عن الثورة الشعبية السورية والمواقف المتعددة منها


عن الثورة الشعبية السورية والمواقف المتعددة منها

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم sabri.khalil@hotmail.com

تمهيد: تعددت المواقف من الثورة الشعبية السورية المعاصرة، والتي دخلت عامها الثاني. ويمكن إجمالها في ثلاثة مواقف أساسيه، ذات صله بالمواقف المتعددة من مشكله العلاقة بين التبعية والاستبداد.

الموقف الأول: تجاهل مشكله الاستبداد: الموقف الأول هو امتداد لموقف معين من مشكله العلاقة بين التبعية والاستبداد ، يركز على مشكله التبعية الخارجية، ويتجاهل – أو يقلل من أهميه- مشكله الاستبداد الداخلي.

نظريه المؤامرة: فهوموقف يركز على العوامل الخارجية في تفسير الأحداث،ويتجاهل  – او يقلل من أهميه -العوامل الداخلية.وهو بذلك يتبنى  نظريه المؤامرة  التي تحمل القوى الخارجية (الامبريالية والصهيونية…) المسئولية ويوجه الادانه إليها ، و تعفى القوى الداخلية( النظم السياسية العربية) من اى مسئوليه  أو ادانه، وتأخذ نظريه المؤامرة هنا  شكل اعتبار أن الأحداث الجارية في سوريا ليست ثوره شعبيه مطالبه بأهداف مشروعه كالحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربه الفساد ..، بل هي تمرد تقوم به جماعات ارهابيه مسلحه، يسعى لتحقيق أهداف غير مشروعه كضرب امن واستقرار سوريا، باعتبارها حامله لواء الممانعة، وحاضنه المقاومة، و تحركه أصابع امبرياليه صهيونيه،ويحق للنظام السوري  القضاء عليه بكل الطرق وباى ثمن.

هذا الموقف ينسى أو يتناسى أن مشروعيه الغايات لا يبيح استخدام كل الوسائل ، وان تحقيق أهداف الامه أو مواجهه المؤامرات التي تحاك ضدها، لا يمكن أن يكون على حساب ممتلكات وكرامه وأعراض وأرواح بعض أبنائها، ومن قبل رفض جمال عبد الناصر عرضا باعاده سوريا إلى  الوحدة بالقوة( رغم أن الانفصاليين كانوا قله، وكان اغلب الشعب السوري منحازا إلى الوحدة)،حرضا منه على عدم اراقه دماء المدنيين.

الدوافع: وقد تعددت الدوافع وراء تبنى هذا الموقف :  فالبعض يتبناه تقديما للمصالح الخاصة ( الشخصية أو الطائفية أو الحزبية…)على المصالح العامة( الوطنية أو القومية)، والبعض يتبناه انخداعا بالشعارات القومية التي يرفعها النظام السياسى السوري ،والتي تتناقض مع ممارساته الطائفية على ارض الواقع … والبعض يتبناه اعتقادا منه أن رفض التدخل (الاجنبى) يلزم منه بالضرورة قبول الاستبداد (المحلى).

الموقف من قضيه الاستعانة بالاجنبى : و يتخذ بعض من يتبنى هذا الموقف من اتفاق الفقهاء على عدم جواز الاستعانة بالاجنبى حجه دينيه فقهيه له، في موقفه القائم على الرفض المطلق على لكل ما هو خارجي،والقبول المطلق لكل ما هو داخلي، في حين أن العديد من الادله تبيحه ، للضرورة وبشروط معينه ، ومن هذه الادله: أن أبا طالب كان يحمي الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من قريش ،وان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أمر الصحابة بالخروج إلى الحبشة، وطلب حماية ملكها فقال لهم (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)،وان ابن الدغنه عرض على أبي بكر جواره، فقبله أبو بكر(ابن هشام ج1 ص 396).

