العقل العربي الاسلامي دراسة في المفهوم والبنية والمشاريع النقدية

      بسم الله الرحمن الرحيم

العقل العربي الاسلامي

دراسة في المفهوم والبنية والمشاريع النقدية

                                                             د. صبري محمد خليل

بسم الله الرحمن الرحيم

مفهوم العقل

تعددت تعريفات العقل طبقا لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في التعريف،   والتعريف الإسلامي للعقل قائم على رفض النظر له باعتباره وجود مطلق ، اى قائم بذاته ومستقل عن الحواس في إدراكه لعالم الشهادة، والوحي في إدراكه لعالم الغيب ،أو جوهر كما في التيار العقلاني(المثالي) في الفلسفة الغربية، يقول علاء الدين الطوسي في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة(… فقوته الادراكيه أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينية وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم حتى اختلفوا في حقيقته). فالتعريف الإسلامي ينظر إلي العقل  باعتباره نشاط معرفي  أو فاعليه، لذا لم يرد في القران لفظ عقل( بصيغه الاسم) بل ورد بصيغه الفعل ( يعقل، تعقلون، يعقلون) ﴿ً وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾ فالعقل كفاعليه معرفيه محدود بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى  للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع) ويقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(… وان يجعل الأصول التي نزل بها القران واتت بها السنن من الرسول غايات للعقول ولا يجعلوا العقول غايات للأصول)

فالإيمان بالوحي كوسيلة للمعرفة إذا يحدد (يقيد) ولا يلغي اتخاذ العقل كوسيلة للمعرفة وهو بهذا التحديد يسهم في إطلاق العقل الإنساني أي يمده بإمكانيات غير محدودة للتطور.

كما أن العقل كفاعليه معرفيه محدود بالحواس في إدراكه لعلم الشهادة المحدود زمانا و مكانا﴿ والله أخرجكم من بطون  أمهاتكم  لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾ هذا التعريف يختلف تعريف  المدرسة العقلانية الغربية  التي أرادت تأكيد دور العقل في المعرفة كرد فعل على إلغاء بعض مفكري العصور الوسطى له، لكنها تطرفت في تقديرها لقدرة العقل، فحولته من وسيله معرفه محدودة

إلى وسيله معرفه مطلقه(1). كما يتضح من شعار فلاسفة العقلانية ( لا سلطان على العقل إلا للعقل)(2) استلهاما للتصور الارسطى للعقل باعتباره جوهرا .

(1)محمود حمدي زقزوق، الحضارة فريضة إسلاميه، مكتبه الشروق، القاهرة،2001، ص12.

(2)د. محمد عماره، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، دار النهضة، مصر، ص 54.

 

 

التعدد الدلالي لمفهوم العقل:

   وهنا يجب التمييز بين الدلالات المتعددة لمفهوم العقل:

   الأولى: بمعنى هذه الفاعلية المعرفية ذاتها،اى العقل في ذاته في كل زمان ومكان.

الثانية: أنماط هذه الفاعلية،والتي تختلف طبقا لمستويات الوجود التي يحاول تفسيرها: المستوى الكيفي اى ضوابط الحركة في الوجود وهو مستوى نسبي(العلم)، المستوى الماهوى اى كيف بدا الوجود وكيف سينتهي وماهية القوه التي أوجدته وهو مستوى مطلق(الدين)، المستوى اللماذى(الفلسفة)اى العلاقة بين المستويين السابقين، وهو مستوى تحديد العلاقة بين النسبي والمطلق.

   الثالثة: محصله هذه الفاعلية بأنماطها المختلفة في محاولتها حل مشاكل طرحها واقع معين زمانا ومكانا، اى التراث الفكري لشعب معين في زمان معين.

     مستويات العقل:

والعقل طبقا للتعريف السابق، وبدلالته الثالثة يمكن تقسيمه إلى مستويين:

  المستوى الأول: الهيكل العقلي(المعرفي) الأساسي، الحضاري ويتضمن مجموعة            القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة    الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين.

فهذا المستوى يشير إلي مكونات الوحدة العقلية(المعرفية) المتجانسة بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد،

المستوى الثاني: البناء العقلي( المعرفي) المكتسب على هيكلها الأساسي فهذا المستوى يشير إلي التفرد العقلي(المعرفي) بما هو بناء مكتسب على هيكلها الأساسي من مصادر بيولوجية وفسيولوجية وفكرية واقتصادية وروحية …الخ

وهذه الدراسة مقصورة على المستوى الأول .

مفهوم النقد:

الموقف النقدي هو الموقف القائم على رفض كل من القبول المطلق والرفض المطلق  والذي يرى أن كل الآراء (بما هي اجتهادات إنسانية) تتضمن قدراً من الصواب والخطأ وبالتالي نأخذ ما نراه صواباً ونرفض ما نراه خطأ. وقد أشارت النصوص إلى هذا الموقف النقدي قال تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقال صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت بل وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم).

التعدد الدلالي لمفهوم النقد:

فإذا تناولنا مفهوم النقد نجد أن له عده دلالات:

الدلالة العامة- المشتركة: و تتمثل في النقد كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ومضمونها الكشف عن أخطاء العقل( تمهيدا لتحريره منها) التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة( كأنماط التفكير الخرافي و الاسطورى). وطبقا لهذا فان النقد هو احد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري

الدلالة الخاصة: و تتمثل في تطبيق مفهوم النقد في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا اى بيان الصواب والخطأ في الحلول المقدمة للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع المعين. وهو هنا لا يتحقق إلا عندما لا يتناقض مع مستواه الثاني طبقا لدلالته الثالثة اى الهيكل الاساسى العقلي (المعرفي )الحضاري للمجتمع المعين والذي يتضمن مجموعه القواعد التي تحدد للفرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفا و اتجاها و سلوكا اتجاه الآخرين( من طبيعة ومجتمع) يكتسبه الإنسان من انتمائه لمجتمع معين.

ومثال  لهذه الدلالة، الدلالة الخاصة للنقد( في الغرب) ممثلا في النقد الغربي اى محصله تطبيق مفهوم النقد في واقع المجتمعات الغربية والمشكلات التي يطرحها،الدلالة الخاصة للنقد في الشرق المسلم اى محصله تطبيق مفهوم النقد في واقع المجتمعات المسلمة والمشكلات التي يطرحها.

الدلالة الخاصة للنقد والتغريب:

وبالتالي فإن الدعوة للدلالة الخاصة للنقد المتمثلة في  الالتزام بالتطبيق الاوربى للنقد في مجتمع اسلامى هي دعوه فاشلة في تحقيق هدف النقد(تحرير العقل من الأخطاء) لان هذا الهدف لا يمكن أن يتم إلا عندما لا يتناقض مع الهيكل العقلي الاساسى الحضاري وهو الإسلام وجوهر هذه الدعوة هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد التي جاء بها الإسلام بالقواعد والآداب والقيم الاوربيه التي كانت محصله نطور هذه المجتمعات لمده سبعه قرون وهو ما يؤدى إلى قدر من الشعور بالانتماء إلى الحصاره الغربية وهو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء للنظام الليبرالي الفردي الراسمالى العلماني اى يتحول النقد إلى تغريب.

الدلالة المنفردة: وهي المعنى الذي تفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين من مصطلح نقد ومثاله المفهوم الليبرالي للنقد، المفهوم الماركسي للنقد، المفهوم الهيجلى للنقد، المفهوم الإسلامي للنقد…

وطبقا لهذا التعدد الدلالي لمفهوم النقد نخلص إلي تعدد أنماط النقد ، فكل نمط من أنماط النقد هو مجموع الدلالة العامة المشتركة بالاضافه إلي دلالته المنفردة ودلالته الخاصة

المفهوم الإسلامي للنقد:

غير أن رفض النمط الغربي للنقد لا يعنى رفض النقد بالإطلاق  فالإسلام فيما نرى لا       يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة  للنقد اى اعتبار أن تحرير عقل الإنسان من الأخطاء التي تعيق فعاليته كوسيلة معرفه( أنماط التفكير الخرافي والاسطورى) هو شرط لنقل اى مجتمع من حاله التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري .ويدل على هذا مفهوم البدعة و تعريفها الاضافه  في أصول الدين المطلقة عن قيود الزمان والمكان  لا فروعه المحدودة بالزمان والمكان، (بخلاف تفسير التيار التقليدي للبدعة بأنها الاضافه للدين بدون التمييز بين فروعه وأصوله).            وبالتالي فان مفهوم البدعة تندرج تحته ( أنماط التفكير الخرافي والاسطورى)  وبالتالي فان   الدعوة لمحاربه البدعة هو دعوه  للتفكير العقلاني والعلمي  لأنها دعوه لتحرير عقل الإنسان من الأفكار الخاطئة التي جاءت كمحصله لمرحله الاستضعاف والتي هي بمثابة قيود تعيق فعاليته كوسيلة لمعرفه حلول المشاكل التي يطرحها الواقع

أما أن الدلالة المشتركة أو العامة للنقد لا تتناقص مع الإسلام لان هذه الدلالة لا تحول دون اكتسابه دلاله منفردة تتمثل في  استناده إلي الأساس الفكري الإسلامي بالتالي يكتسب دلاله مغايره للنقد المستند إلي الليبرالية كأساس فكرى ، كما لا تحول دون أن يكتسب دلاله خاصة عند مراعاته لواقع المجتمعات الاسلاميه المغاير لواقع المجتمعات الاوربيه عند التطبيق، اى لا تحول دون وجود نمط خاص من أنماط النقد هو النقد الاسلامي، أما النقد المستند إلي الليبرالية كأساس فكرى فيتناقض مع الإسلام  لاختلاف الإسلام عن ألليبراليه كفلسفة ومنهج

مواقف نقدية في الفكر الاسلامى: موقف الغزالي وابن تيميه من الفلسفة

تبنى الغزالي وابن تيميه الموقف النقدي القائم على أنه ليس هناك تعارض مطلق بين الفلسفة بصورة عامة واليونانية بصورة خاصة بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف وفي حالة الاختلاف يكون الرفض وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول.

فابن تيمية مثلاً لا يأخذ موقف موحد من الفلسفة (المقصود هنا الفلسفة اليونانية) سواء بالرفض أو القبول بل يقسمها إلى ثلاثة أقسام:

الإلهيات (الميتافيزيقا): وهو يرفضه وأغلب رفضه للفلسفة ينصب على هذا القسم منها.

الطبيعيات: ويرى جواز الأخذ بها مع عدم ربطها بالإلهيات (الميتافيزيقا) اليونانية، ويعتبره (غالبه كلام جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد ولكنهم جهال بالعلم الإلهي).

