قضايا التغيير ومفهوم المفاضلة

قضايا التغيير ومفهوم المفاضلة

د.صبري محمد خليل / أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم sabri.khalil@hotmail.com

تمهيد: مذهب المفاضلة فى التغيير:هذا المقال هو محاوله لتطبيق مفهوم المفاضلة ، الذى أسس له الفكر القانوني الاسلامى بقطاعيه الاصولى ” علم  اصول الفقه” والفقهي” علم الفقه” ،على التغيير و أنماطه المتعارضة كالإصلاح والثورة، والسلمية واستخدام القوه، واستخدام القوه الذاتية والاستعانة بقوه خارجية ، والتي يعبر عنها عاده بقضايا التغيير السياسي.

 أولا: مفهوم التغيير: التغير لغة اشتقاق من ماده (غَيَّرَ) والتي تدور على أصليْن: الاول إحْداث شيء لم يكن قبلَه. والثاني انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى ( التعريفات، الجرجاني، باب التاء، مادة التغيير – التغير) و (لسان العرب، ابن منظور، حرف الراء، مادَّة غير).أما اصطلاحا فهو تحول بدون أضافه ( تغير)، او من خلال الاضافه(تغيير).

وقد اعتبر منهج المعرفة الاسلامى ان التغير هو سنه إلهيه كليه تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف: قال تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ).. وقال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مكين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ).وقال تعالى(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11].وقال تعالى(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الأنفال: 53].
غير ان التغير كقانون نوعى يضبط حركه نوع معين من أنواع الوجود ، هو الذى يحدد لنا شرط فعالية التغير كقانون كلى فيه، فهو يأخذ شكل تحول بدون اضافه في الطبيعة المسخرة ( تغير) كما في الآيتين الأولى والثانية. كما يأخذ شكل تحول من خلال الاضافه عند الإنسان المستخلف( تغيير ) كما في الآيتين الأخيرتين.

ويأخذ التغيير في منهج المعرفة الاسلامى شكل تكويني يتمثل في حل الإنسان لمشاكله المتجددة من خلال ثلاثة خطوات هي: المشكلة ، الحل ، العمل. وشكل تكليفي يحدد الشكل التكويني السابق فيكمله ولكن لا يلغيه ، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته ، حيث يحدد نوع المشاكل التي يواجهها الإنسان، وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها ،وأسلوب العمل اللازم لحلها.

  ثانيا: مفهوم المفاضلة:أما مضمون مفهوم المفاضلة فهو: الجمع بين الأفعال(انماط السلوك) “بما هي وسائل لغايات (مقاصد) شرعيه معينه في مجال معين” ،على وجه يرفع التعارض(التناقض) بينها،من خلال التقديم والتأخير (الزمانى والقيمى)، وطبقا لضوابط موضوعيه مطلقه ” مصدرها النصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة”،بهدف جلب المنافع ودفع المفاسد ما أمكن.

وطبقا لهذا التعريف فان هذا المفهوم هو درجه من درجات الجمع بين المتعارضات(المتناقضات)، فهو موقف قائم منهجيا على رفض الوقوف إلي أحد النقيضين، ومحاوله إلغاء التناقض بينها،بان يؤلف(يجمع) بينها،وهو ما عبر عنه القران بمصطلحات كالوسطية والقوامة:”وكذلك جعلناكم أمة وسطاً”. “والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً”.  فهذا المفهوم إذا يتميز – ولا يتناقض – عن درجه أخرى من درجات الجمع بين المتعارضات، هي التسوية والتي تقوم على التأكيد على القيمة المتساوية لكل المتعارضات، فتجعل العلاقة بينها علاقة تأثير متبادل، ولا تؤكد على متعارض لتلغى أخر،وفى حاله قولها باولويه متعارض على آخر ، فإنها تقصد بالاولويه اولويه ترتيب زماني لا اولويه تفضيل قيمي ، فكلا الدرجتين من درجات الجمع بين المتعارضات تحاول ان تجعل العلاقة بين المتعارضات علاقة توازن. لكن من زوايه أخرى فان مفهوم المفاضلة كدرجه من درجات الجمع بين المتعارضات يتناقض مع الإفراد: اى الوقوف إلى احد النقيضين، اى التطرف في التأكيد على فعل(نمط سلوك) معين لدرجه إلغاء الأفعال الأخرى ، وبالتالي يجعل العلاقة بينها علاقة اختلال.ومرجع ذلك أنها تحول هذا الفعل او ذاك إلى مطلق اى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره .

