع أيضاً فهناك تصور ابن سينا، تصور الفارابي….)كما يتصف بالوحدة من جهة أن هذه الأنماط المتنوعة لهذا النشاط المعرفي العقلي تتخذ أو تحاول أن تتخذ من النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي مصدرها الوحي ضوابط موضوعية مطلقة لها.

     4/أسس التصور الاسلامى للعلم: يستند التصور الاسلامى للعلم إلى المفاهيم ألقرانيه الكلية الثلاثة( التوحيد الاستخلاف التسخير)، و يقوم ابتدءا على  اعتبار أن   العلم من صفات الألوهية، وبالتالي فان أولى نتائج تطبيق مفهوم التوحيد (توحيد الألوهية تحديداً) هو إفراد العلم المطلق لله تعالى، لذا صوره القرآن شاملاً لكل الوجود (الشهادي والغيبي) ﴿عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم﴾ (التغابن: 18 )، وبالتالي فإن إسناد العلم المطلق (أي المعرفة المطلقة) لسواه هو شرك في الألوهية (سواء كان شرك علمي أو اعتقادي)، لذا نفى القرآن حتى عن الأنبياء هذا العلم المطلق المتضمن للعلم بالغيب ﴿قل لا أملك لنفسي إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني من سوء … ﴾ . وللعلم الإلهي المطلق شكلين من أشكال الظهور: ظهور ذاتي في الحياة الآخرة ،وظهور صفاتي في الحياة الدنيا، وللأخير شكلين الأول تكويني يتمثل في عالم الشهادة (المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف) كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد (التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة (الحدس) كوسائل لمعرفته.والشكل الثاني  تكليفي يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات علة توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه)([8])

ومضمون مفهوم التسخير أن الأشياء والظواهر التي لها درجة التسخير تظهر صفات الله تعالى (ومنها صفة العلم) على وجه الإجبار، فهي دائماً آيات دالة على علمه المطلق. كما يترتب على مفهوم التسخير قاعدتان:

الموضوعية (التكوينية):إن الكون ذو وجود مستقل عن وعي الإنسان غير متوقف عليه وسابق على معرفته: ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.وبيان ذلك أن مضمون التسخير أن الكون يظهر صفات الله تعالى فهو  بمثابة آيات دالة على وجوده تعالى، والآية لابد أن الكون ذات وجود حقيقي، وإن كان محدوداً، لتدل على الوجود المطلق.

السببية: والفعل المطلق لله تعالى (مضمون الربوبية) يظهر في عالم الشهادة من خلال السببية، ويأخذ شكل سنن إلهية لا تتبدل، وبالتالي فإن الكون قائم على قاعدة السببية ،ومنضبطة حركته بسنن إلهية لا تتبدل.

ومضمون الاستخلاف هنا هو إظهار الإنسان لصفة الألوهية (العلم)، (أي إظهاره لمادل على العلم المطلق لله تعالى) في الأرض (أي في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان). يقول الغزالي (فتعليم العلم من وجه عباده لله، ومن وجه خلافه لله تعالى، ومن اجل خلافه الله تعالى، فان الله قد فتح للعالم العلم الذي هو اخص صفاته)([9])

وهو ما يكون بالآتي:

توحيد الألوهية: على الوجه السابق بيانه.

العبادة: ومضمونها هنا اتخاذ صفة الألوهية (العلم)، (أي ما دل على علمه المطلق) مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان إلى تحقيقه في الأرض (أي في واقعه المحدود زماناً ومكاناً) دون أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائي،ولا يعني هذا إلغاء المعرفة الإنسانية بل تحديدها،وذلك باتخاذ مقتضى صفة الألوهية (العلم) التكويني (السنن الإلهية الكلية والنوعية) والتكليفي (الأوامر والنواهي التي جاء بها الوحي) ضوابط موضوعية مطلقة للمعرفة الإنسانية.ومحصلة هذا مد المعرفة الإنسانية بإمكانيات غير محدودة للتطور لأنه لا تتوافر للإنسان إمكانية التحقيق النهائي للعلم الإلهي المطلق كما دلت على هذا جملة نصوص فهم منها البعض ومحدودية المعرفة الإنسانية فقط: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾..

