مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: مجالاته وضوابطه ووسائله

مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: مجالاته وضوابطه ووسائله

د.صبري محمد خليل أستاذ بجامعه الخرطوم(تخصص فلسفه القيم الاسلاميه) sabri.khalil@hotmail.com

تعريف المفهوم:ورد إيجاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى العديد من النصوص كقوله تعالى( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..) (آل عمران: 110)، وقوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)،وقوله تعالى(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، وقوله صلى الله عليه وسلم:(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (رواه مسلم) ،وقوله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله عز وجل أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)( رواه الترمذي وحسنه ). أما عن حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقد قال اغلب العلماء ان  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، لو قام به البعض سقط عن الآخرين، ولو لم يقم به احد أثم الجميع، يقول الإمام النووي:(والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف ، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر وتقصير في المعروف)( شرح النووي على صحيح مسلم: 1/215).

مفهوم السلطة الدينية (الروحية):والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو المصطلح الاسلامى المقابل لمصطلح السلطة الروحية او السلطة الدينية فى الفكرالسياسى الغربي الحديث والمعاصر، وطبقا للتصور الاسلامى فان هذه السلطة الدينية (الروحية) (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، اما اى جماعه من المسلمين فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)، فليس فى الإسلام رجال دين ولكن به علماء دين . وهذا يعنى رفض التصور الاسلامى للكهنوتبه التي تعنى  إسناد السلطة الدينية (و السياسية) إلى فرد أو فئة ، ينفرد او تنفرد بها دون الجماعة( رجال الدين). يقول تعالى(واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ،بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم .

مفهوم التغيير:كما ان مفهوم الأمر بالمعرف والنهى عن المنكر فى الإسلام، هو تأكيد على إقرار المنهج الاسلامى للتغيير كسنه إلهيه كليه، على المستوى التكويني، وتحديدها بضوابط يصبح بها نمو من خلال اضافه قيميه، وليس مجرد نمو ، فهو تغيير من المنكر إلى المعروف،على المستوى والتكليفى.  والتغير لغة اشتقاق من ماده (غَيَّرَ) والتي تدور على أصليْن: الاول إحْداث شيء لم يكن قبلَه. والثاني انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى (التعريفات، الجرجاني، باب التاء، مادة التغيير – التغير) و (لسان العرب، ابن منظور، حرف الراء، مادَّة غير).أما اصطلاحا فهو تحول بدون أضافه ( تغير)، او من خلال الاضافه(تغيير).

وقد اعتبر منهج المعرفة الاسلامى ان التغير هو سنه إلهيه كليه تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف: قال تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْخِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ)،وقال تعالى(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]. غير ان التغير كقانون نوعى يضبط حركه نوع معين من أنواع الوجود ، هو الذى يحدد لنا شرط فعالية التغير كقانون كلى فيه، فهو يأخذ شكل تحول بدون اضافه في الطبيعة المسخرة ( تغير) كما في الايه الأولى والثانية. كما يأخذ شكل تحول من خلال الاضافه عند الإنسان المستخلف( تغيير ) كما في الايه الثانية.

ويأخذ التغيير في منهج المعرفة الاسلامى شكل تكويني يتمثل في حل الإنسان لمشاكله المتجددة من خلال ثلاثة خطوات هي: المشكلة ، الحل ، العمل. وشكل تكليفي يحدد الشكل التكويني السابق فيكمله ولكن لا يلغيه، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته، حيث يحدد نوع المشاكل التي يواجهها الإنسان، وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها ،وأسلوب العمل اللازم لحلها.

ضوابط الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:وللأمر بالمعروف والنهى عن المنكر جمله من الضوابط أشارت اليها النصوص ، وتناولها العلماء  منها:

العلم: أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارفاً بالمعروف وبالمنكر، ولا أمر ولا نهي إلا بدليل شرعي صحيح، يقول ابن تيميه (فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده).