وقد استخدم الفكر القانوني الاسلامى ذات المصطلح” المفاضلة او التفاضل” للتعبير عن المفهوم، كما استخدم مصطلحات أخرىكمصطلح الموازنة ،كما تناول الفكر القانوني الاسلامى المفهوم تحت عناوين  كفقه مراتب الإعمال او فقه الأولويات .

وقد أشارت الكثير من النصوص إلى مفهوم المفاضلة كقوله تعالى(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(التوبة: 19( . وقوله صلى الله عليه وسلم(الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)(مسلم).كما أشار إليه العلماء، يقول ابن تيمية (ينظر في الراجح منهما فيعمل به، فقد تترجح الحسنة على السيئة فتعمل، وقد تترجح السيئة على الحسنة من حيث فعلها فتعمل، وهذا كله إذا كان يلزم من فعل الحسنة الوقوع في السيئة أو يلزم من ترك السيئة ترك الحسنة(الفتاوى).ويقول ابن القيم (فإن نجا – أي: العبد – منها – أي : من عقبات الشيطان – بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين عاليها وسافلها، ومفضولها وفاضلها ،ورئيسها ومرؤوسها، وسيدها ومسودها، فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا ورئيسا ومرؤوسا وذروة وما دونها) (مدارج السالكين1/225). ويقول الغزالي )وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور( (الإحياء 3/403)

 ثالثا: قضايا التغيير السياسي ومفهوم المفاضلة:ان تطبيق مفهوم المفاضلة على انماط التغيير المتعارضة،المتعددة بتعدد الزوايا التي ينظر منها إلى التغيير، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما ، على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم نمط تغيير معين على نمط تغيير أخر رمانيا وقيميا، وذلك باعتبار  نمط التغيير الاول هو الأصل، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر امكانيه التزام به، بينما نمط التغيير الثاني هو الفرع،وبالتالي عدم الالتزام به إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بنمط التغيير الاول.

المفاضلة بين الإصلاح والثورة: ان تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي  التغيير: الإصلاح والثورة، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما ، على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم الإصلاح على الثورة رمانيا وقيميا، وذلك باعتبار  الإصلاح هو الأصل، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر امكانيه التزام به، بينما الثورة هي الفرع،وبالتالي فان الالتزام بها إلا  يكون إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بالإصلاح.

ومرجع ذلك ان التغيير كسنه إلهيه قائم على السببية ، اى تحقق المسبب (الأثر) بتحقق السبب(العلة)، وتخلفه بتخلف السبب (العلة) .  وبناءا على هذا فان  سنه التغيير الالهيه يمكن تعويق فاعليتها (بعدم الالتزام بأسبابها وعللها) ، ولكن لا يمكن الغاء حتميتها( اى لا يمكن إلغاء علاقة التلازم بين عللها وأثارها )، وبناءا على هذا فان للتغيير نمطين :

الإصلاح: النمط الاول  هو الإصلاح ، وهو نمط التغيير الأصل في منهج التغيير الاسلامى، لأنه تعبير عن اضطراد التغيير كسنه إلهيه ،فهو يتصف بالاستمرارية، كما انه تعبير عن المشاركة كسنة إلهية تضبط العلاقة بين الناس مضمونها تبادل العلم بمشكلة مشتركة ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمشكلة ، وقد عبر القران عنها  بمصطلحات ايجابيه كالتأليف(واذكروا نعمه الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )(13: آل عمران) والتعاون( وتعاونوا على البر والتقوى )(2: المائدة) و الموالاة(المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(7: التوبة) . وردت الاشاره إلى مصطلح الإصلاح فى القران الكريم كما في قوله تعالى (ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت)(هود:88). والمفهوم الاسلامى للإصلاح هو التغيير  من خلال نظام قانوني تتوافر  فيه امكانيه التغيير ، فهو تغيير تدريجى جزئي سلمى  يتم من خلال نظام قانوني تتوافر له الشرعيه التكليفيه (نظام قانوني اسلامى)والتكوينية( السلطة فيه جاءت من خلال بيعه  صحيحة باعتبارها عقد اختيار لم يدخله اجبار، وهى نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها)، فهو شكل من أشكال مراقبه السلطة.