العلم التكويني:مضمونه البحث في الظواهر( الجزئية، العينية)والقوانين الموضوعية (السنن الإلهية بالتعبير القرآني) التي تضبط حركتها، ومجال بحثه الوجود (الإنساني والطبيعي).

العلم ألتكليفي: مضمونه القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي والتي ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي العقلي (الاستدلالي) الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية التجريدية التي تسبق البحث العلمي السابق الذكر.والعلاقة بينهما هي علاقة الجزء (العلم التكليفي) بالكل (العلم التكويني)، فالثاني يحد الأول فيكمله ويغنيه ولا يلغيه.يترتب على هذا أنه يمكن استخدام مصطلحي العلم التكويني للدلالة على الفروع  التجريبية للعلم المعين والتي تسمى في الفكر الغربي (بصورة عامة) اسم العلم التجريبي( علم الاجتماع ، علم النفس ، علم السياسة ، علم الاقتصاد…)،والتي معيار التحقق منها التجربة والاختبار العلميين، والتي يلزم من التحقق من كونها صادقة لهذا المعيار قبولها بصرف النظر عن من تحقق منها،حتى لو كان من تحقق منها كافر) .كما يلزم من التحقق من كونها كاذبة بهذا المعيار رفضها (حتى لو كان من تحقق منها مسلم). كما يمكن استخدام مصطلح العلم ألتكليفي للدلالة على الفروع النظرية للعلم المعين ( كعلم النفس الفلسفي، علم اجتماع المعرفة، النظريه السياسية، النظريه الاقتصادية…) التي يطلق عليها (بصورة عامة) فلسفه العلم المعين(فلسفه اجتماعيه، فلسفه النفس، فلسفه سياسية).

بعبارة أخرى فان مصطلح العلم التكويني يقابل مصطلح العلم في الفكر الغربي ،ومصطلح العلم التكليفى يقابل مصطلح فلسفه العلم في الفكر الغربي،لكن بعد التحقق منها بمعيار الوحي، بعبارة أخرى هو ذلك النشاط المعرفي العقلي الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية المجردة التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية الجزئية والمنضبط بقواعد الوحي. هذا الموقف يقارب تصور بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين يقول يوسف القرضاوى(وأنا أفضل_ الحقيقة_ كلمه المدرسة الاسلاميه في علم الاجتماع ….في علم النفس… في علم التاريخ هذا أفضل من كلمه علم النفس الاسلامى علم الاجتماع الاسلامى…([10])

. كما أن سيد قطب رغم موقفه المتشدد من التراث الفكري الغربي فانه يخذ موقفا مقاربا لهذا التصور فيقول:إن حكاية أن الثقافة تراث انسانى لا وطن له ولا جنسيه هي حكاية صحيحة عندما يتعلق الأمر بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العملية دون تجاوز إلى التفسيرات الفلسفية لنتائج هذه العلوم ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه…بناءا على التقسيم السابق للعلم إلى تكويني وتكليفي يمكن تقسيم العلوم كالاتى:

1/علم التوحيد: ما يقابل الدراسات اللاهوتيه في الفكر الغربي،وهو مقصور على  ما اسماه العلماء المسلمين بعلم أصول الدينن اوعلم الكلام اوعلم الاستدلال والصفات.. لانه يبحث فى المحور الاول من محاور الوجود اى الله تعالى وصفاته وادله وجوده….

2/علوم الاستخلاف: ما يقابل الدراسات الانسانيه في الفكر الغربي، وتنقسم إلى:

   ا/علوم الاستخلاف التكويني: ما يقابل الفروع  التجريبيه للعلوم الانسانيه (علم الاجتماع ،علم السياسة ، علم الاقتصاد،علم النفس…)،والتي معيار التحقق منها التجربة والاختبار العلميين.

  ب/علوم الاستخلاف التكليفى:ما يقابل فلسفه العلوم الانسانيه في الفكر   الغربي. (كالفلسفه السياسيه، الفلسفه الاجتماعيه، الفلسفه الاقتصاديه..)،وتضم القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي والتي ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي العقلي (الاستدلالي) الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية التجريدية التي تسبق البحث العلمي فى العلوم السابقه الذكر،وتضم علوم اصول الفقه، اصول التفسير… باعتبار ان مصطلح اصول فى الفكر الاسلامى تقابل مصطلح فلسفه فى الفكر الغربى.

