دراسات في المنهج السلفي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دراسات في المنهج السلفي

د.صبري محمد خليل

تعريف السلفية:

السلفية نسبه إلى السلف. والسلف لغة الماضي و كل ما تقدم وسبق قال تعالى(عفي الله عما سلف )(المائدة: 95 )، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة( سلف، السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف : المتقدمون.(وقال الراغب الأصفهاني في المفردات) السلف: المتقدم ، قال الله تعالى: فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (الزخرف: 56) أي معتبراً متقدماً… ولفلان سلف كريم: أي آباء متقدمون. (…  أما السلف اصطلاحا فهم الصحابة والتابعون وتابعوهم من الأئمة الذين يقتدى بهم. يقول القلشانى( السلف الصالح، وهو الصدر الأول الراسخون فى العلم، المهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الحافظون لسنته، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وانتخبهم لإقامة دينه، ورضيهم أئمة للأمة، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، وأفرغوا في نصح الأمة ونفعهم، وبذلوا في مرضاة الله أنفسهم). وقد دعت النصوص جميع المسلمين إلى الاقتداء بالسلف الصالح:قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة:الآية100) قال (ص)(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)( رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم).

خصائص المنهج السلفي:

السلفية بين المنهج والمذهب: المنهج لغة الطريق، أما في الاصطلاح الشرعي فهو مجموعه القواعد التي مصدرها الوحي والتي تحدد حركه الإنسان ، وقد اشارالقران  إلى المنهج كما في قوله تعالى(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، كما أشارت له السنة كما قوله صلى الله عليه وسلم(….ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) . وفى الاصطلاح المعرفى (منهج المعرفة) هو طريقه او أسلوب حل المشاكل المتجده ،  وهو يتصف الثبات، أما المنهج في اصطلاح علماء اصول الفقه (المنهج الاصولى) فهو البحث فى أساليب وطرق تحديد الاصول (قواعد السلوك العامة ، المجردة ،الملزمة ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ) للفروع (قواعد السلوك التي مصدرها النصوص الظنيه الورود ).  والسلفيه كأصل  هي منهج
 والسلفيه كمنهج قائمه  معرفيا ( في مجال منهج المعرفة الاسلامى)على الاستناد إلى او الانطلاق من فهم السلف لمجموعه القواعد  التي  تحدد نمط معرفه المشاكل التي يواجهها الإنسان ، ونمط الفكر اللازم لحلها، وأسلوب العمل اللازم لتنفيذ هذه الحلول في الواقع، والتي مصدرها الوحي ، فهي جزء من منهج المعرفة الاسلامى يحده كما يحد الكل الجزء، وليست منهج معرفه قائم بذاته و مستقل عنه. كما انها قائمه أصوليا (في مجال منهج اصول الفقه) على الاستناد إلى او الانطلاق من أساليب وطرق تحديد الاصول  للفروع التي وضعها السلف ، فهي جزء من منهج اصول الفقه الاسلامى يجده كما يحد الكل الجزء، وليست منهج اصولى قائم بذاته ومستقل عنه.

أما المذهب لغة فاسم لمكان الذهاب. أما  في الاصطلاح الشرعي فهو حقيقة عرفية تطلق على الأحكام التي استخرجها إمام مجتهدٌ أو خرجت على قواعده وأصوله من قِبَلِ أصحابه المجتهدين التابعين لأصوله في التخريج. أما في الاصطلاح المعرفى فهو مجموعه من الحلول للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا ..

والسلفيه كفرع هي مذهب ، والمقصود بالمذهب السلفي ما جاء كمحصله لتطبيق المنهج السلفي فى زمان ومكان معينين. وهنا نوضح خطا من يقر بالسلفية كمنهج وينكرها كمذهب، لأنه لا وجود لمنهج بدون مذهب ، فالأخير هو تطبيق للأول ، غير انه يجب ملاحظه الاتى:

