الفكر القومى: قراءه نقديه


د. صبري محمد خليل/ أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم sabri.khalil@hotmail.com
 تمهيد: هذه الدراسة هي قراءه نقدية للفكر القومي ، والمقصود بالقراءة النقدية أنها تتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق” اللذان هما من خصائص التفكير الاسطورى” ،إلى موقف نقدي قائم على بيان أوجه الصواب والخطأ ،فى الحلول التي قدمها هذا الفكر ،للمشاكل الاساسيه التي طرحها الواقع العربي الحديث و المعاصر.

الحريه بين التبعيه والاستبداد:اعتبرت قطاعات واسعه من الفكر القومى الحريه احد اهداف المشروع القومى(بالاضافه الى الوحده والعداله الاجتماعيه ” الاشتراكيه”)،والحريه تقتضى التحرر من كل قيد داخلى ” كالاستبداد” او خارجى ” كالاستعمار”، غير ان قطاعات واسعه من الفكر القومى ركزت على مشكله الاستعمار الخارجي، وتجاهلت – او قللت من أهميه- مشكله الاستبداد الداخلي، فاعطت الاولويه للتحرر من الاستعمار على مقاومه الاستبداد .هذا الموقف جاء كرد فعل” متطرف” على موقف اخر” تمثله بعض القوى الليبراليه”، قائم على التركيز على مشكله الاستبداد الداخلي ، وتجاهل – او التقليل من أهميه-مشكله الاستعمار الخارجي ، اى اولويه مقاومه الاستبداد على من التبعيه.غير ان كلا الموقفين خاطىْ ، لانهما يقومان على ذات الاساس الخاطىْ ،وهوالتركيز على احد المشكلتين وتجاهل الأخرى، وبينما الموقف الصحبح هو الربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي،باعتبار ان الاول هو قيد داخلي على حرية الشعوب ، بينما الثاني هو قيد خارجي عليها. فالاستبداد هو قيد داخلي على حرية الشعوب لأنه انفراد اقليه (فرد او فئة) بالسلطة دون الشعب .والاستعمار هو قيد خارجي على حرية الشعوب لأنه استيلاء شعب على إمكانيات شعب أخر وتسخيرها لخدمة مصالحه.

اسلوب التغيير: اعتمدت كثير من مذاهب الفكر القومى  الانقلابات العسكريه كاسلوب للتغيير،غير انها لا تنفرد بذلك، ذلك ان الانقلابات العسكريه كظاهره تكاد تكون المرحلة
التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. وهذه الظاهره  هى حصيله فشل تطبيق الديمقراطية  فى العالم الثالث نتيجة للتخلف الديمقراطي : انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية. إذا الانقلابات العسكريه تعير عن مرحله تاريخيه انقضت او تكاد تنقضي، ولابد من استحداث أساليب تغييراخرى ،أهمها اسلوب التغييرالجماهيري السلمي بالياته المختلفة.
 علاقات الانتماء ومشكله الوحده والتعدد: اذا كان الفكر القومى قائم اساسا على اثبات علاقه الانتماء القوميه للشخصيه العربيه ، فان تحديد علاقتها بعلاقات الانتماء الاخرى للشخصيه العربيه( الوطنيه ، الدينيه، التاريخيه، القاريه، العرقيه، الانسانيه…) تتصل بمشكله الوحدة والتعدد كقضية فلسفيه لها تطبيقاتها  الثقافية،السياسية،الاقتصادية…: اى هل نقول بوحدة مطلقه تلغى اى شكل من أشكال التعدد أم نقول بتعدد مطلق يلغى اى شكل من أشكال الوحدة أم نجمع بين الوحدة التعدد اى نقول بوحدة نسبيه وتعدد نسبى،والفكر القومى مدعو الى تجاوزمذهب الوحدة المطلقة الذى يرى أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشخصيه الحضاريه المعينه” هى هنا الشخصيه العربيه” هي علاقة تناقض، وبالتالي فان استناده إلى علاقة الانتماء المعينة” هى هنا علاقه الانتماء القوميه” يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.. هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني… مضمونها وجوب انفراد جماعات قبلية معينه (هى هنا الجماعات العربيه باعتبارها ممثلا  لعلاقة الانتماء القوميه) بالسلطة و الثروة … دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية الاخرى.هذا التجاوزلمذهب الوحده المطلقه يتحقق سلبا من خلال التمييز بين  الفكر القومى و مذهب العصبية القبلية العربية الذى يرى أن العرب الحاليين  هم سلاله عرقية لعرب الجاهلية، فيفهم العروبة على أساس عرقي لا لغوي حضاري ، ومرجع ذلك انه يخلط بين  العرب في الطور القبلي( ما يقابل الأعراب في القرآن)، والعرب في طور الامه، حيث ان مناط الانتماء فى الطور الاول النسب، بينما مناط الانتماء فى الطور الثانى اللسان.كما انه بخلط بين معيار الانتماء الاسرى والعشائرى و القبلي (العنصر) ومعيارالانتماء القومى(اللسان)، فهو يتجاهل التطور خلال الزمان. كما ان هذا التجاوز لمذهب الوحده المطلقه يتحققتيجابا من خلال تبنى الفكر الومى لمذهب العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد القائم على اعتبار أن الشخصية العربيهه ذات علاقات انتماء متعددة،وان العلاقة بينها علاقة تكامل لا تناقض  ،و إن العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد في مجال الهوية ترتبط بالعلاقة الجدلية بين الوحدة و التعدد في المجال السياسي الاقتصادي القانوني…متمثله في التأكيد على الوحدة (بتقرير المساواة بين الجماعات القبلية والشعوبية المكونة للامه العربيه) وفى ذات الوقت التأكيد على التعددية )بتقرير حرية هذه الجماعات القبلية والشعوبية).

