مفهوم الوسطية : ضوابطه المنهجية وتطبيقاته العملية

تعريف المفهوم: الوسط لغة له عده معنى منها : ماله طرفان متساويا القدر(مفردات الراغب/ مادة وسط/ص869)،والعدل (القاموس المحيط /ص893)،وخيار كل شيء (ابن أبي الحديد /شرح النهج /ج17/ ص29)،والمعتدل من كل شيء( المعجم الوسيط /ج2 /ص1030 )
أما الوسط اصطلاحا فقد ورد  أيضا بعده معاني منها : ما بين طرفي الشيء ومن ذلك قوله تعالى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238]،والتوسط بين الإفراط والتفريط ( ابن جرير الطبري :3 / 242)،والخيار الأجود (ابن كثير : 1 / 275)، واعتبار الشىء بين الجيد والرديء كما فى قوله تعالى { من أوسط ما تطعمون به أهليكم } (المائدة: 89 )… ومرجع تعدد نعريفات المفهوم هو تعدد الزوايا التى ينظر منها للمفهوم، وبالتالى فان العلاقه بين هذه التعريفات هى علاقه تكامل لا تناقض. والتعريف الذى نرجحه لمفهوم الوسطية منظور اليه من زاويه منهجيه، هو تعريفه بأنه الموقف القائم منهجيا على: رفض الوقوف إلي أحد الطرفين المتناقضين ” من جهة النفي “، وعلى الجمع والتأليف بينهما، من خلال محاوله إلغاء التناقض بين هذين الطرفين”من جهة الإثبات”.  وهو تعريف يتسق مع التعريفين الأولين للمفهوم فى لغة وفى الاصطلاح.

 أدله المفهوم : وقد وردت الاشاره إلى المفهوم فى العديد من النصوص كما فى قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾( الفرقان:67)،وقوله تعالى (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا  ). وفى الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الأَوْسَطِ فَقَالَ:( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ) ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآَيَةَ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾،ونقل عن  علي بن ابى طالب (رضي الله عنه) قوله: (عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل ) ( أبو عبيد / غريب الحديث).كما أشار العلماء إلى المفهوم يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) (مدارج السالكين :2/496( .

انماط المفهوم:

وطبقا  لتعريفه المنهجي فان لمفهوم  الوسطية  ثلاثة انماط هى :

النمط الاول:التسوية: وموضوعه المفاهيم بما هي حلول نظريه لمشاكل يطرحها واقع معين ، و يقوم على الجمع بين طرفين (مفهومين) ،على وجه يرفع التناقض بينهما، من خلال على التأكيد على القيمة المتساوية لهما، فيجعل العلاقة بينهما علاقة تأثير متبادل، ولا يؤكد على طرف (مفهوم) ليلغى أخر،وفى حاله قوله باولويه طرف(مفهوم) على آخر ، فإنه يقصد بالاولويه اولويه ترتيب زماني لا اولويه تفضيل قيمي.

النمط الثاني:التفاضل” المفاضلة”: وموضوعه الأفعال بما هي محاوله لتنفيذ الحل المعين فى الواقع،و يقوم على الجمع بين طرفين(فعلين) ،على وجه يرفع التعارض(التناقض) بينهما،من خلال التقديم والتأخير (الزمانى والقيمى)، وطبقا لضوابط موضوعيه مطلقه ” مصدرها النصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة”،بهدف جلب المنافع ودفع المفاسد ،التي قد تترتب على هذين الفعلين او عدم الجمع بينهما، ما أمكن. وقد أشارت الكثير من النصوص إلى مفهوم المفاضلة كقوله تعالى(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(التوبة: 19( . وقوله صلى الله عليه وسلم(الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)(مسلم).كما أشار إليه العلماء، يقول ابن تيمية ( وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشرالشرين.. وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات)(الفتاوى 10/512(ويقول الغزالي )وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور( (الإحياء 3/403.).