 ومن ادله الإصلاح اى التغيير التدريجي  السلمي وأولويته كنمط التغيير قوله صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس بعد ذلك من الإيمان شيء) (صحيح مسلم رقم 78).

ويأخذ الإصلاح كنمط للتغيير أشكال عده أهمها التقويم الذى عبر عنه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). والتقويم يعبر عن موقف يتجاوز كل من موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على اخذ  وقبول الصواب، ورد ورفض الخطأ،  فهو نقد للسلطة لتقويمها اى بهدف الكشف عن أوجه قصورها عن أداء دورها .

 ومن أشكال الإصلاح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(لدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه … بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيءممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
الثوره : والنمط الثاني هو الثوره ، وهو نمط التغيير الفرع فى منهج التغيير الاسلامى، لانه  يجىْ كمحصله لمحاوله تعويق فاعليه سنه التغيير إلهيه.فهو يتصف بالمرحلية ( ذو طبيعة انتقاليه)، ولأنه تعبير عن الصراع الذى يوجد عند تعطل فاعليه المشاركة كسنه إلهيه ، فهو عقبه أمام التطور الاجتماعي من خلال حل المشاكل المتجددة وغايته إلغائه ، وقد عبر عنه القران  فى كثير من المواضع بمصطلحات سالبه منها البغضاء( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)(91: المائدة) والعدوان(ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (2: المائدة).وردت الاشاره إلى مصطلح الثوره بمعناه اللغوي اى القلب  فى القران الكريم  كما فى قوله تعالى(لا ذلول تثير الأرض)(البقرة:71) (اى لا تقلبها بالحرث القلب الذى يغيرها فيجعل عاليها سافلها)، وكما فى قوله تعالى(كانوا اشد منهم قوه واثأروا الأرض وعمروها)(الروم:9) (اى قلبوها وبلغوا عمقها). أما المفهوم الاسلامى  للثورة فهو  التغيير خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر فيه امكانيه التغيير. فهو تغيير فجائي وكلى يتم خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر له الشرعيه التكليفيه والتكوينية ، ورغم استخدام بعض المتقدمين لمصطلح الثوره فى التاريخ الاسلامى كقول ابن الأزرق عندما دعا أصحابه الى إلحاق بثوره عبد الله بن الزبير بمكة لنصرتها والدفاع عن بيت الله الحرام(وهذا قد من قد ثار بمكة فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل) (محمد عماره ،الإسلام وضرورة التغيير، كتاب العربي، 1997 ،ص 11-17) الا انه قد عبر عن الثوره بمصطلحات أخرى كخلع السلطان الجائر.

آهل السنة: أما أهل السنة فهم يتفقون على وجوب الإصلاح( التقويم والنصح…) كنمط تغير أصلى، كما اتفقوا على وجوب الثوره كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعيه التكليفيه( ككفر الحاكم او عدم التزامه بالشرع مع إنكاره له) لورود النصوص الداله على ذلك  ومنها عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)( صحيح البخاري رقم 6647)، ولكنهم اختلفوا فى الثوره كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعيه التكوينية( كالبيعة التي يدخلها اجبار او الحاكم الجائر) الى مذهبين :

المذهب الاول (المنع) : يمنع الثورة على الحاكم الجائر ، يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28 ) . ويقول الإمام الأشعري( و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لا يخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين  323) . و هذا المذهب مبنى على  سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم ، والمتمثلة  فى الفتنه والفوضى التى  قد تلزم من خلعه، على المصلحة المتحققة من خلعه . يقول البزدوي ( إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم)( أصول الدين 190 ) 
يقول النووي ( قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) (شرح صحيح مسلم 12\229 [31)
 المذهب الثانى(الإيجاب) :  يرى إيجاب الثورة  على الحاكم الجائر ،يقول الإمام الجصاص  وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن للجصاص 61 ).و ذكر ابن العربي  من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن).وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية ) من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة)ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311).