الرفق : اى الرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لقوله تعالى( ادْع إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )، وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شأنه).

أن لا يستلزم إنكار المنكر المعين منكراً أعظم: يقول ابن القيم ) إنما أوجب على الأمة إنكار المنكر ليحصل به المعروف الذي يحبه الله ورسوله ، ولكن إذا أفضى إنكار المنكر إلى حدوث آخر شر منه لم يجز ( ثم يقول ( إنكار المنكر أربع درجات : الأولى أن يزول ويخلفه ضده ، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله ، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة )( إعلام الموقعين: 3/4-5 ( ثم يقول مفصلا ذلك ( فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك . وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من تفرغهم لما هو أعظم من ذلك . وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع الضلال والسحرة فدعه وكتبه الأولى ، وهذا باب واسع ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه ونور ضريحه – يقول : مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله والصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.(

 التأثير: اى أن يغلب على ظن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ان الشخص الموجه له الأمر والنهى يحتمل التأثير(اى سيقوم بتغيير سلوكه).

الإصرار: أن يكون مرتكب المنكر أو تارك المعروف مصراً على عمله، فإذا ارتكب أحد منكراً ولكنه ندم من فعله وعزم على تركه، لم يجب نهيه عن المنكر.

لا إنكار فى المختلف فيه: لا إنكار إلا على ما ثبت تحريمه بنص يقيني الورود (من عند الله تعالى او الرسول) قطعي الدلالة(لا يحتمل التأويل )،لا يجوز مخالفته او الاتفاق على مخالفته، وأجمع على تحريمه، أما ما ثبت تحريمه بنص ظني الورود والدلالة(يحتمل التأويل)،فلا إنكار فيه،لأنه مبنى على الاجتهاد فمن أصاب فله أجران ومن أخطا فله اجر،  يقول الإمام النووي في روضة الطالبين: ( ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه؛ لأنه ليس كل مجتهد مصيبا، أو المصيب واحد لا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره، وإنما ينكرون على من خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا)، ويقول ابن قدامة: ( ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلوما من الدين كونه منكرا بغير اجتهاد، فكل ما هو محل اجتهاد فلا حسبة فيه، قال الإمام أحمد في رواية المروزي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم)
ان يكون المنكر ظاهر بلا تجسس: أن يكون المنكر ظاهرًا من غير تجسس.بدليل ان الحديث ناط المنكرالطلوب تغييره بالرؤية(من رأى منكم منكرا فليغيره) ،وبدليل العديد من النصوص التي تنهى عن التجسس كقوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)،وقوله صلى الله عليه وسلم ( إيّاكم والظّنّ , فإنّ الظّنّ أكذب الحديث , ولا تجسسوا , ولا تحسسوا . ولا تباغضوا , وكونوا عباد الله إخوانا ( (أخرجه البخاري ومسلم).

ان لا يقوم إنكار المنكر على الظن او يلزم منه التدخل فى الخصوصيات: ان لا يكون النهى عن المنكر قائم على الظن وهو اتهام الآخرين بدون سبب يوجب ذلك الاتهام ، لورود العديد من النصوص التي تنهى عن الظن ، كما فى النصوص السابقة، يقول الماوردى عن المحتسب(وإذا رأى وقفه رجل مع أمراه فى طريق سابل لم تظهر منهما إمارات لم يتعرض لهما بزجر ولا إنكار فما يجد الناس بد من هذا)(الأحكام السلطانية). وان لا يترتب على إنكار المنكر  التدخل فى الخصوصيات لورود العديد من الادله التي  تنهى عن التدخل فى الشئون الخاصة منها: قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم(  يقول ابن تيميه فى تفسير الايه (فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها المعنى الآخر، وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا، وإعراضه عما لا يعنيه، كما قال صاحب الشريعة: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، ولاسيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لاسيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة.وكذلك العمل، فصاحبه إما معتد ظالم، وإما سفيه عابث، وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ويكون من باب الظلم والعدوان) (مجموع الفتاوي14/291). ومن  الادله الحديث المشار إليه( مِن حُسنِ إسلامِ المَرء تَركُهُ ما لا يَعنيهِ )( رواه الترمذي وابن ماجه ).