الرياضيات: ويرى وجوب الأخذ به وبتعبيره (ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة وغيرها)(1).

(1)  ابن تيمية، منهاج السنة، ص252. )  ابن تيمية، الرد على المنطقيين، طبعة بيروت دار المعرفة

 

كما أن الغزالي يأخذ نفس الموقف فيقسم الفلسفة اليونانية إلى ثلاثة أقسام حسب تعارضها أو توافقها مع أصول الدين:

قسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ومعناً:

وحصره في ثلاث قضايا هي (قول الفلاسفة اليونانيين بقدم العالم وإنكار البعث الجسدي وإنكار علم الله تعالى بالجزئيات.

قسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ويتوافق معها معناً:

وحصره في سبعة عشرة قضية.

قسم يوافق هذه الأصول لفظاً ومعناً.(1)

ثم يحدد الموقف من هذه الأقسام (قسم يجب التكفير فيه وقسم يجب التبديع به وقسم لا يجب إنكاره أصلاً).(2)

موقف ابن القيم من التصوف:

كما أن الموقف الحقيقي لابن القيم من التصوف هو موقف نقدي قائم على تجاوز الرفض أو القبول المطلقين للتصوف، إلى تناوله من حيث اتفاقه أو اختلافه مع أصول الدين المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة المطلقة عن قيود الزمان والمكان (وبتعبير آخر مدى إظهاره أو كتمانه لها)، فإن اتفق معها كان القبول ،وإن اختلف كان الرفض ، يقول “فاعلم إن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العالم وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون “نحن أصحاب عبارة” و”الإشارة لنا والعبارة لغيرنا” وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر  عباراتهم فيدعوهم وظللوهم. وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم فصوبوا تلك العبارات وصححوا تلك الإشارات، فطالب الحق يقبله ممن كان ويرد ما خالفه على من كان(3)

وبناء على هذا يورد ابن القيم تعريفاُ للتصوف فيقول (… والتصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب). كما يورد تعريفاً آخراً فيقول (والدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد في الدين وكذلك التصوف قال الكتبي: التصوف هو الخلق فمن

زاد في الخلق فقد زاد عليك في التصوف).

 

                                 العقل الغربي             

تشكل العقل الغربي الحديث والمعاصر من خلا ل تطور تاريخي خاص يتمثل في  تحرير الإنسان الاوربى من الوصايا الكنسية والملكيات المطلقة والإقطاع(الذين سادوا أوربا في العصور الوسطى ) استنادا إلي فلسفه ومنهج معينين (هما الليبرالية كفلسفة ومنهج) تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم انتهى إلي اقامه نظام (علماني في موقفه من الدين فردى في موقفه من المجتمع راسمالى في موقفه من الاقتصاد ليبرالي في موقفه من الدولة) فكان محصله عوامل( ثقافيه ونفسيه وتاريخيه وحضاريه) سادت أوربا نحو سبعه قرون، لتشكل ثوابت هذا العقل وهى العلمانية، الفردية، الراسماليه، الديمقراطية أليبراليه .

نماذج لنقد العقل الغربي:رؤية نقدية

نقد العقل الخالص عند كانط

تدور الفلسفة النقدية حول ثلاثة محاور رئيسيه:

مجال المعرفة: ويعتمد على ملكه الذهن وهو ما اسماها ( نقد العقل الخالص):

وفيه يرى أن المعرفة تتم أولا من خلال تنظيم الأحاسيس في صور مدركه حسية بواسطة الزمان والمكان اللذان هما إطارين داخل الذهن ،اى إنهما ذاتيان وليس لهم وجود موضوعي ،وثانيا من خلال تنظيم هذه الصور بواسطة مقولات الذهن الاربعه( الكم ،الكيف، الجهة، الاضافه)

مجال الأخلاق: و يعتمد على العقل وهو ما اسماه( نقد العقل العملي):

وقانونها الاراده الخيرة القائمة على مبدأ الحرية كما أن قوانين الطبيعة قائمه على مبدأ السببية

مجال الجمال : و يعتمد على الحكم والحكم يستند إلي مبدأ الغائية وتعنى عنده قدره العقل على تنظيم والتنسيق وهو ما يؤدى إلي الشعور باللذة له قسمين:

الجميل:قدره العقل على تنظيم قوى النفس

الجليل: قدره العقل على تنظيم عناصر عالم الطبيعة.

مجال الشعور باللذة الذرى يعتمد على ملكه الحكم واسماه نقد الحكم

فالمشروع النقدي لكانط قائم على اعتبار العقل وسيله معرفه مطلقه غير مقيده بالحواس

أو الوحي كما أنه قائم على الذاتية مادام الزمان والمكان مجرد إطارين ذاتيين لا وجود موضوعي لهما.

نقد العقل الجدلي عند سارتر

استخدم سارتر المنهج الفينومنيولوجى( الظاهراتى)الذي أسسه هوسرل منذ مؤلفه( الوجود والعدم)1943 غير أن سارتر في مرحله تطوره الفكري الثانية استبدله بمنهج جدلي انسانى حدد معالمه في كتابه نقد العقل الجدلي الصادر عام1965 حيث رفض فيه إسناد الجدل ( التطور)إلى الفكر( كما ترى الهيجليه)كما رفض إسناد الجدل إلى المادة( كما ترى الماركسية ) وأسنده إلى الإنسان حيث التناقض بين الموضوعية التي تمثلها الوسط( جمله الظروف الاقتصادية والحضارية، والذاتية التي هي المشروع(رفض الوسط بالمعنى السلبي وما يحتاج إليه الإنسان بالمعنى الايجابي).

فالكتاب نقد منهجي يهدف إلى محاوله تجاوز الثنائية التي شطرت العقل الغربي إلى ماديه ومثاليه ،غير أن هذه المحاولة تمت في إطار العقل الغربي، كما يدل على هذا استبعاده للمطلق وتركيز على علاقة الصراع والتجاهل للمشاركة تحت تأثير الحضارة الغربية العلمانية الراسماليه الفردية.

النظرية النقدية( مدرسه فرانكفورت)

أطلق عليها اسم النظرية النقدية نسبه لدراسة لهوركهايمر( احد مؤسسيها) بعنوان النظرية النقدية والنظرية التقليدية كما أطلق عليها اسم مدرسه فرانكفورت نسبه لانتماء اغلب مؤسسيها إلى معهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية: ويشترك فلا سفتها على:نقد كل من الوضعية والنازية والماركسية.

نقد الماركسية:تميزت المدرسة بماركسيه واضحة ثم أخذت تضعف بالتدريج واتجه فلاسفتها إلى تفسير مختلف للماركسية يبتعد عن الجبرية ورفضوا الفكرة الماركسية القائلة أن الاشتراكية يمكن أن تأتى بمعزل عن الإنسان وقد انطلقوا من مخطوطات ماركس الشاب ذات الطابع الهيجلى فربطوا بين ماركس وهيجل كما تأثروا بفرويد

أما المرحلة الاخيره للمدرسة(الخمسينات والستينيات) فتميزت بنزعه تشاؤميه وتراجع فلاسفتها عن مبادئ المدرسة، فهوركهايمر صاغ أفكاره في إطار ديني يهودي، وماركوز أقام نظريته في التغيير على الجماعات المهمشه ومن خلال التحرر الجنسي ،أما ادرنو فذهب إلى أن التحرر الفردي لا ينتم الامن خلال الفن الأصيل.

وهكذا فان المشروع النقدي للمدرسة قائم على التمييز بين الجانب السلبي للماركسية المتمثل في نقد الراسماليه والجانب الايجابي المتمثل في تصورها لكيفية تجاوز الراسماليه فقبلو الجانب الأول النقدي) ورفضوا الجانب الأول.

غير أن البديل الذي طرحوه للجانب الايجابي للماركسية جاء ذو طابع فردى تحت تاثيرفرويد بالتالى فان مشروعهم النقدي لم يخرج عن احد ثوابت العقل الغربى( الفردية)

المنهج الاركيولوجى التفكيكى عند فوكو

كان فوكو من دعاه البنيوية خاصة في كتابه الكلمات والأشياء الذي قدم فيه موقفا من الانثربولوجيا والتاريخ وأهميه البنيوية في المعرفة الغربية.

لكن بعد ثوره الطلاب في فرنسا شرع في تقديم نقد ذاتي للبنيوية وهو ما عكسه في كتاب اركيولوجيه المعرفه1968 أهم عناصر هذا النقد:

اللغة: أبدلها بمنهج في تحليل الخطاب

التاريخ:بين منهج جديد للتاريخ باسم التاريخ العام وتاريخ السلاسل والانفصال

الذات:دعي إلي الاهتمام بالذات وأنها شكل تاريخي ناتج عن علاقات المعرفة والسلطة.

السلطة: صاغ مفهوما جديدا للسلطة يكرس للالتزام السياسي

وأطلق فوكو اسم الاركيولوجيا على منهجه والاركيولوجيا( علم الآثار) علم يعنى بدراسة الآثار المادية للحضارات القديمة، غير أن فوكو لا يعنى به دراسة الآثار المادية للحضارات القديمة بل دراسة الأرشيف، والأرشيف عند المؤرخين مجموعه النصوص التي احتفظت بها حضارة ما، أما عند فوكو مجموعه القواعد الصورية التي تحدد نمط وجود الخطابات المعرفية داخل ثقافة معينه، في فتره تاريخيه معينه، والكيفية التي يوظف بها في الممارسة والسلوك وهو ينصرف إلي تحديد خصوصية الخطاب وإبراز القواعد التي يخضع لها.

ورغم أن فوكو حاول تجاوز البنيوية إلا انه لم يتحرر من سلبياتها مثل إلغاء أو التقليل من دور الإنسان الفاعل ،كما انه نظر للخطاب ككل قائم بذاته ومستقل عن غيره.

                     

العقل العربي الإسلامي

والعقل الذي نتحدث عنه طبقا للتعريف السابق(فاعليه معرفيه) ،وبدلالته الثانية(محصله هذه الفاعلية)، وطبقا لمستواه الثاني( الهيكل الاساسى العقلي المعرفي الحضاري)هو عربي اسلامى

فهي عربي بالمعنى اللغوي  لا بالمعنى العرقي،   فاللغة هي إحدى العناصر التي تؤثر في المضمون الفكري والعلمي للحضارة، وتطوع الآداب، والعادات، والتقاليد – بما تتسع له من معان، أو تضيف.