  • ان صفه (مذهب) تطلق على اجتهاد بعض السلف في  كل  او بعض الفروع (مثلا مذهب الإمام احمد بن حنبل، او مذهب الإمام الشافعي في الزكاة…) ، أما كل اجتهادات السلف الصالح  في كل الفروع فيطلق عليها صفه (مذاهب السلف)، ولا يصح ان نطلق عليها اسم (مذهب السلف)، لأنهم اجتهدوا واختلفوا إلى مذاهب متعددة.
  • ان تطبيق المنهج السلفي الواحد في أزمنه وأمكنه متعددة يثمر مذاهب سلفيه متعددة ، ففي مجال الفقه مثلا نجد ان المذاهب الحنبلي والمالكي والشافعي ومذاهب الاوزاعى والثوري… كلها مذاهب فقهيه سلفيه لأنها محصله تطبيق ذات المنهج السلفي الواحد لكنه على أزمنه وأمكنه متعدد .
  • انه إذا كان من الممكن ان نطلق صفه السلفية على مذهب معين، فانه لا يصح ان نقصرها عليه، لان هذا يعنى إلغاء لعموم دعوه القران والسنة لجميع المسلمين للاقتداء بالسلف الصالح، وإنكار لخصوبة المنهج السلفي وقابليته للتطبيق  على أمكنه وازمنه متعددة و بالتالي إنتاج مذهب متعددة.

السلفية بين اصول الدين وفروعه: الأصل لغة ُ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَأَصْلِ الْجِدَارِ، أَيْ: أَسَاسِهِ. وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ، أَيْ: طَرَفُهَا الثَّابِتُ فِي الْأَرْضِ( شرح المحلي على الورقات(.أما الأصل اصطلاحا فهو كل نص يقيني الورود(من عند الله تعالى او الرسول(ص)) قطعي الدلالة (لا يحتمل التأويل). والسلفيه  هنا  قائمه على الالتزام  بفهم السلف الصالح لهذه النصوص وما تتضمنه من عقائد وعبادات وأصول معاملات،  لذا قال العلماء ان (قول الصحابي في الأمور التي لا مجال فيها للراى او الاجتهاد  له حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج،وذلك حملا لقوله في هذا الباب على التوقف والسماع والتنصيص من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يظن بهم المجازفة في القول ولا يجوز أن يحمل قولهم على الكذب فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم(،(علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري ،كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، دار الكتاب العربي ،1997، ط3،ج3، ص410).
كما أنها قائمه على إلغاء الإضافات التي طراءت علي فهم السلف لهذه الاصول ،اى البدع  إذ   البدعة هي الاضافه إلى اصول الدين.

 أما الْفرْعِ  فهو لغة مُقَابِلُ الْأَصْلِ:  اى مَا يُبْنَى عَلَى غَيْرِهِ. كَفُرُوعِ الشَّجَرَةِ لِأَصْلِهَا، وَفُرُوعِ الْفِقْهِ لِأُصُولِهِ   ( شرح المحلي على الورقات(.أما اصطلاحا فهو كل نص ظني ورود اوالدلالهِ . والسلفيه  هنا  قائمه  على الاقتداء بالسلف الصالح  في اجتهادهم فئ وضع  قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، وذلك بالاجتهاد في  وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها ، غير ان هذا لايعنى إلغاء القواعد الفرعية التي وضعها السلف الصالح بل اعتبارها تجسيدا  لماضي الامه وخبرتها، وبالتالى اتخاذها نقطه بداية لاجتهادنا لا نقطه نهايه له، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها كما هي ، او بعد الترجيح بينها ،  او وضع قواعد جديده  استجابة لمشاكل جديده لم يعايشوها..

السلفية بين التقليد والاجتهاد: التَّقْلِيدِ بالاصطلاح الشرعي قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ يَذْكُرُهَا ( شرح المحلي على الورقات(. وقد ذم القران التقليد  (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه اباءنا)(لقمان:21) كما نهى عنه الائمه :

يقول الإمام أبو حنيفة(حرام على من لم يعرف دليلى ان يفتى بكلامى، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا( ابن عبد البر، فى فضائل الائمه والفقهاء، ص145 ).

ويقول الإمام الشافعي( من استبان له سنه الرسول لم يحل له ان يدعها لقول احد) ( ابن القيم، أعلام الموقعين، ج2 ، ص361 ).

ويقول الإمام احمد بن حنبل( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302).

 ويقول الإمام مالك بن انس( ليس لأحد بعد النبي إلا يؤخذ قوله ويترك) (بن عبد البر، الجامع، ص112).