الموقف الثاني: تجاهل مشكله التبعية: وهو امتداد للموقف الذى يركز على مشكله الاستبداد الداخلي ، ويتجاهل – او يقلل من أهميه-مشكله التبعية الخارجية .

إنكار المؤامرة: فهو موقف يركز على العوامل الداخلية في تفسير الأحداث ويتجاهل العوامل الخارجية ،فهو يتبنى نظريه (إنكار المؤامرة) والتي تأخذ هنا شكل ادانه  النظام السوري للقمع الوحشي الذي يمارسه ضد شعبه، وتعفى الغرب بقياده الولايات المتحدة  من اى  ادانه،لاتخاذه هذا القمع كذريعة للتدخل، الذى هدفه الحقيقي ليس وقف هذا القمع الوحشي، ولا حرية الشعب السوري ، بل تحقيق مصالحه الخاصة،  والدليل على هذا  انه يقم باى مجهود جدي وفعلي  لوقف هذا القمع الوحشي،أو توفير حماية دوليه للمدنيين ، لان اطاله أمد الصراع  بين النظام والثوار يحقق مصالحه ألاستراتيجيه في المنطقة.

 القومية بين الإلغاء والتأكيد: بعض من يبنى هذا الموقف يتخذ  الثورة الشعبية السورية ضد النظام السياسى السوري كدليل على نهاية القومية، استنادا إلى أن هذا النظام يرفع القومية شعارا، وهو موقف خاطئ لأنه أولا: يخلط بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه، ليس خالدة ولكنها باقية ببقاء الامه، والقومية كحركة سياسيه، يتوقف وجودها على مدى نجاحها أو فشلها في  التعبير عن القومية كعلاقة انتماء إلى أمه،ولانه ثانيا يتجاهل أن اى نظام استبدادي لن يرفع الاستبداد شعارا،بل سيتخذ اى مبدأ أو قيمه( كالعداله الاجتماعية أو المساواة أو الحرية أو الدين أو الوطنية أو القومية أو الانسانيه…) كشعار يرفعه دون أن يطبقه في ارض الواقع، فالمطلوب هو ادانه التناقض بين الشعار والتطبيق، وليس ادانه  المبادئ والقيم التي تتخذ شعارا. وهو موقف خاطئ لأنه ثالثا يتجاهل حقيقة أن هناك شخصيات وقوى ونظم  غير قوميه ، داخل سوريا وخارجها ،تدافع عن النظام السوري ، وتبرر ما يقوم به من قمع وحشي ضد شعبه(على سبيل المثال إيران والصين وروسيا). وعلى النقيض من هذا الموقف ،فان  الواقع يقول أن الثورة الشعبية  السورية  هي في ذاتها تأكيد لعلاقة الانتماء  القومي  إلى الأمة، وهو الأمر الذى يتضح من أن هذه الثورة هي امتداد أصيل لثوره الشباب العربي، كتأكيد على الروابط الموضوعية التي تشد أجزاء الامه رغم التجزئة السياسية ، كما يتضح من خلال تعاطف الشعوب العربية مع الشعب السوري، والتي تحول الفواصل السياسية دون تحوله إلى فعل ملموس، بل انه يتضح حتى من خلال شعور الشعب السوري بان الامه العربية شعوبا وحكومات قد خذلتها. وإذا كان بعض من يتبنى هذا الموقف، يعتقد انه بهذا الموقف ينتصر للدين، فان الإسلام يخالف هذا الموقف،لأن الإسلام وان كان يرفض  اى تصور للقومية يلزم منه نفى المساواة بين الأمم ، والاستكبار الاجتماعي الذى يأخذ أشكالا عدة منها:فرض عبودية الأمم الضعيفة للأمم القوية ،وجعل مناط انتماء إلى الأمة الجنس (العصبية) بدلا” من الهوية اللسانية والحضارية ،وهي من مخلفات الطور القبلي ، والتي قد ورد النهى عنها فى كثير من النصوص كقوله قال (صلى الله عليه وسلم)( دعوها فإنها منتنة) ( رواه البخاري والترمذي)، فان الإسلام في ذات الوقت لا ينكر القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه معينة ، ولا غيرها من علاقات الانتماء إلى وحدات –أطوار- التكوين الاجتماعي الأخرى ، قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد) ( رواه البخاري ومالك في الموطأ والإمام أحمد)، و وفى الحديث سأل واثلة قال: ( يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد)، وفيما رواه سراقة بن مالك قال(خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال : خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم) ( رواه أبن داؤد ).هذا الموقف نجده عند العديد من المفكرين إلاسلاميين المحدثين، فأبوالأعلى المودودي يقول (أما القومية فمن أريد بها الجنسية فهي أمر فطري لا نعارضه، وكذلك أن أريد به انتصار الفرد لشعبه فنحن لا نعارضها، كذلك إذا كان هذا الحب لا يعني معنى العصبية القومية العمياء التي تجعل الفرد يحتقر الشعوب الأخرى وينحاز إلى شعبه في الحق والباطل على السوء وأن أريد بها مبدأ الاستقلال القومي فهو هدف سليم كذلك من حق كل شعب أن يقوم بلاده ويتولى تدبير شئون بلاده )(أبو الأعلى المودودي، إلاسلام والمدنية الحديثة، القاهرة، 1987، ص 25-26)،اما عن القومية العربية كعلاقه انتماء إلى الأمة العربية فيقول عنها الإمام حسن البنا (من أول يوم ارتفع صوت الإخوان هاتفا بتحية الجامعة الإسلامية أن الإخوة الإسلامية إلى جانب الرابطة القومية والحقوق الوطنية وكان الأخوان يرون أن الدنيا إلى التكتل والتجمع ون عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال وأوشك وكان الأخوان يشعرون بأنه ليس في الدنيا جامعة اقوي ولا اقرب من جامعة تجمع العرب بالعربي فاللغة واحدة والأرض واحدة والآمال واحدة والتاريخ واحد) (نقلا عن بيومي، الإخوان المسلمين والجماعات إلاسلامية في الحياة السياسية المصرية، ص 161-162).

