مفهوم المجتمع المدني بين الفلسفة السياسية الغربية والفكر السياسي الاسلامى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مفهوم المجتمع المدني

بين الفلسفة السياسية الغربية والفكر السياسي الاسلامى

 

د. صبري محمد خليل


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمه

 تتناول الدراسة مفهوم المجتمع المدني بين الفلسفة السياسية الغربية والفكر السياسي الاسلامى  واخترنا تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول عن تعريف المجتمع المدني و يتضمن تعريفه، مقوماته( الايجابية و السلبية)، مؤسساته.

القسم الثاني عن مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة السياسية الغربية ويتضمن:

 أولا: المفهوم في الفلسفة اليونانية(أرسطو).

ثانيا: في الفلسفة الاوربيه الحديثة(الليبرالية جون لوك ،هيجل، كارل ماركس).

ثالثا: في الفلسفة الغربية المعاصرة(جرامشى).

القسم الأخير عن مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي الاسلامى و يتضمن :

المواقف  المختلفة من المجتمع المدني: (الرفض المطلق (التقليد)،القبول المطلق (التغريب)، الموقف النقدي (التجديد)).

المجتمع المدني الاسلامى والمفاهيم ألقرانيه الكلية.

قواعد المجتمع المدني الاسلامى( المساواة، العدل، الشورى).

العقد الاجتماعي و مفهوم البيعة.

المجتمع المدني وعلاقة الدين  بالدولة  (علاقة خلط (نظريات الحق الالهى والعناية الالهيه)،علاقة فصل(العلمانية)،علاقة وحدة وتمييز(الحل الإسلامي)) .

 المجتمع المدني والتعددية.

المجتمع المدني ومفهوم فرض الكفاية.

المجتمع المدني ومفهوم المواطنة في الإسلام.

المجتمع المدني والدولة.

المجتمع المدني في التاريخ العربي الاسلامى(الأوقاف، نقابات الحرف والصنائع ،جماعات العلماء والقضاة وأهل الإفتاء، نقابات التجار، المساجد، الطرق الصوفية، الفرق الكلامية).

تعريف المجتمع المدني

تعددت تعريفات المجتمع المدني بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة التي تناولته بالدراسة، ويمكن هنا إيراد تعريف اجرائى مشترك له وهو تعريفه بأنه: مجموع المنظمات، غير الحكومية، التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي الذي لا يستهدف الربح ،ولا تستند فيه العضوية على عوامل وروابط الدم و الوراثة مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة.

 وبناءا على هذا التعريف فان مقومات المجتمع المدني هي:
أولا:المقومات الايجابية:
- الفعل الإرادي الحر أو التطوعي.
- التنظيم.
- التعددية.
ثانيا: المقومات السلبية:
-عدم السعي للوصول إلى السلطة.

-عدم استهداف الربح.

-عدم الاستناد إلى روابط الدم والوراثة.

وتضم مؤسسات المجتمع المدني : النقابات المهنية، الجمعيات التعاوني، الجمعيات الأهلية، نوادي هيئات التدريس بالجامعات، الانديه الرياضية والاجتماعية، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال، المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والبيئة،  الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية….
وطبقا لهذا التعريف فان المجتمع المدني كاليه(نظام) ذو طبيعة عامه مشتركه، ويكتسب طبيعته الخاصة المنفردة ،طبقا للواقع الذي يتم تطبيقه فيه، وطبقا للفلسفة أو منهج المعرفة الذي يتم تفسيره بها.

مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة السياسية الغربية

أولا: في الفلسفة اليونانية:

أرسطو: نشأ مفهوم المجتمع المدني لأول مرة في الفلسفة السياسية اليونانية حيث أشار إليه أرسطو باعتباره “مجموعة سياسية تخضع للقوانين” ، اى أن  أرسطو لم يميز بين الدولة والمجتمع المدني،فالدولة عند أرسطو بصفه خاصة والفلسفة السياسية اليونانية بصفه عامه يقصد بها مجتمع مدني يمثل تجمعا سياسيا أعضاؤه هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة ويتصرفون وفقا لها. و دعا أرسطو إلى تكوين مجتمع سياسي تسود فيه حرية التعبير عن الرأي و يقوم بتشريع القوانين لحماية العدالة والمساواة ، إلا أن المشاركة في هذا المجتمع السياسي تقتصر على النخبة،  ويحرم منها ومن حق المواطنة العمال و الأجانب  والنساء .

ثانيا: في الفلسفة الاوربيه الحديثة:

 الليبرالية: تناولت الليبرالية مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى منهج معرفه يستند  إلى فكره القانون الطبيعي التي مضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة).واستنادا إلى مذهب علماني في موقفه من الدين ، فردى في موقفه من  المجتمع، راسمالى في موقفه من الاقتصاد ،ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة .فبناءا على فكره القانون الطبيعي تري الليبرالية أن تكف الدولة عن التدخل في المحاولات الفردية لتغير الواقع وان تبقي الدولة في حدود وظيفتها ( الطبيعية) وهي حراسة (القانون الطبيعي) من أي محاولات لتعويق فعاليته وذلك بان توفر للناس الأمن الخارجي والداخلي وتنفيذ ما يصل إليه الناس بإرادتهم. وبالتالي فان المفهوم الليبرالي للمجتمع المدني مرتبط بضرورة تقليص دور الدولة في اداره المجتمع .وبناءا على موقفها العلماني من الدين فان المفهوم الليبرالي للمجتمع المدني مرتبط بفصل الدين عن الدولة فيستبعد الجماعات والمنظمات والهيئات ذات الطابع الديني من مؤسسات المجتمع المدني.وبناءا على موقفها الديمقراطي الليبرالي من الدولة فان المفهوم الليبرالي للمجتمع المدني مرتبط بسيادة الشعب ووضع ضمانات تحول دون استبداد الحكام( وربطت ذلك بمنع تدخل الدولة في الحرية الفردية). وبالفردية التي تضع الفرد مقابل(لا في)المجتمع (اى أن له حقوق طبيعية خالدة مقدسه وسابقه على وجود المجتمع)

جون لوك :ومن الفلاسفة أليبراليين جون لوك الذي أكد على  قدرة الإنسان الكامنة في الدفاع عن نفسه و حريته و عن ممتلكاته و القدرة على إلحاق الضرر بالآخرين. لذلك اقترح لوك بضرورة قيام المجتمع السياسي ذات سلطة تنفيذية و صلاحيات لمعالجة الخلافات وتنظيم حالة الفوضى وإيجاد حلول للنزعات التي ممكن أن تنشأ. بسعيه هذا أراد لوك أن يستبدل الصيغة الملكية بصيغة أكثر ديمقراطية إلا و هي المجتمع السياسي ذي القوانين. ( د. حامد خليل، الوطن العربي والمجتمع المدني، كراسات استراتيجية ، مجلة فصلية تصدر عن مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بجامعة دمشق.العدد الأول – السنة الأولى – خريف 2000. ص 12).