كما انه عقل اسلامى ولا يقتصر معنى الإسلام هنا على الإسلام كدين، بل يمتد ليشمل على الإسلام كثورة اجتماعية ذات مضامين حضارية. إذ أن ما يُسمَّى بالحضارة العربية هي حضارة ذات مضمون إسلامي،

وظيفة النقد

لما كان كل جيل يرث القيم العقلية المعرفية الحضارية التي تشكل الهيكل الاساسى للعقل ثم يطورها وينميها  فيغنيها، فإن هنالك عوامل ذاتية (داخلية) وموضوعية (خارجية) – تعوق هذه العملية؛ مما يؤدي إلي ظهور عدد من المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية. بعبارة أخرى فإن هذه المظاهر  مصدرها خلل ذاتي موضوعي أصاب العقل المعين أدى إلي حدوث انفصال أو قطيعه بين  المستوى الأول للعقل والمستوى الثاني له بعبارة أخرى بين ما ينبغي أن يكون(القيم العقلية الحضارية سابقه الذكر) و ما هو كائن( نمط السلوك أو التفكير السلبي)

ووظيفة النقد هو الكشف عن هذه الأنماط الفكرية والسلوكية السلبية، ووجه الانفصال أو القطيعة بينها بين هذه القيم العقلية الحضارية، والعوامل الذاتية والموضوعية التي أدت إلي حدوث هذا الخلل.

العوامل الذاتية (الداخلية):

التقليد وقفل باب الاجتهاد:الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وهذه الصلاحية مصدرها أنه هدى الناس إلى أصول القواعد والقيم اللازمة لصلاحيتهم في كل زمان ومكان. ثم ترك لهم أمر الاجتهاد في فروع القواعد والقيم اللازمة لصلاحهم في الزمان المعين والمكان المعين. وقد نجح المسلمين في تطوير حياتهم الاجتماعية أينما كانوا عندما كان باب الاجتهاد مفتوحاً؛ فظهرت مذاهب وقيم جديدة. غير أنه نسبة لظروف خارجية (التهديد المغولي، الصليبي) وداخلية (الاستبداد، وصول عناصر لا تجيد اللغة العربية إلي السلطة، ظهور البدع…) – قُفِلَ باب الاجتهاد وساد التقليد. وعندها توقفوا عن التقدم، وتجمدت هذه المذاهب والقيم علي مضامين كسبتها في مراحل تاريخية ثابتة. فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية؛ فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور. وهكذا أصبح من أهم المظاهر السلوكية السلبية السائدة في المجتمعات الإسلامية التقليد، بعد أن كانت أهم المظاهر السلوكية السائدة فيه الإبداع في كافة المجالات.

العوامل الموضوعية( الخارجية)

الاستعمار والتغريب:ثم اصطدمت هذه المجتمعات بشعوب أوربا التي حررتها الليبرالية؛ فانهزمت. وهنا خضعت للاستعمار.

الاستلاب الحضاري: وقد عمل الاستعمار علي نشر التغريب، الذي يمكن تعريفه بأنه قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية، التي هي نظام شامل متكامل للحياة، علماني في موقفه من الدين، فردي في موقفه من المجتمع، ليبرالي في موقفه من الدولة، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد. كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا علي مدى نحو سبع قرون علي حساب الولاء الإسلامي.

وهنا يمكن التمييز بين مرحلتين للتغريب:

1/ التغريب القديم (الاستعمار): ومرجعه أن برامج التربية والتعليم، والثقافة والإعلام – كانت لفترة طويلة من وضع القوى الاستعمارية لخدمة غاياتها. فعلى سبيل المثال: نجد احتضان القوى الاستعمارية من العناصر المتفوقة من المتعلمين، وإتاحة فرصة إكمال ثقافتهم في معاهدها، وجامعاتها عن طريق البعثات. وهنا يقدم مجتمع المحتلين كنموذج للمجتمع اللائق بحياة الإنسان المستحق للولاء، ويحاول أن تدس في الأذهان قيم ومثل غربية على مجتمع المبعوث؛ فيعود البعض إلى مجتمعه غريباً عنه.

فالتغريب القديم إذاً مركب نقص ورثه البعض من عهود المذلة تحت السيطرة الاستعمارية؛ فتصبح عقولهم مكبلة بقيود الثقافة التي صاغها المستعمرون.

2/التغريب الجديد (العولمة): ومرجعه الاستعمار الذي لا يقوم على السيطرة العسكرية أساساً، بل يقوم على السيطرة الثقافية بواسطة الإعلام، والفكر، والثقافة، والفن  حيث يقدم من خلالها أسلوب الحياة الغربية بصورة عامة (أو الأمريكية بصوره خاصة) – على أنه أسلوب الحياة الأمثل لكل المجتمعات. وهو ما يشكل البعد الثقافي أو الحضاري للعولمة.

فالتغريب إذاً بمرحلتيه هو أن تصوغ المذاهب والقيم الغربية حياة قطاع من الناس، فتتحول من قيم تقليد وعادات إلي قيم وتقاليد وآداب ذات طبيعة حضارية. وهي بهذا تغدوا مؤثراً قوياً في حياة كثير منهم (المتعلمون، والأثرياء والمثقفون بصورة أساسية)؛ لأنها تخالط شخصيتهم، وإن لم تتحول إلى حضارة. أي أن التغريب وإن كان محاولة لاستئصال الشخصية من جذورها؛ فإن هذه المحاولة لا تؤدي إلا أن تصبح شخصية مزدوجة الانتماء مع ما يصاحب هذا الازدواج من صراع يلغي أو يقلل من فاعلية الشخصية وإسهامها في خدمة مجتمعها.

التخلف الحضاري:وهذا فإن الجمود( الذاتي) و الاستعمار (الموضوعي) أدَّيا إلي تخلف الأمة. والمقصود بالتخلف عجز الناس في مجتمع معين عن توظيف كل الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة فعلاً في المجتمع؛ لإشباع حاجاتهم أو حل مشاكلهم المتجددة.وتخلف الأمة  هو تخلف الإنسان؛ والمقصود به أن يصبح الناس عاجزون ذاتياً عن معرفة الحقيقة الاجتماعية لذات المشاكل التي يعانوها أو معرفة حلولها، أو لا يعرفون العمل المناسب لتنفيذ تلك الحلول. فهذا التخلف الثقافي، والتخلف العلمي، والتخلف في مهارة أداء العمل.

هذا التخلف الحضاري يصبح مصدراً للمظاهر الفكرية والسلوكية السلبية، ولا يمكن القضاء علي الأخيرة إلا بالقضاء عليه، مع ملاحظة تفاوت درجته، والمظاهر السلوكية السلبية المعبرة عنه حسب درجة الوعي والثقافة والتعليم والنشاط الاقتصادي

المثقف العربي المسلم

 إن امتداد الحياة في ظل هذا التخلف الحضاري نتيجة الجمود والتخريب – أفرز العديد من المظاهر السلوكية السلبية بين المتعلمين والمثقفين. لتصبح هذه المظاهر السلوكية السلبية احد عوامل استمرار هذا التخلف؛ لأنها تفتك بمقدرة المثقفين الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي في كل المجتمعات.

هنا يجب عدم الخلط بين المثقفين (أي الذين لهم المقدرة الفكرية لإدراك المشكلات الاجتماعية ومعرفة حلولها والمقدرة على العمل الجماعي اللازم لحلها) والمتعلمين (الأكاديميين) الذين لا يعرفون من العلم إلا ما تعلموه في معاهده المتخصصة، ويجهلون علاقتها بمشكلات الواقع الاجتماعي أو لا يهتمون بتلك الصلـة.

الفرديـة:من أهم هذه المظاهر السلوكية السلبية هي الفردية، ومرجع هذه النـزعة الفردية عند بعض المثقفين أنهم قادة حركة التطور في كل المجتمعات، وإذ كانوا في المجتمعات المتقدمة كثرة تفيض عن الحاجة. فإنهم في المجتمعات المتخلفة قوة نادرة؛ ذلك لأنهم أكثر معرفة وعلماً ومقدرة على العمل من الكتلة السائدة. فلا تستطيع مجتمعاتهم أن تستغني عنهم، وبينهم وبين سواد الشعب المتخلف ثغرة فاصلة.

يمكن أن يضاف إلى هذا أسباب عدة، منها أن برامج التربية والتعليم والثقافة والإعلام في المجتمعات المتخلفة كانت لفترة طويلة من وضع القوى الاستعمارية لخدمة غاياتها. ومن غاياتها إضعاف العلاقة الاجتماعية التي تربط الناس بمجتمعاتهم في مصير واحد حتى لا تعود هذه الروابط إلى وعن الناس التزامهم بتحرير مجتمعاتهم.

ومنها احتضان القوى الاستعمارية للعناصر المتفوقة من المتعلمين وإتاحة فرصة إكمال ثقافتهم في معاهدها وجامعاتها عن طريق البعثات، وهنا تدس في الأذهان مُثُلاً عُليا غريبة عن مجتمع المبعوث.

ومنها ميراث الممارسة الليبرالية ذلك المذهب الفردي الذي يتجاوز تجميد الإنسان إلى إطلاق الفرد من التزاماته المترتبة علي انتمائه إلى مجتمعه؛ فيتحول المجتمع إلى ساحة صراع فردي لا إنساني؛ وتكون الفردية فيه قيمة لا يخجل منها صاحبها، بل يفخر بها بقدر ما يكون لها من ضحايا من أفراد آخرين.

الفردية السلبية والفردية الايجابية:غير أن هذه الفردية قد تأخذ شكلاً سلبياً، أو شكلاً إيجابياً. أما الشكل السلبي؛ فيأخذ شكل العزلة عن الجماهير. أو شكلاً إيجابياً كالاستعلاء على الناس، والتشبث بالقيادة، والتوقف أو الانعزال، أو التمرد على العمل الجماعي ما لم يخضع الناس لإرادته.

مستويات النقد:

فيم يلى نقدم نماذج لنقد العقل العربي الإسلامي طبقا لمستوياته المتعددة

المستوى الفكري:

وهو محاوله العقل تفسيرا لمستوى اللماذى للوجود، اى العلاقة بين المستويين الكيفي والماهوى (النسبي والمطلق) وما يناقض العقل في هذا المستوى هو التفكير الاسطورى اى محاوله تفسير هذا المستوى بدون التحقق من هذا التفسير بدليل عقلي(منطقي).

ساد نمط التفكير الأسطوري(اللا عقلاني) في الشعوب والقبائل التي تسود المنطقة ثم جاء الإسلام فهدى الناس إلى إعمال العقل. وأنشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماطاً متعددةً من التفكير العقلاني الذي لا تناقض الأيمان أو الوحي؛ وإن كانت تناقض (بالتأكد) نمط التفكير الأسطوري.

