ثوره الشباب العربي بين سندان الاستبداد ومطرقة التدخل الاجنبى

تمهيد: بانتقال ظاهره الانتفاضات الشعبية إلى كل من ليبيا وسوريا واليمن… تزايدت درجه القمع الوحشي الذى تمارسه الانظمه ضد المتظاهرين السلميين ، وتزامن مع ذلك استعانة ثوار ليبيا بالتحالف الغربي، وطلب قطاع غالب من المتظاهرين السوريين للحماية الدولية للمدنيين(جمعه الحماية الدولية)، مع توافق اغلب قطاعات المعارضة السورية على رفض التدخل الاجنبى (اللاءات الثلاثة : لا للعنف لا للطائفية لا للتدخل الاجنبى)، ، وهنا وقعت ثوره الشباب العربي بين مطرقة الاستبداد الداخلي،وما يمارسه من بطش ضد المتظاهرين العزل، وسندان التدخل الاجنبى، الذى قد يمهد الطرق أمام تبعية هذه الشعوب للاستعمار الجديد . كل هذا أدى إلى اثاره مشكله – قديمه جديدة – هي تحديد الموقف الصحيح من كل من الاستبداد والاستعمار والعلاقة بينهما، وهنا نجد ثلاثة مواقف أساسيه هي:

الموقف الاول:اولويه التحرر من التبعية: يركز على مشكله الاستعمار الخارجي، ويتجاهل – او يقلل من أهميه- مشكله الاستبداد الداخلي، فهو يعطى الاولويه للتحرر من الاستعمار على مقاومه الاستبداد ، ويترتب على هذا انه يركز على العوامل الخارحيه في تفسير الأحداث،ويتجاهل  – او يقلل من أهميه -العوامل الداخلية. وهو بذلك يمهد الطرق أمام نظريه المؤامرة  التي تحمل القوى الخارجية (الامبريالية والصهيونية…) المسئولية ويوجه الادانه إليها ، و تعفى القوى الداخلية( الحكومات) من اى مسئوليه او ادانه ،و قد تأخذ نظريه المؤامرة هنا  شكل اعتبار ان الأحداث الجارية في هذه الدول ليست ثورات شعبيه مطالبه بأهداف مشروعه كالحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربه الفساد ..، بل هي تمرد يسعى لتحقيق أهداف غير مشروعه كضرب امن واستقرار هذه الدول،و تحركه أصابع امبرياليه صهيونيه ،و يحق لحكومات هذه الدول القضاء عليه. و إذا كان قطاع من أنصار هذا الموقف يتبناه لأسباب مبدئية او جهلا بحقيقة ما يدور،فان قطاع آخر من أنصاره يتبناه لتبرير الاستبداد ، ودفاعا عن انظمه استبداديه بعينها، وايه هذا انه يدافع عن انظمه تابعه سياسيا او اقتصاديا او ثقافيا، ظاهرا او باطنا للولايات المتحدة الامريكيه،ومهادنه علنا او سرا للكيان الصهونى . ويتحدث عن عدم جواز الثورة من ناحية شرعيه حتى ضد  انظمه علمانيه،  كما يقول بعدم جواز الاستعانة بالاجنبى مطلقا،  في حين ان الانظمه التي يدافع عنها تستعين بالاجنبى، بل وحتى تعينه على المواطن (استعانة القذافى بالمرتزقة على سبيل المثال لا الحصر).