فالسلفية تتناقض مع التقليد،لان النصوص ذمته ، ولان السلف الصالح نهوا عنه ، ولان  مضمون الاقتداء بالسلف الصالح(جوهر السلفية) أما الاستناد إلى فهمهم لأصول الدين التي مصدرها النصوص أليقينه الورود القطعية الدلالة ، لأنهم  كانوا اقرب منا زمانا بعهد الرسول(ص)، وأكثر فهما منا لدلاله لغة القران، او الانطلاق من اجتهادهم فى فروع الدين التي مصدرها النصوص الظنيه الورود والدلالة لأنه تجسيد لماضي الامه وخبرتها. وبالتالى  فإنها في كلا الحالتين قبول مع حجه او دليل (هو النص اليقيني الورود القطعي الدلالة في الحالة الأولى او النص الظني الورود والدلالة في الحالة الثانية)، ولأنه في كلا الحالتين ليس من بين حجج قبول أقوالهم انها مكافئه  للكتاب او السنة التي هي المصدر الوحيد للأصول . كما ان السلفية تتناقض  مع التقليد لأنها قائمه فى مجال الفروع على اتخاذ اجتهادات السلف  نقطه بداية للاجتهاد لا نقطه نهاية له، بخلاف القول الاخيرالذى  يترتب عليه إلغاء الاجتهاد ،و يتناقض مع الاقتداء السلف فى اجتهادهم، فهو يعبر عن شكل عن أشكال التقليد، ولا يعبر عن جوهرا لسلفيه.

أما الاجتهاد لغة فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض،  أما اصطلاحا فهو هو بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية باستنباط الأحكام منها.

 و السلفيه قائمه هنا على الاجتهاد لان النصوص أمرت به، ولان السلف الصالح دعوا إليه  والتزموا به فاجتهدوا فى فروع الدين ، غير ان هذا الاجتهاد – كما سبق بيانه- ليس مقطوع الصلة بالماضي وليس له نقطه بداية، بل يتخذ اجتهادهم نقطه بداية له باعتباره تجسيدا  لماضي الامه وخبرتها.

السلفيه اقتداء بحقبه تاريخيه مباركه في كل زمان ومكان  : كما يجب التمييز بين السلف الصالح الذين شكلوا حقبه تاريخيه مباركه، والسلفيه كمنهج قائم على الاقتداء بالسلف الصالح في كل زمان ومكان،والخلط بينهما يؤدى إما إلى المساواة بين السلف الصالح  وغيرهم من المسلمين في المرتبة، او اعتبار السلفيه مرحله تاريخيه  ونفى كونها منهج صالح لكل زمان ومكان. 

السلفيه والتجديد:  التجديد لغة : اعاده الشيء الى سيرته الأولى (جدد الثوب تجديدا: صيره جديدا. وتجدد الشيء تجددا: صار جديدا، تقول: جدده فتجدد وأجده أي الثوب وجدده واستجده: صيره، أو لبسه جديدا فتجدد. والجديد نقيض البلى والخلق. (لسان العرب 3/111، الصحاح للجوهري 2/454)

اما التجديد فى الاصطلاح الشرعي  فهو اجتهاد فى فروع الدين المتغيرة مقيد (محدود) بأصوله الثابتة  قال (ص) “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر فى قرن المائة ح رقم 3740 والحاكم فى المستدرك 4/522)

عرف العلماء التجديد في الحديث(بإحياء ما اندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة)(فيض القدير 1/ 10- 2/282.).

كما عرفوا المجدد بانه من (له حنكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته) (فيض القدير 1/10، عون المعبود 11/389،391 ).فالتجديد اذا ليس هو التغريب (كما يرى البعض) لان  مضمون الاخير الاعتقاد بان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه.  بناءا على ما تقدم فان السلفيه لا تتناقض مع التجديد(كما يرى البعض) ، بل ان التجديد طبقا لمعناه الاصطلاحي الشرعي الأنف الذكر هو احد مكوناتها.