هيجل: أما هيجل فقد تناول مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى منهجه المثالي الجدلي  القائم على اعتبار التاريخ كمسرح لتطور الفكر المطلق عبر مراحل ، والنظر إلى الدولة باعتبارها ارقي تجسيد لها الفكر المطلق ، وإلغاء حرية الأفراد فيها  باعتبارها مصدر الحريات والقانون خالق لها.

بناء على هذا اعتبر  أن الدولة تستوعب المجتمع المدني في داخلها كنفي جدلي (ديالكتيكي) لها ، وكمرحلة من مراحل تطورها الذي يؤلف في تحققه  العيني الدولة الحديثة ،  فأدرج المجتمع المدني ما بين مؤسسات الدولة (ذات السلطة) و المجتمع التجاري-الاقتصادي (القائم على أساس الربح)، وهكذا فان هيجل انتهى إلى إلغاء الدولة للمجتمع المدني.

كارل ماركس: أما كارل ماركس فاستنادا  إلى المنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية(محصله تطبيق المنهج المادي الجدلي في التاريخ) والتي ترى في التاريخ ساحة للصراع بين الطبقات فقد اعتبر أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي.وبهذا فان ماركس في تفسيره لمفهوم المجتمع المدني ركز على العوامل المادية الاقتصادية الطبقية ، وتجاهل أو قلل من أهميه دور العوامل الفكرية و الثقافية .كما ركز على الطابع التنافسي للمجتمع المدني وتجاهل طابعه التكاملي .

ثالثا: في الفلسفة الغربية المعاصرة:

جرامشى: وفى القرن العشرين طرح جرامشى مسألة المجتمع المدني في إطار مفهوم جديد فكرته المركزية هي أن المجتمع المدني ليس ساحة للصراع الاقتصادي بل ساحة للصراع الايديولوجى منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية. فمع نضج العلاقات الرأسمالية في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وانقسام المجتمع إلى طبقات ذات مصالح متفاوتة أو متعارضة واحتدام الصراع الطبقي، كان لابد للرأسمالية (أي الطبقة السائدة) من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع واحتوائه بما يضمن تحقيق مصالحها واستقرار المجتمع، ونجحت الرأسمالية الأوروبية بالفعل في أن تحقق هذا الهدف من خلال آليتين: آلية السيطرة المباشرة بواسطة جهاز الدولة، وآلية الهيمنة الأيديولوجية والثقافية من خلال منظمات اجتماعية غير حكومية يمارس فيها الأفراد نشاطاً تطوعياً لحل مشاكلهم الفئوية والاجتماعية وتحسين أوضاعهم الثقافية والاقتصادية والمعيشية.. الخ. وتأتى أهمية الآلية الثانية من أنها تؤكد استجابة مختلف الفئات الاجتماعية بقيم النظام الرأسمالي وقبولها لها وممارستها نشاطها للدفاع عن مصالحها في إطارها، وبذلك تتأكد قدرة الطبقة السائدة (الرأسمالية) على إدارة الصراع في المجتمع بما يدعم أسس النظام الرأسمالي وأيديولوجيته. وهكذا فان طرح جرامشى لمسألة المجتمع المدني  قد تم استنادا إلى منهج ماركسي معدل.

مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي الاسلامى

المواقف  المختلفة من المجتمع المدني:

الرفض المطلق (التقليد): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وهو موقف يقوم على الرفض المطلق لمفهوم المجتمع المدني.والحجة التي يستند إليها أن مفهوم المجتمع المدني يتطابق مع النظام الليبرالي العلماني كما تم تطبيقه في واقع المجتمعات الغربية ، و الذي يتناقض مع الإسلام.

القبول المطلق (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبالتالي فهو يقوم على القبول المطلق لمفهوم المجتمع المدني ، اى  يربط القبول بالمجتمع المدني القبول بالنظام الليبرالي ، الفردي، الراسمالى، العلماني… فهو موقف يستند إلى التغريب  الذي مضمونه أن تستبدل القيم والآداب والقواعد التي جاء بها الإسلام بالقواعد والآداب والقيم الاوربيه التي كانت محصله تطور هذه المجتمعات لمده سبعه قرون وهو ما يؤدى إلى قدر من الشعور بالانتماء إلى الحضارة الغربية وهو القاعدة النفسية اللازمة لنمو الولاء للنظام الليبرالي( الفردي،الراسمالى،العلماني…

الموقف النقدي (التجديد):يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.

و بالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق إلى موقف نقدي من المجتمع المدني كمفهوم وتطبيق يقوم على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين ممثله في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، ورد ورفض ما يناقضها.

هذا الموقف يتجاوز موقفي التقليد والتغريب اللذان رغم اختلافهما إلا أنهما يتفقان في جعل العلاقة بين المجتمع المدني والليبرالية علاقة تطابق، وهو موقف غير صحيح فالمجتمع المدني كاليه(نظام) ذو طبيعة عامه مشتركه ويكتسب طبيعته الخاصة المنفردة طبقا للواقع الذي تم تطبيقه فيه وطبقا للفلسفة أو منهج المعرفة الذي تم استخدامه في دراسته به.وطبقا لهذا يدعو هذا الموقف إلى مجتمع مدني يتفق (على المستوى النظري) مع منهج المعرفة الاسلامى والفلسفة الاجتماعية السياسية الاسلاميه، ويتسق (على المستوى التطبيقي) مع واقع المجتمعات المسلمة ، سواء اتفق أو اختلف (على المستوى النظري) مع التصور الليبرالي للمجتمع المدني المستند إلى الليبرالية كفلسفة ومنهج (وعلى المستوى) التطبيقي مع واقع المجتمعات الغربية المعاصرة ،وانه قد ظهر في التاريخ الاسلامى مجتمع مدني طبقا للخصائص السابقة ،غير أن حركه هذا المجتمع المدني  الاسلامى قد اصابها البطء  أو التوقف نتيجة لبطء أو توقف التطور الحضاري للمجتمعات المسلمة نتيجة لعومل داخليه(الاستبداد،التقليد، قفل باب الاجتهاد…) وخارجية( الغزو التتارى، الحروب الصليبية، الاستعمار القديم والجديد،…) متفاعلة.

المجتمع المدني الاسلامى والمفاهيم ألقرانيه الكلية:

المجتمع المدني الاسلامى هو الذي يتخذ من المفاهيم  الكلية (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) ضوابط موضوعيه مطلقه له تحدده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه أهمها  مفهومي التوحيد والاستخلاف.

فطبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب إسناد الحاكمية(السيادة”السلطة المطلقة” ) لله تعالى في المجال السياسي، كما يجب إسناد ملكيه المال(حق التصرف المطلق في المال أو ملكيه الرقبة)  لله تعالى وحده في المجال الاقتصادي،وإسناد التشريع(حق وضع القواعد القانونية ابتدءا) لله تعالى في المجال القانوني.﴿ أن الحكم إلا لله يقضي الحق هو خير الفاصلين ﴾ ( الأنعام:57)

ويشكل التوحيد أول ضابط موضوعي مطلق للمجتمع المدني الاسلامى لأنه ضمان لان لا ينفرد فرد أو فئة بالسلطة المطلقة أو حق التصرف المطلق في المال أو الحق المطلق في وضع القواعد القانونية دون الجماعة.

وطبقا للمفهوم الثاني(الاستخلاف) فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكمتيه في الأرض، وذلك بان اسند إليها السلطة(الأمر) على أن تكون ممارستها ممارسه محدودة ( مقيده )بالحاكمية- السيادة- الالهيه ، بدليل تقرير القران الأمر شورى بين المسلمين ومصطلح الأمر الذي يقابل مصطلح السلطة  ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾  وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن … ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ ( فاطر: 39).

 كما استخلف الجماعة في إظهار ملكيته تعالى للمال في الأرض، بان أسند  إليها الانتفاع به على الوجه الذي حدده مالك المال في المجال الاقتصادي.كما استخلف الجماعة في إظهار تشريعه في الأرض بان اسند إليها حق وضع القواعد القانونية انتهاءا اى حق وضع القواعد الفرعية.

واستخلاف الجماعة يشكل ثاني ضابط موضوعي مطلق للمجتمع المدني الاسلامى لان مضمونه إسناد السلطة و الانتفاع بالمال والاجتهاد في وضع القواعد القانونية المتغيرة زمانا ومكانا لجماعه.

ولما كانت النظم والإشكال الفنية الملائمة لتحقيق هذه المبادىء الكلية في زمان ومكان معين خاضعة لاجتهاد المسلمين. فانه يمكن للمسلمين الاستفادة من إسهامات المجتمعات الغربية في مجال كيفيه اقامه وممارسه المجتمع المدني في الزمان والمكان المعينين، بشرط اتفاقها مع هذه المبادىء الكلية وواقع المجتمعات المسلمة.

قواعد المجتمع المدني الاسلامى

تستند السلطة في الإسلام إلى جمله من القواعد تشكل في ذات الوقت قواعد المجتمع المدني الاسلامى،لان كلاهما يستند إلى إسناد السلطة إلى الجماعة( طبقا لمفهوم الاستخلاف)..

المساواة: مادام المستخلف عن الله تعالى هي الجماعة لا فرد أو فئة فان أول قاعدة من قواعد النظام العام الإسلامي في السلطة وبالتالي أول قاعدة من قواعد المجتمع المدني الاسلامى هي قاعدة المساواة  ﴿ أن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾.”الناس سواسية كأسنان المشط ” . ثم يكتفي الإسلام بما هو صالح للمحافظة علي القاعدة في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان وهما قاعدتي العدل و الشورى.

العدل: هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمي الحكم ( القضاء) ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه. فقال تعالى﴿ إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ ( النساء:85).

الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة،ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ،ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمشكلة وذلك بالإشارة به على الآخرين. و إذا كان مضمون القرار الذي يتضمن الرأي الذي رأت الأغلبية أنة الحل الصحيح مما لا يستطيع أن ينهض به كل أصحابه، دخل اختيار من يتولى القيام علي تنفيذه في نطاق الشورى فان اختاروه ثم قبل أصبح والي ذلك الأمر تفويضا من أصحاب ملزما بقرارهم وعلي هذا فان مصدر شرعية ولاية أولى الأمر ( الحكومة أو السلطة التنفيذية ) تفويض محدد المضمون بالقرار.

العقد الاجتماعي و مفهوم البيعة :

إن المجتمع المدني حسب المفهوم الليبرالي الكلاسيكي قد تبلور في سياق نظريات العقد الاجتماعي كما نادى بها فلاسفة الليبرالية في القرن الثامن عشر، تعبيراً عن المجتمعات التي تجاوزت حالة الطبيعة، وتأسست على عقد اجتماعي، وحد بين الأفراد، وأفرز الدولة في النهاية، فالمجتمع بهذا الاعتبار سابق على الدولة، ومصدر شرعيتها، ورقييها. . وقد وجه النقد لفكره العقد الاجتماعي باعتبارها فرضيه لا يمكن إثباتها تاريخيا . وفى الفكر السياسي الاسلامى نجد مفهوم البيعة يقابل أو يقارب مفهوم العقد الاجتماعي ، لكن يمتاز عنه بأنه ذو طابع واقعي عيني يتجدد مع كل حاكم مضمونه أن الحاكم(السلطة التنفيذية أو الدولة) نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه ومراقبته وعزله.يقول القاضي الباقلاني ” إن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود وأمور شرعها الرسول وقد علم الأمة بها وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة عليها خلعة والاستبدال به متي اقترف ما يوجب خلعة. يقول الماوردي عن البيعة أنها (عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار )ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ).

المجتمع المدني وعلاقة الدين  بالدولة في الإسلام :   

يرتبط مفهوم المجتمع المدني بمشكله علاقة الدين بالدولة والحلول التي قدمت لها والتي يمكن حضرها في ثلاثة حلول:

علاقة خلط (نظريات الحق الالهى والعناية الالهيه):

 الحل الأول يقوم على الخلط(الدمج) بين الدين والدولة ، ومن ممثليه نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه هذا الحل يتناقض مع مفهوم المجتمع المدني لأنه يؤدى إلى تحويل ما هو محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما (الدولة) إلى مطلق اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على الحكام واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما. ولأنه يؤدى إلى إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة اى الكهنوتية أو رجال الدين .وفى الفكر الإسلامي  يقارب هذا الحل مذهب الاستخلاف الخاص اى القول بأن الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض وهو مذهب قال به بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين وقال به الشيعة في حق ألائمه من أحفاد على غير أن الاستخلاف الخاص مقصور على الأنبياء وبختم النبوة ووفاه الرسول (ص) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف . و هذا الحل رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله تعالى  والاجتهاد الذي جعله حقا للناس كما أن هذا الحل مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين قال تعالى   (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم” فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ .

علاقة فصل(العلمانية):

 الحل الثاني هو فصل الدين عن الدولة ، واهم ممثل له العلمانية التي كانت في الأصل جزء من الديانة المسيحية، تحول إلي تيار فكرى معين ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم انتهى إلي أقامه نظام علمانا في موقفه من الدين فردى في موقفه من المجتمع إكراههم في موقفه من الاقتصاد ليبرالي في موقفه من الدولة كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون.فالليبرالية إذا ربطت بين المجتمع المدني والعلمانية كمحصله لعوامل فكريه وتاريخية متفاعلة.

أضافه إلى أن هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي لمشكلة علاقة الدين بالدولة،فان ربط المجتمع المدني بالعلمانية في مجتمع اسلامى هو يؤدى إلى القول بان شرط قيام مجتمع مدني في المجتمعات المسلمة أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية (التغريب) .

علاقة وحدة وتمييز(الحل الإسلامي):

  يقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل)، فهي علاقة وحده(لا خلط) لان السلطة في الإسلام  مقيده بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا وبالتالي لا يباح تجاوز والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام والتي تسمى باصطلاح القران الحدود إذا هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. ﴿ تلك حدود الله فلا تعدوها﴾ ( البقرة: 229)  : ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ .(البقرة187).كما أنها علاقة تمييز( لا فصل)لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد .والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾.ثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب قوله (ص) “إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك”.لما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر” فقال: لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.بناءا على ما سبق فان مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي إلاسلامى يستند إلى ما سبق بيانه من أن علاقة الدين بالدولة هي علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل)،اى إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى الجماعة بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ وانه لا ينفرد بها دونها فرد أو فئة لا كهنوتية أو رجال الدين في الإسلام (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ).

المجتمع المدني والتعددية فى الإسلام:

من المقومات الاساسيه الايجابية للمجتمع المدني الإقرار بالتعددية، والتصور الإسلامي استنادا إلي مفهوم الوسطية يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد، فهو يؤكد على وحده المجتمع( بتقريره المساواة) وكما يؤكد على التعددية وحرية الإفراد المكونين له(بتقريره الحرية) وقد تناول كلاهما على المستويين التكليفى والتكويني:

أولا:الوحدة :

المستوى التكويني : يتمثل في تقرير الإسلام  وحده الكون ووحده البشر ، بمعنى وحده الأصل البشرى،  المساواة بين إفراده ، بخضوع كل الناس لذات السنن الالهيه الكلية والنوعية  التي هي تجلى لأراده الله ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ﴾

المستوى ألتكليفي : يتمثل في تقرير مفهوم وحده الدين  بمعنى وحده مصدر كل الأديان السماوية (الله تعالى) ، وان  الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفي أو إلغاء  لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره أخر وارقي مراحل الوحي فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه ﴿  مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه﴾  ( المائدة:48) بخلاف نظريه وحده الأديان التي رفضها علماء أهل السنة، والتي ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي فان علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي  انتفاء  الموضوعية .

ثانيا: التعددية:

المستوى التكويني : يتمثل في تقرير القران التعدد كسنه إلهيه﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمه واحده﴾ ( المائدة:48) ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم:22) وهي سنة التعدد التي أشار إليها القرآن﴿ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ﴾ ( الشورى : 8), ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾  ( النحل: 97) , وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان ﴿ولقد أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم ﴾ ( الرعد: 30 )كما أنه مضطرد في المكان﴿ وقطعناهم في الأرض أمما﴾  ( الأعراف: 168)

المستوى التكليفى: ويتمثل في تقرير تعدد الشرائع. بناءا على هذا اقر الإسلام تعدد الانتماء الديني في الامه الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحده  الامه لذا نجد في القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة بين المنتمين إلي أديان متعددة في أمه واحده،فهو يدعو أهل الكتاب إلي ما هو مشترك في الأديان السماوية لا التخلي  عن دينهم والانتماء إليه فهو يدعوهم معه لا يدعوهم إليه﴿  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ﴾ وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول أيهم اصح عقيدة دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾.

وعلى هذا الوجه أباح الإسلام التعددية.. اى أن الاباحه هنا مشروطة بعدم مخالفه أو عدم الاتفاق على مخالفه القواعد الأصول التي سبق بيانها فالتعددية اقرها الإسلام وأكدها التاريخ الإسلامي حيث نجد التعددية الفكرية الدينية حتى في إطار أهل السنة( الاشعريه، الحنابلة، الطحاويه،أهل الظاهر،الماتريديه)كما نجد التعددية القانونية ( الفقهية) حتى في إطار أهل السنة(المالكي، الشافعي،الحنبلي الحنفي…). وعلى هذا اقر كثير من علماء الإسلام التعددية ،يقول ابن تيميه( الأحزاب التي أهلها مجمعون على ما أمر به الله ورسوله من غير زيادة أو تقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم… وإذا زادوا في ذلك أو نقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل… فهذا من التفرق الذي ذمه الله ورسوله)(الصاوي، شرعيه الانتماء إلي الأحزاب والجماعات الاسلاميه، ص 112). كما اقر علماء الإسلام حرية ألمعارضه السياسية يقول الماوردى(وإذا بغت طائفة على المسلمين وخالفوا رأى الجماعة وانفردوا بمذهب ابتدعوه و لم يخرجوا عن المظاهرة بطاعة الإمام ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها … تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل)( الأحكام السلطانية).  

 ويعلق السرخسى على موقف الإمام على بن أبى طالب من الخوارج بقوله( فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل وفيه دليل على أن التعرض بالشتم للإمام لا يوجب التعذير)( المبسوط ،ج10، ص125-126)

 

المجتمع المدني الاسلامى ومفهوم فرض الكفاية:

ومن المقومات الاساسيه للمجتمع المدني التطوعية وعدم استهداف الربح وهو ما يتسق مع  كثير من المفاهيم الاسلاميه كمفهوم الإنفاق في سبيل الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إنّ الله يحبُّ المُحسنين} (البقرة/195).

وكذلك مفهوم فرض الكفاية أو الواجب الكفائى الذي يمكن اعتبار المجتمع المدني في الإسلام بمثابة تطبيق له .فالحكم ألتكليفي في علم أصول الدين  هو “خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء، طلبا أو تخييرا”، و ينقسم إلى “الواجب(الفرض) والمحرم والمكروه والمندوب والمباح”.ويقسم الأول “الواجب(الفرض)”إلى عدد من الأقسام( البيانوني، محمد أبو الفتح، الحكم ألتكليفي في الشريعة الإسلامية، دار القلم، دمشق، ط1، 1988م،ص 97، وما بعدها) من أهمها تقسيمه بحسب المخاطبين به “الخطاب ” إلى عيني وكفائي. ويقصد الأصوليين بالواجب (الفرض)العيني ذلك الفعل الذي “طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين بعينه”. أما الواجب(.
الفرض) الكفائي فهو ذاك الذي يروم الشارع حصوله “من جماعة المكلفين” من غير نظر إلى من يفعله أو يقوم به، وإنما مقصودة تحقق وقوعه من مجموع المكلفين، ويُمثل له بجملة من الأعمال الاجتماعية “كتعلم الحرف والصنائع، وبناء المستشفيات، والقضاء، والإفتاء، والصلاة على الجنائز، ورد السلام، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…وتمثل كما هو واضح شكل من أشكال المجتمع المدني ومؤسساته.