الموقف الثاني: اولويه مقاومه الاستبداد: يركز على مشكله الاستبداد الداخلي ، ويتجاهل – او يقلل من أهميه-مشكله الاستعمار الخارجي ، فهو يعطى الاولويه لمقاومه الاستبداد على من التبعيه ، ويترتب على هذا انه يركز على العوامل الداخلية في تفسير الأحداث ويتجاهل العوامل الخارجية ،وهو ما قد يمهد الطريق أمام نظريه (إنكار المؤامرة) والتي قد تأخذ هنا شكل ادانه هذه الحكومات للقمع الوحشي الذي تمارسه ضد شعوبها، وانتهاكها لحقوق الإنسان، وتعفى الغرب بقياده الولايات المتحدة  من اى ادانه،لاتخاذه هذا القمع كذريعة للتدخل الذى هدفه الحقيقي ليس وقف هذا القمع الوحشي، ولا حرية هذه الشعوب، بل إحباط محاولة هذه الشعوب توظيف مواردها المادية والبشرية لمصلحتها، لتبقى تلك الموارد المادية والبشرية مباحة او متاحة له. وإذا كان قطاع من أنصار هذا الموقف يتبناه أيضا لأسباب مبدئية، او جهلا بحقيقة ما يدور،فان قطاع آخر من أنصاره يتبناه لتبرير التدخل الاحنبى الذى يمهد للتبعية، وايه هذا انه يتجاهل حقيقة ان هذه الانظمه التي يناهضها هي تابعه ظاهرا (النظاميين السابقين التونسى والمصرى كنماذج) او باطنا للغرب،وانه لم يتخلى عنها إلا عندما أدرك أنها منهارة لا محاله.

الموقف الثالث: رفض الاستبداد والاستعمار: يرفض التركيز على احد المشكلتين وتجاهل الأخرى، ويربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي،باعتبار ان الاول هو قيد داخلي على حرية الشعوب ، بينما الثاني هو قيد خارجي عليها. فالاستبداد هو قيد داخلي على حرية الشعوب لأنه انفراد اقليه (فرد او فئة) بالسلطة دون الشعب .والاستعمار هو قيد خارجي على حرية الشعوب لأنه استيلاء شعب على إمكانيات شعب أخر وتسخيرها لخدمة مصالحه، وترجع جذور الاستعمار الحديث إلى انه بقيام الثورة الفرنسية ولد النظام الرأسمالي، الذي تطور من المنافسة الحرة إلى الاحتكار، ومن رأسمالية احتكارية داخل حدود الأمة إلى احتكارية أممية، أي من فرض عبودية الأمم الأوربية للطبقة البرجوازية في هذه الأمم إلى فرض عبودية سائر أمم وشعوب الأرض لهذه الأمم الأوربية، وهو ما يسمى الاستعمار القديم ، ويقوم على الاستيلاء بالقوة على إمكانيات الأمم والشعوب وتسخيرها لخدمة الإنتاج في الأمم المستعمرة. وفي النصف الأخير من القرن العشرين ظهرت حركات التحرر من الاستعمار القديم ،فجلت الجيوش عن الكثير من الشعوب المستعمرة، لتفسح المجال إلى أسلوب جديد للاستعمار(الاستعمار الجديد بقياده الولايات المتحدة الامريكيه ) قائم على الاستيلاء بالإكراه الاقتصادي، بدل القوة  العسكرية على إمكانيات الأمم والشعوب وتسخيرها لخدمة الإنتاج فيها.

هذا موقف يرى ان اى حدث هو محصله تفاعل عوامل داخليه وخارجية. فهو يحمل هذه الحكومات مسئولية قيام هذه الانتفاضات الشعبية باستبدادها بالسلطة دون شعوبها، ويدين ما تمارسه من قمع وحشي ضدها ، وانتهاكها لحقوق الإنسان التي قررتها الشرائع السماوية ، وأكدتها المواثيق الدولية. كما يحمل الغرب الراسمالى بقياده الولايات المتحدة أيضا المسئولية عن قيام هذه الانتفاضات الشعبية، لأنها أيضا ثوره ضد انظمه تابعه للولايات المتحدة الامريكيه ظاهرا او باطنا، وضد واقع أوجدته تداعيات الازمه الاقتصادية العالمية، والتي ترجع جذورها إلى صميم النظام  الاقتصادي الرأسمالي الربوى المستند إلى الليبرالية كفلسفة ومنهج، لذا كانت بداية هذه الانتفاضات الشعبية في كل من تونس ومصر، لان هذه الدول اتخذت موقف القبول المطلق  من الخصخصة (الاليه الاساسيه للراسماليه)، وبالتالي كانت أكثر الدول العربية تأثرا بالازمه الاقتصادية العالمية.كما يدين الغرب لتناقض مواقفه المعلنة (الانسانيه) مع مواقفه المستترة(الاستعمارية)، والتي تهدف إلى ضمان استمرار بقاء موارد هذه الشعوب مباحه ومتاحه له.