مفاهيم وقواعد:

قاعدة شمول القران: ومن القواعد المقررة في السلفيه  قاعدة شمول القران التي أشار إليها القران فى عده مواضع منها قوله تعالى (وما فرطنا في الكتاب من شيء والى ربهم يرجعون)(الأنعام :38) ، غير ان هناك تفسيرين لهذه القاعدة:

التفسير الاول:ان القران تضمن اصول الأحكام وفروعها، وقال به أهل الظاهر، وهو تفسير يؤدى إلى التقليد والإلغاء الاجتهاد.

التفسير الثاني: ان القران تضمن اصول الأحكام وترك للمسلمين الاجتهاد في فروعها، وهو تفسير  لا يؤدى إلى التقليد ولا يلغى الاجتهاد، وهو التفسير الذى يعبر عن الموقف السلفي من هذه القاعدة يقول ابن تيميه (ان الله بعث محمدا بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قاعدة عامه تتناول انواعا كثيرة ،وتلك الأنواع تتناول أحيانا جزئيات، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطه بأحكام أفعال العباد )(الفتاوى، المجلد الاول، ص 410) ويقول ابن القيم(الأحكام على نوعان نوع لا يتغير عن حاله واحده هو عليها… والثانى ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا)(أعلام الموقعين)

مفهوم البدعة: البدعة لغة: إحداث أو إنشاء شيء أو صفه بدون احتذاء أو إقتداء بأصل أو مثال سابق. قال تعالى ( قُلْ ما كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُسُلِ ومَآ أدرِي مَا يُفعَل بِي وَلا بِكُم… ) (الاحقاف 46 : 9). وقال ( بَديِعُ السَمَوَاتِ  و الأرض وإذَا قَضَى أمراً فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (البقرة 2 : 117 ).
يقول الفراهيدي : (البَدع : إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة) (العين ، للفراهيدي 2 : 54 )ويقول الراغب : (الإبداع : هو إنشاء صفةٍ بلا احتذاء وإقتداء) (معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، للراغب الاصفهاني 36 ).

البدعه اصطلاحا: هي الاضافه إلى الدين، والمقصود بالدين أصوله لا فروعه، دون الاستناد إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة:

 يقول تعالى (… ورَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابتغاء رِضوَانِ اللهِ ….).

 ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة). رواه مسلم ومعناه عند البخاري من حديث ابن مسعود.

 وقال(ص)( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). رواه أحمد واللفظ له، وابن ماجة والترمذي..

يقول ابن رجب الحنبلي: (ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً)( جامع العلوم والحكم ، لابن رجب الحنبلي : 160 طبع الهند).

ويقول ابن حجر العسقلاني: (أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة…) (فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني 5 : 156)

ويقول الشاطبي : (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية ـ وقال في مكان آخر ـ يُقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى)( الاعتصام ، للشاطبي 1 : 37.5). إذا رفض البدعه ليس تكريسا للتقليد او إلغاء للاجتهاد ، لأنها متعلقة بأصول الدين الثابتة لا فروعه المتغيرة. كما ان محاربه نمط التفكير البدعى هو في ذات الوقت محاربه لنمطي التفكير الاسطورى والخرافي المتضمنين فيه.

حجية قول الصحابي: أراء العلماء في حجية قول الصحابي:
ا/ قول الصحابي في الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد  له حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج[ (علاء الدين عبد العزير بن أحمد البخاري ،كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي،ج3/410،ط3، 1997،دار الكتاب العربي).
ب/ قول الصحابي إذا انتشر، ولم يعرف له مخالف فهو يعد من قبيل الإجماع السكوتي، وهو حجة
يقول ابن تيمية( فصل وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر فى زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء ) (مجموع الفتاوى،ج20/14)
ج/ قول الصحابي إذا خالف صحابيا آخر وجب على المجتهد أن يأخذ من أقوالهم حسب الدليل ،وعندئذ يكون الأخذ بالدليل لا بقول الصحابي  .قال ابن تيمية( وان تنازعوا رد ما تنازعوا فيه الى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء)(مجموع الفتاوى،ج20/14)
د/ قول الصحابي إذا لم يخالفه صحابي آخر، أو لم يشتهر بين الصحابة، أو لم يعلم اشتهاره من عدمه، وكان هذا القول في مسائل للاجتهاد فيها مجال:

