أسس منهج التغيير الاسلامى

أسس منهج التغيير  الاسلامى

د. صبري محمد خليل

تمهيد: يهدف منهج التغيير الإسلامي إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان،من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار: السياسي،الاقتصادي  ،الاجتماعي …  والذي يمثل ما هو كائن ، إلى الاستخلاف بكل أشكاله: السياسية ،الاقتصادية ،الاجتماعية … والذي يمثل ما ينبغي ان يكون، وبعبارة أخرى الانتقال بهم من حاله التخلف الحضاري إلى حاله التقدم الحضاري،يقول تعالى﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ ،ويقول تعالى ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمه ونجعلهم الوارثون﴾.

التوازن في علاقات التغيير: وإذا كان منهج التغيير يتناول طبيعة العلاقة بين طرفي نسق من العلاقات التي تشكل جوهر عمليه التغيير: كالفكري(النظري)والعملي(التطبيقي)، والوحدة والتغاير(التعدد)، والمرحلية والاستمرارية، والأهداف والوسائل،والاستراتيجيه والتكتيك.. فان المنهج الصحيح هو الذى يقوم عل التأكيد على القيمة المتساوية لكل هذه الأطراف، فيجعل العلاقة بينها علاقة تأثير متبادل، ولا يؤكد على طرف ليلغى أخر ، وفى حاله قوله باولويه طرف على آخر فانه يقصد بالاولويه اولويه ترتيب لا اولويه تفضيل، اى يجعل العلاقة بين أطراف هذه العلاقات علاقة توازن . أما المناهج الخاطئة فهي التي تتطرف في التأكيد على طرف معين لدرجه إلغاء الطرف الأخر، اى تجعل العلاقة بين أطراف هذه العلاقات علاقة اختلال.ومرجع ذلك أنها تحول هذا الطرف او ذاك إلى مطلق اى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره .والمسلمون مأمورون بموجب مفهوم الوسطية بالأخذ بهذا المنهج الصحيح ، ورفض هذه المناهج الخاطئة.

تعدد أساليب التغيير: كما ان منهج التغير الصحيح يقوم على تعدد أساليب التغيير (كأساليب التغيير الفكري او السياسي او الاجتماعي او التربوي…)، وبالتالي فان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين يجب ان يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى . وهو ما أقرته العديد من النصوص،  كقوله تعالى(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).

التدرج: وهذا التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، وهو ما يجب على المسلمين الأخذ به استنادا إلى قاعدة التدرج التي قررها الإسلام،وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:أولا: التدرج في التشريع: اى التدرج في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم او من الندب إلى الوجوب…)،ومن أشكاله التدرج فى بيان درجه الإلزام في شرب الخمر من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم ، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوه بوفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم). ثانيا :التدرج في التطبيق: اى التدرج في تطبيق القاعدة الشرعية وليس في بيان  درجه الإلزام في القاعدة  الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(حلية الأولياء  5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128).

وبناءا على فان هناك مرحلتين أساسيتين للتغير، لكل منهما خصائص معينه على المستويين الاعتقادى (الفكري) والعملي:

مرحله الممكن( الاستطاعة): ومن أدلتها: تقرير القران والسنة لقواعد الاستطاعة  (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ)، وقال (صلى الله عليه وسلم) ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )(متفق عليه). و رفع الحرج (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]. والوسع (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) [البقرة:286] يقول ابن كثير) وَقَوْله ” لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ” أَيْ لَا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ).

وهذه المرحلة لها مستويان:

المستوى الاعتقادى(الفكري):  وهو المستوى الاصلى لهذه المرحلة ، ذلك ان منهج المعرفة الإسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل ، والإيمان على العمل (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات), وبالتالي فانه طبقا له فان  تغيير الفكر سابق على تغيير الواقع.

 الاجتهاد: ولهذا المستوى مضمون نافى هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى (المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى)، كما ان له مضمون مثبت هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي (المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي)( على المستوى الفكري) والاجتهاد في وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع(على المستوى الاشكالى)،والتحديد  النظري لأهداف الامه(على المستوى الغائي) ..