  و تدخل الحاكم “الدولة” في هذا النوع من الواجبات (التي تمثل المجتمع المدني الاسلامى) (والمتمثل في سلطة الحاكم في تعيين الواجب الكفائي  اى تحويله إلى واجب عيني يتعين القيام به على فرد ما، وذلك بأمر أو قرار صادر منه) لا يلغيها بل يحدها  فيكملها ويغنيها لأنه ليس تدخل مطلق بل هو تدخل مقيد بضوابط متعددة  أهمها مصلحة الجماعة.

المجتمع المدني ومفهوم المواطنة في الإسلام:

جاء اشتقاق مصطلح المجتمع المدني في الفلسفة السياسية اليونانية من مجتمع المدينة القائم على مفهوم المواطنة والدولة المدينة كمقابل لمجتمع القرية القائم على روابط الاسره والعشيرة والقبيلة القائمة على وحده الأصل ورابطه الدم. وكما سبق بيانه فان من مقومات المجتمع المدني السلبية عدم الاستناد إلى روابط الدم والوراثة.لذا وجب بيانه موقف الإسلام من هذه الروابط.حيث كانت الأديان السابقة على الإسلام تتميز بأن الدعوة فيها مقصورة على جماعة معينة، (ولكل أمة رسول ) وجاء الإسلام كدعوة عالمية:  ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾، وأن عالمية الدعوة كانت بشرى بالعالمية كطور من أطوار الاستخلاف الاجتماعي: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ (النور 55).

وعندما جاء الإسلام كانت المنطقة العربية بين طوري القبيلة والشعب ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾. غير أن هذه الأطوار لم تكن تصلح أن تكون وحدات وروافد طور العالمية؛ فكان لابد من ظهور طور يمثل روافد ووحدات طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي. فكان ظهور طور الأمة الذي يتميز بالآتي:

مناط الانتماء اللّسان لا النسب: إذا كان مناط الانتماء إلى قبيلة النسب. فكان الإسلام دعوة لتجاوز الطور القبلي بدعوته إلى التخلي عن العصبية.قال (ص): ” ليس منا من دعي بدعوى الجاهلية ” (رواه البخاري، ومسلم والترمذي). وبيَّن أن مناط الانتماء لطور الاستخلاف الاجتماعي (الأمة) هو اللسان، قال  (ص): ” إلا أن العربية اللسان.. إلا أن العربية اللسان”. لذا قرر (ص) أن من تحدث العربية فهو عربي، وإن كان غير عربي النسب والأصل: ” الولاء لحمة كلحمة النسب…” (رواه أبو داؤود والدرامي).  و هذا الأمر لا ينطبق على أمة العرب وحدها، بل سائر الأمم؛ لذا جعل القرآن تعدد الألسن آية من آيات الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ (الروم: 22).

الديـار: أي الأرض الخاصة؛ لذا نهى القران عن إخراج الناس من ديارهم.

ومن المدينة بدأت المسيرة الحضارية الاسلاميه فقد آخى الرسول(ص)في المدينة بين المهاجرين والأنصار وبين المهاجرين بعضهم مع بعض وان المؤخاه كانت سببا للمشاركة في المال والأرض وأسباب الحياة،كما وضع الوثيقة المسماة الصحيفة وكانت بمثابة دستور وطبقا لها نكون بمواجهه طور جديد من المجتمعات لم تعرفه القبائل العربية في وسط الجزيرة العربية من قبل ،حيث تنشا علاقة انتماء جديدة ،علاقة انتماء إلى ارض مشتركه، علاقة انتماء إلى وطن، فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعا(أهل الصحيفة) إلى ما فوق الطور القبلي(د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام،بيروت، مركز دراسات الوحدة،1986 ص63). كما أن الإسلام  لم يحرم غير المسلمين من  حق المواطنة ، ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة  تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه)  ولكن يتوحد الناس فيه مع اختلاف الدين في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه  اى علاقة انتماء إلى وطن. ومرجع ذلك أن الإسلام يميز (ولا يفصل) بين:

أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92) .

أمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي( طور الاستخلاف الاجتماعي) ﴿وقطعناهم اثنتي عشره أسباطا أمما﴾(الأعراف:159) وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة .

ويجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض وإلغاء، فالأولى تحدد الثانية فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها.  فالإسلام لا يلغى الوطنية يما هي علاقة انتماء إلى وطن أو القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه بل يحددها فيكملها ويغنيها.

المجتمع المدني والدولة:

تناولت الفلسفة السياسية الغربية مشكله علاقة الدولة بالمجتمع المدني من خلال تناولها لمشكله أخرى هي الوحدة والتعدد واهم الحلول التي  قدمتها هي:

الحل الأول: يقوم على التأكيد على الدولة  (كممثل لوحده المجتمع)،لكنه تطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء المجتمع المدني (كممثل لتعدد الأفراد في المجتمع)  (مذهب الوحدة واهم ممثليه الهيجليه والماركسية)).

الحل الثاني: التأكيد على المجتمع المدني(كممثل للتعددية) لكنه تطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء الدولة( كممثل لوحده المجتمع )( مذهب التعددية واهم ممثليه الليبرالية).

وهكذا فان الحلان اللذان قدمتهما الفلسفة السياسية الغربية رغم اختلافهما في النتيجة (إلغاء الدولة أو المجتمع المدني) إلا أنهما يتفقان في المقدمة ( وهى أن العلاقة بين المجتمع المدني والدولة علاقة تناقض وصراع وبالتالي لا وجود لاحدهما إلا بإلغاء الأخر)

أما الحل الإسلامي للمشكلة فيستند إلى التصور الإسلامي الذي يجمع بين الوحدة والتعددية استنادا إلي مفهوم الوسطية ، فهو يؤكد على دور الدولة (كممثل لوحده المجتمع)كما يؤكد على دور المجتمع المدني (كممثل لتعدد الإفراد المكونين له).(فالعلاقة بين المجتمع المدني والدولة في الإسلام علاقة تكامل لا صراع، فكلاهما جزء (فرع ) لذات الكل (الأصل) -وهو الامه المستخلفة-يحدهما فيكملهم ويغنيهم ولكنه لا يلغيهم.