وعندما حدث للمجتمعات المسلمة توقف التقدم الحضاري أو بطئه؛ ظهرت بعض خصائص التفكير الأسطوري في بعض أنماط تفكير هذه ألشخصية. وليس في أغلب أو كل أنماط التفكير فيها؛ أي أن العقل المسلم لم يرتد إلى نمط التفكير الأسطوري (كما يرى بعض المستشرقين)؛ لأن هذا النمط من أنماط التفكير يناقض الإسلام الذي يشكل الهيكل العقلي الحضاري لهذا ألعقل، بل تحول إلي عقل يختلط فيه التفكير العقلاني مع التفكير الأسطوري( يمكن أن نطلق عليه نمط التفكير شبه الاسطورى أو شبه العقلاني) بفعل الخلل الذي أصابها نتيجة العوامل الذاتية والموضوعية سابقة الذكر.

فالتفكير الفلسفي مثلاً كنمط من أنماط التفكير العقلاني ازدهر في مراحل التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، وعندما بدأت هذه المجتمعات تتخلف تخلُّف التفكير الفلسفي؛ إذ أن الفلسفة نشاط معرفي حضاري مما أفسح المجال لظهور بعض أنماط

التفكير الأسطوري.ويمكن إيضاح هذا التحول بالرجوع إلى خصائص التفكير العقلاني

( الفلسفي مثالا له)(1)

1)  حسن حنفي، مقال الجذور التاريخية لازمه الحرية في وجداننا المعاصر، كتاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، دار المستقبل العربي ط1، ص  136

 وموقف الإسلام منها الرجوع إلى خصائص نمط التفكير الأسطوري والتي هي نقيض خصائص التفكير العقلاني بصورة عامة. وعلاقة كل هذا بعض أنماط التفكير والسلوك السلبية في العقل العربي المسلم.

(ومن خصائص التفكير العقلاني الموقف النقدي القائم على تجاوز كل من موقف القول المطلق والرفض المطلق إلي الموقف القائم على البحث عن أوجه الصواب وأوجه الخطأ في الرأي المعين، وأخذ ما هو صواب ورفض وما هو خطأ. وهذه الروح النقدية حث عليها الإسلام كما في قوله (ص): ” لا يكون أحدكم إمعة؛ يقول: أنا مع الناس إنْ أحسنوا أحسنت، وإنْ أساءوا أسئت، بل وطِّنوا أنفسَكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا وإنْ أساءوا أن تجتنَّبوا إساءتهم). كما في قوله تعالى: ” الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ “. أما التفكير اللاعقلاني؛ فيقوم على القبول المطلق لفكره، وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الأخرى وهذا الخاصية نجدها في بعض أنماط تفكير العقل العربي المسلم

و من خصائص ومن خصائص التفكير العقلاني الشك المنهجي القائم على عدم التسليم لصحة فكرة معينة إلا بعد التحقق من كونها صحيحة. هذا الشك المنهجي نجد نموذجاً له في وقف القرآن لانتقال إبراهيم (ع) من الاعتقاد بربوبية القمر – إلى الاعتقاد بربوبية الشمس، إلى الاعتقاد بربوبية الله تعالى كما استخدمه الإمام الغزالي كما في كتابه

المنفذ من الضلال. أما التفكير اللا عقلاني؛ فيقوم على الشك المطلق؛ أي إنكار إمكانية التحقق من صحة أي فكر، من هذا النوع من الشك عبر عنه القرآن بمصطلح ريب ” أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا “. أو النـزعة القطعية؛ أي التسليم بصحة فكرة دون التحقق من كونها صادقة أم كاذبة وهو الأمر الذي ذمه القرآن: “قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ”. وهذا كان الشك المطلق لا يوجد لدى العقل العربي المسلم (بصوره أساسيه) لأنه يناقض الدين بصورة قاطعة .فإن النـزعة القطعية تتجلى في بعض أنماط تفكير هذا العقل( وليس كل أو اغلب أنماط التفكير فيه كما نمط التفكير الأسطوري).

ومن خصائص التفكير العقلاني الاستناد إلى العقل كوسيلة للمعرفة وإذا كان الإسلام قد حث على إعمال العقل (بما لا يتناقض الحواس والوحي كوسائل المعرفة) فإن نمط التفكير الأسطوري يستند على الإلهام أو الوجدان أو العاطفة أو الخيال (الذي يلغى العقل). وهو ما نجده أيضاً في بعض أنماط تفكير هذا العقل.

ومن خصائص التفكير العقلاني المنطقية؛ أي الاستناد إلى المنطق بما هو أنماط

التفكير السليمة المستندة إلي قوانين التفكير، وأهمها قانون عدم التناقض. والذي أشار إليه القران: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً”. بخلاف نمط التفكير الأسطوري اللا منطقي ( المتناقض) وهنا نجد التناقض أو عدم الاتساق في بعض أنماط تفكير هذا العقل( وليس كل أو اغلب أنماط التفكير فيه أيضاً).

 

ومن خصائص التفكير الاسطورى، أن يكون السلوك رد فعل عاطفي بدلا من أن يكون فعل عقلاني(اى  قائم على اتفاق الغاية التي يهدف إليها هذا السلوك مع إمكانيات وميول الشخص المعين)( التقليد) .

ومن خصائص التفكير الاسطورى إصدار إحكام قبليه على الأشياء والأحداث والناس اى قبل التحقق من صدق أو كذب هذه الأحكام( الأحكام الانطباعية)

وكلا الخصيصتين نجدهم أيضا عند بعض أنماط تفكير هذا العقل.

المستوى العلمي:

هو محاوله العقل تفسير المستوى الكيفي للوجود اى ضوابط الحركة واتجاهاتها، وهو هنا محدود بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود بالزمان المكان النسبي فيهما( فخطوات المنهج العلمي هي الملاحظة (الحسيه) فالافتراض(العقلي) فالتحقق (الحسي).

وما يناقض العقل في هذا المستوى والتفكير الخرافي القائم على محاوله تفسير هذا المستوى من مستويات الوجود بدون برهان قابل للتحقق منه بالتجربة والاختبار العلميين.

وقد ساد نمط التفكير الخرافي القائم على تفسير الظواهر العينية (أي الوقائع المعينة بذاتها زماناً ومكاناً) النوعية(أي المتعلقة بنوع معين من أنواع الوجود) في هذا المنطقة عندما كانت مجتمعاتها في الأطوار القبلية والشعوبية .وعندما جاء الإسلام هدى الناس إلى أصول منهج البحث العلمي، وترك لهم وضع فروعه واستعماله. ولم يحتج المسلمون إلى كثير من الوقت لاحتلال المراتب الأولى في كثير من العلوم. كما ساد انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير والحركة. وعندما أخذت المجتمعات المسلمة تتخلف حضاريا تخلفت علميا أيضا لأن العلم أحد أنماط النشاط الحضاري. وهى هنا أيضا لم ترتد إلي نمط التفكير الخرافي(كما يرى بعض المستشرقين)، بل أصبحت تتبنى بعض أنماط التفكير العلمي في بعض شؤونها، بينما تنتهج بعض أنماط التفكير الخرافي في البعض الآخر( يمكن أن نطلق عليه اسم نمط التفكير المختلط أو شبه الخرافي أو شبه العلمي).

ويمكن إيضاح ذلك بالحديث عن خصائص التفكير العلمي والخرافي وموقف الإسلام منهما وعلاقتهما ببعض أنماط تفكير العقل العربي المسلم

فالتفكير العلمي يقوم على الإقرار بأن هناك قوانين حتمية تضبط حركة الأشياء والظواهر ومضمون الحتمية تحقق السبب بتوافر المسبب، وانتفائه بانتفاء المسبب وهذا ما أقره الإسلام حين قرر القران أن حركه الكون خاضعة لسنن إلهية لا تتبدل: ” فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً”. (فاطر:43).

وبالرجوع إلي العقل العربي نجد الجمع بين النمطين من أنماط التفكير ماثلا في الإقرار بعدم إمكانية نجاح أي فعل دون معرفه والتزام هذه القوانين لأغلب الناس في الأحوال العادية، مع الاعتقاد بإمكانية نجاح فعل بعض الناس (الصالحين مثلاً) في حالات معينه (الجذب مثلاً)، دون معرفه والتزام هذه القوانين.

ومن خصائص التفكير العلمي التخطيط، وله شرطان: عدم توقع تحقق غاية معينه دون تدخل إيجابي من الإنسان، وضرورة سبق الأحداث قبل أن تقع والتحكم في وقوعها طبقاً لخطط معينة. أما التفكير الخرافي فيناقض التخطيط؛ وذلك لإلغائه شرطه الأول بالسلبية والتواكل، وإلغائه شرطه الثاني بالتجريبية و المغامرة. و الإسلام لا يعارض التخطيط؛ لأنه يحث على التزام شرطه الأول بتقريره أن شيئاً من الواقع لن يتغير ما لم يتدخل الإنسان لتغييره ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ “.كما حثَّ على التزام شرطه الثاني بنهيه عن التواكل.وهنا نجد شيوع التواكل، والسلبية، والمغامرة. والتجريبية.في بعض( لا كل) أنماط تفكير العقل العربي الإسلامي.

و من خصائص التفكير الخرافي ومظاهره السلوكية الاعتقاد بامكانيه العلم الغيب (  رمي الودع وقراءه الكف وضرب الرمل وقراءه الأبراج ). وعدم احترام قيمه الزمن. وانتفاء الموضوعية” ومن إشكالها خداع الذات(الإنكار “الذاتي” للحقيقة “الموضوعية”)،التبرير بدلا عن التفسير، (الدفاع “ذاتي” عن الواقع بدلا عن المحاولة “الموضوعية” لمعرفه الواقع تمهيدا لتغييره).

ومن خصائص التفكير اللاعلمى شيوع التفكير الاحصائى( الاستاتيكى)(كبديل للبحث العلمي لا كخطوه من خطواته) والمتمثل في التعميم غير العلمي الذي يعبر عنه القول (لكل قاعدة شواذ) و(الاستثناء يثبت القاعدة).فالتفكير الإحصائي مرحلة أولى من البحث العلمي. ذلك أن البحث العلمي يبدأ بملاحظة الوقائع المفردة, وهو يتضمن جميع الإحصائيات غير انه لا يقف عند هذا الحد بل يكتشف العنصر المشترك في الوقائع المفردة ليصوغ منه قانونا يطبقه علي ما لم يرد في ملاحظاته الأولي فان صدق ثبت وان لم يصدق كان معني هذا إننا في حاجه إلي مزيد من الملاحظة و الاختبار وهكذا إلي أن نصل إلي تحديد القانون الذي يفسر لنا حركه الظاهرة أولا وأخيرا وما لم يقع في مجال- الملاحظة والقانون لا يعتبر قانون إلا بهذا, أما قبلة فهو قاعدة إحصائية إذا توقف عند الملاحظة أو فرض إذا لم يصل إلي حد التجربة. و التجربة والتطبيق ينهيان الإحصاء والفرض ويضعان في يدنا قانونا حتميا فليس من اللازم مثلا أن نغلي مياه الأرض جميعا لنعرف الماء يغلي في درجة (100)ْ في الضغط الجوي العادي).