  1. 1.  أنه حجة شرعية مقدمة على القياس وقال بهذا أبو حنيفة وكثير من أصحابه ، وهو قول مالك وكثير من أتباعه أيضا،وهو مذهب الشافعي في القديم والجديد،ومذهب أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وجمهور أهل الحديث) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة،ص36،وأعلام الموقعين،ج5/548. (
  2. 2.  أنه ليس بحجة مطلقا.قال الشوكاني: وهو قول الجمهور. ونسبه ابن القيم إلى بعض المتأخرين من الحنفية والمالكية والحنابلة وكثير من المتكلمين.وهو رواية عن أحمد،ونسبه أصحاب الشافعي إليه في الجديد وهو قول أبو الخطاب من الحنابلة ( إرشاد الفحول ج2/995 ، إعلام الموقعين ج5/555، التمهيد ج3/331.(
  3. انه حجة إذا كان مما لا يدرك بالقياس وهو قول الكرخي من الحنفية وأبو زيد ونقله العلائي عن البزدوي وابن الساعاتي.
  4. 4.  أن الحجة في قول الخلفاء الأربعة الراشدين.العلائي نسبه إلى القاضي أبو حازم من الحنفية وإلى الإمام أحمد ) إجمال الإصابة، ص51( .
  5. 5.  أن الحجة في قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقط نقله العلائي عن جماعة من المصنفين( المرجع السابق).
  6. 6.  أنه حجة إذا انضم إليه القياس،فيقدم حينئذ على قول صحابي آخر. ، يرى البعض انه ظاهر مذهب الشافعي في الجديد( أصول الفقه ،وهبةالزحيلي،ج2/881).

استنادا إلى العرض السابق نرى ان مرجع تعدد أراء العلماء في حجية قول الصحابى تعدد  الزوايا التي نظر من خلالها العلماء الى قول الصحابى وحجيته، من هذه الزوايا:

  • طبيعة موضوع قول الصحابى :  إذا كان أصلا( من الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد) فله حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج ، وإذا كان فرعا( في مسائل للاجتهاد فيها مجال) ، فالراى الغالب انه حجه مع اختلاف العلماء في طبيعة الحجية فيه .
  • مدى مخالفته  لقول صحابى أخر :  إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع سكوتي، و إذا خالف صحابيا يأخذ من أقوالهم حسب الدليل.
  • طبيعة الإلزام(الحجية) فيه : حجة مقدمة على القياس، حجة إذا كان مما لا يدرك بالقياس، حجة إذا انضم إليه القياس…
  • مصدر الإلزام فيه(قول الصحابى فى ذاته او النص) : النص هو مصدرالالزام لا قول الصحابى فى ذاته،عبر عن ذلك الشوكاني بقوله “… فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيها محمدا صلى الله عليه وسلم وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد ،وجميع الأمة مأمور باتياع كتابة، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة، و بين من بعدهم في ذلك فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة .فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به( إرشاد الفحول ج2/997-998.)
  • من من الصحابه يعد قوله حجه : قول الخلفاء الأربعة الراشدين، قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما…

الموقف الحقيقي لأعلام المذهب الحنبلي من التصوف

إذا كان من الشائع اعتبار ان  موقف أعلام المذهب الحنبلي  من التصوف هو موقف الرفض المطلق  ، فان القراءة المتانيه لتراثهم  الفكري تبين ان موقفهم الحقيقي من التصوف  يتجاوز  كل من موقفي الرفض  والقبول المطلقين إلى موقف نقدي قائم على القول بتضمن التصوف لاوجه صواب وأوجه خطا ، وبالتالى وجوب أخذ  وقبول ما هو صواب ، ورد ورفض ما هو خطأ . فعن الإمام أحمد بن حنبل نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي ،مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (قد سئل مرة عن المريد فقال أن يكون مع الله كما يريد ،وأن يترك كل ما يريد لما يريد… وكان يعظم الصوفية ويكرمهم ،وقال وقد سئل عنهم وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم).

 وفي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة “اعلم أرشدك الله – أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله  عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين( عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، صض15)

وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول ” اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك…” وفي (لحق المصنفات) “هذه مسألة” صفحة (124) قال ” فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم “ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه”.