3/علوم التسخير: ما يقابل العلوم الطبيعية في الفكر الغربي(علم الفيزياء،علم الكيمياء،الجيولوجى…)

هذا التقسيم يستند إلى انطلاق التصور الاسلامى للعلم من مفاهيم التوحيد والاستخلاف والتسخير، وله شرعيته-حتى فى اطار الفكر الغربى- لان قضيه تقسيم العلوم وتحديد العلاقة بينها هي قضيه فلسفيه وليست قضيه علميه، لذا يستند كل باحث فيها إلى المفاهيم التي تشكل النسق الفلسفي الذي ينطلق منه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خامسا:موقف الإسلام من نمطي التفكير العلمي و الخرافي:

1-على المستوى النظرى: والتفكير العلمي اقره الإسلام حين قرر القران أن حركه الكون خاضعة لسنن إلهيه لا تتبدل﴿ ولن تجد لسنتنا تبديلا﴾،اى أن هناك  قوانين حتمية تضبط حركه الأشياء والظواهر، ومضمون الحتمية  تحقق السبب بتوافر المسبب وانتفائه بانتفاء المسبب.   كما أن الإسلام حث على   التفكير العلمي  الذي يقوم على الإقرار بان هناك قوانين حتمية تضبط حركه الأشياء والظواهر والإنسان ﴿ ولن تجد لسنه الله تبديلا ولن تجد لسنه الله تحويلا﴾ ( فاطر:43)…

ومن خصائص التفكير العلمي التخطيط،وله شرطين: عدم توقع تحقق غاية معينه دون تدخل ايجابي من  الإنسان. وضرورة سبق الأحداث قبل أن تقع والتحكم في وقوعها طبقا لخطط معينه . أما التفكير الخرافي فيناقض التخطيط وذلك لإلغائه شرطه الأول بالسلبية والتواكل وإلغائه شرطه الثاني بالتجريبية  والمغامرة، والإسلام لا يعارض التخطيط لأنه يحث على التزام شرطه الأول بتقريره أن شيئا من الواقع لن يتغير ما لم يتدخل الإنسان لتغييره﴿ أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ كما حث على التزام شرطه الثاني بنهيه عن التواكل.

أما التفكير الخرافي فيقوم على محاوله تفسير ظاهره عينيه جزئيه بقوه غيبيه(كتفسير المرض بروح شريرة تقمصت جسم المريض) لا بالرجوع إلي القوانين الموضوعية التي تضبط حركتها ومن أنماط التفكير الخرافي الكهانة والتنجيم والعرافة والطيرة وضرب الرمل وقراءه الفنجان والسحر وكل هذه الأنماط رفضها الإسلام:

( من أتى كاهنا فصدقه بما يقول  فقد بريء مما انزله الله على محمد)( رواه الطبراني)

(من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبه من السحر)( رواه أبو داود وابن ماجه)

(من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاه أربعين يوما)( رواه مسلم)

(العيافه والطيره والطرق من الجبت)( رواه ابوداود والنسائي وابن حبان في صحيحة)

2-على المستوى التطبيقى: وقد ظهر الإسلام في منطقه ساد فيها التخلف الحضاري بكل أشكاله (التي تمثل شروطه الموضوعية والذاتية)، فقد سادت فيها أشكاله الذاتية ممثله في سيادة أنماط التفكير الخرافي والاسطورى ، ثم جاء الإسلام فهدي الناس إلي أعمال العقل، وانشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماط متعددة من التفكير العقلاني.و هدى الناس إلي أصول منهج البحث العلمي وترك لهم وضع فروعه واستعماله ولم يحتاج المسلمون إلي كثير من الوقت لاحتلال المراتب الأولى في كثير من العلوم كما ساد انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير والحركة. غير انه نسبة لظروف خارجية،( التهديد المغولي، الصليبي…)و داخليه (الاستبداد،.قفل باب الاجتهاد. حدث بطء التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة ثم اصطدمت هذه المجتمعات بشعوب أوربا التي حررتها الليبرالية فانهزمت وهنا خضعت للاستعمار،وقد عمل الاستعمار علي نشر التغريب الذي يمكن تعريفه بأنه قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلي الحضارة الغربية علي حساب الولاء الإسلامي، وهكذا فإن الجمود( الذاتي)و الاستعمار (الموضوعي) أديا إلى توقف التقدم الحضاري ، و ظهر الشكل الذاتي للتخلف الحضاري ممثلا في التفكير البدعى المتضمن للتفكير  شبه الخرافي و الأسطوري.