ومن أنماط التفكير والسلوك اللاعلمى محاوله القفز (مما هو كائن) إلي (ما ينبغي أن يكون)، اى  دون تدرج (مما هو كائن) إلي (ما هو ممكن) ،و(مما هو ممكن) إلي (ما ينبغي أن يكون). هذه المحاولة تؤدى( في التحليل النهائي) إلي الإبقاء على ما هو كائن، أما ما ينبغي أن يكون فيصبح مجرد حلم أو أمنيه مقطوعة الصلة بالواقع.وقد تؤدى إلي ألقطيعه بين الكلام والفعل، اى إيجاد عالمين منفصلين: عالم مثالي يجسد ما ينبغي أن يكون يظهر في الكلام. وعالم وقعي يجسد ما هو كائن ويظهر في السلوك

الفعلي.كل هذه الخصائص نجدها عند بعض(لا كل) أنماط تفكير العقل العربي المسلم.

المستوى التدينى:

هو محاوله العقل تفسير المستوى الماهوى للوجود، و العقل محدود بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، وما يناقض العقل على هذا المستوى هو التفكير البدعى ، فالبدعة هي الاضافه في أصول الدين اى فكره ليس لها برهان أو دليل نقلى ( اى نص يقيني الورود قطعي الدلالة)

إذا كان الإسلام هو الهيكل العقلي المعرفي الاساسى الحضاري للعقل العربي؛ فإن واقع التخلف الحضاري افرز عدداً من المشاكل المتعلقة بالمعرفة بالإسلام ذاته، أهمها شيوع  ما يمكن أن نطلق عليه  نمط التفكير البدعى اى يؤدى إلى شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام؛ والتي تكتسب قدسية نسبتها إلى الدين. والذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري ،وما يساهم في تكريس هذا النمط من أنماط التفكير  تبنى قطاع  كبير من المثقفين (الذين من المفترض أن يكونوا طليعة المجتمع في تثقيفه، وتوعيته بالإسلام وقيمه الحضارية الإنسانية، ومحاربه الفهم الخاطئ للدين الذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري وتقديم فهم صحيح له) للتصور التغريبي يرى أن التقدم لا يمكن أن يتم إلا بإلغاء الدين أو تهميشه.

ونمط التفكير البدعى يتضمن نمط التفكير الخرافي(إذ هو محاوله العقل تفسير الوجود الكيفي بدون محاوله التحقق بالتجربة والاختبار اى بدون  برهان حسي اى بالاستناد إلي فرضيات ميتافيزيقية اى غيبيه لكن دون برهان نقلى  أيضا).كما يتضمن (إذ هو محاوله العقل تفسير الوجود اللماذى بدون محاوله التحقق ببرهان عقلي أو منطقي اى بالاستناد إلي فرضيات ميتافيزيقية اى غيبيه لكن دون برهان نقلى  أيضا).

وبالتالي فان محاربه نمط التفكير البدعى هو في ذات الوقت محاربه لنمطي التفكير الخرافي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراجعات لبعض مشاريع نقد العقل العربي

نقد العقل العربي عند الجابري

هدف المشروع :

نقد العقل العربي عند الجابري يهدف إلى النهضة، وهذه النهضة لابد أن تنطلق من نموذج منبعث من نفس التاريخ العربي،اى داخل في بنية العقل العربي ،وهو يرى أن النظام ألبرهاني( العقلاني )هو هذا النموذج .

فالمشروع يدعو إلى عصر تدوين جديد يعيد الحياة إلى النظام ألبرهاني الذي ببنيته قام الفكر الحديث والمعاصر الغربي، معتبراً انّه لابد لهذا العصر الجديد من بداية هي نقد السلاح، نقد «العقل العربي»، وبهذا يكون المشروع عبارة عن بداية هذا العصر.

الجغرافية واللغة:

و يربط الجابري بنية العقل وتكوينه بالجغرافية أساسا، ومن ثم باللغة كجهاز استلام وار سال يضمر في داخله حقائق البيئة ذاتها. لهذا كانت مفاهيم اللفظ والإعرابي والصحراء والنحو والبلاغة وغيرها هي من أهم المفاهيم الموظفة في مشروعه للتعرف على كنه العقل العربي. فالجغرافية واللغة هي أهم ما في المشروع من أساس لتحليل تكوين العقل وبنيته، منهجاً ورؤية.

النظم المعرفية الثلاثة:

والنتائج الرئيسية التي توصل إليها الجابري اعتبار تفاوت العقول المعرفية انّه يضعه كنظام منفصل وسط ثلاثة أنظمة ، كلها داخلة فيما يطلق عليه بـ «العقل العربي»، وهي النظام ألبرهاني الفلسفي والنظام ألعرفاني الصوفي، مضافاً إلى النظام البياني الذي يستقل بالدلالة اللغوية المتسقة مع تنظير المشروع للغة العربية واعتبارها أساس «العقل العربي».

العقول الثلاثة:

كما يرى أن الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة هي التي أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضا نظريات في العلم، وأنها وحدها التي مارست ليس فقط “التفكير بالعقل” بل أيضا “التفكير في العقل”.

من جهة أخرى فهو أن هناك فارقاً بين العقلية العربية والعقلية اليونانية والعقلية الغربية الحديثة، لا فقط في حدود الإشكالية التي يبحثان فيها بل كذلك إنهما يختلفان أساسا حول سير المعرفة وطريقتها ونوع العلاقة التي تربط بين العقل والطبيعة

تقويم:

استند الجابري في نقده للعقل العربي إلي عدد من المفاهيم الفلسفية والمنهجية الغربية،كمفهوم العقل المكون والعقل المكون عند لالاند، ومفهوم القطيعة المعرفية عند باشلار، والمنهج الاركيولوجى عند ميشيل فوكو

العقول الثلاثة: البياني والعرفانى والبرهانى هي الأنماط المتعددة لذات الفاعلية المعرفية اى العقل،والتي تتعدد طبقا لمستويات الوجود التي يحاول تفسيرها، وبالتالي فان العلاقة بينها هي علاقة تكامل لا علاقة تناقض كما يرى الجابري .

كما أن موقفه القائم على القطيعة بين المغرب والمشرق وقصر العقل البرهانى على المغرب هو رد فعل عاطفي( ذاتي) على موقف أخر يعتبر المغرب مجرد تابع فكرى للمشرق، بدلا من اعتبار كل من المغرب والمشرق أجزاء من كل( هو العقل العربي الإسلامي) يحددهم فيكملهم ويغنيهم ولكن لا يلغيهم.

هذا الموقف يؤدى إلي إلغاء وحده العقل العربي الإسلامي.، فضلا عن انه أدى إلى تحول المشروع من نقد موضوعي  للعقل العربي إلى (نقض  ذاتي للعقل المشرقي)

كما أن نظريه الجابري في العقل البياني تقارب نظريه الوسط الجغرافي التي من أشهر ممثليها راتزل والتي تحدد سلوك وتفكير الإنسان طبقا لقوانين الطبيعة وليس طبقا للقوانين النوعية للإنسان وتؤدى إلي نوع من أنواع الجبرية الطبيعية،والواقع من الأمر أن هناك تأثير متبادل بين الطبيعة والإنسان،وان الإنسان لا يستطيع إلغاء حتمية قوانين تحول الطبيعة لكنه يستطيع أن يتحكم في محتوى هذه القوانين بمعرفه والتزام حتمية هذه القوانين ، بمعنى أخر فان الطبيعة قيد وشرط لحرية الإنسان ولكنها لا تلغى هذه الحرية.

كما تتشابه مع النظرية العرقية التي وضعها«ليون غوتييه» في أوائل هذا القرن، حيث ميز الأخير بين العقل السامي عن العقل الآري، معتبرا أن العقل الأول عاجز عن أن يرى الأشياء مترابطة، فرؤيته تجزيئية انفصالية ينقصها الانسجام والارتباط، بخلاف ما هو الحال في العقل الآري الذي له القدرة على الربط بين الأشياء والعقد فيما بينها بعقدة الاتصال والانسجام بوسائط تدريجية. لهذا فهو يرى أن الفلسفة اليونانية على خلاف تام مع الدين العربي الإسلامي، فالأولى ترجع إلى الجنس الآري وهي لهذا قائمة على الوصل والارتباط، بينما يرجع الثاني إلى الجنس السامي، وهو لهذا يقوم على الفصل والتجزئة.(1)

كما أن هذا الموقف(الذاتي) أدى به إلي التعسف في كثير من أرائه كالخلط بين مفكري الأندلس والمغرب ليضعهم في قائمة أرسطية واحدة، بالرغم من أن بعضهم ينتمي

صراحة إلى العرفان كما هو الحال مع ابن الطفيل، والبعض الآخر إلى البيان كما هو.

الحال مع ابن حزم والشاطبي وابن خلدون.  وبدلاً من أن يستخدم في علاقة هؤلاء بالبرهان الأرسطي مفهوم «التوظيف» فانه استخدم مفهوم «التأسيس»، لكنه مع ذلك يفهم من «التأسيس» أحيانا ـ وكما يبدو ـ على انّه «توظيف»، مما يجعل شائبة الخلط (1) النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص /119 حسين مروة / دار الفارابي ببيروت / الطبعة السادسة، 1988

بين المفهومين تلوح. فابن حزم والشاطبي وغيرهما من أصحاب البيان لم يؤسسوا البيان على العقل الأرسطي كما يفعل الفلاسفة، بل وظفوا بعض قواعده الصورية بما لا ينافي نظام البيان، بل خدمة له.

كما أن الجابري يفهم العقلانية طبقا لمفهوم المدرسة العقلانية الغربية وهو ما أدى به إلي قصرها على جانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي هو الفلسفة الاسلاميه في شكلها التقليدي وفى قطاعها الارسطى. رغم أن الغرب ذاته لم يدخل عصر النهضة إلا من خلال نقد التصور الارسطى للعقل والمعرفة( بيكون،لوك،ديفيد هيوم، كونت، مل…).