النمط الثالث:التحديد: وموضوعه الأوامر الالهيه بأشكالها التكليفيه (الاوامر والنواهي التي وردت فى الوحي)والتكوينية(السنن الالهيه (الكلية والنوعية) ، التي تضبط حركه الوجود الطبيعي(المسخر) والانسانى(المستخلف) ،ويقوم على الجمع بين الأمر التكليفي والأمر التكويني،من خلال جعل العلاقة بينهما علاقة تحديد وتكامل، اى ان الأمر التكليفي يحد الأمر التكويني( كما يحد الكل الجزء ) فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، يقول ابن تيميه (ان الله بعث محمدا بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قاعدة عامه تتناول انواعا كثيرة ،وتلك الأنواع تتناول أحيانا جزئيات، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطه بأحكام أفعال العباد )(الفتاوى، المجلد الاول، ص 410).وبناءا على هذا فان العلاقه بين الامر التكليفى والتكوينى تصبح هنا علاقه وحده(لا خلط) وتمييز( لا فصل).

التطرف: وطبقا لتعريفات المفهوم وانماطه السابقه الذكر فان الوسطيه هى نقيض التطرف ، فالتطرف لغه مجانبه الوسط والانحياز إلي الطرف( المعجم الوسيط)،و اصطلاحا الوقوف إلى احد الطرفين المتناقضين ، اى المبالغة في التأكيد على طرف معين لدرجه إلغاء الأطراف الأخرى ، ومرجع ذلك أنها تحول هذا الطرف او ذاك إلى مطلق اى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره . والتطرف مرادف  للغلو، وهو لغة مجاوزة الحد ، ومنه غلا السعر، وغلا القدر( لسان العرب، 15/134، مادة غلا) ، اما اصطلاحا فالغلو هو المبالغه والتشدد فى التدين التى يلزم منها تجاوز ضوابط الدين ذاته ، يقول الحافظ ابن حجر (الغلو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد)،وقد وردت العديد من الادله التى تفيد النهى عن التطرف او الغلو قال تعالى:﴿ كما فى قوله تعالى( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ (المائدة: 66). و وقوله صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فانه أهلك من قبلكم الغلو في الدين) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، واللفظ له عن ابن عباس مرفوعاً ).

تطبيقات المفهوم:

أولا: نماذج من وسطيه التسوية:

ا/ مشكله العلاقة بين الفرد والجماعة: فالفكر الاجتماعى الاسلامى،على مستوى اصوله الثايته ،واتساقا مع مفهوم الوسطيه ،يتجاوز الفردية التي تؤكد على وجود الفرد لتلغى وجود المجتمع،كما فى قوله صلى الله عليه وسلم(انما ياكل الذئب من الغنم القاصيه)، كما يتجاوز الجماعية التي تؤكد على وجود الجماعة  لتلغى الوجود الفردي كما فى قوله صلى الله عليه وسلم(لا يكن احدكم امعه ، يقول انا مع الناس، ان احسنوا احسنت وان اساؤوا اسات، بل وطنوا انفسكم، ان احسن الناس ان تحسنوا،وان اساؤوا ان تجتنبوا اسائتهم)،ودعي إلى فلسفه اجتماعيه  توفق بين الفرد والجماعة ،فالمجتمع بالنسبة للفرد بمثابة الكل للجزء لا يلغيه بل يحدده فيكمله ويغنيهكما فى قوله صلى اللع عليه وسلم (مثل المسلمين فى توادهم وتراحمهم  كمثل الجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى). غيرأن المجتمعات المسلمة قد انزلقت إلى الجماعية القبلية، كنتيجه لتخلف النمو الاجتماعى لهذه المجتمعات ، كمحصله لعوامل داخليه(كالجمود) وخارجيه(كالاستعمار) متفاعله.