الموقف من قضيه الاستعانة بالاجنبى: وهنا يجب الاشاره إلى أن اباحه الاستعانة بالاجنبى في الفقه الاسلامى هو استثناء – فرع – استنادا إلى قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، وبالتالي لا يجب تحويله إلى قاعدة – أصل –، لأنه في هذه الحالة يتحول الاستخدام الشرعي لقاعدة الضرورة إلى استخدام غير شرعي لها، والذي يمكن اتخاذه  كذريعة لتبرير التدخل الاجنبى الذى يمهد للتبعية.

الأساس النظري الإطلاقى للموقفين: إن الأساس النظري للموقفين السابقين يقوم أولا على الرفض المطلق (لكل ما هو خارجي في الموقف الأول ، و لكل ما هو داخلي في الموقف الثاني)، والقبول المطلق( لكل ما هو داخلي في الموقف الأول، ولكل ما هو خارجي في الموقف ،كما يقوم ثانيا على القول بوجود قيم مطلقه ، بمعنى أنها ليس لها استثناء،وليس بمعنى أنها لا تتغير بتغير الزمان والمكان ( كقيم السيادة الوطنية والاستقلال  في الموقف الأول، وكقيم العالمية والانفتاح على الآخر في الموقف الثاني)، وبالتالي فان كلاهما يستند إلى التفكير الاسطورى،لان الرفض والقبول المطلقين هما من خصائص هذا النمط من أنماط التفكير، كما أن كلاهما موقف غير انسانى، لان القول بوجود قيم مطلقه(لا استثناء لها)  يترتب عليه أن هذه القيم (المطلقة)هي الغاية ، والإنسان هو الوسيلة ، وهذا الموقف نجد ما يقابله في بعض الفلسفات الاخلاقيه الغربية الاطلاقيه كالفلسفة الكانطيه، لكننا لا نجده في الفكر الاخلاقى الاسلامى، ذو الطابع الانسانى المستند إلى مفهوم الاستخلاف، و الذى وضع قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات).

