أطوار التكوين الاجتماعي فى الفكر الاجتماعي الاسلامى

أطوار التكوين الاجتماعي فى الفكر الاجتماعي الاسلامى

د.صبري محمد خليل أستاذ بجامعه الخرطوم(تخصص فلسفه القيم الاسلاميه) sabri.khalil@hotmail.com

تمهيد: تتناول هذه الدراسة وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي، فى الفكر الاجتماعي الاسلامى،على مستوى أصوله الثابتة التي مصدرها النصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة،وفروعه الاجتهادية التي مصدرها النصوص ظنيه الورود والدلالة،واستنادا الى مفهوم قراني هو مفهوم الاستخلاف الاجتماعي .

الاستخلاف الاجتماعي: مضمونه أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين كما فى قوله تعالى ﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْفِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون ﴾( الأعراف: 119)﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنسُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ﴾ ( الأعراف:74) ،ورد فى في تفسير الطبري ( خلف فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه بعده كما قال جل ثناؤه” ثم جعلناكم خلائف في الأرض لننظر كيف تعملون” يعني بذلك انه أبدلكم في الأرض منهم خلفاء بعدهم من بعد ذلك).،وفي تفسير أبن كثير ( إي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى “وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض”، وقال ” وجعلكم خلفاء الأرض”). فالاستخلاف الاجتماعي هو تحقيق لسنة التغيير الكلية في المجتمعات كما يدل على هذه الآيات﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم من يشاء  ﴾ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْوَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ( هود: 57).والاستخلاف الاجتماعي بما هو تغيير قوم بقوم لا يتم للناس جملة، بل من خلال أطوار هي ذات الوحدات الاجتماعية التي يتم خلالها الاستخلاف الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان . والارتقاء من طور إلى طور ليس انتقالا تلقائيا(كما في الأنواع  الأخرى)، بل يتوقف على الناس ،فهناك إمكانية أن يظل قوم في طور معين لا يتجاوزه إلى غيره ،أو أن ينتقلوا إلى طور أعلى، لذا نجد في زمان معين قوم من طور، وآخرين من طور أعلى أو أدنى. كما إن كل طور لا ينعدم بالترقي إلى طور آخر ،وإنما يندرج من الطور الأعلى، فيصبح الأخير متضمن له تضمن الكل لجزئه، وقد انتبه ابن القيم لهذه السنة الإلهية ،وطبقها في المقامات ( فأن المقام الأول لا ينعدم بالترقي إلى آخر ولو عدم لخلفه ضده, وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة, وإنما يندرج حكمه في المقام الذي هو أعلى منه فيصبح الحكم له…أن أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدم متضمن له تضمن الكل لجزئه ومستلزم له استلزام الملزوم لازمه, لا ينفك عنه أبداً،ولكن لاندراجه فيه، وانطواء حكمه تحته، يصير المشهد والحكم للعالي).

أطوار الاستخلاف الاجتماعي:

أولا:إلاسرة: يقرر القرآن أن الأسرة هي أول أطوار الاستخلاف الاجتماعي:﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾،كما  يقرر أنها وحدة التكوين الاجتماعي الأساسية لكل الأطوار التالية﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.

ثانيا:العشيرة: ويستمر انتشار البشر ﴿ ومن آياته أن خلقكم من ترأب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ ، فتصبح الأسرة كطور قيدا على الاستخلاف الاجتماعي، فيرتقي الناس إلى طور العشيرة، ولكن لا تنعدم به الأسرة ،بل تتضمنها تضمن الكل لجزئه ،وفي هذه الأطوار أرسل الله تعالى نوح  ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين ﴾ و إبراهيم ولوط   ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةًأَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ ( هود: 80) ،عن أبو هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم) أنه قال ( قال: قد يأوي إلى ركن شديد – الملائكة التي نصرته- لكنه عنى عشيرته) ( رواه أحمد)، وفي تفسير القرطبي ( لو أن لي بكم قوة, إي أنصاراً وأعوانا) …. ومراد لوط بالركن العشيرة و المنعة والكثرة. كما عرض القرآن للعشيرة كوحدة اجتماعية لا كطور في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾﴿ قُلْ إِن  كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَاوَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ ترْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ( التوبة:24) ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أبائهم أو أبنائهم أو أخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ﴾ ( البراءة:24).

ثالثا: القبيلة: ثم يستمر انتشار البشر، فتصبح العشيرة كطور قيد على الاستخلاف الاجتماعي ، فيرتقي الناس إلى طور القبيلة، ولكن لا تنعدم به العشائر بل تتضمنها القبيلة تضمن الكل لجزئه،وقد أشارت النصوص إلى القبيلة كوحدة تكوين اجتماعي قال تعالى( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، وقال (صلى الله عليه وسلم) (إن الله خلق الخلق ثم جعلهم قبائل فجعلني خيرهم قبيلة)  ( رواه الترمذي). وفي هذا الطور بعث الله موسى﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِندُونِي وَكِيلاً ﴾ ( إلا سراء:2) ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون إني رسول الله إليكم﴾ ( الصف:5).