الاستطاعة: اى ان تتوافر للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر امكانيه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بدليل قوله تعالى تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم)([التغابن:16)، والحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )

الانيه: اى ان يكون المنكر قائمًا في الحال،لان قيامه فى الماضي فيه احتمال توبة فاعله ،وبالتالي يمكن ان يندرج تحت باب “عفي الله عما سلف”، وقيامه فى المستقبل احتمالي، وبالتالي يمكن  ان يندرج تحت باب الظن المنهي عنه.

الولاية الشرعية: ويشترط فى تغيير المنكر باليد عند آحاد الناس،، ان يكون للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ولاية” سلطه” عامه او خاصة، نص عليها الشارع تعالى،او فوضها ولى الأمر الشرعي إليه(كما فى الاحتساب)، فتقريرالشريعه عموم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لا ينفى تحديدها لسلطات الإفراد والجماعات،لضمان عدم حدوث فوضى فى المجتمع، نتيجة تضارب السلطات ،ومحاوله آحاد الناس تطبيق القانون بأنفسهم.فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ، فكلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته )(تفق عليه )، وهذه الولاية الشرعية المشار إليها تندرج تحت مفهوم الاستطاعة فى الحديث :(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ويستثنى من ذلك استخدام القوه في حاله الضرورة او في حاله الدفاع الشرعي ،والذى إباحته الشريعة بشروط،يقول تعالى﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾( الحج(39، وروى أبو داوود في سننه عن سعيد بن زيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم  قال : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله أو دمه أو دون دينه فهو شهيد )، كما أجمع  الفقهاء على حق الدفاع الشرعي ، لدفع الخطر غير المشروع عن الأعراض أو المال أو النفس ، وان اختلفوا في اللفظ الدال على هذا الحق ، وفي تكييف الخطر المنصب على هذا الحق . فقال الأحناف (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أبطل دمه لأنه باغياً )(الزيلعي –تبين الحقائق  – ج6 /110 .) ، وقال الحنابلة: ( دم المدفوع هدر ، وهو الى النار) ( الشويكي –التوضيح – ج2/162 ) وقال الشافعية : ( إن الصائل يجوز دفعه )( الخطيب الشربيني –مغني المحتاج – ج4/ 194 )وقال المالكية : ( جاز دفعه بالقتل وغيره ) (الدردير –الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه – ج4/356 –357 )،كما ان حق الدفاع الشرعي ليس مقصور الاستخدام في مواجهه أفراد او جماعات خارجه عن القانون فقط ، بل أيضا في مواجهه النظم السياسية غير الشرعية، يقول ابن العربي فى معرض عرضه لأقوال علماء المالكية فى قضيه جواز خلع السلطان الجائر( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما، إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن) .

درجات “مراتب” تغيير المنكر: وهناك ثلاثة درجات ” مراتب” لتغيير المنكر هي التغيير باليد والتغيير باللسان والتغيير بالقلب ، كما فى الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

 مجالات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:وتتعدد مجالات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بتعدد مجالات الحياة، غير انه يمكن تحديد مجالين للأمر بالمعروف ولنهى عن المنكر تندرج تحتهما باقي المجالات هما :المجال العام ويشمل النشاط السياسي والاقتصادي والاعلامى… والمجال الخاص ويشمل سلوك الأفراد فى المجتمع، وإذا كان مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فى المجتمع الاسلامى الاول ، قد شمل المجالين لشيوع قيم الحرية و الشورى والعدل…فان المجتمعات المسلمة ، فى مراحل تاليه قد قصرت – فعليا والى حد كبير- مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،على المجال الخاص دون المجال العام، لانتفاء القيم السابقة وشيوع نقائصها من استبداد وظلم…نتيجة لعوامل متعددة متفاعله.

من وسائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

الإصلاح: من وسائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الإصلاح ،وهو لغة نقيض الإفساد (لسان العرب والصحاح )،أما الإصلاح اصطلاحا فقد ورد بعده معاني منها: ما يقابل الفساد﴿وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرضِ بَعْدَإِصْلاَحِهَا﴾ )الأعراف( 56:، ومحو التباغض بين المتخاصِمين: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ )البقرة: 224)… ومرجع تعدد تعريفات مفهوم الإصلاح على الوجه السابق بيانه هو تعدد الزوايا التي ينظر منها للمفهوم، وبالتالي فان العلاقة بين هذه التعريفات هي علاقة تكامل لا تناقض. والتعريف الذى نرجحه لمفهوم الإصلاح منظور إليه من زاويه منهجيه، هو تعريفه بأنه:تغيير تدريجي جزئي سلمى.

 وقد أشارت الكثير من النصوص إلى مفهوم الإصلاح بمعانيه المتعددة، وجعله القران جوهر رسالات السماوية ، فوصف به إبراهيم: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾(البقرة: 130)، وعيسى ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾)آل عمران(46: ،وشعيب ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[هود: 88

ويأخذ الإصلاح أشكال عده أهمها التقويم الذى عبر عنه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). والتقويم يعبر عن موقف يتجاوز كل من موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على اخذ  وقبول الصواب، ورد ورفض الخطا،  فهو نقد للسلطة لتقويمها اى بهدف الكشف عن أوجه قصورها عن أداء دورها .ومن أشكال الإصلاح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه … بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيءممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).

الثورة :  ومن وسائل إنكار المنكر وتغييره عند الكثيرين  الثورة، التي عبر عنها الفقهاء بمصطلح  خلع الحاكم الجائر، وهى تغيير فجائي وكلى، وقد اختلف أهل السنة فى حكمها إلى مذهبين :

المذهب الاول : يقول بالمنع ، يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28 ) . ويقول الإمام الأشعري( و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لا يخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين  323) . و هذا المذهب مبنى على  سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم ، والمتمثلة  فى الفتنه والفوضى التي  قد تلزم من خلعه، على المصلحة المتحققة من خلعه . يقول البزدوي ( إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم)( أصول الدين 190 ) يقول النووي ( قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) (شرح صحيح مسلم 12\229 [31)
المذهب الثاني:  يقول بالاباحه ،يقول الإمام الجصاص( وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن للجصاص 61 ).و ذكر ابن العربي  من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن).وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية ) من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة)ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي(الإنصاف للمرداوي 10 \ 311).

 ومن الواضح ان  الحكم بالمنع او الإيجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الاول كما ذكرنا قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثاني بالإيجاب فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم  من خلعه. وبناء على ما سبق فان الحكم بمنع او إيجاب الثورة على الحاكم الظالم او الفاسق هو اجتهاد لان مصدره قاعدة سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادر الشريعة التبعية ، و ليس أصل من اصول الدين، والتي لا يباح الخلاف  فيها، والتى مصدرها مصادر الشريعة الاصليه.