وبالتالي فان محاربه التفكير البدعى (والتفكير شبه الخرافي وشبه اسطورى المضمن فيه) ونشر التفكير الاجتهادي (والتفكير العلمي والعقلاني الذي لا يتناقض مع الوحي المتضمن فيه) هو شرط ذاتي لتحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سادسا:الآيات العلمية والكونية ومذاهب التفسير العلمي للقران:

      1-غايات النص القرآني فى الايات الكونيه :غاية النص القرآني في الآيات العلمية والكونية كالتي تصف جريان الشمس ومنازل القمر وتسيير السحاب وتصريف الرياح وإرسال الرعد والبرق وإنبات الزرع… الخ. هداية الناس إلي العلم ، وان يستخدموا العلم في تسخير الطبيعة باعتبار ذلك جزء من المفهوم العام للعبادة (في مجال العلم) ،والاستدلال بالوجود المحدود لعالم الشهادة على الوجود المطلق (الذي ينفرد به الله تعالى) ، واتصافه بالفاعلية فينفرد بكونه الفاعل المطلق (مضمون الربوبية). والغائية فينفرد بكونه غاية مطلقة (مضمون الألوهية) “في مجال العقيدة”. ولتحقيق هاتان الغايتان انقسم النص القرآني إلي قسمين:

    ا-الأصول:هي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها والتي يمكن اعتبارها غايات يتحقق من خلالها غاية النص القرآني هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان وتتمثل هنا في غايتين:

   i- هداية الناس إلي الله واتصافه بالربوبية والألوهية،وذلك من خلال الاستدلال القرآني القائم على الانتقال من عالم الشهادة (مقدمة) إلي عالم الغيب  (نتيجة).

   ii- هداية الناس إلي أسس المنهج العلمي كتقرير أن الكون ومفرداته ذو وجود موضوعي مستقل عن معرفتهم وقابل للمعرفة بالحواس والعقل والدعوة إلي معرفته ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم﴾ (الذاريات: 20- 21). ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾( فصلت: )53. (قاعدة الموضوعية) وتقرير أن حركة هذا الكون منضبطة بسنن لا تتبدل ﴿ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾( آل عمران: 137). ﴿ فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً ﴾ (فاطر:3 ). قاعدة السببية﴾ ..الخ.

وتتضمن هذه الأصول الآيات الكونية القطعية الدلالة(التي لا تحتمل التأويل) المتضمنة لتفسير بعض الظواهر الطبيعية ، وهي بمثابة أدله لإثبات إعجاز القران ، وفى نفس الوقت أمثلة مضروبة للناس من أجل حثهم على البحث العلمي في السنن الإلهية التي تضبط الواقع الطبيعي والإنساني لا الاكتفاء بما في القرآن.

    ب-الفروع: وهى الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها بل القائمة بدلالة الآيات السابقة فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تضمنتها آيات الأصول وتتمثل في الآيات التي تتحدث عن وصف مشاهد الكون المختلفة.وتتضمن هذه الفروع الآيات الكونية الظنية الدلالة(التي تحتمل التأويل) .