المجتمع المدني في التاريخ الاسلامى:

ظهر في تاريخ المجتمعات المسلمة العديد من التنظيمات التطوعية، التي لا تستهدف الربح ، و التي تمتعت بقدر من الاستقلال عن الدولة ، والتي يمكن اعتبارها نواه لمؤسسات المجتمع المدني الاسلامى اتفقت مع واقع المجتمعات المسلمة في ذلك الزمان والمكان ،ويمكن تطويرها بما يتفق مع الواقع المعاصر لهذه المجتمعات.

 الأوقاف: كانت الأوقاف مؤسسات كبرى مستقلة أقامها الناس بعطائهم، وأدت دورها الكبير في تأمين مستلزمات ((الضمان الاجتماعي)). وقامت بتوفير مختلف المتطلبات الاجتماعية والثقافية للمجتمع من المدارس والمعاهد والمكتبات والمساجد إلى الملاجئ والمستشفيات (البيمارستانات) والفنادق (الخانات) إلى غير ذلك من جوانب الحياة الأخرى إلى حد حبس الأوقاف لصالح الراغبين في الزواج.ويمكن القول إن معظم دور العلم في القرن الرابع الهجري ثم المستشفيات والمدارس التي تأسست في العهد السلجوقي والأيوبيين في المشرق قامت بشكل أساسي على الأوقاف، ثم إن مئات المؤسسات الاجتماعية والدينية كالجوامع والمدارس والخوانق والربط والزوايا والتكايا والمستشفيات في مدن بلاد الشام قبل العهد العثماني وبعده إنما نشأت واستمرت بفعل الدعم الذي أمنته لها مؤسسة الأوقاف.

 نقابات الحرف والصنائع: عرف المجتمع الإسلامي الجماعات المهنية أو ((الأصناف)) منذ وقت مبكر (القرن السابع الهجري) وذلك على هيئة نقابات، فكان أهل كل صنعة تتكون منهم جماعة مهنية تحت قيادة شيخ يختارونه ليراقب جودة الصناعة ويدافع عن حقوقهم ويفض خلافاتهم، وكانت علاقة الأصناف بالدولة تتم عن طريق المحتسب الذي تطور عن (صاحب السوق)، ثم تراجع دور الأصناف كتنظيمات اجتماعية، وزالت تماماً في القرن الرابع عشر الهجري العشرين الميلادي بظهور النقابات الحديثة، لكن الواقع أن النقابات هي بداية تطور جديد، ولم تحل محل ((الأصناف)) السمة التقليدية للمدنية الإسلامية، والتي كانت وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي.

 جماعات العلماء والقضاة وأهل الإفتاء: استطاع العلماء أن يحتفظوا باستقلالية نسبية عن السلطة في كثير من الأحوال، وحافظوا على الكيان الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، وبخاصة في عهود التدهور والانحطاط السياسي، عن طريق التثقيف والتوعية وغرس القيم الأخلاقية وتثبيت العقيدة والمبادئ الأساسية للإسلام، بهدف وقاية البنية النحتية وعلاجها من مفاسد الحكم وسيئاته، أملاً في التغيير والإصلاح والمنشودين وتطبيقاً لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وقد كان كبار الشيوخ والقضاة والفقهاء ـ بالفعل ـ رؤساء المجتمع المدني وقادته، وكان الناس يلجأون إليهم في حوائجهم وفي حمايتهم من البطش والأذى.

 نقابات التجار:كان لكل طائفة من التجار ((نقابة)) وتجمع النقابات كلها في نقابة كبيرة تسمى ((نقابة التجارة)) يرأسها تاجر كبير (الشاهبندر) وكانت له مكانة مرموقة عند أهل الحكم والناس، وكان يقوم بخدمة النقابة والدفاع عن التجار ورفع الظلم عنهم وتخفيف وطأة رجال الإدارة عليهم خاصة عند جباية الضرائب منهم.

 المساجد :بإضافة إلى الدور الديني التعبدي للمساجد فقد كان لها دور ثقافي وتعليمي وتربوي بما كانت تبثه من  قيم أخلاقية واجتماعية

الطرق الصوفية:لعبت الطرق الصوفية دوراً سياسياً واجتماعياً وتحريرياً مهماً في المجتمع الإسلامي، وبخاصة تلك الطرق التي انتهجت منهجاً خلقياً قويماً يتفق والقيم الدينية، وقد دخل عامة الناس في تلك الطرق منتسبين، لأنها كانت تفتح لهم طريقاً لاتقاء أذى الحكام والمتصلين بهم، وكانت الطريقة توحد صفوفهم وتجعل لهم وزناً اجتماعياً وسياسياً، ثم إن الانتساب إليها كان يشبع عاطفتهم الدينية ويتيح لهم وسائل التخلص من الملل والفراغ ومتاعب الحياة، وشيئاً فشيئاً تحولت الطرق الصوفية إلى روابط بين أهل الحرف يحكمهم شيخهم اجتماعياً وأخلاقياً ويأخذ عليهم العهد ويساعدهم في أمورهم المالية، وقد قامت هذه الطرق بحفظ جوانب من المجتمع من التساقط في الوقت الذي بلغ فيه النظام السياسي مداه في الفساد. وكانت للطرق الصوفية رباطات وزوايا قامت بأدوار حيوية للمجتمع الإسلامي.( أحمد حسين حسن، الجماعات السياسية الإسلامية والمجتمع المدني، الدار الثقافية للنشر، القاهرة ط1، 2000م)

الفرق الكلامية: حيث تعددت الفرق الكلامية حتى داخل إطار أهل السنة(الاشاعره، الماتريديه،الطحاويه، أهل الظاهر،الحنابلة)،وإذا كانت بعض هذه الفرق مثلت المذهب الفكري للدولة خلال فتره زمنيه معينه فان باقي الفرق كانت مستقل عن سلطه الدولة بل و معارضه لها.

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

تناولت الدراسة مفهوم المجتمع المدني بين الفلسفة السياسية الغربية والفكر السياسي الاسلامى  من خلال تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :القسم الأول عن تعريف المفهوم بينت الدراسة فيه  تعدد تعريفاته بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة التي تناولته بالدراسة، واختارت تعريفه  إجرائيا بأنه: مجموع التنظيمات، غير الحكومية، التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي، الذي لا يستهدف الربح ،ولا تستند فيه العضوية على روابط الدم و القرابة. وبالتالي فان مقوماته الايجابية هي(التنظيم.التطوعية. التعددية)والسلبية(عدم السعي للوصول إلى السلطة. عدم استهداف الربح. عدم الاستناد إلى روابط الدم والوراثة)وان مؤسسات المجتمع المدني تضم: النقابات ة، الجمعيات التعاونية،  الانديه الرياضية والاجتماعية، الاتحادات الطلابية، مراكز البحوث… وانه طبقا لهذا التعريف فان المجتمع المدني كاليه(نظام) ذو طبيعة عامه مشتركه، ويكتسب طبيعته الخاصة المنفردة ،طبقا للواقع الذي تم تطبيقه فيه، وطبقا للفلسفة أو منهج المعرفة الذي تم تناوله به.