والمذهب الذى نرجحه هو المذهب الذى يقوم على الجمع بين المذهبين  السابقين، هو المذهب القائل بان الحكم بالمنع او الإيجاب إنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الجائر ، او المنفعة التي قد تتحقق من ذلك، وبالتالي الحكم بالمنع على درجاته (من كراه او تحريم) حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك، والحكم بالإيجاب على درجاته (من اباحه واستحباب ووجوب )حسب المصلحة التي قد تتحقق من ذلك. وذلك بتقسيم الحكم على الثورة إلى: أولا: حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق منها ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منها، دون المنع،  وبشرط الالتزام بجمله  من الضوابط ألتكليفيه والتكوينية منها: توافر القدرة لقوله تعالى ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ .واستخدام الوسائل السلمية فى التعبير ونبذ العنف إلا للضرورة المتمثلة فى الدفاع عن النفس ، لدخول ذلك فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ . وعدم اللجوء إلى التخريب لدخول ذلك فى عموم النهى عن الإفساد فى الأرض﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾. وعدم الاستعانة بالاجنبى ،إلا للضرورة المتمثلة فى حماية حياه المسلمين من الأذى الحال والخطر المباشر، الذى تتعرض له ، بعد عدم توافر امكانيه تحقيق ذلك بواسطة أهل البلد المعين خاصة والمسلمين عامه، لأنه إذا دخل العدو ارض الإسلام فان الجهاد يصبح فرض عين. والتوحد ونبذ التفرق لقوله تعالى﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾…. وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من منها ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منها،وذلك عند استحالة الالتزام بهذه الضوابط) ( وهو ما يعنى باصطلاح علم اجتماع الثورة انه لم تتوافر الشروط الذاتية للثورة رغم توافر شروطها الموضوعية).
تصحيح المفاهيم:

مفهوم الستر و الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: الستر لغة الإخفاء والتغطية، واصطلاحا إخفاء زلات الناس وعيوبهم.
وقد ورد إيجاب الستر على العصاه من المسلمين في جمله من النصوص منها : قوله صلى الله عليه وسلم (إنَّ الله -عز وجل- حَيِي ستبر، يحب الحياء والستر) (أبوداد والنسائي وأحمد). و قوله صلى الله عليه وسلم (لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) (أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا).غير أن الستر يجب أن يتم وفق جمله من الضوابط الشرعية، أشارت إليها النصوص ونبه إليها العلماء، وبها تصبح علاقة مفهوم الستر بمفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر علاقة تكامل، وبدونها تصبح علاقته به علاقة تناقض، فيتحول إلى تستر، أهم هذه الضوابط:  اولا:أن يكون العاصي  مستخفيا بمعصيته غير معروف بفعله للمنكرات ، أما المجاهر بالمعصية فلا ستر له ، يقول الإمام أحمد  (الناس يحتاجون إلى مداراة، ورفق في الأمر بالمعروف، بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً، معلناً بالفسق والردى، فيجب عليك نهيه وإعلامه).ثانيا:أن لا يترتب على المعصية ضرر لأحد غير العاصي.ثالثا:ان يكون المنكر مما لا يخشى فواته.رابعا:أن يكون الستر وسيلة لرجوع المستور عن معصيته و التوبة، أما إذا أصر على المعصية فيجب عدم ستره.خامسا:ان لا يمنع الستر من أداء الشهادة إذا طلبت لقوله تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) [البقرة: 283).سابعا: الستر مرهون برد المظالم، فإذا لم ترد فالساتر شريك للمستور عليه في ضياع حق الغير.ثامنا:وذكر الإمام النووي من أسباب إباحة الغيبة التي تدخل في باب عدم الستر: التظلم، الاستعانة على تغيير المنكر، الاستفتاء، تحذير المسلمين من الشر، اخذ العلم من مبتدع أو فاسق، المجاهرة بالمعصية.تاسعا: ان الستر لا يعنى ترك الإنكار على العاصي، بل البدء بالنصيحة كوسيلة للإنكار ، يقول ابن حجر في شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم “ومَن سَتَرَ مُسلِمًا”( أَي رَآهُ عَلَى قَبِيحٍ فَلَم يُظهِرهُ أَي لِلنّاسِ، ولَيسَ فِي هَذا ما يَقتَضِي تَرك الإِنكار عَلَيهِ فِيما بَينَهُ وبَينَهُ ,ويُحمَلُ الأَمرُ فِي جَوازِ الشَّهادَةِ عَلَيهِ بِذَلِكَ عَلَى ما إِذا أَنكَرَ عَلَيهِ ونَصَحَهُ فَلَم يَنتَهِ عَن قَبِيحِ فِعلِهُ ثُمَّ جاهَرَ بِهِ .. كَما أَنَّهُ مَأمُورٌ بِأَن يَستَتِرَ إِذا وقَعَ مِنهُ شَيء، فَلَو تَوجَّهَ إِلَى الحاكِمِ وأَقَرَّ لَم يَمتَنِع ذَلِكَ والَّذِي يَظهَرُ أَنَّ السَّترَ مَحَلّه فِي مَعصِيَةٍ قَد انقَضَت، والإِنكارَ فِي مَعصِيَةٍ قَد حَصَلَ التَّلَبُّس بِها فَيَجِبُ الإِنكارُ عَلَيهِ وإِلاَّ رَفَعَهُ إِلَى الحاكِمِ، ولَيسَ مِنَ الغِيبَةِ المُحَرَّمَةِ بَل مِنَ النَّصِيحَةِ الواجِبَةِ، وفِيهِ إِشارَةٌ إِلَى تَركِ الغِيبَةِ لأَنَّ مَن أَظهَرَ مَساوِئَ أَخِيهِ لَم يَستُرهُ)( فتح الباري (97:5) ) .عاشرا:كما استثنى العلماء من جملة الستر على العصاة  الحدود ، فإنها تستر على صاحبها وفق الضوابط ، ما لم تبلغ السلطان، فإنها لا تستر حينئذ, ودليله قوله  صلى الله عليه وسلم لاسامه : أتشفع في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ )(. أخرجه أحمد 6/41 والبُخَارِي 4/213 و5/29 )