2    /مذاهب تفسير الآيات الكونية:

    ا- مذهب رد الأصل إلى الفرع: يعتبر الآيات العلمية و الكونية بمثابة غايات للنص القرآني لا وسائل له ،وذلك من خلال شروعه في استخراج النظريات العلمية من هذه الآيات لا من الكون نفسه، دون تمييز بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة . والنص القرآني مطلق عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور خلال الزمان والتغير في المكان فهو بمثابة الأصل،أما التفسير  فهو اجتهاد انسانى محدود بالزمان والمكان خاضع للتطور والتغير فيها فهو بالتالي يمثل الفرع .غير أن هذا المذهب يجعل العلم الأصل (المطلق) والقرآن الفرع (المحدود)،وذلك بتأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية معينة، فضلاً  عن أن النظريات العلمية (كشكل من أشكال المعرفة الإنسانية) محدودة نسبية، لذا تحتمل الصواب والخطأ، وبالتالي فإن اعتبارها جزء من القرآن يؤدي إلي نسبة هذا الخطأ إليه، وهو الخطأ الذي وقع فيه بعض المفسرين المتقدمين كالرازي في تفسير الآية (كصيب من السماء)  :إن من الناس من قال أن المطر يحصل من ارتفاع أبخرة الأرض إلي الهواء، فتنعقد هناك من شدة برد الهواء، ثم تنزل مرة أخرى فذلك هو المطر، فأبطل الله ذلك المذهب حين بين أن الصيب ينزل من السماء.

وقد وجه الشاطبى النقد  لبعض أنصار هذا المذهب في عصره(جاءت الشريعة على معهود العرب، وما تعرفه من علوم، ولم تخرج مما ألفوه ،وان كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القران الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكره المتقدمين والمتأخرين… وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا اعرف بالقران وعلومه وما أودع فيه ،ولم يبلغنا أن تكلم منهم احد من شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم من أحكام التكاليف وأحكام الاخره… وقال المراد بقوله تعالى ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ باللوح المحفوظ)( [11])

كما وجه الإمام الغزالي النقد إلي بعض الذين حاولوا الانتصار إلي أو نقض بعض

النظريات العلمية من منطقي ديني لا من منطلق التجربة والاختبار العلميين (القسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلاً من أصول الدين ليس من الضرورة تصديق الأنبياء هو الرسل منازعتهم كقولهم أن كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوءه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضعف أمره فإن هذا أمر تقوم على براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة في من يطلعه عليها.. ومن ظن وإذا قيل له أن هذا على خلاف الشرع لم يسترب في الشرع وضرر الشرع بمن تنصره بغير طريقة أكثر ممن يطعن عيه بطريقه) ( [12])

    ب- مذهب رد الفرع إلى الأصل: أن الفهم الصحيح للآيات العلمية والكونية ينتهي بنا إلي التمييز بين آيات الأصول التي تتضمن  أسس المنهج العلمي والدعوة إلى استعماله والآيات الكونية القطعية الدلالة التي هي بمثابة أمثله مضروبة للناس لاستعمال هذا المنهج العلمي للكشف عن السنن الالهيه في الطبيعة والإنسان.وآيات الفروع التي تتضمن الآيات الكونية ظنية الدلالة(تحتمل التأويل) والتي يمكن  تفسيرها بما ينتهي إليه البحث العلمي من نظريات أثبت صحتها بالتجربة والاختبار مع تقرير أن هذا التفسير اجتهاد انسانى محدود يحتمل الصواب والخطأ ،وطبقا لهذا تصبح هذه  النظريات العلمية هي جزء من هذا التفسير لا جزء من النص القرانى.

الخاتمة

تناول البحث قضيه تأصيل العلوم من منظور حضاري، اى من خلال ربطها بقضية اشمل هي كيفيه تحقيق التقدم الحضاري(المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة،وذلك من خلال تناول جمله من القضايا ذات الصله بقضيه تاصيل العلوم طبقا لهذا المنظور.

حيث تناول اولا قضيه العلاقه بين العلم والدين والفلسفه ، واوضح ان العلاقه الصحيحه بينهما هى علاقه وحده وارتباط (لا خلط) وتمييز (لا فصل) .