ب/ مشكله الوحدة والتعددية :كما ان الفكر الاجتماعى الاسلامى ،على مستوى اصوله الثابته، واتساقا مع مفهوم الوسطيه، يتجاوز مذهبى الوحده الطلقه والتعدد المطلق . ويقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد، فهو يؤكد على وحده المجتمع بتقريره لقاعده مساواة كما فى قوله صلى الله عليه وسلم ” الناس سواسيه كاسنان المشط”، وكما يؤكد على التعددية وحرية الافراد المكونين له،بتقريره لقاعده الحريهما فى قوله تعالى” لا اكراه فى الدين”.

أولا:الوحدة :

المستوى التكويني : يتمثل في تقرير الإسلام  وحدة الكون ووحدة البشر ، بمعنى وحدة الأصل البشرى،  المساواة بين إفراده ، بخضوع كل الناس لذات السنن الالهيه الكلية والنوعية  التي هي إظهار لأراده الله ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ﴾ (الحجرات:13) .                                               

المستوى التكليفي : يتمثل في تقرير مفهوم وحده الدين بمعنى وحده مصدر كل الأديان السماوية (الله تعالى) ، واْن  الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفيا أو إلغاءا  لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره آخر واْرقي مراحل الوحي،فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه ﴿ مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه﴾  ( المائدة:48) بخلاف نظريه وحده الأديان التي رفضها علماء أهل السنة، والتي ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي فان علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي  انتفاء  الموضوعية .

ثانيا: التعددية:

المستوى التكويني : يتمثل في تقرير القران التعدد كسنه إلهيه﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمه واحده﴾ ( المائدة:48) ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم:22) وهي سنة التعدد التي أشار إليها القرآن﴿ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ﴾ ( الشورى : 8), ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾  ( النحل: 97) , وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان ﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم ﴾ ( الرعد: 30) ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء﴾ ( الأنعام: 42) , كما أنه مضطرد في المكان﴿ وقطعناهم في الأرض أمما﴾  ( الأعراف: 168)  ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ ( هود: 48).

المستوى التكليفى: ويتمثل في تقرير تعدد الشرائع. بناءا على هذا اقر الإسلام تعدد الانتماء الديني في الامه الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحده  الامه لذا نجد في القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة بين المنتمين إلي أديان متعددة في أمه واحده،فهو يدعو أهل الكتاب إلي ما هو مشترك في الأديان السماوية لا التخلي  عن دينهم والانتماء إليه فهو يدعوهم معه لا يدعوهم إليه﴿  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ﴾(آل عمران:64) وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول أيهم اصح عقيدة دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾(العنكبوت:46). غير انه ظهر فى المجتمعات المسلمه، فى مراحل تاليه مذاهب تدعو للوحده المطلقه على مستوى التكليفى والتكوينى، بانكار التعدد كسنه الهيه، كمظهر من مظاهر التطرف الذى ظهر فى هذه المجتمعات، نتيجه لعوامل تربويه ونفسيه وسياسيه واقتصاديه واجتماعيه متفاعله.

ثانيا: نماذج من وسطيه التفاضل:

مفهوم الوسطية وقضايا التغيير السياسي: اتساقا مع مفهوم الوسطية ، فان الفكر السياسي الاسلامى المعاصر، على مستوى فروعه الاجتهادية المتغيرة،المقيدة بأصوله النصية الثابتة ،مدعو  للجمع بين ان انماط التغيير المتناقضة ، على وجه يرفع التناقض بينهما، من خلال مفهوم المفاضلة، اى من  تقديم نمط تغيير معين على نمط تغيير أخر رمانيا وقيميا، وذلك باعتبار  نمط التغيير الاول هو الأصل، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر امكانيه التزام به، بينما نمط التغيير الثاني هو الفرع،وبالتالي عدم الالتزام به إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بنمط التغيير الاول.