نقد نقد العقل العربي عند جورج طرابيشي

قام طرابيشي بنقد مشروع الجابري وهنا نورد بعض الانتقادات التي وجهها للمشروع

مفهوم العقل:

قام طرابيشي بمناقشة التأصيل النظري الذي يضعه الجابري للعقل ويخلص إلى استعارة الجابري لهذا المفهوم من تمييز لالاند للعقل المكوِّن والعقل المكوَّن،  لكنه مع ذلك يرى أن الجابري لم يتعرف إلى نظرية لالاند في مصدرها الأصلي، أي كتاب “العقل والمعايير”.وهذا ما أدى إلى صياغة إشكاليته للعقل في “قسمته لا في وحدته” وذلك عندما (تجاهل) الوظيفة التوحيدية للعقل المكوَّن… فقد قاده ذلك لبناء تحليله للعقل العربي على تشطير هذا العقل تشطيرا ثلاثيا وقطعيا إلى عقل بياني وعرفاني وبرهاني، وبدلا من أن يرد تجليات هذا العقل في مجالات الفقه وعلم الكلام والتصوف والفلسفة إلى البنية العضوية الواحدة التي تصدر عنها… فأدى التشطير إلى إنزال العقل منزلة الجوهر الفرد القائم بذاته والمنغلق على نفسه… (1)

كل ذلك فوَّت على الجابري –حسب طرابيشي- فرصة قراءة “وحدوية” وجدلية معا للعقل الإسلامي، وذلك عندما لم ينتبه إلى الوظيفة النقدية للعقل المكِّون بوصفه عقل “استحداث أزمات” على حد تعبير باشلار، أي بوصفه “حركية موجهة” نحو التقدم، لتجاوز العقل المكوَّن الذي ينبغي أن ينتفض ضد ذاته بوصفه “مطلقا”. وإذا كان الجابري في الجزء الأول “تكوين العقل العربي” أخذ “حركية العقل” بعين الاعتبار، لكنه في “بنية العقل العربي” ينتقل من مفهوم نقدي تكويني صيروري إلى مشروع نقد بنيوي ماهوي للعقل العربي.

وتأسيسا على ذلك يعترض طرابيشي على تحقيب الجابري للزمن الميت، زمن العقل المكوَّن، إذ يدرج “لحظة الغزالي” في الزمن الميت، بوصفها جزءا من

“عصر الانحطاط”، ومن ثم تمديد هذه الحقبة (الانحطاط) حتى اليوم، مما يترتب (1)طرابيشي،”نظرية العقل”. – دار الساقي- ط2- 1999 – ص 11

على ذلك شطب “عصر النهضة” في “العصر الحديث وعلى هذا فقد كان تحليل الجابري للعقل على أساس تشطيره وتجزئته، لا على أساس بناء وحدته، مما أفضى لأن يتأتى تعاطيه مع العقل من موقع سجالي، لا من موقع نقدي، مما قاد إلى نوع من المقارنة -بين العقول الثلاثة- التفاضلية لا التكافؤية، إذ تبدت هذه العلاقة عن حرب أهلية دائمة، يتخذ لنفسه منها موقفا كطرف دون طرف آخر، فقد انتصر ابستومولوجيا للعقل البرهاني على العقل البياني، بقدر ما انتصر للعقل البياني على العقل ألعرفاني، وانتصر إيديولوجيا للعقل “السني” على العقل

“الشيعي” وانتصر جغرافيا لعقل المغرب على عقل –أو بالأحرى- “لا عقل” المشرق…!

العقول الثلاثة:

كما يقدم طرابيشي بحثا مطولا حول: التوظيف المركزي ألاثني لنظرية الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة التي وحدها أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضا نظريات في العلم، وأنها وحدها التي مارست ليس فقط “التفكير بالعقل” بل أيضا “التفكير في العقل”.

فيبدأ تفنيده بالنعي على الجابري أن أطروحته هذه هي من مشاع القول في تاريخ الفلسفة السائد، بل يذهب أبعد من ذلك في “الاتهام” بأنه أخذ هذا التعريف عن كتاب صادر بالفرنسية سنة 1978 لمحمود قاسم- عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة- عن “نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توما الأكوييني ” وعن مصدر ثاني هو كتاب هيغل الرائج “دروس في تاريخ الفلسفة”,

ويمضي ليفند هذه الأطروحة، من خلال إطلالة موسوعية على تاريخ الفلسفة ليبرهن على أن للهند تاريخا عظيما في الفلسفة والمنطق لا يقل أهمية عن تاريخ الفلسفة اليونانية، وعلى أن الجابري متأثر بنظرية المركز ألاثني الأوروبي في القرن 19، وذلك عندما يحكم بالإعدام على ألفي سنة من تاريخ الفلسفة و المنطلق في الهند، وتراثا متراكما في “التفكير بالعقل” وأن عدم تحول العقل الهندي إلى عقل “كوني” يعود لأسباب تاريخية لا لأسباب ابستمولوجية، وذلك بسبب انتماء الحداثة الأوربية للجذر اليوناني، وبالتالي فإن أوروبا هي التي صنعت “المعجزة اليونانية”.. !

العقلانية:

وبالتوسع ذاته يقوم بتناول تطور مفهوم العقل في الحداثة الأوربية ، مفندا مفهوم العقلانية – لدى الجابري – القائم على التطابق بين نظام الفكر ونظام الطبيعة، باعتباره مفهوما متقادما، نسفته النظرية النسبية لإنشتين 1905 ومبدأ اللا حتمية التي قال به هايزنبرغ عام 1928.

تقويم:

قام نقد طرابيشي للجابري على بيان تعسف الجابري ومخالفه الكثير من أرائه للحقائق التاريخية ، كما أراد تأكيد وحده العقل العربي الإسلامي. لكنه رغم اختلافه مع الجابري فانه يلتقي معه في فهم العقلانية طبقا للفهم الغربي وقصر العقلانية في التراث الإسلامي على الفلسفة الإسلامي بمفهومها الضيق وفى قطاعها الارسطى.

نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون

الإسلاميات التطبيقية:

يقوم أركون بنقد العقل الإسلامي في إطار مشروعه الفكري الذي يسميه: «الإسلاميات التطبيقية» والتي تهدف إلى إحداث قطيعة جذرية مع الدراسات الإسلامية التقليدية في الغرب(الاستشراف) التي تتصف بالرؤية السكونية؛واستخدام المناهج الوضعية والتاريخية والفيلولوجيه(الفقه – لغويه) التي تجاوزها التطور العلمي. وذلك بالاعتماد على مجموعة من المناهج والأدوات المنتجة في إطار التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية في الغرب،

المنهج الاركيولوجى( الحفري) التفكيكى:

وهو يستخدم منهجاً حفرياً تفكيكياً، إلا أنه يوظف مجموعة من الأدوات ويستخدم عددا من المناهج، و يلحُّ على ضرورة التسلح بالأدوات المنهجية التي تبلورت منذ الخمسينيات في مجال العلوم الإنسانية بشتى فروعها من التاريخ واللسانيات والأنتربولوجيا وعلم النفس بجميع مدارسه وعلم الأديان المقارن، والسيمولوجيا، ثم الابستومولوجيا والفلسفة، لتجد مؤلفاته حافلة بأسماء كثيرة من قبيل: ماركس، وفرويد، وستراوش، وباشلار، وألتوسير، ، وفوكو، ، وديريدا، وغيرهم، إضافة إلى تكثيفه لمجموعة من المفاهيم المنتجة داخل المجال الحيوي للفكر الغربي منها: رأس المال الرمزي، الزمن الطويل، التقطيع الميثي، التاريخية، الخطاب السيميائي، اللا مفكر فيه، المكبوت، البنية العميقة، الابستيمي، مديونية المعنى… الخ.

اللامفكر فيه :

ينطلق محمد أركون في كل أعماله من منظور نقدي قائم على تصور معين للتراث الإسلامي ونتاجه الفكري؛ فمشروعه ـ كما يقول ـ يرمي إلى «إعادة كتابة جديدة لكل تاريخ الفكر الإسلامي والفكر العربي»والمقصد الأساسي لهذه العملية هو تتبع المساحات الخفية التي ظلت بعيدة عن مجال النقد والتفكير، وكل ما يدخل ضمن دائرة ما يسميه «اللامفكر فيه» المستحيل التفكير فيه، يقول: «إن معظم الأسئلة التي ينبغي طرحها على التراث تدخل فــي دائرة «اللا مفكَّر فيه» أو «المستحيل التفكير فيه»،.

ماهية التراث:

واركون يعرف التراث بأنه«مجموعة متراكمة ومتلاحقة من العصور والحقب الزمنية. إن هذه القرون المتطاولة متراتبة بعضها فوق البعض الآخر كطبقات الأرض الجيولوجية أو الأركيولوجية، وللتوصل إلى الطبقات العميقة، أي القرون التأسيسية الأولى.. لا بد من اختراق الطبقات السطحية الأولى والوسطى.. لا بد لمؤرخ الفكر كما يقول «فوكو» أن يكون أركيولوجي الفكر» ليتبين بوضوح أن مفهوم التراث غير مفصول في أبعاده الكاملة عن المنهج الذي يتبناه قبلاً. ولعل هذه الصورة تبدو أكثر وضوحاً عندما نتعرف على التركيبة الداخلية لهذه الطبقات، أي العناصر الثاوية تحت مسمى التراث كما يفهمه أركون؛ فالتراث ـ حسب هذه الرؤية ـ بنية تراكمية تشكلت عبر أجيال متلاحقة، وتتكون من مزيج من المعارف المتداخلة بطريقة لا يفصل فيها بين الإلهي والبشري، وهو ما يعطيه مضموناً ثبوتياً يقتضي إنتاج قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية؛ وعلى ذلك فإن المنهج يتحدد انطلاقاً من التصور الأركيولوجي للمعرفة؛ باعتبار أن صفة التراكم التي تميز التراث تفرض التعاطي مع منتجاته المعرفية بشكلها المتداخل والأفقي في حدود معطيات هذا التصور والمنهج الذي ينتجه.

الطابع المنهجي:

وإذا كانت ممارسة القراءة النقدية تستلزم التسلح بآليات منهجية محددة يستطيع من خلالها القارئ الوصول إلى نتائج وخلاصات معينة، فإن أركون في اهتمامه بمثل هذه القراءة حريص على الطابع المنهجي أكثر من حرصه على الوقوف على النتائج والخلاصات النهائية، أي أن كتاباته تتضمن مشاريع في البحث بما تقدمه من خطاطات أكثر مما تعطي من إجابات عن الأسئلة التي تطرحها فخطابه يهتم أساسا بتجديد آليات الفكر الإسلامي وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية، عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة

العقل الاسلامى:

ومن خلال حديثه عن العقل الإسلامي وتركيبته الداخلية وكيفية نشأته وطرائق اشتغاله في التاريخ والمجتمع من خلال دراسته التحليلية لرسالة الشافعي؛ خلص إلى أن العقل الإسلامي الكلاسيكي تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة، ثم تحول فيما بعد إلى عقل إسلامي أرثوذكسي صلب ومغلق على ذاته وهذا يعني نزع صفة العقلانية عن هذا العقل ومنتجاته الفكرية انطلاقاً من انغلاقه الأرثوذكسي وتشبعه بمفاهيم وقيم موروثة عن عصور سيادة اللاهوت والتصورات الميثولوجية!