 ثم تناول البحث علاقه تأصيل العلوم بقضيه الأصالة والمعاصرة، واوضح ان هناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل العلوم هي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة:فهناك الموقف الاول وهو القبول المطلق ( اوالتقليد) والذى يفهم عملية التأصيل على أنها الاكتفاء بما جاء به الوحي او اجتهادات العلماء المسلمين  فى مجال العلم، مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في هذا المجال. والموقف الثانى هوالرفض المطلق (او التغريب) الذى يقوم على الرفض المطلق لتأصيل العلوم، و القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم دون تمييز.  اما الموقف الثالث – والذى يرجحه البحث- فهو الموقف النقدي (او الموقف التجديدى) الذى يفهم عملية تأصيل على أنها نشاط معرفي يبحث في مسلمات نظرية كلية سابقة على البحث العلمي في الظواهر الجزئية العينية . ويتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن الإنسان والطبيعة ضوابط موضوعية مطلقة له. كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن الطبيعة أو الإنسان أو دراساتهم المتعلقة بالظواهر الجزئية العينية نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي. كما يميز بين فروع العلم التي تنطوي تحت اطار فلسفه العلم، وفروعه التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي. ويرى ان مجال التأصيل من هذه الجهة ينصب على فروع العلم التي تنطوي تحت اطار فلسفه العلم لا تلك التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي،وبالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال فلسفه العلم إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية،والرد والرفض لما يناقضها. غير أن هذا لا يعني القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم التجريبي،بل يعني أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين، فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.

ثم تناول البحث التصور الاسلامى للعلم،حيث تطرق الى مصطلح علم وبين ان له دلاله خاصه: اى العلم كنمط  معين من أنماط المعرفة يهدف إلى معرفة القوانين الموضوعية (أو السنن الإلهية بتعبير القران) التي تضبط حركة تحول الطبيعة وتطور الإنسان، و  دلاله عامه: اى العلم باعتباره المعرفة بكل أنماطها.كما تطرق الى مصطلح فلسفه العلم . ثم قرر البحث  أن التصور الاسلامى للعلم يتصف بالتنوع والوحدة.

ثم تطرق البحث الى أسس التصور الاسلامى للعلم، وبين ان هذا التصور يستند المفاهيم ألقرانيه الكلية الثلاثة( التوحيد الاستخلاف التسخير)، وبين البحث انه طبقا لهذا  التصور يمكن تقسيم العلوم  الى اولا: علم التوحيد(علم أصول الدين)اى ما يقابل الدراسات اللاهوتيه في الفكر الغربي. ثانيا:علوم الاستخلاف اى ما يقابل الدراسات الانسانيه في الفكر الغربي، وتنقسم إلى:   علوم الاستخلاف التكويني اى ما يقابل العلوم الانسانيه في الفكر الغربي، وعلوم الاستخلاف التكليفى اى ما يقابل فلسفه العلوم الانسانيه في الفكر الغربي.ثالثا:علوم التسخيرالى ما يقابل العلوم الطبيعية في الفكر الغربي.

 ثم تناول البحث موقف الإسلام  الايجابى  من نمط التفكير العلمي والسلبى من نمط التفكير الخرافي على المستويين النظرى و التطبيقى.

 ثم تناول البحث الآيات العلمية والكونية حيث بين  ان غاية النص القرآني في الآيات العلمية والكونية، هداية الناس إلي العلم ، وان يستخدموا العلم في تسخير الطبيعة باعتبار ذلك جزء من المفهوم العام للعبادة (في مجال العلم) ،والاستدلال بالوجود المحدود لعالم الشهادة على الوجود المطلق (الذي ينفرد به الله تعالى) ، واتصافه بالفاعلية فينفرد بكونه الفاعل المطلق (مضمون الربوبية)، وبالغائية فينفرد بكونه غاية مطلقة (مضمون الألوهية) (في مجال العقيدة).

واخيرا بين البحث ان هناك مذهبين  فى تفسير الآيات الكونية:المذهب الاول هو مذهب رد الأصل إلى الفرع الذى يعتبر الآيات العلمية و الكونية بمثابة غايات للنص القرآني لا وسائل له ،وذلك من خلال شروعه في استخراج النظريات العلمية من هذه الآيات لا من الكون نفسه، دون تمييز بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة. والمذهب الثانى -الذى يرجحه البحث – هو مذهب رد الفرع إلى الأصل ويقوم على أن الفهم الصحيح للآيات العلمية والكونية ينتهي بنا إلي التمييز بين آيات الأصول التي تتضمن  أسس المنهج العلمي والدعوة إلى استعماله والآيات الكونية القطعية الدلالة التي هي بمثابة أمثله مضروبة للناس لاستعمال هذا المنهج العلمي للكشف عن السنن الالهيه في الطبيعة والإنسان.وآيات الفروع التي تتضمن الآيات الكونية ظنية الدلالة(تحتمل التأويل) والتي يمكن  تفسيرها بما ينتهي إليه البحث العلمي من نظريات ثبت صحتها بالتجربة والاختبارالعلميين.