 ومن الواضح ان  الحكم بالمنع او الإيجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الاول كما ذكرنا قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثاني بالإيجاب فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم  من خلعه. وبناء على ما سبق فان الحكم بمنع او إيجاب الثوره على الحاكم الظالم او الفاسق هو اجتهاد لان مصدره قاعدة سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادر الشريعة التبعية ، و ليس أصل من اصول الدين، والتي لا يباح الخلاف  فيها، والتى مصدرها مصادر الشريعة الاصليه.

والمذهب الذى يقوم على تطبيق مفهوم المفاضلة،وفى ذات الوقت يقوم على الجمع بين المذهبين  السابقين، هو المذهب القائل بان الحكم بالمنع او الإيجاب إنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الجائر ، او المنفعة التي قد تتحقق من ذلك، وبالتالي الحكم بالمنع على درجاته (من كراه او تحريم) حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك، والحكم بالإيجاب على درجاته (من اياحه واستحباب ووجوب )حسب المصلحة التي قد تتحقق من ذلك. وذلك بتقسيم الحكم على الثورة إلى: أولا: حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق منها ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منها، دون المنع، وبشرط الالتزام بجمله  من الضوابط ألتكليفيه والتكوينية أشار  إليها الفقه السياسي الاسلامى،وأهمها عدم توافر امكانيه الالتزام بالإصلاح كنمط تغيير أصلى . وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من منها ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منها،وذلك عند استحالة الالتزام بهذه الضوابط( وأهمها عدم توافر امكانيه الالتزام بالإصلاح كنمط تغيير أصلى) ( وهو ما يعنى باصطلاح علم اجتماع الثورة انه لم تتوافر الشروط الذاتية للثورة رغم توافر شروطها الموضوعية).

المفاضلة  بين السلمية واستخدام القوه: كما ان تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي  الثورة: السلمية واستخدام القوه، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما،على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم الأساليب السلمية على استخدام القوه زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار الأساليب السلمية هي الأصل، وبالتالي الالتزام بها ما دامت تتوافر امكانيه التزام بها، بينما استخدام القوه هو الفرع،وبالتالي فان الالتزام بها إلا  يكون إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بالأساليب السلمية.

استنادا إلى ما سبق ،فان المذهب  القائم على تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي الثورة، يقوم على التأكيد على استخدام الوسائل السلمية في التغيير، و نبذ العنف إلا  للضرورة المتمثلة في الدفاع عن النفس وبشروط ، ذلك ان اباحه استعمال العنف في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي، هو ما تقره كل الأعراف والقوانين المحلية والدولية والشرائع السماوية.

 الموقف القانوني: فالنظام الاستبدادي هو أساسا نظام سياسي لا يلتزم بالنظام القانوني السائد في المجتمع، ويستند إلى قوته الباطشة، فهو دوله القوه المادية وخارج نطاق النظام القانوني.وهو ارتداد إلى الصورة التي ثارت من قبل وجود الدولة اى النظام القانوني في المجتمع، اى عدم  وجود القانون  فضلا عن سيادته… ، و الثورة عليه هي من هذه الزاوية محاوله لاعاده القانون وسيادته ،والتأكيد على سلميتها هو تأكيد على التزامها بالقانون ، وفى ذات الوقت فان اى محاوله لتغيير هذا النظام (سلميا او بالقوة) ستواجه باقضى درجات عدم التزامه بالنظام القانوني، واستخدامه للقوه الباطشة،  وارتداده إلى ما قبل الدولة والقانون، ما توافرت له الفرصة . وهنا يصبح استخدام القوه للدفاع عن النفس شرعيا ، يقول جون لوك في كتابه(الحكومة المدنية)( ان الذى يستعمل القوه أولا ضد أحكام القانون، يضع نفسه بهذه الحالة في حاله حرب مع المعتدى عليه، ومن هنا فان كل الروابط والالتزامات تقطع ، ويسقط كل حق إلا حق الدفاع عن النفس) ).