العقلاني والاسطورى:

ولأن الهدف الرئيسي عند أركون من الدراسة الأنثروبولوجية الدينية للتراث الإسلامي هو «توضيح التنافس المستمر بين المعرفة الأسطورية والمعرفة العقلانية وروابطها المتغيرة والمتحولة»فلا بد أن تأتي تأكيداً لهذه الخلاصة النظرية التي تقــول: «إن الفكر العربي الإسلامي لا يمكنه الانفتاح على العقلانية الحديثة بشكل فعلي ودائم وناجح إلا بتفكيك مفهوم «الدوغمائية» ومفهوم «الأرثوذكسية» الخاصين بتراثه » وهكذا فإن هذه الممايزة بين شكلين من أشكال المعرفة التي يتقاطع فيها الأسطوري بالعقلاني بطريقة تنافسية، يسوغ أي انزياح نقدي في اتجاه تحطيم أحد الشكلين لصالح الآخر.. وما دام أن العقلانية تبقى هي الخيار الوحيد أمام الفكر الإسلامي لتحقيق انطلاقته، فلا بديل سوى تحطيم أساسيات المعرفة الأسطورية داخل بنيته..

سلطه النص:

والطريق إلى «الحداثة» يمر عبر التحرر من سلطة النص الذي تكونت في ظله ثوابت العقل الإسلامي ومحدداته التي تشكلت منها بنية النظام المعرفي داخل بناء الثقافة الإسلامية، والتي يحدد أركون أهم خصائصها فيما يلي:

الخلط بين الميثي (الأسطوري) والتاريخي، التدعيم القطعي للقيم الأخلاقية الدينية انطلاقاً من القرآن والسنة، التأكيد اللاهوتي لتفوق المؤمن على غير المؤمن، والمسلم على غير السلم، حصر وظيفة العقل في الاجتهاد وتأويل الوحي (النص المقدس)، تقديس اللغة، والتركيز على قدسية المعنى المرسل من قبل الله، التأكيد على تعالي المقدس وتجاوزه التاريخية.

وهو تحديد يقوم على إبراز مجموعة من الثنائيات المتضادة: الأسطورة/ التاريخ، الإيمان/ الكفر، العقل/الوحي، التعالي/التاريخية.. من أجل إعطاء تفسير لما يسببه «الابيستمي الإسلامي»، أساسه رفض طابعه التقديسي، ومن ثم تجاوزه بوصفه خطاباً ومنظومة قيم، إضافة إلى تقديم تصور جديد للعلاقة بين المنظومات الفكرية التي تشكلت تاريخياً داخله.

عدم التمييز بين السنة والشيعة:

مـن هـنا فأركون ـ مثلاً ـ لا يميز بين السنة والشيعة رغم ما بينهما من اختلاف؛ لأنهما بكل بساطة يستخدمان نفس المبادئ والقواعد والآليات، أي أنهما يعتمدان نفس النظام المعرفي، ونفس العقلية الدوغمائية ونفس المفهوم الأحادي للحقيقة، ونفس إستراتيجية الرفض التي تبديها كل فرقة إزاء الأخرى وعلى ذلك فإن توجهه النقدي محايث للتحديد السابق، إن لم نقل إنه ينطلق منه كمقدمة لإنجاز مشروعه في نقد العقل الإسلامي.. وإذا كانت «المشكلة مع التراث ـ كما يرى أركون ـ أنه لا توجد حدود واضحة بين الميثوس واللوغوس»؛

تحرير العقل الاسلامى:

كما يرى أركون أن تفكيك التراث ، انطلاقاً من إعادة إنتاج آليات نقدية تستجيب للتطورات المعرفية التي يشهدها هذا العصر هدفه الأساسي هو تحرير العقل الإسلامي من الأساطير العديدة التي تشوبه

فهو ينظر إلي مشروعه باعتباره «إستراتيجية معرفية للفتح والتحرير» أي «فتح العقليات المغلقة وتحريرها»ومن هنا فهو لا يفتأ يبشر باليوم الذي تنتصر فيه الحداثة الفكرية؛ حيث يتم الخروج من الحالة الثبوتية التي وصل إليها الإسلام بعد تحوله إلى أرثوذكسية، أي «من طاقة تغييريه انبثاقية إلى تصور ثابت وثبوتي للحقيقة»

النص:

إن تعامل محمد أركون مع النص القرآني ينطلق من اعتباره جزءاً من التراث الذي يستلزم القراءة النقدية، وإعادة كتابة تاريخه وفق محددات المشروع الذي يتبناه. بمعنى أن القرآن ليس أكثر من نص تشكَّل تاريخياً ضمن شروط معينة كغيره من النصوص التي يحفل بها الموروث الفكري للحضارة الإسلامية، مثله في ذلك مثل الشعر الجاهلي أو الشعر العباسي أو غيرهما من منتجات الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة.. وهو ما يعني نزع القداسة عنه باعتباره نصّاً إلهياً له خصوصيته؛ من حيث إخضاعه للنقد ألتفكيكي والقراءة الحفرية عن طريق توظيف كل المناهج الممكنة من أجل «فرض قراءة تاريخية» عليه، ومن ثم إخضاعه «لمحك النقد التاريخي المقارن، وللتحليل ألألسني ألتفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه» وكل ذلك بهدف «استنطاقه عن مشروطيته وحدثيته، كاشفاً عن تاريخيته الأكثر مادية ودنيوية، والأكثر يومية وعادية، بل الأكثر شيوعاً وابتذالاً»

النزعة التشكيكيه:

وهكذا فإن موقفه من القرآن لا يتميز في شيء عن موقفه من التراث عموماً، وهو وإن كان يعتبر «أن الدراسة العلمية للمقدس لا تعني الانتقاص منه أو المس به، وإنما تعني فهماً أفضل لكل تجلياته وتحولاته، وتحذيراً لبعض الفئات أو بعض الأشخاص من التلاعب به لمصالح شخصية أو سلطوية»فإنه لا يخفي نزعته التشكيكية في دراسته هذه، بل إنه يقول في نفس السياق: «ويمكنني أن أقول بأن المقدس الذي نعيـش عليــه أو معــه اليـوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس الذي كان سائداً أيام النبي».. وبناء على ذلك فهو يشكك في الرواية الإسلامية لقصة جمع القرآن، بل إن هذا التشكيك يمتد إلى طريقة تبليغ الرسول للقرآن وكيفية نقله عنه حفظاً وكتابة؛

وبعد إثارة هذه الشكوك حول ما نقل من روايات عن حقيقة كتابة وجمع القرآن سواء في عهد الرسول أو في عهد خلفائه وخاصة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فإنه ينتقل إلى تحديد ما يعتبره مهام عاجلة تتطلبها المراجعة النقدية للنص القرآني، فيقول: «ينبغي أولاً إعادة كتابة قصة تشكُّل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصة الرسمية للتشكيل التي رسخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني. هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، المهم عندئذ هو التأكد من صحة الوثائق المستخدمة. بعدها نواجه ليس مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق فحسب، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخــرى ممكنة الوجـود كـوثائق البحـر الميت»

توحيد الرؤية حول الأديان التوحيدية،

و الدافع الأساسي لهذا التوجه إنما هو محاولة توحيد الرؤية حول الأديان التوحيدية، باعتبارها تجسد ظاهرة الكتاب الموحى، وما ينشأ عن ذلك من تشكيل متخيل مشترك لدى المجتمعات الكتابية محوره «هو الكلام المتعالي والمقدس والمعياري لله» حيث «اعتاد الجميع على إبراز الأديان التوحيدية بصفتها وحياً معطى أو نزولاً لله في تاريخ البشر بحسب ذلك المجاز القرآن (التنزيل) الذي يجد مقابلاً له في العقيدة المسيحية القائلة بتجسيد الله الأب في يسوع المسيح الابن. إن هذا الوحي المعطى متعالٍ ومقدس ويهدي البشر في تاريخهم الدنيوي لكي يحصلوا في نهاية المطاف على نجاتهم في الدار الآخرة»فإذا كانت التوراة والأناجيل قد تعرضت للنقد والتفكيك وطبقت عليها كل المناهج المعاصرة في قراءة النصوص، فإن القرآن باعتباره يشترك معها في نفس الخصائص العامــة لكــل كتب الوحــي، لا ينبغي أن يخرج عن القاعدة، ويجب إخضاعه لنفس المعايير النقدية، من أجل الوصول إلى نفس النتائج.

ظاهره الوحي:

إن القراءة النقدية التي يباشرها أركون للنص القرآني تدخل ضمن تصور خاص لظاهرة الوحي يحاول من خلاله أن ينزع عنه طابعه المقدس باعتبار أن هذه القداسة إنما هي رداء تم إضفاؤه عليه عن طريق تحويله إلى «نص مثبت ومحدد في مصحف مغلق راح يُستغل… باعتباره مجموعة من الصيغ المعيارية التي تحدد المفكَّر فيه على المستوى المعرفي، وتحدد المؤسسات والقانون على المستوى السياسي والقضائي»وهو تحويل تم عبر «عملية الأسطرة التي طالت الحدث التاريخي التأسيسي الأول وحولته إلى حدث أسطوري»والمقصود بهذا الحدث التأسيسي الأول هو نزول الوحي.. وهذا ما يجعل القرآن يبدو كأنه نوع من الأسطورة والأسطورة ـ كما يعرفها ـ تعبير عن معنى مثالي مفتوح وفق تاريخية تعتمد الترميز الفني الذي يختلط فيه الخيالي بالعقلاني فالخطاب القرآني في رأيه نموذج للتعبير الميثي (الأسطوري)، يقول: «إن الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي (الأسطوري)»

تقويم

الطابع السلبي: المشروع النقدي عند أركون ذو طابع سالب يؤدى  نسف أساسيات العقل الإسلامي وكل ما أنتجه من تراث فكري.،وليس ذو طابع ايجابي يؤدى إلي تحرير العقل الإسلامي من الأخطاء التي تعوق فعاليته ،ومرجع ذلك المنهج التفكيكى الحفري الذي استخدمه يقوم على التحليل دون التركيب ،ويفهم التفكيك بمعنى التحطيم والتدمير كما تبلور على يد كل من هايدجر ونيتشه ودريدا وفوكو.