الموقف الثالثالربط بين مشكلتي الاستبداد والتبعية: وهو امتداد للموقف  الذى يرفض التركيز على احد المشكلتين وتجاهل الأخرى، ويربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي،باعتبار أن الأول هو قيد داخلي على حرية الشعوب ، بينما الثاني هو قيد خارجي عليها. كما أن هذا موقف يرى أن اى حدث هو محصله تفاعل عوامل داخليه وخارجية. فهو يحمل النظام السوري مسئولية قيام هذه الثورة الشعبية باستبداده بالسلطة دون شعبه، ويدين ما يمارسه من قمع وحشي ضدها ، وانتهاكه الصارخ لحقوق الإنسان التي قررتها الشرائع السماوية وأكدتها المواثيق الدولية. كما يدين  الغرب لاتخاذه هذا القمع كذريعة للتدخل الذى هدفه الحقيقي ليس وقف هذا القمع الوحشي، ولا حرية الشعب السوري بل تحقيق مصالحه الخاصة.

هذا الموقف  إذا  إذ يقر بوجود قوى داخل سوريا وخارجها، لا تستهدف مصلحه الشعب السوري بل مصالحها الخاصة، فانه في ذات الوقت يرى أن الثورة الشعبية السورية،هي امتداد أصيل لثوره الشباب العربي،التي انطلقت شرارتها من تونس، ثم انتقلت إلى مصر – قلب الامه-، والتي انتقلت لاحقا إلى ليبيا واليمن وسوريا… والتي مازالت آثارها تتفاعل… وان هذه الثورة ذات أهداف مشروعه  كالحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربه الفساد…  وان النظام السياسى السوري قد تناقض مع إيديولوجيته بقمعها،لان هذه الأهداف اقرها البعث على مستوى أصوله الفكرية،ولكنه اتسق في هذا القمع مع تاريخه القائم على الانحراف المتزايد إلى الاستبداد الطائفي. هذه الثورة بدأت سلميه، لكن القمع الوحشي الذى مارسه النظام ضدها  منذ البدايه ” في ظل تخاذل المجتمع الدولي عن القيام بواجبه في توفير حماية دوليه للمدنيين” ، اضطر قطاع كبير من الشعب السوري إلى حمل السلاح دفاعا عن النفس، كحق مشروع أقرته الشرائع السماوية والقوانين المحلية والدولية، بالاضافه إلى انشقاق قطاعات واسعة من الجيش النظامي،تعبيرا عن رفضها لاستخدام الجيش ضد الشعب وليس ضد أعداء الامه( كالعدو الصهيوني الذى يحتل الجولان).

 الموقف من قضيه الاستعانة بالاجنبى:هذا الموقف يرى أن الموقف الشرعي الصحيح من قضيه  الاستعانة بالاجنبى في الفقه الاسلامى، هو اعتبار أن عدم جواز استعانة بالاجنبى هو الاصل – القاعدة- استنادا إلى إجماع الفقهاء على انه إذا دخل العدو دار الإسلام أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم، وان الاباحه هي فرع –استثناء – استنادا إلى قاعدة الضرورة ، والمتمثلة هنا في حماية حياه المسلمين من الأذى الحال والخطر المباشر، الذى تتعرض له ، بعد عدم توافر امكانيه تحقيق ذلك،بواسطة أهل البلد المعين خاصة والمسلمين عامه، وعلى أن لا يتجاوز ذلك إلى ما يمس مصلحه الدولة الاسلاميه المعينة،ووحدتها وسلامه أراضيها ،وسيادتها على أرضها،وذلك استنادا إلى قاعدة(الضرورة تقدر بقدرها) كضابط فقهي  لقاعدة الضرورة ،يحول دون تحول الاستخدام الشرعي لقاعدة الضرورة إلى استخدام غير شرعي لها، يمكن اتخاذه  كذريعة لتبرير التدخل الاجنبى الذى يمهد للتبعية.