أما القسم الثاني فتناولت الدراسة فيه  مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة السياسية الغربية:أولا في الفلسفة اليونانية:وان أرسطو أول من أشار إلى مفهوم المجتمع المدني ،ولكنه لم يميز بين الدولة والمجتمع المدني،كما أن المشاركة في هذا المجتمع المدني السياسي تقتصر على النخبة،  ويحرم منها العمال و الأجانب  والنساء .ثانيا:المفهوم في الفلسفة الاوربيه الحديثة:حيث تطرقت  إلى الليبرالية التي تناولت مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى منهج معرفه يستند  إلى فكره القانون الطبيعي ،و مذهب علماني في موقفه من الدين ، فردى في موقفه من  المجتمع، راسمالى في موقفه من الاقتصاد ،ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة . وانه بناءا على هذا فان المفهوم الليبرالي للمجتمع المدني مرتبط بضرورة تقليص دور الدولة في اداره المجتمع .وفصل الدين عن الدولة( فيستبعد الجماعات والمنظمات والهيئات ذات الطابع الديني من مؤسسات المجتمع المدني).و بسيادة الشعب ضد استبداد الحكام،وبالفردية التي تضع الفرد مقابل(لا في)المجتمع. ثم تناولت هيجل الذي تناول مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى منهجه المثالي الجدلي  القائم على اعتبار التاريخ كمسرح لتطور الفكر المطلق عبر مراحل ، والنظر إلى الدولة باعتبارها ارقي تجسيد لها الفكر المطلق.وانه بناء على هذا اعتبر أن الدولة تستوعب المجتمع المدني في داخلها كنفي جدلي لها ، وكمرحلة من مراحل تطورها الذي يؤلف في تحققه  العيني الدولة الحديثة. وبهذا فانه ينتهي إلى إلغاء المجتمع المدني لصالح الدولة .كما تطرقت لماركس والذي استنادا  إلى المنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية(محصله تطبيق المنهج المادي الجدلي في التاريخ) والتي ترى في التاريخ ساحة للصراع بين الطبقات  اعتبر أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي.وبينت أن  أن تفسيره للمفهوم ركز على العوامل الاقتصادية وتجاهل أو قلل من دور العوامل الثقافية كما ركز على الطابع الصراعى للمجتمع المدني وتجاهل طابع التشاركى له.ثم ثالثا:المفهوم في الفلسفة الغربية المعاصرة تناولت  فيه جرامشى الذي رأى أن المجتمع المدني ليس ساحة للصراع الاقتصادي(كما برى ماركس) بل ساحة للصراع الايديولوجى ،منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية. وانه مع تطور النظام الراسمالى واحتدام الصراع الطبقي، كان لابد للرأسمالية (أي الطبقة السائدة) من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع لصالحها واستقرار المجتمع وأنها نجحت في أن تحقق هذا الهدف من خلال آليتين: آلية السيطرة السياسية  المباشرة بواسطة جهاز الدولة، وآلية الهيمنة الأيديولوجية غير المباشرة من خلال منظمات المجتمع المدني. وبينت أن منهج جرامشى هو منهج ماركسي معدل.

أما القسم الثالث فتناولت الدراسة فيه مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي الاسلامى:حيث تطرقت إلى المواقف  المختلفة من مفهوم المجتمع المدني:وهى الرفض المطلق  لمفهوم المجتمع المدني بحجة أن هذا المفهوم يتطابق مع العلمانية(احد أركان النظام الليبرالي) و التي تتناقض مع الإسلام (التقليد).ثم القبول المطلق لمفهوم المجتمع المدني ، اى الربط بين القبول بالمجتمع المدني في المجتمعات المسلمة والقبول بالنظام الليبرالي ( الفردي، الراسمالى، العلماني…)اى استبدال القيم والقواعد الاسلاميه بقيم وقواعد غربية (التغريب).ورغم اختلاف الموقفين في النتيجة إلا أنهما يتفقان في المقدمة وهى جعل العلاقة بين المجتمع المدني والليبرالية علاقة تطابق. ثم الموقف النقدي من المجتمع المدني كمفهوم وتطبيق اى اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين ممثله في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، ورد ورفض ما يناقضها(التجديد) وبينت أن هذا الموقف يدعو إلى مجتمع مدني يتفق (على المستوى النظري) مع منهج المعرفة الاسلامى والفلسفة الاجتماعية السياسية الاسلاميه، ويتسق (على المستوى التطبيقي) مع واقع المجتمعات المسلمة ، سواء اتفق أو اختلف (على المستوى النظري) مع التصور الليبرالي للمجتمع المدني المستند إلى الليبرالية كفلسفة ومنهج ،و(على المستوى التطبيقي) مع واقع المجتمعات الغربية المعاصرة .كما يرى انه قد ظهر في التاريخ الاسلامى مجتمع مدني طبقا للخصائص السابقة ،غير أن حركه هذا المجتمع المدني  الاسلامى قد أبطات أو توقفت نتيجة لبطأ أو توقف التطور الحضاري للمجتمعات المسلمة نتيجة لعومل داخليه وخارجية متفاعلة.

ثم بينت الدراسة أن المجتمع المدني الاسلامى هو الذي يتخذ من المفاهيم الكلية (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) ضوابط موضوعيه مطلقه له تحدده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه.فطبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب إسناد الحاكمية(السيادة”السلطة المطلقة”) في المجال السياسي، و ملكيه المال(حق التصرف المطلق في المال أو ملكيه الرقبة)  في المجال الاقتصادي،و التشريع(حق وضع القواعد القانونية ابتدءا ، اى حق وضع القواعد-الأصول) في المجال القانوني) لله تعالى وحده .وانه بهذا يشكل التوحيد ضابط موضوعي مطلق للمجتمع المدني الاسلامى لأنه ضمان لان لا ينفرد فرد أو فئة بالسلطة المطلقة، أو حق التصرف المطلق في المال ،أو الحق المطلق في وضع القواعد القانونية، دون الجماعة.

وانه طبقا لمفهوم (الاستخلاف) فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكمتيه في الأرض( وذلك بان اسند إليها السلطة-الأمر- على أن تكون ممارستها ممارسه محدودة ” مقيده “بالحاكمية- السيادة- الالهيه). و في إظهار ملكيته تعالى للمال في الأرض( بان أسند  إليها الانتفاع به على الوجه الذي حدده مالك المال ).وفي إظهار تشريعه في الأرض( بان اسند إليها حق وضع القواعد القانونية انتهاءا اى حق وضع القواعد -الفروع).فاستخلاف الجماعة إذا  يشكل ضابط موضوعي مطلق للمجتمع المدني الاسلامى لان مضمونه إسناد السلطة و الانتفاع بالمال والاجتهاد في وضع القواعد القانونية المحدودة زمانا ومكانا للجماعة.