ا/ مفهوم الوسطية والمفاضلة بين الإصلاح والثورة : فتطبيق مفهوم المفاضلة( كنمط  للوسطية)على نمطي  التغيير: التغيير التدريجي الجزئي اى الإصلاح ،والتغيير الفجائي الكلى اى الثورة، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما ، على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم الإصلاح على الثورة رمانيا وقيميا، وذلك باعتبار  الإصلاح هو نمط التغيير الأصل، وبالتالي الالتزام به ، ما دامت تتوافر امكانيه التزام به، بينما الثورة هي نمط التغيير الفرع،وبالتالي فان الالتزام بها إلا يكون إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بالإصلاح.

ومرجع ذلك ان التغيير كسنه إلهيه قائم على السببية ، اى تحقق المسبب (الأثر) بتحقق السبب(العلة)، وتخلفه بتخلف السبب (العلة) .  وبناءا على هذا فان  سنه التغيير الالهيه يمكن تعويق فاعليتها (بعدم الالتزام بأسبابها وعللها) ، ولكن لا يمكن الغاء حتميتها( اى لا يمكن إلغاء علاقة التلازم بين عللها وأثارها )، وبناءا على هذا فان للتغيير نمطين :

الإصلاح: النمط الاول  هو الإصلاح ، وهو نمط التغيير الأصل في منهج التغيير الاسلامى، لأنه تعبير عن اضطراد التغيير كسنه إلهيه ،فهو يتصف بالاستمرارية، كما انه تعبير عن المشاركة كسنة إلهية تضبط العلاقة بين الناس مضمونها تبادل العلم بمشكلة مشتركة ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمشكلة ، وقد عبر القران عنالمشاركه بمصطلحات ايجابيه كالتأليف(واذكروا نعمه الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )(13: آل عمران) والتعاون( وتعاونوا على البر والتقوى )(2: المائدة) و الموالاة(المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(7: التوبة) . وردت الاشاره إلى مصطلح الإصلاح فى القران الكريم كما في قوله تعالى (ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت)(هود:88)، والمفهوم الاسلامى للإصلاح هو التغيير  من خلال نظام قانوني تتوافر  فيه امكانيه التغيير ، فهو يتم من خلال نظام قانوني تتوافر له الشرعيه التكليفيه (نظام قانوني اسلامى)والتكوينية( السلطة فيه جاءت من خلال بيعه  صحيحة باعتبارها عقد اختيار لم يدخله اجبار، وهى نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها)، فهو شكل من اشكال مراقبه السلطة.

 ومن ادله الإصلاح اى التغيير التدريجي  السلمي وأولويته كنمط التغيير قوله صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس بعد ذلك من الإيمان شيء) (صحيح مسلم رقم 78).

ويأخذ الإصلاح كنمط للتغيير اشكال عده أهمها التقويم الذى عبر عنه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). والتقويم يعبر عن موقف يتجاوز كل من موقفى الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على اخذ  وقبول الصواب، ورد ورفض الخطا،  فهو نقد للسلطة لتقويمها اى بهدف الكشف عن أوجه قصورها عن أداء دورها .

 ومن أشكال الإصلاح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه … بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيءممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
الثورة : والنمط الثاني هو الثورة ، وهو نمط التغيير الفرع فى منهج التغيير الاسلامى، لأنه يجئ كمحصله لمحاوله تعويق فاعليه سنه التغيير إلهيه.فهو يتصف بالمرحلية ( ذو طبيعة انتقاليه)، ولانه تعبير عن الصراع الذى يوجد عند تعطل فاعليه المشاركة كسنه إلهيه ، فهو عقبه أمام التطور الاجتماعي من خلال حل المشاكل المتجددة وغايته إلغائه ، وقد.وردت الاشاره إلى مصطلح الثورة بمعناه اللغوي اى القلب  فى القران الكريم  كما فى قوله تعالى(لا ذلول تثير الأرض)(البقرة:71) أما المفهوم الاسلامى للثورة فهو  التغيير خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر فيه امكانيه التغيير. فهو تغيير فجائي وكلى يتم خارج إطار نظام قانوني لا تتوافر له الشرعيه التكليفيه والتكوينية ، ورغم استخدام بعض المتقدمين لمصطلح الثورة فى التاريخ الاسلامى إلا انه قد عبر عن الثورة بمصطلحات أخرى كخلع السلطان الجائر.