 وبقول ابن تيمية عن التصوف “لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت (الصوفية والتصوف) وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف تبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام وطائفة قلة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب ويتوب أو قد لا يتوب ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاصٍ لربه. وقد انتسب غليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً…”

ويقول أيضا في كتاب الاستقامة ج1 صفحة (363) ويقول(…. وهذه الشطحات أوجبت فتنة على الطائفتين من الناس إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدى معاملتهم فاهدموها الآجل هذه الشطحات وأنكروها وأساءوا الظن بهم مطلقاً وهذه – عدوان وإسراف.

كما يقول ابن القيم “فاعلم إن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العالم وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون “نحن أصحاب عبارة” و”الإشارة لنا والعبارة لغيرنا” وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر  عباراتهم فيدعوهم وظللوهم. وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم فصوبوا تلك العبارات وصححوا تلك الإشارات، فطالب الحق يقبله ممن كان ويرد ما خالفه على من كان”)  ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، ص151. والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها زيل المحاسن وأجروا حكم القبول وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.

والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد”( ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، ص)39.

وبناء على هذا يورد ابن القيم تعريفاُ للتصوف فيقول (… والتصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب). كما يورد تعريفاً آخراً فيقول “والدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد في الدين وكذلك التصوف قال الكتبي: التصوف هو الخلق فمن زاد في الخلق فقد زاد عليك في التصوف

المنهج النقدي عند الإمام ابن تيميه:

 وإذا كان من الشائع أيضا  اعتبار  ان موقف ابن تيميه من كثير من المجالات المعرفية كالتصوف والفلسفة وعلم الكلام هو موقف الرفض المطلق  القائم على تحريم الاشتغال بهذه المجالات المعرفية وتكفير المشتغلين بها ، فان القراءة المتانيه لتراثه الفكري تبين ان موقفه الحقيقي  يتجاوز  كل من موقفي الرفض  والقبول المطلقين إلى موقف نقدي قائم على القول بتضمن هذه المجالات المعرفية لاوجه صواب و أوجه خطا ، وبالتالى وجوب أخذ  وقبول ما هو صواب ، ورد ورفض ما هو خطأ. وهنا يجب التمييز بين النقد والنقض فالنقد لغة: تمحيص الدنانير الصحيحة من الزائفة، و نقد الشعر والكلام: ( نظر فيه ، وميز الجيد من الرديء، فهو ناقد وجمعه نقاد ونقدة، ونقد الكلام ابان ما فيه واخرج زيفه) (معجم متن اللغة)، والنقد اصطلاحا : هو موقف معرفي قائم على أخذ  وقبول ما هو صواب في  الراى، ورد ورفض ما هو خطأ فيه. وقد دعي الاسلام إلى الالتزام بالموقف النقدي ، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه ، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، قال تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقال صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، أما النقض فهو ما يقابل الرفض المطلق.

ففي مجال التصوف يتمثل تجاوز ابن تيميه لموقفي الرفض والقبول المطلقين للتصوف في قوله (فَطَائِفَةٌ ذَمَّتْ ” الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ ” . وَقَالُوا : إنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ السُّنَّةِ وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ . وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَكِلَا طَرَفَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ ).

كما يتمثل موقفه النقدي من التصوف فى قوله (وَ ” الصَّوَابُ ” أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ فَفِيهِمْ السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَنْ قَدْ يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ وَفِيهِمْ مَنْ يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَوْ لَا يَتُوبُ . وَمِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ عَاصٍ لِرَبِّهِ . وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنْدَقَةِ ؛ وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ : كَالْحَلَّاجِ مَثَلًا ).