لماذا القمع الوحشي : هذا الموقف يفسر القمع الوحشي الذى يمارسه النظام السياسى السوري ضد شعبه بعاملين رئيسيين:

الاستبداد السياسى والخروج عن القانون :  العامل الأول هو أن النظام السياسى السوري هو نظام استبدادي، واى نظام استبدادي هو أساسا نظام سياسي لا يلتزم بالنظام القانوني السائد في المجتمع ، ويستند إلى قوته الباطشة ، فهو دوله القوه المادية وخارج نطاق النظام القانوني.وهو ارتداد إلى الصورة التي ثارت من قبل وجود الدولة اى النظام القانوني في المجتمع، اى عدم  وجود القانون  فضلا عن سيادته…  وبالتالي فان اى محاوله لتغيير هذا النظام (سلميا أو بالقوة) ستواجه باقضى درجات عدم التزامه بالنظام القانوني، واستخدامه للقوه الباطشة،  وارتداده إلى ما قبل الدولة والقانون، لذا لا يكون مستغربا هنا استخدامه  للجماعات الخارجة عن القانون “وهو ما يفسر استخدام النظام السوري للشبيحه”.

 الطائفية والاستبداد الطائفي: أما العامل الثاني فيتصل بحقيقة أن النظام السياسى السوري لا يقوم على الاستبداد السياسى فقط” اى انفراد فئة معينه بالسلطة في ظل مجتمع متجانس اجتماعيا” ، بل يقوم  أيضا على الاستبداد الطائفي ” اى انفراد طائفة معينه بالسلطة” ،  ذلك أن النظام السياسى السوري قد تحول إلى نظام  طائفي ، تنفرد فيه الطائفة العلوية ( وتمثل 11.5% من الشعب السوري) بالسلطة دون الاغلبيه السنية أو الأقليات الأخرى، منذ تولى حافظ الأسد  السلطة في سورية في عام 1970، عبر انقلاب عسكري مدعوم من احد أجنحه حزب البعث العربي الاشتراكي. ، ثم توريث الحكم لابنه بشار الأسد ، مع ملاحظه أن العديد من أبناء الطائفة العلوية قد رفضوا هذا التحول إلى نظام طائفي، ويدعون إلى العمل على اقامه نظام حكم ديموقراطى تتساوى فيه الطوائف والأقليات في الحقوق والواجبات والمشاركة في السلطة. وهذه الطائفية تتناقض مع  القومية  التي تمثل احد أهم الأصول الفكرية للبعث، ورد في دستور حزب البعث العربي الاشتراكي( الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة، وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية).