ثم بينت الدراسة أن السلطة في الإسلام تستند إلى جمله من القواعد تشكل في ذات الوقت قواعد المجتمع المدني الاسلامى، لان كلاهما يستند إلى ذات المفاهيم (التوحيد،استخلاف الجماعة…).أهمها قواعد المساواة ،العدل (نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف،وذلك بما يسمي الحكم ( القضاء)،ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله، ولو بالإكراه)،الشورى: ( تبادل العلم بمشكله مشتركة،ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة، وأساليب تحقيقها ،ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمشكلة،وذلك بالإشارة به على الآخرين).

ثم بنت الدراسة أن المجتمع المدني حسب المفهوم الليبرالي الكلاسيكي قد تبلور في سياق نظريات العقد الاجتماعي كما نادى بها فلاسفة الليبرالية في القرن الثامن عشر، وانه قد وجه النقد لفكره العقد الاجتماعي باعتبارها فرضيه لا يمكن إثباتها تاريخيا . وانه في الفكر السياسي الاسلامى نجد مفهوم البيعة يقابل أو يقارب مفهوم العقد الاجتماعي ، لكن يمتاز عنه بأنه ذو طابع واقعي عيني مضمونه أن الحاكم(السلطة التنفيذية أو الدولة) نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه ومراقبته .

ثم أوضحت الدراسة إن مفهوم المجتمع المدني يرتبط بمشكله علاقة الدين بالدولة والحلول التي قدمت لها والتي يمكن حصرها في ثلاثة حلول:

الحل الأول :يقوم على الخلط(الدمج) بين الدين والدولة ، ومن ممثليه نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه هذا الحل يتناقض مع مفهوم المجتمع المدني لأنه يؤدى إلى إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة اى الكهنوتية وهو مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين “فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة.

الحل الثاني :هو فصل الدين عن الدولة ، واهم ممثل له العلمانية.وقد ربطت الليبرالية بين المجتمع المدني والعلمانية كمحصله لعوامل فكريه وتاريخية متفاعلة.وأن ربط المجتمع المدني بالعلمانية في مجتمع اسلامى هو يؤدى إلى القول بان شرط قيام مجتمع مدني في المجتمعات المسلمة هو التغريب .

الحل الثالث: الاسلامى: يقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل)، فهي علاقة وحده(لا خلط) لان السلطة في الإسلام  مقيده بالقواعد –الأصول،كما أنها علاقة تمييز( لا فصل)لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد .والقواعد –الفروع التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف. وانه  بناءا على ما سبق فان مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي إلاسلامى يستند إلى إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى الجماعة بموجب الاستخلاف العام للجماعة وانه لا ينفرد بها دونها فرد أو فئة .

ثم بينت الدراسة أن  من المقومات الاساسيه الايجابية للمجتمع المدني الإقرار بالتعددية، وان التصور الإسلامي يقر بالتعددية استنادا إلي مفهوم الوسطية الذي يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد،فعلى المستوى التكويني  يقرر الإسلام التعدد كسنه إلهيه ،وعلى المستوى التكليفى يقر الإسلام  تعدد الشرائع.وانه على هذا الوجه أباح الإسلام التعددية.. اى أن الاباحه هنا مشروطة بعدم مخالفه أو عدم الاتفاق على مخالفه القواعد الأصول .

ثم بينت الدراسة أن من المقومات الاساسيه للمجتمع المدني التطوعية وعدم استهداف الربح وهو ما يتسق مع  كثير من المفاهيم الاسلاميه كمفهوم الإنفاق في سبيل الله.وكذلك مفهوم فرض الكفاية أو الواجب الكفائى.وتعريفه انه( الفعل الذي يريد الشارع تعالى حصوله “من مجموع المكلفين” من غير نظر إلى من يقوم به على وجه التعيين).

ثم بينت الدراسة إن المجتمع المدني يستند إلى مفهوم المواطنة ويتجاوز روابط وحده الأصل و الدم (الاسره والعشيرة والقبيلة). وان الإسلام برفضه للعصبية  كان يكرس لتجاوز هذا الأطوار إلى طور أعلى هو طور الأمة الذي يتميز بان مناط الانتماء اللّسان لا النسب” إلا أن العربية اللسان.. “و الديـار: أي الأرض الخاصة؛ لذا نهى القران عن إخراج الناس من ديارهم. والوثيقة المسماة الصحيفة كانت بمثابة دستور وطبقا لها نشأت علاقة انتماء جديدة ،علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن) فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعا(أهل الصحيفة) إلى ما فوق الطور القبلي .كما أن الإسلام  لم يحرم غير المسلمين من  حق المواطنة ، ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة  تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه)  ولكن يتوحد الناس فيه (مع اختلاف الدين) في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن). ومرجع ذلك أن الإسلام يميز (ولا يفصل) بين:أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي ,وأمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي(وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة ).ويجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض وإلغاء، فالأولى تحدد الثانية فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها.  فالإسلام لا يلغى الوطنية يما هي علاقة انتماء إلى وطن، أو القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه بل يحددها فيكملها ويغنيها.

وأخيرا أوضحت الدراسة انه قد ظهر في تاريخ المجتمعات المسلمة العديد من التنظيمات التطوعية، التي لا تستهدف الربح ، و التي تمتعت بقدر من الاستقلال عن الدولة ، والتي يمكن اعتبارها نواه لمؤسسات المجتمع المدني الاسلامى اتفقت مع واقع المجتمعات المسلمة في ذلك الزمان والمكان ،ويمكن تطويرها بما يتفق مع الواقع المعاصر لهذه المجتمعات.كالأوقاف و نقابات الحرف والصنائع و جماعات العلماء والقضاة وأهل الإفتاء ونقابات التجار و المساجد و الطرق الصوفية و الفرق الكلامية.

المراجع

  1. أحمد حسين حسن، الجماعات السياسية الإسلامية والمجتمع المدني، الدار الثقافية للنشر، القاهرة ط1، 2000م.
  2. البيانوني، محمد أبو الفتح، الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية، دار القلم، دمشق، ط1، 1988م.
  3. حامد خليل، الوطن العربي والمجتمع المدني، كراسات استراتيجية ، مجلة فصلية تصدر عن مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بجامعة دمشق.العدد الأول – السنة الأولى – خريف 2000.
  4. عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة،

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s