نصيحة الحكام بين السرية والعلنية: فالنصيحة هي شكل من أشكال الإصلاح كوسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،غير ان هناك عده مذاهب فى سريه او علنية النصيحة:

مذهب سريه النصيحة: يرى وجوب سريه نصيحة الحكام ويحرم علنيتها استنادا الى العديد من النصوص أهمها  الحديث المنسوب لعياض بن غنم رضي الله عنه ، الذي جاء فيه جزءان  الجزء الاول منه: جلد عياض بن غنمٍ صاحب «دارا» حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول، حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام بن حكيم، فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض، ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشد الناس عذاباًأشدهم عذاباً في الدنيا للناس»؟اما الجزء الثاني: فقال عياض بن غنم: يا هشام بن حكيم! قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أو لم تسمع  رسول الله يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له»، وإنك يا هشام لأنت الجرىء إذ تجترىء على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى»,

مذهب علنية النصيحة :  يرفض سريه النصيحة وبرى وجوب علنيتها احتجاجا بان  الجزء الأول من حديث عياض فقط هو الصحيح باتفاق العلماء ، وأكدته رواية مسلم ، أما الجزء الثاني منه فيرى انه لا يحتج به لسببين الأول ضعف الرواية   .والسبب الثاني  هو تضافر الأدلة على علانية النصيحة منها  قوله تعالى على لسان نوح ـ عليه السلام ـ (ُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وأَنصَحُ لَكُمْ وأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62]. الأعراف: 93]. . والحديث المشهور (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

مذهب الجمع بين سريه النصيحة وعلانيتها: والمذهب الذى نرجحه هو الجمع بين سريه وعلانية نصيحة الحكام  لورود نصوص مطلقه من شرطي السرية و العلنية كقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة ، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) [مسلم ،ورود نصوص تفيد سريه النصيحة كقوله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك: (إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ) (متفق عليه). وأخرى تفيد علنيتها كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) (رواه البخاري) كما في قصة بني جذيمة.هذا الجمع يتحقق من خلال التمييز بين مراحل النصيحتين ومضمونها، اما من حيث مراحل النصيحة فيفضل ان يكون مبتدأ النصيحة السرية ، فإذا أصر المنصوح على خطاْه كانت علنيتها استئناسا بقوله تعالى ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولاَ لَهُ
قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(طه:43-44 ) فجعلت الايه بداية النصيحة القول اللين.

