قضيه تأصيل العلوم والمواقف المتعدده منها

قضيه تأصيل العلوم والمواقف المتعدده منها

د.صبرى محمد خليل استاذ الفلسفه بجامعه الخرطوم sabri.khalil@hotmail.com

تأصيل أم أسلمه: يستخدم مصطلحي الأسلمه والتأصيل للدلالة على ذات المعنى، غير أننا نفضل المصطلح الأخير لعدة أسباب منها: أن مصطلح تأصيل أكثر شمولاً، إذ المصطلح يدل على الرد إلى الأصل، والأصل يرد بمعنى يقارب معنى الفلسفة (القاعدة الكلية التي تندرج تحتها قواعد جزئية عينية)، كما يرد بمعنى الدين (النص اليقيني الورود القطعي الدلالة)، فهو يتضمن تحديد للعلاقة بين العلم والفلسفة والدين،  بينما الأسلمه يقتصر على معنى الدين. كما أن مصطلح تأصيل يدل على اندراج مشكلة تأصيل العلوم تحت مشكلة أشمل هي مشكلة العلاقة بين الأصالة والمعاصرة. وأخيراً فإن مصطلح أسلمه يوحي بدلالة قاطعة تفيد أن الموقف منها لا يخرج عن مدى حدي الإسلام أو الكفر ، بينما مصطلح التأصيل يوحي بدلالة ظنية يفيد بأن الموقف منها اجتهادي يتراوح بين الصواب والخطأ. يقول الشيخ محمد رمضان البوطى( إن تعبير أسلمه المعرفة يوحى بفرض تحيز ما على النشاط المعرفي للفكر وهو ما تنأى عنه طبيعة منهج المعرفة من حيث هو، بل هو ما يحذر منه مضمون الايه القرانيه” ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا”)

المواقف المتعدده من تاصيل العلوم : ترتبط مشكلة تأصيل العلم إذا بمشكلة (حضارية) أشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري(المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة؟ ويترتب على هذا أن هناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل  العلوم  هي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة.

الموقف الأول: القبول المطلق (التقليد): يقوم على ان تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي والعزلة عن المجتمعات المعاصرة واسهاماتها العلميه، وبمنظور علم أصول الفقه يفهم عمليه التأصيل على أنها الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وفي مجال تأصيل العلم يفهم عملية أنها الاكتفاء بما جاء به الوحي من نصوص قطعية عن الطبيعة والإنسان(الأصول)، واجتهادات العلماء المسلمين، في فهم ما جاء في الوحي من نصوص ظنية، أو دراسة الظواهر (الجزئية، العينية) طبقاً للنصوص القطعية (الفروع). مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال العلم ،دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم (أصول)، أو تلك التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي (فروع).

هذا الموقف يقارب في التاريخ الإسلامي موقف الرفض المطلق للتراث اليوناني الذي  يرى كان يرى أن هناك تعارض مطلق بين الدين الإسلامي والتراث اليوناني ، وان الموقف الصحيح من هذا التراث هو الرفض المطلق ومن ممثلي هذا الموقف بعض متأخرى الحنابلة كابن الصلاح في كتابه (الفتاوى). كما أن هذا الموقف يقوم على الخلط بين الدين والعلم ، إذ يحاول الكشف عن الظواهر (الجزئية، العينية) وقوانين حركتها لا في الإنسان والطبيعة ولكن في القرآن، وبالتالي إحالة القرآن من كتاب لهداية الناس لما فيه صلاحهم في كل زمان ومكان ،إلى كتاب في العلوم كما سبق بيانه، دون الانتباه إلى أن النظريات العلمية التي تجئ كمحصلة للبحث أو الكشف عن الظواهر الجزئية العينية ، هي محدودة نسبية تحتمل الصواب والخطأ ، ومعيارها التجربة والاختبار العلميين، بينما القرآن مطلق لا يحتمل الصواب والخطأ ومعياره الإيمان.

والواقع أن أقصى ما يقدمه هذا الموقف في مجال العلم هو محاولة تأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية ليجعل بذلك العلم ونظرياته (الأصل) والقرآن (الفرع) و(المحدود).