التغيير بين الإصلاح والثورة: ويمكن ترجمه هذا الموقف فيما يتعلق بالتغيير وأنماطه بالتأكيد ان التغيير هو قانون (سنه إلهيه بالتعبير القرانى) كلي حتمي يضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة والإنسان ، غير ان هناك نمطين للتغيير: الاول هو الإصلاح،وهو تغيير تدريجي جزئي سلمى، من خلال نظام قانوني تتوافر فيه امكانيه التغيير ، وهو تعبير عن اضطراد التغيير كقانون(سنه إلهيه) ، لذا فهو نمط التغيير الاساسى، و الثاني هو الثورة، وهو تغيير فجائي وكلى، خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر فيه امكانيه التغيير ، وهو حتمى متى توافرت شروطه الموضوعيه والذاتيه ، وهو محصله محاوله تعويق فاعليه قانون التغيير ، لذا فهو نمط تغيير ثانوي .

موقف اهل السنه من التغيير وانماطه :والموقف السابق يتسق من موقف علماء اهل السنه القائم على ان السلطة نائب ووكيل عن الجماعة  لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها ،يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 )،ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ). وبالتالي فان اى نظام سياسي يستبد بالسلطة دون الجماعة فهو غير شرعي، ويجب تغييره.غير أنهم اختلفوا بعد ذلك حول أسلوب التغيير إلى مذهبين. المذهب الاول: يأخذ بالثورة”التى عبر عنها الفقهاء بمصطلح خلع السلطان الجائر” كأسلوب للتغيير، يقول الإمام الجصاص  وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن للجصاص 61 )،ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311). أما المذهب الثاني فبرفض الثورة كأسلوب للتغيير ،لكن في ذات الوقت يأخذ بالإصلاح كأسلوب للتغيير ، يأخذ أشكال عده اههما التقويم والنصح ، يقول الباقلاني (… بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186). ومن الواضح ان كما ان كلا المذهبين مبنى على قاعدته سد الذرائع وفتحها، فالمذهب الاول يقوم على فتح الذرائع ، اى ترجيح المصلحة المتحققه من خلع الحاكم الجائر على المفسده التي قد تلزم  من خلعه ، والمذهب الثاني يقوم على سد الذرائع اى ترجيح المفسده التى قد تلزم من خلعه على المصلحه التى قد تتحقق منه.

والمذهب الذى نرجحه ، والذى يجمع بين مضمون المذهبين السابقين ، هو تقسيم الحكم على خلع الحاكم الجائر إلى: أولا: حكم أصلى هو الايجاب بدرجاته حسب درجه امكان الجمع بين جلب المصلحه التى قد تتحقق خلعه ، ودرء المفسده التى قد تلزم منه، دون المنع، بالالتزام بجمله  من الضوابط التكليفيه والتكوينية أشار إليها الفقه السياسي الاسلامى . وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحاله الجمع بين جلب المصلحه التى قد تتحقق من خلعه ، ودرء المفسده التى قد تلزم من ذلك،وذلك عند استحاله الالتزام بهذه الضوابط ( وهو ما يعنى باصطلاح علم اجتماع الثورة انه لم تتوافر الشروط الذاتية للثورة رغم توافر شروطها الموضوعيه).أما رفض  التغيير بأنماطه المختلفة (الإصلاح والثورة) فهو يفارق موقف اهل السنه بمذهبيهم، ويقارب موقف فرقه ألمرجئه المبتدعة، والتي تفصل بين الإيمان والعمل،فترجي (تؤخر) عقاب العصاة إلى يوم القيامة.أما قول بعض العلماء بامكانيه ان تكون بعض الانظمه السياسية الذى تستبد بالسلطة دون الجماعه شرعيه ، فهو يستند الى فهم خاطىْ للنصوص الدالة على وجوب طاعة أولى الأمر ،ذلك ان طاعة أولى الأمر ليست مطلقه ، بل هي مشروطة بعدم معصية الله تعالى،يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس  إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) .