. اما من حيث مضمون النصيحة فيجب التمييز بين الشأن الخاص (الشخصي) والشأن العام، فيفضل سريه النصيحة فى الشأن الشخصي ، كما يفضل علنيتها فى الشأن العام ، ويمكن الاستئناس فى ذلك بتمييز  الإمام ابن تيمية بين من اظهر المنكر و من استتر بذنبه عندما سُئلَ عن حديث:‏ ‏(‏لا غيبة لفاسق) فقال(‏ أما الحديث فليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه مأثور عن الحسن البصري، أنه قال‏:‏ أترغبون عن ذكر الفاجر‏؟‏ اذكروه بما فيه يحذره الناس‏.‏ وفى حديث آخر‏:‏ من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له‏.‏ وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء‏.‏ أحدهما‏:‏ أن يكون الرجل مظهرا للفجور، مثل‏:‏الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة، فإذا أظهرالمنكر، وجب الإنكار عليه بحسب القدرة …‏ فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك‏.‏ فهذا معنى قولهم‏:‏ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له‏.‏ بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب، ويذكر أمره على وجه النصيحة).وكذلك يمكن الاسئناس بتمييز الامام احمد ابن حنبل بين الخاص و العام  عندما قيل له: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في اهل البدع؟ فقال: إذا صام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين.

تفسير الايه (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ): هناك تفسير للأيه( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، يقوم على ان الايه تفيد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد بين السلف الصالح وعلماء أهل السنة خطاْ هذا التفسير ،فقد قَامَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق (رَضِيَ اللَّه عَنْهُ )فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَة ” يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ ” وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْر مَوْضِعهَا وَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَر وَلَا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعُمّهُمْ بِعِقَابِهِ) ،ويقول ابن تيميه ( قوله تعالى علوا كبيرا: { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } لا يقتضى ترك الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، لا نهيا ولا إذنا، كما في الحديث المشهور في السنن عن أبى بكر الصديق رضي الله عنه..) ( الفتاوى)، وقد تعددت تفاسير الايه إلا أنها جميعا لا تتعارض مع الأمر بالمعروف والنهى عن منكر ووجوبه منها: أولا: ان المسلمين لا يضرهم شرك المعاهدين، قال أبو عبيد ( … فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر ، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به ، وقد صولحوا عليه ، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه)(تفسير البغوى).ثانيا: ان المسلمين لا يضرهم من ضل من أهل الكتاب ،قال مجاهد وسعيد بن جبير(الآية في اليهود والنصارى ، يعني : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم (تفسير البغوى). ثالثا:ان المسلم مكلف بالأمر بالمعروف بالنهى عن المنكر،وليس بالقبول اى امتثال المأمور والمنهي. يقول النووي في  شرح مسلم ) إنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب، فلا عتب بعد ذلك على الناهي أو الآمر، لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي، لا القبول، والله أعلم.(رابعا: ألا يعتدي الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر على أهل المعاصي على المشروع فى بغضهم او ذمهم يقول ابن تيميه (ولكن في الآية فوائد عظيمة:….الرابع: ألا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم، أو نهيهم أو هجرهم، أو عقوبتهم، بل يقال لمن اعتدى عليهم: عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت، كما قال: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } الآية ….فإن كثيرا من الآمرين الناهين قد يتعدى حدود الله، إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه، وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين.) (مجموع الفتاوي14/291) .خامسا: إعراض المرء عن ما لا يعنيه، يقول ابن تيميه (فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها المعنى الآخر، وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا، وإعراضه عما لا يعنيه، كما قال صاحب الشريعة: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، ولاسيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لاسيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة.وكذلك العمل، فصاحبه إما معتد ظالم، وإما سفيه عابث، وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ويكون من باب الظلم والعدوان) (مجموع الفتاوي14/291).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s