مستقبل العلاقة بين دولتي السودان بعد إعلان استقلال الجنوب

د.صبري محمد خليل أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطومsabri.khalil@hotmail.com

تمهيد: يمكن اعتبار إعلان استقلال جنوب السودان9 يوليو 2011، بعد الاستفتاء  الذى عقد في التاسع من يناير 2011 حول تقرير مصير جنوب السودان ، بمثابة إعلان لفشل النخبة السياسية السودانية الشمالية والجنوبية، في تقديم التشخيص الصحيح  لطبيعة مشكله جنوب  السودان، وتقديم الحل الصحيح لهذه المشكلة.

النخبه السودانيه ومشكله جنوب السودان:  فعلى مستوى تحديد طبيعة  المشكلة تم اعتبار شعب الجنوب اقليه قوميه، فتم الاحتجاج ببعض المميزات القبلية (العرقية و اللغوية و الفسيولوجية…) على الوجوديين  الوطني والقومي، وترتب على هذا التشخيص – منطقيا- ان صار لشعب جنوب السودان حق اقامه دوله قوميه خاصة.. بينما التشخيص الصحيح للمشكلة يوضح أنها مشكله تخلف في النمو الاجتماعي للمجتمع السوداني ككل، والناتج من عوامل داخليه(كالجمود والاستبداد…) وخارجية(كالاستعمار) متفاعلة ، وهو ما حال دون تبرز الامه كطور ارتقت إليه الشعوب والقبائل من خلال البحث عن حياه أفضل ، والوطن ككل لهذه الشعوب والقبائل يحدها فيكملها ويغنيها ولكن لا يلغيها ، وهنا يبدء الناس  في البحث عن الحياة الأفضل في علاقات أضيق (العشائرية، القبلية الشعوبية …).اما على مستوى الحل فقد تم اقرار حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان(مقررات ميثاق اسمرا 1995 ،انفاقيه نيفاشا2005 ،الدستور الانتقالى2005)، دون النظر الى الخلط الذى شاب مفهوم حق تقرير المصير عبر تاريخه فى القانون الدولى بين  مفهومى الامه والشعب ، وهو الخلط الذى ادى الى ان تختار الدول الكبرى التفسير الذى يعجبها عندما تمنح الناس حق تقرير المصير.

خيارى المستقبل: اما مستقبل العلاقه بين دولتى السودان ، بعد انفصال الجنوب واعلانه الاستقلال، فامام خيارين للنخب السياسيه السودانيه فى الشمال والجنوب

الخيار الاول(الانطلاق من الانفصال السياسي): اعتبار ان انفصال الجنوب وإعلانه الاستقلال هو خطوه للوراء،وان كانت قد أملته جمله من الظروف التاريخية والسياسية والدولية…المتفاعلة، لذا يجب العمل المشترك على:

أولا: ضمان عدم التراجع خطوات أخرى للوراء بمزيد من التفتيت ، وذلك عبر التوافق بين النخب السياسية السودانية في الشمال والجنوب ، على جمله من القواعد والقوانين والاتفاقيات..القانونية والسياسية والاجتماعية والاقصاديه…التي تتيح للروابط الموضوعية (الجغرافية،التاريخية،الاجتماعية،الحضارية…)التي ستظل تشد أجزاء الوطن الواحد رغم الانفصال السياسي. ان تعبر عن ذاتها بأقصى درجه ممكنه في ظل  هذا الانفصال السياسي، و تقلل من مقدره الحدود السياسية على تعطيلها.

 ثانيا: العمل على اتخاذ  كل الخطوات الممكنة للأمام باتجاه الوحدة ذلك بان( البشرية قد دخلت عصر الإنتاج الكبير والدول العملاقة ، وأن مصير الأقزام من الدول أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية لدفع خطر العدوان ، والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع ، وأن تدفع من حرية وطنها ومواطنيها أثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته . ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها )(د.عصمت سيف الدولة، النظرية، دار الوحدة،بيروت)

مقترح الكونفدراليه: وقد اقترح عدد من الباحثين السياسيين الكونفدراليه كإحدى هذه الخطوات الممكنة تجاه الوحدة ،واصل هذا المصطلح ان فقهاء علم القانون قسموا الدول إلى قسمين: دول بسيطة ودول مركبه، ثم قسموا الدول المركبة إلى أنواع منها الدولة الاتحادية(الفيدرالية) والدولة التعاهديه(الكونفدراليه) .والدولة البسيطة هي التي تمارس السلطة فيها حكومة مركزيه واحده، أما الدول المركبة فهي التي نشأت ابتداء من دولتين او أكثر، وتكون الدولة فيدراليه إذا كان دستورها يبقى داخلها وحدات إقليميه تقوم فيها حكومات تقتسم السلطة مع الحكومة المركزية ، مع بقاء الاخيره ممثله للدولة في العلاقات الخارجية. وتكون الدولة كونفدراليه حين تنشىء دولتين او أكثر هيئات مشتركه تتوب عنها في ممارسه بعض السلطات الداخلية والخارجية، وقد يصل الاتفاق بين هذه الدول إلى حد ان يكون للهيئات المشتركة حق التمثيل الدبلوماسي وإعلان الحرب وإبرام الصلح… ومع ذلك تظل كل دوله محتفظة بسيادتها مستقلة.

الخيار الثاني(التراجع إلى الانفصال الاجتماعي): العمل على محاوله إلغاء الروابط الموضوعية(الجغرافية،التاريخية،الاجتماعية،الحضارية…) بين الشمال والجنوب ، ان مصير هذه المحاولة هو الفشل،ذلك ان هذه الروابط ستظل تشد أجزاء الوطن الواحد رغم الانفصال السياسي. فعلى سبيل المثال فان الإقرار بالحقيقة التاريخية التي مضمونها أن الاستعمار البريطاني هو الذي شكل حدود السودان المعروفة الآن لا يعنى انه قد شكلها طبقا لأهوائه الذاتية فقط، بل طبقا لاكتشافه هذه الروابط الموضوعية أيضا.فالاستعمار البريطاني لم يضم إلى السودان الإقليم أرضا من خارجه،اى لا تربطها به روابط موضوعيه ،بل على العكس حاول عزل الجنوب عن الشمال(قانون المناطق المقفولة)،وضمه إلى مستعمراته في وسط وشرق أفريقيا (يوغندا،كينيا…) وفشل في تحقيق هذه المهمة. وطبقا لهذا التحليل فان الحدود التي أقيمت بين أجزاء الوطن الواحد ستتناقض مع التكوين الاجتماعي التاريخي للمجتمع السوداني ، ووحده الوجود الوطني السوداني،  وان هذا التناقض وعدم الاتساق سيعبر عن ذاته بأشكال سالبه ( كالصراع بين الشمال والجنوب)، وأشكال موجبه (كالتمازج والتداخل بين الأفراد والأسر والقبائل في الشمال والجنوب )، هذه المحاولة وان كان مصيرها الفشل ،إلا أنها قد تمهد الطريق، أمام مزيد من التراجع خطوات أخرى للوراء، في اتجاه مزيد من التفتيت ،على أساس شعوبي في الشمال، او أساس قبلي في الجنوب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s