الأخلاق السودانية : أصولها وعوامل تدهورها

الأخلاق السودانية : أصولها وعوامل تدهورها

د.صبري محمد خليل/ أستاذ بجامعه الخرطوم (تخصص فلسفه القيم الاسلاميه)

sabri.khalil@hotmail.com

 تعريف الأخلاق:الأخلاق لغة الطبع والسجية، اما اصطلاحا فهي مجموعة القواعد،التي تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه سلوكاً، تجاه الآخرين (من طبيعة ومجتمع)، يكتسبها الإنسان من انتماءه إلى مجتمع معين زمانا ومكانا،كما يكتسبها المجتمع من مصادر متعددة( مطلقه كالدين أو محدودة كالعرف الاجتماعي)،من هذا التعريف يمكن تحديد خصائص الأخلاق بأنها :أولا:معياريةأي أنها تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه لا ما هو كائن، ثانيا: سلوكية اى أنها تنصب على السلوك،ثالثا: اجتماعيةاى أنها ذات صفة اجتماعية لا فردية أي أنها جاءت كحل لمشكلة الاتصال الحتمي بين الفرد والمجتمع،رابعا:متعددة المصادراى أن المجتمع يكتسبها من مصادر متعددة( الدين، العرف ، المجتمع المعين أو المجتمعات الأخرى)
أصول الأخلاق السودانية: كما ان كل شخصيه حضاريه إنما تكتسب قيمها الأخلاقية من   خلال علاقات انتمائها المتعددة، وكذا الأمر مع الشخصية الحضارية السودانية التي اكتسبت قيمها الاخلاقيه  من خلال علاقات انتمائها المتعددة كعلاقة الانتماء الاسلاميه كعلاقة انتماء دينيه حضاريه ، وعلاقة الانتماء العربية كعلاقة انتماء قوميه ذات مضمون لساني ثقافي لا عرقي، وعلاقات انتمائها القبلية والشعوبية التاريخية والحضارية  السابقة على الإسلام .

عوامل تدهور الأخلاق السودانية أما تدهور الأخلاق السودانية فيرجع إلى عوامل متعددة ومتفاعلة،غير أن هذه العوامل ليست متساوية في درجه التأثير، فبعضها رئيسي وبعضها ثانوي، وفيما نرى فانه يمكن حصر العوامل الرئيسية في عاملين هما:

أولا: التوازن بين الفرد والجماعة: العامل الرئيسي الأول هو عامل تاريخي، ويتصل بمدى تحقيق الأخلاق السودانية للتوازن بين الفرد والجماعة، ذلك أن الفكر الاجتماعي الاسلامى  – كمصدر معرفي يتصل بعلاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية السودانية- يرفض الفردية التي تؤكد على الفرد لتلغى الجماعة كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، كما يرفض الجماعية التي تؤكد على الجماعة لتلغى الفرد كما في قوله صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم امعه، يقول أنا مع الناس، إن أحسنوا أحسنت، وان اساؤا أساءت، بل وطنوا  أنفسكم، إن أحسن الناس أحسنتم ، وان اساؤا أن تجتنبوا إساءتهم)،ويقوم على فلسفه اجتماعيه التوازن بين الفرد والجماعة من خلال التأكيد على أن الجماعة بالنسبة للفرد،كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه كما فى قوله صلى الله عليه وسلم (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد،إذا اشتكى منه عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)… غير أن اغلب المجتمعات المسلمة (ومنها المجتمع السوداني) قد انزلقت – إلى درجه ما – الى نمط تفكير وسلوك جماعي كمحصلة لتخلف نموها الاجتماعي نتيجة لعوامل داخليه (كالجمود والاستبداد) وخارجية( كالاستعمار)متفاعلة،هذا التفكير والسلوك الجماعي يعبر عن ذاته من خلال آليات مثل: التقليد والمحاكاة  والمقارنة و فهم المساواة على أنها تماثل وتطابق، وإنكار ما بين الأفراد من تفاوت في الإمكانيات والمقدرات الذاتية … والتي تفرز أيضا أنماط من التفكير والسلوك السلبي:كالحسد والتدخل في شئون الغير والتقليد و الاعتماد على الآخرين وعدم الاستقلال الشخصي و النميمة…. وظهور الأبعاد الموضوعية للشخصية “ذات الطبيعة الإلزامية” (كالقيام بالواجبات الاجتماعية من زيارات وغيرها  )،وضمور الأبعاد الذاتية” “ذات الطبيعة الالتزاميه” (كالاستقلالية في الراى والسلوك، والصراحة والوضوح في  التعبير عن الآراء،والالتزام بالمواعيد و الوعود…).غير انه يجب تقرير هذا الانزلاق إلى نمط التفكير والسلوك الجماعي ليس كليا،وبالتالي أصبحت الشخصية السودانية شخصيه يختلط فيها نمط التفكير والسلوك الجماعي، الذي يفرز أنماط التفكير والسلوك السلبي سابقه الذكر،مع نمط التفكير والسلوك الاجتماعي الذي يفرز أنماطا من والتفكير والسلوك الايجابي كالمشاركة والتضامن ومساعده الآخرين.. ،وبالتالي لا يمكن إلغاء التأثير السلبي لهذا العامل إلا من خلال التحرر من نمط التفكير والسلوك الجماعي، والعودة إلى الالتزام بنمط التفكير والسلوك الاجتماعي، الذي يحقق التوازن بين الفرد والجماعة ، من خلال التأكيد على أن الجماعة بالنسبة للفرد،كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه.