‏  التمييز بين القومية كعلاقة انتماء وكحركة سياسيه: هذا الموقف  يقوم على وجوب التمييز  بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه، والقومية كحركة سياسيه، فالأولى سابقه في الوجود على الاخيره، وبالتالي غير متوقفة عليها(وجودا أو عدما)، بينما الاخيره”الحركة السياسية القومية بمذاهبها المتعددة” يتوقف وجودها على الأولى ” القومية كعلاقة انتماء إلى أمه” ، اى أن وجود اى مذهب من مذاهب الحركة السياسية القومية، يتوقف على مدى نجاحها أو فشلها في  التعبير عن القومية كعلاقة انتماء إلى أمه ، ومدى نجاحها أو فشلها في تحقيق أهداف ومصالح الامه. وبناءا على هذا التمييز، فان الانحياز إلى الشعب السوري، واحترام إرادته في تغيير النظام السياسى السوري، لا يتناقض مع القومية كعلاقة انتماء إلى الامه بل يتسق معها، لان هذا النظام قد فشل في التعبير عن القومية كعلاقة انتماء حضاريه إلى أمه، وفشل في تحقيق مصالح الامه بانحرافه إلى الطائفية كعلاقة انتماء عنصريه عشائرية قبليه ، وتقديمه للمصالح الطائفية على المصالح القومية. كما أن الانحياز إلى الشعب السوري، واحترام إرادته في تغيير النظام السياسى السوري، لا يتناقض مع الأصول الفكرية للبعث ويتسق معها، لان هذا النظام قد انحرف عن هذه الأصول ، عندما تبنى نظام حكم استبدادي ،بينما الأصول الفكرية للبعث تتبنى الحرية كغاية للنضال العربي ( بالاضافه إلى غايات الوحدة والاشتراكية)، لذا نجد العديد من الشخصيات والكتاب والمفكرين البعثيين الذين انحازوا إلى الشعب السوري في ثورته، وأدانوا القمع الوحشي الذى يمارسه النظام السوري .يقول  القيادي البعثى اليمنى  على الاسدى  رئيس تحرير صحيفة “الأضواء” ( أن دعم النظام السوري ضد شعبه تحت مسميات دعم الممانعة والمقاومة رهان خاسر، وضحك على الذقون، وانتحار سياسي محقق للنظام السوري وللقيادة القومية ولحزب البعث العربي الاشتراكي حاضرا ومستقبلا في سوريا واليمن) و(نحن مع مطالب الشعب السوري وحقه في الحرية والتغيير كما كان موقفنا في ثورة اليمن، لأنه لا يجوز أن نكون ثوارا في اليمن، وشبيحة في سوريا) و( أن على الرئيس السوري بشار الأسد والقيادة القومية في حزب البعث في سوريا ان يختار الآن إما خروجا مشرفا كما فعل الرئيس اليمني السابق، وإما القتل والسحل في شوارع دمشق كما كان مصير العقيد القذافي)( الجزيرة نت). ويقول  المفكر السوداني ذو التوجه البعثى د. عبد العزيز حسين الصاوي( حني لو صدق المرء الرواية السورية الرسمية الخيالية بأن هذه الجموع التي تخرج كل يوم جمعه ميممة شطر  الموت المنهمر مدراراً، واقعةٌ تحت سيطرة مجموعات من المندسين وعملاء أمريكا الصهيونية والسلفيين، فأن القيادة السورية تقف عارية مدانة أمام الضمير الإنساني بتخليها عن الواجب البديهي لأي حكومة في عالم اليوم وهو حماية مواطنيها. العقاب الجماعي المتدفق أمواجاً من شرق سوريا إلي غربها ، ومن جنوبها إلي شمالها ،اعتقالات جماعيةً وحصاراً للمدن وقتلاً عشوائياً، هو شيمة الأنظمة الفاشية والنازية التي عفا عليها الزمن وأصبحت أشباهها الان علي طريق لاتجاه واحد نحو المحكمة الجنائية الدولية. أي عقلٍ غبي هذا الذي  يصدق أن مفكرين قياديين مثل الطيب تزيني ويس الحاج صالح وفايز ساره وميشيل كيلو ورضوان زياده يمكن ان يصبحوا أدوات لمؤامرة صهيونية- امريكية ضد بلدهم وشعبهم؟ لو ان حزب البعث العربي الاشتراكي بقي أميناً لمواد دستوره التأسيسي  كحزب عام 1947 ولروح وتوجهات المرحلة التي ولد فيها، بدلا من الانزلاق الي دستور سوريا الحالي بمادته الثامنة التي تطوبه ” قائداً للدولة المجتمع ”  مديراً ظهره، عنفاً ومقتلة، لروح وتوجهات عصر الديموقراطيه، وهو نفس الوضع الذي كان سائدا في عراق- صدام، لكانت هذه النوعية من المثقفين في صفه وليس ضده.)  ( لا يبقي له إلا بعض الدم السوري، والعراقي أيضاً، في عنقه . جريدة الصحافة 30 مايو 2011 ).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s