 كما يتمثل فى حديثه عن أصناف الصوفية (ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَشَعَّبَ وَتَنَوَّعَ وَصَارَتْ الصُّوفِيَّةُ ” ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ ” صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ وَصُوفِيَّةُ الْأَرْزَاقِ وَصُوفِيَّةُ الرَّسْمِ . فَأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ ” : فَهُمْ الَّذِينَ وَصَفْنَاهُمْ . وَأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الْأَرْزَاقِ ” فَهُمْ الَّذِينَ وُقِفَتْ عَلَيْهِمْ الْوُقُوفُ . كالخوانك فَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحَقَائِقِ… وَأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الرَّسْمِ ” فَهُمْ الْمُقْتَصِرُونَ عَلَى النِّسْبَةِ فَهَمُّهُمْ فِي اللِّبَاسِ وَالْآدَابِ الْوَضْعِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ فِي الصُّوفِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَقْتَصِرُ عَلَى زِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْجِهَادِ وَنَوْعٌ مَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْجَاهِلُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ )( ابن تيمية ،رسالة الصوفية و الفقراء )

وفى مجال الفلسفة تمثل تجاوزه لموقفي الرفض والقبول المطلقين للفلسفة والى موقف نقدي منها في:

رفضه فرضية أن الفلسفة تأخذ موقفاً موحداً من جميع القضايا ،و ما يترتب عليها من أن هذا الموقف مناقض لموقف الدين منها ( كما يرى انصارمذهب الرفض المطلق للفلسفة) حيث يقول في معرض رده على من قال أن الفلاسفة جميعاً قالوا بقدم العالم (أما نفي الفلسفة مطلقاً أو إثباتها فلا يمكن ، إذ ليس للفلاسفة معين ينصرونه، ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات والمعاد والنبوات، ولا في الطبيعيات والرياضيات) ( ابن تيمية، منهاج السنة، ص253.).

عدم أخذة موقفا موحدا من الفلسفة (المقصود هنا الفلسفة اليونانية) سواء بالرفض أو القبول بل يقسمها إلى ثلاثة أقسام:

الإلهيات (الميتافيزيقا): وهو يرفض هذا القسم، وأغلب رفضه للفلسفة ينصب على هذا القسم منها.

الطبيعيات: ويرى جواز الأخذ بهذا القسم  مع عدم ربطه بالإلهيات (الميتافيزيقا) اليونانية، ويعتبر ان هذه القسم (غالبه كلام جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها، وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد، ولكنهم جهال بالعلم الإلهي).

الرياضيات: ويرى وجوب الأخذ به وبتعبيره (ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة وغيرها )(ابن تيمية، الرد على المنطقيين، طبعة بيروت دار المعرفة).

 ويقول عن الفلاسفةالاسلاميين (أنه كان في كل من هؤلاء من الإلحاد التحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة، ولهم من الصواب والحكمة ما وافقوا فيه ذلك) ( ابن تيمية، منهاج السنة، ص252).

 وفى مجال علم الكلام يتمثل موقفه النقدي فى تقريره (جواز الإشغال بعلم الكلام لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإذا لم يقصد به الاستدلال بالأدلة الفاسدة أو تبني المقررات الباطلة) حيث يقول ( فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ لَمْ يَكْرَهُوا الْكَلَامَ لِمُجَرَّدِ مَا فِيهِ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الْمُوَلَّدَةِ ، كَلَفْظِ الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَالْجِسْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ بَلْ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ فِيهَا مِنْ الْبَاطِلِ الْمَذْمُومِ فِي الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ مَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ ، لِاشْتِمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِي مُجْمَلَةٍ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي وَصْفِهِ لِأَهْلِ الْبِدَعِ ، فَقَالَ : هُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ ، مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ ، وَيُلَبِّسُونَ عَلَى جُهَّالِ النَّاسِ بِمَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ . إذَا عُرِفَتْ الْمَعَانِي الَّتِي يَقْصِدُونَهَا بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ ، وَوُزِنَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، بِحَيْثُ يَثْبُتُ الْحَقُّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَيُنْفَى الْبَاطِلُ الَّذِي نَفَاهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْحَقَّ ) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، المجلد الثالث (العقيدة)، الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين).

وبناء على هذا الموقف النقدي تناول كثير من المسائل الكلامية (مثل العلاقة بين الوجود والموجود، والقدر والجبر والاختيار، والقدم بالنوع …) كما في الجزء الثالث من مجموعة فتاواه.

 من  المذاهب الاعتقاديه لأعلام المذهب الحنبلي :

ابن تيميه:

مذهبه في التفويض : كان مذهب أحمد بن حنبل هو السكوت عن الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات، وتفويض الأمر لله مع تنزيهه عن التشبيه والتعطيل، استناداً إلى قراءته للآية (….. وما يعلم تأويله إلا الله….)، ولكنه لم يتحدث عن كيفية فهم هذه الآيات، باعتبار أن فهم معانيها يختص به الله تعالى.