 موقف آهل السنة من الثورة: وقد اتفق أهل السنة على وجوب الإصلاح( التقويم والنصح…) كنمط تغير أصل، كما اتفقوا على وجوب الثورة كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعيه التكليفيه( ككفر الحاكم او عدم التزامه بالشرع مع إنكاره له) لورود النصوص الدالة على ذلك  ومنها عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)( صحيح البخاري رقم 6647)، ولكنهم اختلفوا فى الثورة كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعيه التكوينية( كالبيعة التي يدخلها إجبار او الحاكم الجائر) إلى مذهبين :المذهب الاول (المنع) : يمنع الثورة على الحاكم الجائر ، يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28  
 المذهب الثاني (الإيجاب) :  يرى إيجاب الثورة  على الحاكم الجائر ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية ) من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة). ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311). ومن الواضح ان كل مذهب من هذين المذهبين، قد أسسه أصحابه ، بناءا على تقديرهم بتوافر امكانيه الإصلاح فى النظام القانوني المعين او عدم توافرها ، فالمذهب الاول أسسه أصحابه بناءا على تقديرهم بتوافر امكانيه الإصلاح فى النظام المعين، بينما المذهب الثاني(إيجاب الثورة)أسسه أصحابه بناءا على تقديرهم  عدم توافر امكانيه الإصلاح فى النظام المعين، وبناءا على ذلك فان المذهب الاول يصح الاستدلال به فى حاله توافر امكانيه الإصلاح فى النظام المعين أما المذهب الثاني فيصح الاستدلال به فى حاله عدم توافر امكانيه الإصلاح فى النظام المعين .

هذا الموقف السابق بيانه يتجاوز مواقف تتطرف فى التأكيد على نمط تغيير معين لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر، ومن أمثلتها مذهب الخوارج ،الذى استنادا إلى مفهومه فى الخروج تطرف فى التأكيد على الثورة” الخروج على السلطان الجائر” كنمط تغيير ، لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر اى الإصلاح، وإيه هذا أنهم لم يميزوا فى خروجهم بين نظم قانونيه شرعيه وأخرى غير شرعيه (مثال للأولى خلافه على ابن أبى طالب”رضي الله عنه”ومثال للثانية كثير من خلفاء الدولة الامويه)،فهم لم يميزوا بين التمرد والثورة .ومن أمثلتها أيضا قطاع من العلماء يرى شرعيه السلطة التي لم تجىْ من خلال بيعه صحيحة، باعتبارها عقد اختيار لم يدخله إجبار، وتستبد بالسلطة دون الجماعه، بدلا من ان تكون نائب ووكيل عنها، لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها ،ويرفض التغيير بأنماطه المختلفة (الإصلاح والثورة)، لذا أطلق عليهم اسم علماء السلطان. ويستند هذا القطاع من العلماء فى موقفه هذا إلى عدد من الادله هامها النصوص الدالة على وجوب طاعة أولى الأمر كقوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم)،غير ان  طاعة أولى الأمر فى الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه كما يلزم من  مذهبهم ، بل هي مشروطة بعدم معصيه الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس  إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) .والقول بالطاعة المطلقه للحاكم يتنافى مع مفهوم التوحيد والذي يلزم منه اسناد الحاكميه -السيادة (السلطة المطلقه ) لله تعالى. وهو مذهب مخالف للإسلام.
وهذا الموقف فى تصورنا يفارق موقف أهل ألسنه بمذهبيهم، ويقارب موقف فرقه المرجئه المبتدعه، والتي تفصل بين الإيمان والعمل،ويترتب على مفهومها فى الإرجاء رفض التغيير بأنماطه المتعددة(الإصلاح والثورة).