الثورة بين السلمية والعنف:كما يمكن ترجمه هذا الموقف فيما يتعلق بطبيعة الثورة بتأكيده على استخدام الوسائل السلمية في التغيير و نبذ العنف إلا للضرورة المتمثلة في الدفاع عن النفس وبشروط ، ذلك ان اباحه استعمال العنف في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي، هو ما تقره كل الأعراف والقوانين المحلية والدولية والشرائع السماوية.

 الموقف القانوني : فالنظام  الاستبدادي هو اساسا نظام سياسي لا يلتزم بالنظام القانوني السائد في المجتمع ، ويستند إلى قوته الباطشة ، فهو دوله القوه المادية وخارج نطاق النظام القانوني.وهو ارتداد إلى الصورة التي ثارت من قبل وجود الدولة اى النظام القانوني في المجتمع، اى عدم  وجود القانون  فضلا عن سيادته… فهو نظام غير شرعي ، و الثورة عليه شرعيه لأنها محاوله لاعاده القانون وسيادته ،والتأكيد على سلميتها هو تأكيد على التزامها بالقانون ، وبالتالى فان اى محاوله لتغيير هذا النظام (سلميا او بالقوه) ستواجه باقضى درجات عدم التزامه بالنظام القانوني، واستخدامه للقوه الباطشة،  وارتداده إلى ما قبل الدولة والقانون، ( لذا لا يكون مستغربا هنا استخدامه  للجماعات الخارجه عن القانون “كبلطجيه النظام المصرى،ومرتزقه النظام الليبى،وشبيحه النظام السورى،وبلاطجه النظام اليمنى…” لقمع الانتفاضات الشعبيه)،التى يمكن ان تتاح له . وهنا يصبح استخدام القوه للدفاع عن النفس شرعيا ، يقول جون لوك في كتابه(الحكومة المدنية)( ان الذى يستعمل القوه أولا ضد أحكام القانون، يضع نفسه بهذه الحالة في حاله حرب مع المعتدى عليه، ومن هنا فان كل الروابط والالتزامات تقطع ، ويسقط كل حق إلا حق الدفاع عن النفس) ).