كما أن هذا الموقف رغم رفضه القاطع لفصل العلم عن الدين إلا أنه لا يرفض بصورة قاطعة فصل العلم عن الفلسفة دون الانتباه إلى فصل العلم عن الفلسفة ، هو الخطوة الأولى لفصل العلم عن الدين.

الموقف الثاني: الرفض المطلق (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور، وتبني قيم المجتمعات الغربية.  في منظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه (وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض). فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت إطار فلسفه العلم ، وتلك التي تنطوي تحت إطار العلم التجريبي.

الموقف الثالث: الموقف التقويمي (النقدي) (التجديد): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام، التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ، سواء كانت من إبداع المسلمين أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. كما يفهم عملية تأصيل العلوم على أنها عملية ذات أوجه متعددة.

فمن جهة فإن تأصيل العلوم هو نشاط معرفي عقلي يبحث في مسلمات نظرية كلية سابقة على البحث العلمي في الظواهر الجزئية العينية، يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن الإنسان والطبيعة ضوابط موضوعية مطلقة له.

كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن الانسان والطبيعه أو دراساتهم المتعلقة بالظواهر الجزئية العينية نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي. كما يميز بين فروع العلم التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم وفروعه التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي. فمجال التأصيل من هذه الجهة ينصب على فروع العلم التي تنطوي تحت فلسفه العلم ،لا تلك التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي، أي تلك التي تنطوي على درجة أكبر من الكلية والتجريد ودرجة أقل من الجزئية والعينية..

 و بالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال فلسفه العلم إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية والرد والرفض لما يناقضها.

غير أن هذا لا يعني القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال العلم التجريبي، بل يعني أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين ،فما تحقق من صحته وجب قبوله ،وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.

هذا الموقف يجعل العلاقة بين العلم وكل من الفلسفة والدين علاقة وحدة لا خلط وتمييز لا فصل.

هذا الموقف يقارب الموقف النقدي من التراث اليوناني ،وهذا الموقف قائم على أنه ليس هناك تعارض مطلق بين التراث اليوناني والدين الاسلامي ،بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف وفي حالة الاختلاف يكون الرفض وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول. ومن ممثليه ابن تيميه والغزالي .فابن تيمية مثلاً لا يأخذ موقف موحد من الفلسفة والمقصود هنا الفلسفة اليونانية سواء بالرفض والقبول، بل يقسمها إلي ثلاثة أقسام: الاول هو الإلهيات (الميتافيزيقا) وهو يرفضه وأغلب رفضه ينصب على هذا القسم منها. والثانى هو الطبيعيات ويرى جواز الأخذ به مع عدم ربطه بالإلهيات “الميتافيزيقا” اليونانية ويقول عنه (غالبه كلام جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا به وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد ولكنهم جهال بالعلم الإلهي(  ابن تيمية، الرد على المنطقين، طبعة بيروت، 1950.). والثالث هو الرياضيات: ويرى وجوب الأخذ به ومعرفته ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة والميراث وغيرها،وبناءاً على ذلك لا يلغي صفة الإسلامية عن الإنتاج الفكري لهؤلاء الفلاسفة بل يقرر أنهم (كان في كل من هؤلاء من الإلحاد التحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة ما وافقوا فيه ذلك).(ا بن تيمية، منهاج السنة، ص252.)

  كما أن الغزالي يأخذ نفس الموقف فيقسم الفلسفة اليونانية إلي ثلاثة أقسام حسب تعارضها أو توافقها مع أصول الدين: قسم يتعارض مع هذه الأصول لفظاً ومعناً ، وحصره في ثلاث قضايا هي (قول الفلاسفة اليونانيين بقدم العالم وإنكار البعث الجسدي وإنكار علم الله تعالى بالجزيئات). وقسم يتعارض مع هذه الأصول لفظا وويتفق معها معنى وحصره في ثلاثة قضايا. وقسم يتوافق معها لفظا و معناً وحصره في سبعة عشرة قضية. (الغزالي ،تهافت الفلاسفة، طبع بيروت، ص9- 13) ثم يحدد الموقف من هذه الأقسام (قسم يجب التكفير فية ، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلاً).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s