ب/مفهوم الوسطية و المفاضلة  بين السلمية واستخدام القوه: كما ان تطبيق مفهوم المفاضلة(كنمط للوسطية) على نمطي الثورة: السلمية واستخدام القوه، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما،على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم الأساليب السلمية على استخدام القوه زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار الأساليب السلمية هي الأصل، وبالتالي الالتزام بها ما دامت تتوافر امكانيه التزام بها، بينما استخدام القوه هو الفرع،وبالتالي فان الالتزام بها إلا  يكون إلا فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بالأساليب السلمية.استنادا إلى ما سبق ،فان المذهب  القائم على تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي الثورة، يقوم على التأكيد علىاستخدام الوسائل السلمية في التغيير، و نبذ العنف إلا  للضرورة المتمثلة في الدفاع عن النفس وبشروط ، ذلك ان اباحه استعمال العنف في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي، هو ما تقره كل الأعراف والقوانين المحلية والدولية والشرائع السماوية.

 موقف الشريعة الاسلاميه:ومن ناحية شرعيه فان نبذ العنف واستخدام الوسائل السلميه فى التعبير يدخل  فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ و عموم النهى عن الافساد فى الارض﴿إنما جزاءالذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾َ.لكن الشريعه تبيح استخدام القوه في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي وبشروط ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾( الحج(39. وروى أبو داوود في سننه عن سعيد بن زيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم  قال : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله أو دمه أو دون دينه فهو شهيد )  . كما أجمع  الفقهاءعلى حق الدفاع الشرعي ، لدفع الخطر غير المشروع عن الأعراض أو المال أو النفس ، وان اختلفوا في اللفظ الدال على هذا الحق ، وفي تكييف الخطر المنصب على هذا الحق . فقال الأحناف ( دم المدفوع هدر ولا شئ بقتله بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم) (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أبطل دمه لأنه باغياً )( الزيلعي –تبين الحقائق  – ج6 /110 .) . وقال الحنابلة: ( دم المدفوع هدر ، وهو إلى النار) ( الشويكي –التوضيح – ج2/162 )
وقال الشافعية : ( إن الصائل يجوز دفعه )( الخطيب الشربيني –مغني المحتاج – ج4/ 194 )وقال المالكية : ( جاز دفعه بالقتل وغيره ) (الدردير –الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه – ج4/356 –357 ).
كما ان حق الدفاع الشرعي ليس مقصور الاستخدام في مواجهه أفراد او جماعات خارجه عن القانون فقط ، بل أيضا في مواجهه نظم سياسيه استبداديه غير ملتزمة بالقانون، يقول ابن العربي فى معرض عرضه لأقوال علماء المالكية فى قضيه جواز خلع السلطان الجائر( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما، إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن) .

هذا المذهب يتجاوز مذهب اخرى تتطرف فى التاكيد على احد نمطى الثوره(السلميه او استخدام القوه) ومن امثلتها بعض الجماعت المغاليه التى تبيح استخدام القوه استخداما مجردا من اى ضوابط شرعيه. ومن امثلتها بعض المذاهب التى ترفض اسخدام القوه باى شكل من الاشكال تاثرا ربما بمذاهب اجنبيه.

ج/مفهوم الوسطيه والمفاضلة  بين  استخدام القوه الذاتية والاستعانة بقوه خارجية: كما ان تطبيق مفهوم المفاضلة(كنمط للوسطيه)على نمطي استخدام القوه: استخدام القوه الذاتية والاستعانة بقوه خارجية ، إنما يتحقق من خلال تقديم استخدام القوه الذاتية على الاستعانة بقوه خارجية زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار استخدام القوه الذاتية هو الأصل فى استخدام القوه ، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر امكانيه التزام به، بينما الاستعانة بقوه خارجية هو الفرع،وبالتالي فان الالتزام به إلا  يكون إلا فى حاله عدم توافر امكانيه استخدام القوه الذاتية.