 ثم جاء ابن تيمية وأخذ بمذهب التفويض، أي السكوت عن الكلام في هذه الآيات والأحاديث مثل ابن حنبل، ولكنه أضاف أن السلف فهموا هذه الآيات والأحاديث على ظاهرها يقول ابن تيمية (…. ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه عليم قادر لم يقل أن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا فكذلك لما وصف نفسه أن خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن ظاهره غير مراد….)( ابن تيمية، الإكليل في المتشابه والتأويل، ص12.)

أفعال العباد: ينفي ابن تيمية الجبر، لأنه يفضي إلى نسبة المعاصي التي يرتكبها الإنسان إلى الله، ويثبت للإنسان القدرة على الفعل والاختيار، دون أن ينسب صفة الخلق للإنسان كما ذهب المعتزلة (من المستقر في فكر الناس أن من فعل العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب، فإن لم يكن العبد فاعلاً لكذبه وظلمه بل الله الفاعل لزم أن يكون الله المتصف بالكذب والظلم) (ابن تيميه،مجموعه الرسائل والمسائل،ج5،ص143)

التعليل لأفعال الله: يرفض ابن تيمية موقف الأشاعرة في قولهم بِأن أفعال الله تعالى لا تعلل لأن هذا يفضي إلى نفي الحكمة عن أفعاله تعالى (ان الله تعالى خلق الخلق وأمر بالمأمورات ونهى عن المنهيات لحكمة محمودة) ويقول انه ( قول المسلمين وغير المسلمين وقول طوائف من أصحاب أبو حنيفة ومالك والشافعي واحمد وغيرهم ، وهو قول طوائف من علماء الكلام ).

ابن القيم:

التفويض: يذهب ابن القيم مذهب ابن تيمية في التفويض في مسألة الآيات والأحاديث المتشابهة التي يفيد ظاهرها التشابه بين الله تعالى والإنسان.

الحسن والقبح: يتفق ابن القيم مع الماتريدية في القول بأن للأفعال حسناً أو قبحاً ذاتياً وأن العقل قد يدرك حسن أو قبح هذه الأفعال لكن الثواب والعقاب شرعيان (والحق الذي لا يجد التناقض إليه سبيلاً أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة ،ولا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي).

أفعال العباد: كما رفض ابن القيم (كابن تيمية) القول بالجبر وأثبت الفعل والاختيار للإنسان دون نسبة الخلق له ( فالجبرية شهدت كونه منفعلاً يجري عليه الحكم منزلة الإله والمحل، وجعلوا حركته بمنزلة الاله والمحل،وجعلوا حركته منزلة حركات الأشجار، ولم يجعلوه فاعلاً إلا على سبيل المجاز)، كما رفض التصور الأشعري للكسب لاتصافه بالغموض وإلغائه قدرة الإنسان على الاختيار والفعل.

ابن الجوزي:

 آيات الصفات: يفترق ابن الجوزي عن ابن القيم وابن تيمية في أنه يرى فهم الآيات والأحاديث المتشابهة على معانيها المجازية المشهورة التي يعرفها العربي من غير تأويل ، وهو مذهب ابن حزم والغزالي والماتريدي، يقول ( ولا يحتاج إلى تأويل من قال الاصبع الاثر الحسن، فان القلوب بين اثرين من اثار الربوبية هما الاقامة والإزاغة، ولا إلى تأويل من قال يداه نعمتاه ) (ابن الجوزى، صيد الخاطر، ج1، ص 51) ويقول(ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر من سمات الحدث، ولم يقنعوا ان يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ،ثم لما اثبتوا أنها صفات قالوا لا نحملها على ما توجبه اللغة مثل اليد على النعمة او القدرة ولا المجئ على معنى البر واللطف ولا الساق على الشدة ونحو ذلك ، بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفه ،والظاهر هو المعهود من نغوت الادميين والشئ انما يحمل على حقيقته إذا امكن، فان صرف صارف حمل على المجاز)(ابن الجوزى، دفع شبه التشبيه، ص8)

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s