ثانيا: التناقض بين النظام الراسمالى والقيم الحضارية للشخصية السودانية : أما العامل الرئيسي الثاني فهو عامل معاصر، ويتمثل في التناقض بين النظام الاقتصادي الراسمالى (الذي تم تطبيقه في السودان،عبر مراحل ونظم متعاقبة ، وتحت مسميات متعددة ، منذ الاستعمار البريطاني) والقيم الاخلاقيه والحضارية للشخصية السودانية، ذلك ان هذا النظام الاقتصادي هو تنظيم للتمرد على القيم الحضارية المشتركة للشخصية السودانية وأولاها قيمه المشاركة الحضارية،حيث إن علاقات الإنتاج في ظل هذا النظام الاقتصادي تصبح مصدر للانانيه والفردية التي تتحول من خلال أطرادها إلى قيمه اجتماعيه تفسد عن طريق عن العدوى بالتفاعل باقي القيم الحضارية للشخصية السودانية في الاسره (المشاكل الاسريه كالتفكك الأسرى، وارتفاع نسبه الطلاق,…) في العلم( تحول العلم إلى تجاره) في الفكر( اتخاذ المفكرين لموقف الدفاع عن الواقع ، بدلا من اتخاذ موقف الدعوة إلي تغييره بتقديم حلول للمشاكل التي يطرحها..) في الأخلاق( التدهور الاخلاقى في كافه مجالات الحياة)… الخ نرى الأثر المخرب للقيم الراسماليه: الفردية التي تتقدم على أشلاء الآخرين ،والنظام الراسمالى بحكم طبيعته نظام استغلالي، ولا يمكن لاى إنسان في ظل الراسماليه إلا إن يكون طرفا في علاقة استغلالية مستغلا أو ضحية استغلال بشكل مباشر أو غير مباشر ،إزاء هذا لا تجدي النصائح والوعظ المثالي وحسن النية، بل أن حسنى النية هم ضحايا جاهزة للاستغلال، ولا يمكن إلغاء الاستغلال وباقي القيم السلبية، إلا بالعمل على مقاومه النظام الاقتصادي الذي يكرس للمربع المخرب(الفقر والجهل والمرض و البطالة) ويفرز هذه القيم السلبية، واقامه نظام اقتصادي يعبر عن القيم الحضارية للشخصية السودانية، و يهدف إلى تحقيق مصلحه المجتمع السوداني ككل.

التأثير المشترك:غير انه يجب تقرير أن العامل الرئيسي الأول” الانزلاق من الاجتماعية إلى الجماعية” رغم انه عامل تاريخي، إلا انه لم يؤدى إلى تدهور اخلاقى بمعدل كبير، في المجتمع السوداني في الماضي، نتيجة لاتساق طابع الأخلاق السودانية الذي يتداخل فيه الاجتماعي مع الجماعي ، مع طابع الحياة حينها ، والذي يتداخل فيه الاجتماعي مع الجماعي (القبيلة، الطائفة، الاسره الممتدة..).كما أن المجتمع السوداني المعاصر قد تزايدت معدلات تدهوره الاخلاقى نتيجة لتعرضه للتأثير السلبي للعاملين الرئيسين سابقي الذكر، إذ أن العامل الرئيسي الثاني يعمل على إلغاء أو التقليل من طابع الحياة السودانية( الذي يتداخل فيه الاجتماعي مع الجماعي)، والذي كان اتساقه مع طابع الأخلاق السودانية (الاجتماعي – الجماعي)، بمثابة حائل دون حدوث تدهور اخلاقى بمعدل كبير، في المجتمع السوداني في الماضي ، كما أن هناك عوامل أخرى أدت إلى التقليل من هذا الطابع الاجتماعي – الجماعي للحياة السودانية (كالانتقال من الاسره الممتدة إلى الاسره الذرية ، والهجرة ، والحروب…)، وفى ذات الوقت استمر العامل الرئيسي الأول في افراز أنماط التفكير والسلوك السلبي  سابقه الذكر ،و أهمها  ضمور الأبعاد  الذاتية للشخصية “ذات الطبيعة الالتزاميه“.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s