موقف الفقهاء: ومن ناحية شرعيه فانه رغم اتفاق الفقهاء على عدم الاستعانة بالاجنبى لمخالفته حكم ان الجهاد يكون فرض عين إذا دخل العدو ارض الإسلام، فان هناك العديد العلماء يبيحونه بشروط معينه للضرورة، وهم يستدلون بالعديد من الادله منها: أن أبا طالب كان يحمي الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من قريش .  . ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه”.وعرض ابن الدغنة على أبي بكر جواره، فقبله أبو بكر(ابن هشام ج1 ص 396).

مذهب المفاضله: اما المذهب  القائم على تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطى استخدام القوه  فيقوم على: رفض استعانة بالاجنبى.الا للضروره المتمثله فى حماية حياه المسلمين من الأذى الحال والخطر المباشر، الذى تتعرض له ، بعد عدم توافر امكانيه تحقيق ذلك بواسطة أهل البلد المعين خاصة والمسلمين عامه، وذلك استنادا الى قاعده (الضرورات تبيح المخحظورات) ، بالاضافه إلى الادله السابقه وغيرها من الادله. وعلى ان لا يتجاوز ذلك إلى ما يمس مصلحه الدولة الاسلاميه المعينة،ووحدتها وسلامه أراضيها ،وسيادتها على أرضها،وذلك استنادا إلى قاعدة(الضرورة تقدر بقدرها).حتى لا يتم تجاوز الاستخدام الشرعي لقاعدة الضرورة المشار إليه أعلاه، والذي يقارب مفهوم الحماية الدولية للمدنيين في القانون الدولي المعاصر، إلى الاستخدام غير الشرعي للقاعدة، والمتمثل في اتخاذ قاعدة الضرورة  كذريعه لتبرير التدخل الاجنبى الذى يمهد للتبعية، وهو ما يعنى اعتبارالاستعانه بقوه خارجيه هو الاصل .

بين التبعيه والاستعمار: فهذا المذهب اذا يتجاوز موقفين من العلاقه بين الاستعمار والاستبداد ،يتطرف الاول فى التركيز على مشكله الاستعمار الخارجي، ويتجاهل – او يقلل من أهميه- مشكله الاستبداد الداخلي،وهو موقف مرفوض لأنه يستغل مشكله الاستعمار لتبرير الاستبداد . أما الثاني فيتطرف فى التاكيد على مشكله الاستبداد الداخلي ، ويتجاهل – او يقلل من أهميه-مشكله الاستعمار الخارجي، وهو موقف مرفوضلانه يستغل مشكله الاستبداد لتبرير التبعيه. أما  الموقف الصحيح فهوالموقف الذى يرفض التركيز على احد المشكلتين وتجاهل الأخرى، ويربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي،باعتبار ان الاول هو قيد داخلي على حرية الشعوب ، بينما الثاني هو قيد خارجي عليها. فالاستبداد هو قيد داخلي على حرية الشعوب لأنه انفراد اقليه (فرد او فئة) بالسلطة دون الشعب .والاستعمار هو قيد خارجي على حرية الشعوب لأنه استيلاء شعب على إمكانيات شعب أخر وتسخيرها لخدمة مصالحه.  