موقف الشريعة الاسلاميه:ومن ناحية شرعيه فان نبذ العنف واستخدام الوسائل السلميه فى التعبير يدخل  فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ و عموم النهى عن الافساد فى الارض﴿إنما جزاءالذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾َ.لكن الشريعه تبيح استخدام القوه في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي وبشروط ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾( الحج(39. وروى أبو داوود في سننه عن سعيد بن زيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم  قال : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله أو دمه أو دون دينه فهو شهيد )  . كما أجمع  الفقهاءعلى حق الدفاع الشرعي ، لدفع الخطر غير المشروع عن الأعراض أو المال أو النفس ، وان اختلفوا في اللفظ الدال على هذا الحق ، وفي تكييف الخطر المنصب على هذا الحق . فقال الأحناف ( دم المدفوع هدر ولا شئ بقتله بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم) (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أبطل دمه لأنه باغياً )( الزيلعي –تبين الحقائق  – ج6 /110 .) . وقال الحنابلة: ( دم المدفوع هدر ، وهو إلى النار) ( الشويكي –التوضيح – ج2/162 )
وقال الشافعية : ( إن الصائل يجوز دفعه )( الخطيب الشربيني –مغني المحتاج – ج4/ 194 )وقال المالكية : ( جاز دفعه بالقتل وغيره ) (الدردير –الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه – ج4/356 –357 ).
كما ان حق الدفاع الشرعي ليس مقصور الاستخدام في مواجهه أفراد او جماعات خارجه عن القانون فقط ، بل أيضا في مواجهه نظم سياسيه استبداديه غير ملتزمة بالقانون، يقول ابن العربي فى معرض عرضه لأقوال علماء المالكية فى قضيه جواز خلع السلطان الجائر( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما، إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن) .
المفاضلة  بين  استخدام القوه الذاتية والاستعانة بقوه خارجية: كما ان تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي استخدام القوه: استخدام القوه الذاتية والاستعانة بقوه خارجية ، إنما يتحقق من خلال تقديم استخدام القوه الذاتية على الاستعانة بقوه خارجية زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار استخدام القوه الذاتية هو الأصل فى استخدام القوه ، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر امكانيه التزام به، بينماالاستعانة بقوه خارجية هو الفرع،وبالتالي فان الالتزام به إلا  يكون إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام استخدام القوه الذاتية.

موقف القانون الدولي: ومن المعلوم ان الأمم المتحدة قد وضعت مبدأ عدم تدخلها في الأعمال ، التي تكون في صميم السلطان الداخلي للدول، إلا في حالة تطبيق تدابير القمع إذا اقتضى الأمر تطبيقها،غير ان الولايات المتحدة الأميركية قد تعسفت في استعمال هذا الاستثناء، خاصة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي،غير ان ادانه هذا التعسف لا يعنى رفض استخدام هذا الاستثناء بصوره شرعيه.

موقف الفقهاء: ومن ناحية شرعيه فانه رغم اتفاق الفقهاء على عدم الاستعانة بالاجنبى لمخالفته حكم ان الجهاد يكون فرض عين إذا دخل العدو ارض الإسلام، فان هناك العديد العلماء يبيحونه بشروط معينه للضرورة، وهم يستدلون بالعديد من الادله منها: أن أبا طالب كان يحمي الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من قريش .  . ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه”.وعرض ابن الدغنة على أبي بكر جواره، فقبله أبو بكر(ابن هشام ج1 ص 396).

مذهب المفاضلة: اما المذهب  القائم على تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي استخدام القوه  فيقوم على رفض استعانة بالاجنبى.إلا للضرورة المتمثلة فى حماية حياه المسلمين من الأذى الحال والخطر المباشر، الذى تتعرض له ، بعد عدم توافر امكانيه تحقيق ذلك بواسطة أهل البلد المعين خاصة والمسلمين عامه، وذلك استنادا الى قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) ، بالاضافه إلى الادله السابقة. على ان لا يتجاوز ذلك إلى ما يمس مصلحه الدولة الاسلاميه المعينة ، ووحدتها وسلامه أراضيها ،وسيادتها على أرضها ،وذلك استنادا إلى قاعدة(الضرورة تقدر بقدرها)، حتى لا يتم تجاوز الاستخدام الشرعي لقاعدة الضرورة  المشار إليه أعلاه، والذي يقارب مفهوم الحماية الدولية للمدنيين في القانون الدولي المعاصر، إلى الاستخدام غير الشرعي للقاعدة، والمتمثل في اتخاذ قاعدة الضرورة  كذريعه للتبرير التدخل الاجنبى الذى يمهد للتبعية، وهو ما يعنى اعتبارالاستعانه بقوه خارجية هو الأصل .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s