 مفهومي الدعوة والجماعة : وقد عبر البعض عن هذا المستوى أيضا بمصطلح الدعوة ، وهنا يجب ملاحظه  ان الحديث هنا عن الدعوة كمرحله لا كفرض إذ أن الدعوة كفرض باقية إلى يوم الدين، وأن الدعوة هنا ليست دعوة كفار أو مشركين إلى الإسلام  ، بل دعوة للمسلمين بالارتقاء من بواقعهم مما هو كائن(الاستضعاف- الاستكبار) إلى ما ينبغي ان يكون(الاستخلاف) كما سبق ذكره . كما ان هذه الدعوة ليست فردية فقط بل  أيضا هي دعوة اجتماعية منظمة، اى تتم عبر جماعه، ودليل ذلك بيعة النصح لكل مسلم في السيرة  ، التي هي جزء من بيعة المسلمين للرسول (صلى الله عليه وسلم) على أعمال الإسلام ، فقد أخرج أبو عوانة في مسنده الجزء الأول أن جرير بن عبد الله تحدث يوم مات المغيرة بن شعبة فقال (أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له فإني بايعت بيدي هذه على الإسلام واشترط على النصح لكل مسلم فورب الكعبة إني ناصح لكم أجمعين) (أخرج البخاري أتم منه، الجزء الأول). وإذا كانت هذه البيعة للرسول (صلى الله عليه وسلم ) فإن كل مسلم مأمور بالنصح كشرط للإسلام. غير ان  الجماعة هنا ليست جماعه المسلمين بل جماعه من المسلمين، كما مفهوم الجماعة هنا لا يفيد الوحدة المطلقة، بل الوحدة المقيدة  التي تجمع بين الوحدة والتعدد  استنادا إلى ان التصور الإسلامي( استنادا إلي مفهوم الوسطية) يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد ،فهو يؤكد على وحده المجتمع  من خلال تقريره  وجوب خضوع كل المجتمع للقواعد -الأصول -المطلقة عن قيود الزمان والمكان ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة (الحدود﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده  وأنا ربكم فاعبدون ﴾   ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ﴾،ويؤكد على التعددية و حرية الأفراد المكونين له ،وذلك من خلال أباحه اختلاف الناس في القواعد- الفروع- المحدودة زمانا ومكانا ،والتي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة , ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ( المائدة:48) ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (الروم:22) .

هذا الجمع بين الوحدة والتعدد  يمكن ان يتحقق من خلال  صيغ  معاصره متعددة ، يتم الأخذ باى منها حسب الإمكانيات التي يتيحها الواقع ، منها الحوار بين الباحثين والكتاب والمفكرين من اجل الالتقاء على ما هو مشترك من ثوابت آلامه. ومنها إيجاد وسائل نشاط ثقافي متنوعة ( كالصحف والمجلات والكتب والجمعيات الثقافية والمواقع الالكترونية والإذاعات والقنوات الفضائية…) تجسد النشاط الفكري لأداه تنظيميه واحده  ،

المستوى العملي:  وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة ، ومضمونه الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن،والممكن هنا هو تنفيذ ما يتيح الواقع تنفيذه من حلول نظريه للمشاكل التي يطرحها الواقع ،وبعبارة أخرى اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه تحقيق أهداف الامه .

ولا يترتب على كون ان هذا  المستوى فرعى تحريم  النشاط السياسي ، بل تحديده  بما هو ممكن ، هذا النشاط السياسي يمكن تحقيقه من خلال صيغ معاصره متعددة ، تجمع  بين الوحدة والتعدد، بدرجات متفاوتة، يتم الأخذ باى منها حسب الإمكانيات التي يتيحها الواقع ، منها : التعاون دون الاندماج بين أدوات متعددة فكريا وتنظيميا “بالالتقاء بين التيارت الفكرية المتعددة على ما هو مشترك من أهداف الامه”(العمل الجبهوى). ومنها التعاون او الاندماج بين أدوات متحدة فكريا ” تتبنى ذات الفكر بدرجات متفاوتة ” ومتعددة تنظيميا . ومنها إيجاد أدوات “متنوعة” تجسد النشاط السياسي لذات الاداه “الواحدة” السابقة الذكر.

مرحلة ما ينبغي ان يكون( العزم) : و من أدلتها مفهوم العزم الذى يرتبط بما ينبغي ان يكون كما في قوله تعالى(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور)( لقمان: 17) وقوله تعالى( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) .

 المستوى العملي: وهو المستوى الاصلى  لهذه المرحلة، ومضمونه الانتقال مما هو ممكن إلى مرحله ما ينبغي أن يكون ،وما ينبغي ان يكون هنا هو تنفيذ كل الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها الواقع ،وبعبارة أخرى التحقيق  الكامل لكل أهداف الامه.

ومن أدلته قوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (الأنفال: 72)، فالآية ميزت بين جماعة (الذين آمنوا ولم يهاجروا) التي تجسد مرحله الممكن(الاستطاعة) ، وجماعة (المهاجرين)التي تجسد مرحله ما ينبغي ان يكون(العزم).وفي السيرة تبدأ  مرحله العزم او ما ينبغي ان يكون في مستواها العملي ببيعتي النصرة للأنصار والهجرة للمهاجرين وتستمر حتى تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلي ذلك.

هذا المستوى لهذه المرحله يمكن ان  يتحقق  من خلال  صيغ معاصره متعددة أهمها إيجاد أداه واحدة تجسد نشاطها السياسي من خلال أدوات متنوعة، تنبثق من القاعدة التي تشكلت في المرحلة السابقة وعبر أدواتها،وتسند إلى الوحدة الفكرية التي حققتها تلك المرحلة عبر دواتها.

المستوى الاعتقادى(الفكري): وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة، ومضمونه الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل الجديدة التي يطرحها الواقع بعد تغييره،او تحديد الأهداف الجديدة بعد تحقق الأهداف السابقة.فهو تعبير عن استمرار الاجتهاد ،هذا المستوى لهذه المرحلة يمكن ان يتحقق من خلال صيغ معاصره أهمها إيجاد أداه تجسد استمرار النشاط الفكري،بمضمونه الجديد،عبر أدوات النشاط الثقافي السابقة  الذكر، او من خلال إيجاد أدوات جديدة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s