ثالثا: نماذج من وسطيه التحديد:

مشكله العلاقة بين الدين والدولة: والفكر السياسي  الاسلامى،على مستوى أصوله الثايته ،واتساقا مع مفهوم الوسطية،يتجاوز مذهبين  فى تحديد طبيعة العلاقة بين السلطتين الروحية (الدينية)والزمنية(السياسية)،يتطرف كل منهما فى التأكيد على احد هاتين السلطتين لدرجه الغاء السلطه الاخرى :

الاول :الثيوقراطيه ومذهب الكهنوتية: المذهب الاول يؤكد على السلطة الروحية(الدينية) لكنه يتطرف فى هذا التأكيد لدرجه الغاء السلطة الزمنية (السياسية)، وهو الأمر الذى ادى به الى ان يجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق وخلط،ويتمثل في الثيوقراطيه اى الدولة الدينية بالمفهوم الغربي،ومن أشكالها نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه.هذا التصور مرفوض إسلاميا لأنه يودى إلى  تحويل المطلق عن قيود الزمان والمكان(الدين)، إلى محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما(الدولة أو السلطة)، أو العكس اى تحويل ما هو محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما (الدولة) إلى مطلق، اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان ، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله  والاجتهاد الذي جعله حقا للناس.
ومضمون هذا المذهب إسناد السلطة الدينية (و السياسية) إلى فرد أو فئة ، ينفرد او تنفرد بها دون الجماعة( رجال الدين او الكهنوت). وهو مذهب مرفوض في الإسلام، قال تعالى(واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ،بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.
الثانى: الليبرالية ومذهب العلمانية: المذهب الثاني يؤكد على السلطة الزمنية(السياسية) لكنه يتطرف فى هذا التأكيد لدرجه الغاء السلطة الروحية (الدينية)، وهو الأمر الذى أدى به الى ان يجعل العلاقة بينهما علاقة فصل ،ويتمثل في  العلمانية التي كانت في الأصل جزء من الديانة المسيحية ،تحولت إلي تيار فكرى معين ،ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم ، انتهى إلي أقامه نظام علماني في موقفه من الدين، فردى في موقفه من المجتمع، راسمالى في موقفه من الاقتصاد،  ليبرالي في موقفه من الدولة ،كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية، سادت أوربا نحو سبعه قرون. وبناءا على هذا فانه بالاضافه إلى أن هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي للمشكلة كما سنوضح ،فان جوهر الدعوة إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع)، بالقيم والآداب والقواعد الغربية ، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية (التغريب).ومضمون هذا المذهب هو فصل السلطة الدينية (الروحية) لرجال الدين(الكنيسة)، عن السلطة السياسية التي يسندها إلى الشعب.
مذهب الاستخلاف العام : وفى ذات الوقت فان الفكر السياسي  الاسلامى،واتساقا مع مفهوم الوسطية، يقوم على الجمع بين السلطتين الدينية والسياسية ، من خلال مذهب الاستخلاف العام الذى يجعل العلاقة بينهما علاقة وحدة وارتباط (لا خلط او تطابق كما فى الثيوقراطيه) ،وتمييز (لا فصل كما فى العلمانية) ،فهي علاقة وحده( لا خلط او تطابق) لان السلطة في الإسلام  محدودة (مقيده) بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا ،وبالتالي لا يباح تجاوزها، والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام، والتي تسمى باصطلاح القران الحدود ،إذا هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( البقرة: 229) ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ .(البقرة187).كما أنها علاقة تمييز( لا فصل) لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد، والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾.ثبت في صحيح مسلم عن حديث بريدة بن الحصيب قوله (صلى الله عليه وسلم) “إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك”.ولما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر” فقال: لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ومضمون هذا المذهب هو إسناد كل من السلطتين الدينية والسياسية للجماعة(الشعب) بموجب عموم الاستخلاف(وهنا يتحقق الجمع بين السلطتين)،
فالسلطة الدينية (الروحية) (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾،لذا فان في الإسلام علماء بالدين وليس به رجال دين،والفارق بين المصطلحين ان المصطلح الاول يفيد التخصص، بينما الثاني يفيد الانفراد، ،وهو ما يعنى ان هناك وسيط بين الإنسان وخالفه (وإذا ساْلك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني).
والسلطة السياسية التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر مخوله  بموجب الاستخلاف العام أيضا للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 ).ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s