النتائج والتوصيات

 ان الدراسة النظرية السابقة هي بمثابة مقدمات نظرية لنتائج البحث وتوصياته العملية ، ويمكن إجمالها في الآتي:

  • التاكيد على ارتباط قضيه تاصيل العلوم بقضيه حضاريه اشمل هى قضيه الاصاله والمعاصره،وان الموقف الصحيح من كلا القضيتين هو الموقف النقدى التجديدى الذى يتجاوز كلا من موقفى القبول المطلق (او التقليد) والرفض المطلق (او التغريب).
  • التأكيد على أن مجال التأصيل ينصب على فروع العلم النظريه التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم لا تلك التي  الفروع التجريبية التي تنطوي تحت اسم العلم التجريبي.
  • اتخاذ اجتهادات علماء وفلاسفة الإسلام في مجال الدراسات العلمية نقطة بداية لا نقطة نهاية.
  • تجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية ورفض ما يناقضها.
  • أن يكون معيار أخذ أو رفض إسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم التجريبي هو التجربة والاختبار العلميين فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.
  • التأكيد على أن علاقة العلم بالدين والفلسفة هي علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل).
  • الاهتمام بميدان فلسفه العلم وتدريسه.
  • التأكيد على أن فلسفه العلم الاسلاميه( التصور الاسلامي للعلم) تتصف بالوحدة والتنوع.
  • تنقية التصورات الاسلاميه للعلم من التصورات الخاطئة والأفكار ذات الجذور  الخرافية والأسطورية (الإسرائيليات).

المراجع

 

  1. ابن تيمية، الرد على المنطقين، طبعة بيروت،1965.
  2. ابن القيم، مدارج السالكين، مطبعة المنار، القاهرة، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
  3. الغزالي، تهافت الفلاسفة، طبع بيروت، بدون تاريخ.
  4. محمد عابد الجابري, مدخل إلي فلسفة العلوم , مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت، 1994م.
  5. صبري محمد خليل، مقدمه في الفلسفة وقضاياها،الجمعية الفلسفية،جامعه الخرطوم، الخرطوم،2005.
  6. يوسف القرضاوى،مجله المسلم المعاصر، السنة 21، العدد84.
  7. يوسف القرضاوى، نظرات في التفسير العلمي للقران، مجله مركز بحوث السنة، قطر، 1997.


[1]  شرح المحلى على الورقات،طبعه القاهرة، بدون تاريخ، ص1.

 [2] ابن تيمية، الرد على المنطقين، طبعة بيروت،ص61.

[3]  ابن تيمية، منهاج السنة،طبعه القاهرة،بدون تاريخ، ص252.

 

[4]  الغزالي تهافت الفلاسفة، طبع بيروت، ص9- 13

[5]  الغزالي ،المنقذ من الضلال طبع دمشق، ط2 ، ص 85- 88.

[6] محمد عابد الجابري, مدخل إلي فلسفة العلوم , مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت، 1994م،ص5

[7]  صبري محمد خليل،مقدمه في الفلسفة وقضاياها،الجمعية الفلسفية،جامعه الخرطوم، الخرطوم،2005،ص21

[8] ابن القيم، مدارج السالكين ، مطبعة المنار، القاهرة، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، ص51

[9] الغزالى، إحياء علوم الدين،طبعه القاهرة،بدون تاريخ،ص.100.

[10] يوسف القرضاوى،مجله المسلم المعاصر، السنة 21، العدد84، ص201

[11]  نقلا عن يوسف القرضاوى، نظرات في التفسير العلمي للقران، مجله مركز بحوث السنة، قطر، 1997، ص13

[12] الغزالي، تهافت الفلاسفة ،طبع بيروت، بدون تاريخ،ص111

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s