وتتميز القبيلة بالأصل الواحد ،فكان مقياس الانتماء إليها هو النسب، ولا تتميز عن غيرها فى الطور القبلي بالأرض المعينة ” ي الديار بتعبير القران”، لحركتها من مكان إلى مكان كما جاء في وصف  القرآن الكريم لبني إسرائيل  ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَتَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ *ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُممِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخراجهم أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِوَتَكْفُرُونَ  ببَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ  فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّاتَعْمَلُونَ }( البقرة: 84-85).غير أنه يجب ملاحظه أن موسى عليه السلام كان بداية التبشير بعالمية الدعوة ، إذ أمره الله أن يتجاوز برسالته محيط قبيلته بني إسرائيل ،وأن يذهب إلى فرعون مصر﴿  اذهب إلى فرعون أنه طغى﴾،كما أنه دعا قومه إلى الاستقرار في الأرض إي تجاوز الطور القبلي المتميز بالهجرة الدائمة  ﴿ قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾  . إما عيسى علية السلام فقد كان فى البداية رسولا إلى بني إسرائيل  ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم﴾ (الصف:6) ،غير أن رسالته تضمن البشرى بالانتقال إلى عالمية الدعوة  ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد﴾(الصف :6)، فلما كذبوه صارت علاقة الانتماء الديني في الله  ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون﴾(د.عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام).

رابعا: الشعب: ثم كان طور الشعب ،وفيه أرسل الله صالح عليه السلام  ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِيالأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مفْسِدِينَ﴾ ( الأعراف:74). وعندما جاء الإسلام كانت المجتمعات إما في طور الشعب أو طور القبيلة  ” وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ” ،أما أدلة أن الشعوب طور متقدم على القبيلة أنه متميز بالاستقرار على الأرض وان لم يكن دائماً- كما في الآية السابقة في وصف ثمود.قال التهانوي ( الشعب الجماعة الكبيرة كعدنان ودونه القبيلة). وفي تفسير الجلالين (أن معنى ذكر وأنثى آدم وحواء ،وأن الشعب مثل حزيمة ،ويليه القبيلة مثل كنانة، ثم عمارة مثل قريش، ثم بطن مثل قصي ،ثم فخذ مثل هاشم ،ثم فصيلة مثل العباس…).

خامسا: الأمة: وعندما جاء الإسلام كانت المنطقة العربية بين طوري القبيلة والشعب ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾، فارتقى بها الى طور الامه الذي يتميز بالاتي:

اولا:مناط الانتماء اللّسان لا النسب: أن مناط الانتماء لطور الأمة هو اللسان، قال الرسول( صلى الله عليه وسلم) (إلا أن العربية اللسان.. إلا أن العربية اللسان) وقال(صلى الله عليه وسلم)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، لذا قرر الرسول(صلى الله عليه وسلم) أن من تحدث العربية فهو عربي وأن كان غير عربي النسب والأصل ( مولى القوم منهم.. ) ( رواه البخاري) ( الولاء لحمة كلحمة النسب…) (رواه أبو داؤد والدرامي)  وهذا الأمر لا ينطبق  على أمة العرب وحدها، بل سائر الأمم ،لذا جعل القرآن تعدد الألسنة آية من آيات الله ﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم و ألوانكم ﴾.

الديــار:كما أن طور الأمة يتميز عن الأطوار السابقة باستقرار الجماعات في الأرض فتكون ديارها. لذا جاء الإسلام بالنهي عن إخراج الناس من ديارهم﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8)  ﴿ أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ( الممتحنة:9).

أمه التكليف وأمه التكوين: وهنا يجب التمييز(وليس الفصل) بين نوعين من أنواع الأمم طبقا لمضمون تمييزها عن غيرها:

1- أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما فى قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92).

2- أمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي، كما فى قوله تعالى ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾(الأعراف:160)، كما ان لمصطلح أمه التكوين دلاله خاصة، لا تتناقض مع دلالته العامة السابقة الذكر- وهى الامه كطور استخلاف اجتماعي يتميز بخصائص معينه اشرنا لها. والعلاقة بين أمه التكليف وأمه التكوين هي علاقة تحديد وتكامل وليس علاقة إلغاء و تناقض، فأمه التكليف تحد أمه التكوين كما يحد الجزء الكل، فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها، حيث ينتمي إليها أفراد واسر وقبائل وشعوب وأمم مسلمه،دون ان يلغى ذلك انتماءاتهم( الفردية او الاسريه او قبليه او شعوبيه او قوميه).

سادسا: العالمية: إن عالمية الدعوة في الإسلام كانت تعني أن غاية الإسلام الارتقاء بالبشرية إلى طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي،﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ ، ولما كان كل طور الاستخلاف الاجتماعي لا يتكون من العدم، بل يتخذ الطور السابق له وحدات لتكوينه، فيتضمنها تضمن الكل لجزئه، فأن الأمم هي وحدات تكوين طور العالمية الذى هو غاية الاستخلاف الاجتماعي..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s