الوحده بين القفز والتدرج: اذا كانت الوحده هى الهدف المشترك لكل مذاهب الفكر القومى فان هذه المذاهب تختلف فى كيفيه تحقيق الوحده، حيث يشيع عن بعض هذا المذاهب تصور مثالى لكيفيه تحقيق الوحده مضمونه القفز مما هو كائن ” التجزئه” الى ما ينبغى ان يكون” الوحده” .بينما الفكر القومى مدعو الى الالتزام بالتصور العلمى القائم على احترام سنه التدرج اى الانتقال ما هو كائن ” التجزئة والتفتيت”، إلى ما ينبغي أن يكون” الوحده” من خلال الممكن ، ومضمونه  اتخاذ كل  الخطوات الممكنة في اتجاه الوحدة عبر مراحل، اى ان العمل على  توحيد الامه يجب ان يتم بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي ،عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاق الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ، إلغاء أو تخفيف القيود على حركه العمالة والتجارة …

 العلاقة بين الدين والدولة بين العلمانية والثيوقراطيه: اما فيما يتعلق بمشكله العلاقه بين الدين والدوله فاننا نجد ان كثير من المذاهب القوميه تبنت العلمانيه ، ومضمونها فصل الدين عن الدولة، وقد كانت العلمانيه فى الأصل جزء من الديانة المسيحية ،تحول إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على ما سبق فان جوهر الدعوة إلى العلمانية في مجتمع اسلامى – كالمجتمع العربى-هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية اى التغريب.لذا فان مذاهب الفكر القومى التى تتبنى العلمانيه مدعوه الى مراجعه موقفها  ، اقتداءا بموقف مفكرين قوميين كبار كالدكتور عصمت سيف الدوله الذى اتخذ موقفا قاطعا فى رفض العلمانيه ، حيث يقول( ان العلمانية  اخطر أشكال مناهضه الإسلام بالعروبة  نفاقا وأكثرها اتقانا)( عن العروبة والإسلام ، ص186)  وان ( للعلمانية نظاما وللإسلام نظاما وهما لا يلتقيان في أكثر من وجه) (عن العروبة والإسلام‘ص240) وان( جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين هو ان تستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام شرائع وقواعد وآداب وضعيه) (عن العروبة والإسلام،ص423).

غير ان رفض العلمانية لا يعنى قبول الثيوقراطيه ( الدولة الدينية) والتي تقوم على الخلط بين الدين والدولة،وجعل العلاقة بينهم علاقة تطابق، وهو ما يلزم منه انفراد فرد او فئة بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لانفراد هذا الفرد او الفئة بالسلطة الروحية ( الدينية ) دونه . فالثيوقراطيه توْدى إلى  تحويل المطلق عن قيود الزمان والمكان (الدين) إلى محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما(الدولة أو السلطة) أو العكس ، اى تحويل ما هو محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما (الدولة) إلى مطلق ، اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بينالتشريع الذي جعله حقا لله  ، والاجتهاد الذي جعله حقا للناس كما أن هذا الحل مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين قال تعالى   (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾.

والفكر القومى مدعو الى تبنى موقف ثالث، للعلاقه بين الدين والدوله، يقوم على اعتبار أن علاقة الدين بالدولة هي: علاقة وحدة (وليس علاقه خلط كما فى الثيوقراطيه )، اى يقوم على دينيه التشريع وليس السلطة كما فى الثيوقراطيه. وعلاقه تمييز (وليس علاقه فصل كما فى العلمانيه)، اى مدنيه السلطة وليس التشريع كما في العلمانية. فهي علاقة وحده (وليس خلط)- دينيه التشريع – لان السلطة في الإسلام  مقيده بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا ، وبالتالي لا يباح تجاوزها، والتي تسمى باصطلاح القران الحدود، إذ هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ ﴾ ( البقرة: 229)  : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ .(البقرة187). كما أنها علاقة تمييز( وليسفصل)- مدنيه السلطة- لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد ، والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ، والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s