الخلط بين المطلق والنسبي:ومشروع أركون   يقوم على عدم التمييز بين ما هو المطلق عن قيود الزمان والمكان غير الخاضع للتغير أو التطور فيهما(القواعد التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) و النسبي في الزمان والمكان الخاضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان(الاجتهاد المبنى على تفسير النصوص الظنية الورود والدلالة .فاخضع النوعين للمناهج المعرفية النسبية مما يؤدى إلي استبعاد الوحي  وإذا كان أركون قد أشار في بعض حواراته إلى أن ترجمة كلمة (Myth) ليست أسطورة، وأن مترجم كتابه «الفكر العربي» ـ عادل العوا ـ قد أخطأ حينما ترجم إحدى جمله بعبارة: «القرآن خطاب أسطوري البنية»، وأنه ما قصد ذلك بل قصده أن يقول: «إن القرآن قصصي البنية»، ورغم تأكيد تلميذه ومترجم مؤلفاته هاشم صالح على أن «كلمة أسطورة في استخدامات أركون لها مأخوذة بمعناها الوصفي الأنتروبولوجي وليس بأي معنى سلبي» لكن كلمتي اسطورى وقصصي كلاهما تعنيان عنده خيالي و غير حقيقي.

التغريب: المطالبة بإعادة تشكيل مناهج النظر والقراءة بالكيفية التي تتلاءم ومنتجات الفكر الأوروبي المعاصر هو شكل من أشكال الاستلاب الثقافي فالعقلانية عقلانية الغرب كما اتضحت معالمها منذ ما سمي بـ (عصر الأنوار) ، وبناء على ذلك فإن الفكر الإسلامي مدعو للدخول في الحداثة الفكرية بكل أبعادها انطلاقاً من الانفتاح على العقلانية المعاصرة من جهة، وتحطيم الموروث الديني من جهة أخرى! والملاحظ هنا أن أركون لم يأت بجديد يتميز به عمن سبقوه من دعاة التغريب؛ إنه نفس الخطاب الذي أنتجته الصدمة الأولى مع الغرب، يتكرر في ثوب جديد .

وهو خطاب يرتكز أساساً على نقد العقل الإسلامي (الذي نشأ في ظروف تاريخيه معينه، وتطور ضمن مراحل خاصة، وتشكلت مفاهيمه من خلال تفاعله مع النص القرآني وعبر اندماج تكاملي بين معطيات الوحي ونتاج التجربة الإنسانية)؛ من خلال الفكر الغربي الذي نشأ وتطور في ظروف تاريخية مختلفة ، وله مفاهيمه الخاصة وتجربته المغايرة.

فهو خطاب مبنى على نقد ثوابت العقل العربي الاسلامى طبقا لمتغيرات العقل الغربي فمناهج النقد الغربية تطورت بعد التفكيكيه إلى مناهج النقد الثقافي والنقد النسوى والتاريخيه الجديدة واليسار الجديد …

اللا مفكر فيه:كما أن تطبيقه لمفهوم اللا مفكر فيه حول مشروعه من النقد(إبراز الايجابيات والسلبيات) إلى نقض لأنه قائم على إبراز السلبيات وإخفاء الايجابيات.

موقف غير نقدي:كما  أن الموقف النقدي يقتضى اتخاذ موقف نقدي من المنهج المستخدم أولا، وهو ما قام به كثير من الفلاسفة الغربيين(كما هو واضح في نقد فوكو للبنيوية)، ولم يقم به  اغلب المفكرين العرب ومنهم أركون.

نقد العقل العربي عند زكى نجيب محمود

من التغريب إلي التجديد:

مر زكى نجيب محمود(شانه شان كثير من المفكرين العرب والمسلمين) بتجربة الانتقال من التغريب إلي التجديد، إذ يروى عن نفسه انه في شبابه كان رافضاً لقراءة التراث العربي بما يستحقه من إهتمام، وكان كما يحكى عن نفسه مبهوراً ومنجذباً للإنجاز الغربي الأوروبي والأمريكي، ولكنه وبعد مرحلة كبيرة من البحث والمعاناة أيقن أن كثيراً من التراث العربي يستحق القراءة والتأمل.

معيار المنفعة:

ولكن كان السؤال المهم الذي طرحه لأمراض العقل العربي هو ماذا نقرأ ونأخذ من تراث الأسلاف؟ يقول د.زكى نجيب إن ما يجب أخذه من التراث هو ما نستطيع تطبيقه اليوم عملياً، فيضاف إلى الطرائق الجديدة المستحدثة، فكل طريقة للعمل اصطنعها الأقدمون وجاءت طريقة أنجح منها، كان لابد من إطراح الطريقة القديمة ووضعها على رف الماضي الذي لا يعنى به إلا المؤرخون، ويؤكد على أن ثقافة الأقدمين هي طرائق عيش، فإذا كان عند أسلافنا طريقة تفيدنا في معاشنا الراهن، أخذناها وكان ذلك هو الجانب الذي نحييه من التراث، وأما ما لا ينفع نفعاً عملياً تطبيقياً فهو الذي نتركه غير آسفين.

 

قيود ومعوقات  العقل العربي
القيد الأول :و أن صاحب السلطان هو صاحب الرأي وليس صاحب رأى :
يشبه فيلسوفنا الكبير تعاملنا مع التراث كمن يخزن إرثه في الخزائن ثم يطوف بتلك الخزائن المغلقة عابداً، ويقول أن الإرث ليس في حد ذاته حياة بل هو وسيلة حياة، ويؤكد على أن أساس البلاء هو أن يجتمع السيف والرأي ثم يورد عدد من الأحداث التاريخية التي تؤكد ذلك
القيد الثاني : سلطان الماضي على الحاضر :
القديم له رهبة وسحر وجلال، ولكن أن يتحول الإعجاب إلى تقديس تلك هي المشكلة، وسر النهضة الأوروبية كانت في تحول الناس من إدمان قراءة كتب الأقدمين إلى كتاب الطبيعة المفتوح، فقد كان الكاتب قديماً لا يحتاج إلى الخروج من الدير والصومعة …، فقد كان كل جهده أن يشرح ويلخص، فهو اجترار من بعد اجترار من بعد اجترار، وشرح للشرح وتعليق على التعليق، وحتى الآن أصبح العلم كله متأثراً بتلك النظرة عبارة عن تلقين في تلقين وهذه هي الكارثة  القيد الثالث : تعطيل القوانين الطبيعية :
أكبر القيود التي تعطل مسيرتنا وتكبلها أننا نميل ميلاً شديداً إلى أن تكون قوانين الطبيعة لعبة في أيدي نفر من أصحاب القلوب الطيبة الورعة، فيكفى أن يكون الفرد “صالحاً ” لينصرف صلاحه لا إلى شق الترع وبناء الجسور ورصف الطرق ولكن ينصرف صلاحه إلى تعطيل قوانين الطبيعة، ونحن منذ زمن طويل نمقت العقل ونتمنى للقلب السيادة ولو اقتصر الأمر على العامة لما أخذنا العجب ولكنه وللأسف الشديد يمتد إلى العلماء أنفسهم!!، إن هؤلاء العلماء وهم في معاملهم لا يقبلون إلا أن تكون قوانين العلم حاسمة صارمة، فما الذي يصيبهم إذا ما تركوا معاملهم وعادوا إلى منازلهم؟، أيتركون عقولهم مع معاطفهم البيضاء في حجرات المعامل، ليعودوا متنعمين في ظل الخرافة الندى الطري الممتع اللذيذ؟!!.
إننا مازلنا في مرحلة السحر لا العلم كما يقول د.زكى نجيب محمود، فالسحر والعلم كلاهما محاولة لرد الظواهر إلى عللها وأسبابها، غير أن الساحر لا يقلقه أن يرد الظاهرة إلى علة غيبية ليس في وسع الإنسان أن يستحدثها أو يسيطر عليها، وأما العالم فهو لا يقر عيناً إلا إذا رد الظاهرة المحسوسة إلى علة محسوسة كذلك، الساحر والعالم يقفان إلى جانب مريض، الأول يربط الظاهرة المرضية بالجن والعفاريت، والثاني بجرثومة معينة، فبينما يصبح الطريق مفتوحاُ أمام العالم للبحث عن وسيلة يقتل بها الجراثيم، ترى الطريق مغلقاً أمام الساحر ولا يجد وسيلة لمغالبة العفاريت إلا بالبخور والأحجبة، فنحن بهذا المنهج أو بالأصح اللا منهج مازلنا في مرحلة السحر لم نبرحها بعد .
تقويم:

وهكذا فان زكى نجيب محمود استطاع تجاوز الموقف التغريبي القائم على أن تحقيق التقدم لا يتم إلا باجتثاث الجذور الحضارية للامه في مرحلته الفكرية الاولي(التبني  الكامل للوضعية المنطقية) إلى الموقف التجديدي القائم على استيعاب ما لا يناقض الهيكل الحضاري للامه من اجتهادات ذاتيه أو إسهامات الشعوب الأخرى المعاصرة. ولكنه(ربما تأثرا بالبراجماتيه) استند إلى معيار المنفعة في تحديد ماذا نأخذ من التراث، لكن المنفعة ضابط ذاتي للحركة لا يصلح وحده كمعيار موضوعي، إذ لابد أولا من التمييز بين ما ينتمي إلى الهيكل المعرفي الاساسى للعقل العربي المسلم، والبناء المعرفي المكتسب عليه، ثم جعل المنفعة احد معاييرالأخذ أو الرفض من الأخير،لا المعيار الوحيد.

 

                               المراجع

(1) ابن تيمية، الرد على المنطقيين، طبعة بيروت ،دار المعرفة   .

(2)محمود حمدي زقزوق، الحضارة فريضة إسلاميه، مكتبه الشروق، القاهرة،2001.

(3)د. محمد عماره، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، دار النهضة، مصر.

(4) حنفي، مقال الجذور التاريخية لازمه الحرية في وجداننا المعاصر، كتاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، دار المستقبل العربي ط1،

(5)حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، / دار الفارابي ببيروت / الطبعة السادسة، 1988.)

(6) طرابيشي،”نظرية العقل”. – دار الساقي- ط2- 1999 .


(1)  الغزالي تهافت الفلاسفة، طبع بيروت، ص 9-13. الغزالي تهافت الفلاسفة، طبع بيروت، ص 9-13.

(2)  الغزالي، المنقذ من الضلال، طبع دمشق، ط2، ص85-88.

(3) ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، ص151

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s