موقف الشريعة الاسلاميه:ومن ناحية شرعيه فان نبذ العنف واستخدام الوسائل السلميه فى التعبير يدخل  فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ و عموم النهى عن الافساد فى الارض﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعونفي الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾َ.لكن الشريعه تبيح استخدام القوه في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي وبشروط ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾( الحج(39. وروى أبو داوود في سننه عن سعيد بن زيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم  قال : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله أو دمه أو دون دينه فهو شهيد )  . كما أجمع  الفقهاءعلى حق الدفاع الشرعي ، لدفع الخطر غير المشروع عن الأعراض أو المال أو النفس ، وان اختلفوا في اللفظ الدال على هذا الحق ، وفي تكييف الخطر المنصب على هذا الحق . فقال الأحناف ( دم المدفوع هدر ولا شئ بقتله بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم) (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أبطل دمه لأنه باغياً )( الزيلعي –تبين الحقائق  – ج6 /110 .) . وقال الحنابلة: ( دم المدفوع هدر ، وهو إلى النار) ( الشويكي –التوضيح – ج2/162 )
وقال الشافعية : ( إن الصائل يجوز دفعه )( الخطيب الشربيني –مغني المحتاج – ج4/ 194 )وقال المالكية : ( جاز دفعه بالقتل وغيره ) (الدردير –الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه – ج4/356 –357 ).
كما ان حق الدفاع الشرعي ليس مقصور الاستخدام في مواجهه أفراد او جماعات خارجه عن القانون فقط ، بل أيضا في مواجهه نظم سياسيه استبداديه غير ملتزمة بالقانون، يقول ابن العربي فى معرض عرضه لأقوال علماء المالكية فى قضيه جواز خلع السلطان الجائر( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما، إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن) .
بين الحماية الدولية والتدخل الاجنبى: كما يمكن ترجمه هذا الموقف فيما يتعلق بقضية الاستعانة بالاجنبى، برفض الاستعانة بالاجنبى، إلا للضرورة المتمثلة في حماية حياه المدنيين من الأذى والخطر المباشر، الذى تتعرض له ، بعد عدم توافر امكانيه تحقيق ذلك بواسطة الشعب المعين او قطاع منه، او الدول العربية و الاسلاميه ، على ان لا يتجاوز ذلك إلى ما يمس مصلحه الدولة(وليس النظام) المعينة ، ووحدتها وسلامه أراضيها ،وسيادتها على أرضها ، واستنادا إلى موقف موحد من الشعب المعين او اغلبه ، والمجتمع الدولي بمنظماته الدوليه(الأمم المتحده) والاقليميه (جامعه الدول العربية) و(منظمه التعاون الاسلامى) ، فهذا الموقف اذا يميز بين التدخل الاحنبى ذو الأهداف الاستعمارية ، والحماية الدوليه ذات الأهداف الانسانيه ،والفارق بينهما هو ما يترتب على كليهما من فقدان او عدم فقدان المقدره على الاختيار وقول لا. ذلك ” اننا جزء من العالم، يؤثر فينا ويتاثر بنا …ووجودنا الخاص  يعنى ان مستقل بذاته (وجودا ومصيرا) عن غيره من المجتمعات ، ولكنه ليس مستقلا (وجودا ومصيرا )عن المجتمع الانسانى ككل ، فاستقلاله لا يعنى العزله عن المجتمعات الأخرى، او عدم التعامل معها، وتبادل المصالح، ومن باب أولى لا يعنى مناطحتها) ( د.عصمت سيف الدولة،النظرية، دار الوحده ،ج2، ص 109 ).

موقف القانون الدولي: ومن المعلوم ان الأمم المتحدة قد وضعت مبدأ عدم تدخلها في الأعمال ، التي تكون في صميم السلطان الداخلي للدول، إلا في حالة تطبيق تدابير القمع إذا اقتضى الأمر تطبيقها،غير ان الولايات المتحدة الأميركية قد تعسفت في استعمال هذا الاستثناء، خاصه بعد انهيارالإتحاد السوفيتي،غير ان ادانه هذا التعسف لا يعنى رفض استخدام هذا الاستثناء بصوره شرعيه.

موقف الشريعة الاسلاميه: ومن ناحية شرعيه فانه رغم اتفاق الفقهاء على عدم الاستعانة بالاجنبى لمخالفته حكم ان الجهاد يكون فرض عين اذا دخل العدو ارض الإسلام، فان هناك العديد من الادله التى تبيحه بشروط معينه للضرورة، من هذه الادله : أن أبا طالب كان يحمي الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من قريش .  وخروج الرسول صلى الله عليه وسلم الى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عزّ وجلّ( ابن هشام ج 2 ص 28). ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب اصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه”. وعرض ابن الدغنة على أبي بكر جواره، فقبله أبو بكر(ابن هشام ج1 ص 396).

بين الديموقراطيه والليبرالية: وختاما فان هذا الموقف يميز بين الليبرالية كفلسفة طبيعيه على المستوى الوجودي فرديه على المستوى الاجتماعي، وكمنهج للمعرفة يستند إلى فكره القانون الطبيعي” والتي مضمونها ان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة”، وكأسلوب شامل متكامل للحياة : راسمالى في موقفه من الاقتصاد، ، علماني في موقفه من الدين ، فردى في موقفه من المجتمع، ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة… والديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام . فيرى ان الاخيره(الديموقراطيه) وليست الأولى(الليبرالية) هي غاية أساسيه من غايات ثوره الشباب العربي، ويترجم هذا التمييز بالدعوة إلى العمل على تخليص الديمقراطية من الليبرالية كفلسفة ومنهج وأسلوب حياه شامل (رأسمالي، فردي، علماني..) وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية،اى بالاحتكام الى الشعب.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s