التغيير بين المنظورين السياسى والحضاري

العلاقة بين أبعاد التغيير: التغيير في منهج المعرفة الاسلامى،  فعل ذو أبعاد متعددة متفاعلة ، أما تحديد العلاقة بين هذه الأبعاد ، فيتوقف على مدى شمول الرؤية المستخدمة في تحديد طبيعة هذه العلاقة:

الرؤية الجزئية(التغيير السياسى):  فهناك الرؤية الجزئية للعلاقة بين هذه الأبعاد، والقائمة على التركيز على بعد معين وتجاهل الأبعاد الأخرى، كمحصله للنظر إلى هذا البعد ككل قائم بذاته ومستقل عن الأبعاد الأخرى . ونموذج لهذه الرؤية الجزئية مذهب التفسير السياسى للدين،الذي هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة،كرد فعل على العلمانية  التي نفت اى علاقة بين الدين والدولة، ويقوم  هذا المذهب على تأكيد واثبات العلاقة  بين الدين والسياسة ، ولكنه يتطرف في هذا التأكيد والإثبات،إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، لا علاقة ارتباط ووحده، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين، فضلا عن اعتباره أن الامامه أصل من أصول الدين ، وهو بالتالي يتناقض مع التفسير الديني ” الاسلامى – الشرعي” للسياسة، الذي يجعل الدين هو الاصل والسلطة هي الفرع،اى يصبح الدين بالنسبة للسلطة، بمثابة الكل للجزء ،يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، فضلا عن تناقضه مع مذهب أهل السنة والقائم علىأن الامامه من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما يرى المذهب الشيعى، يقول الإيجي (وهي عندنا من الفروع  ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا )(المواقف : ص 395)  .

الرؤية الشاملة(التغيير الحضاري):آما الرؤية الشاملة للعلاقة بين الإبعاد المتعددة للتغير، فلا تستبعد اى بعد من أبعاده، لأنه يمثل درجه من درجات التغيير، تتفاوت في مدى محدوديتها أو شمولها، وتطبيقا لهذه الرؤية نقدم تفسير معين للعلاقة بين الأبعاد السياسية والحضارية للتغيير، يجعل العلاقة بين البعدين الأخير والأول، كعلاقة الكل بالجزء يحده فيكمله ويغنيه .

اولا: التغيير السياسى: ومضمونه تغيير النظم السياسية رغم ثبات البنية الحضارية للمجتمع، وهذا النوع من أنواع التغيير، هو اقل محدودية من التغيير الحضاري، لأنه تغيير للنظم، وهو ما لا يقتضى تغيير البنية الحضارية.

أنماط التغيير السياسى:

الديموقراطيه:  وقد عملت المجتمعات الغربية التي تلتزم بالليبرالية كفلسفة ومنهج  معرفه على تحقيق هذا البعد من أبعاد التغيير من خلال التزامها  بالديموقراطيه (الليبرالية).أما في إطار الفكر السياسى الاسلامى المعاصر هناك موقفين من مفهوم الديموقراطيه وهى:أولا: الرفض المطلق (التقليد):  ويقوم على الرفض المطلق لمفهوم الديموقراطيه اى رفض كل دلالاته .ثانيا:الموقف النقدي:  ويقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى أن يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه،وهو ما يتحقق من خلال  الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعبضد استبداد الحكام. أما الدلالة الخاصة المنفردة  للمفهوم اى الديموقراطيه الليبرالية ، فيقوم الموقف الصحيح منها على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما .هذا الموقف يقوم  إذا على قبول مفهوم الديموقراطيه بعد تقييده بالمفاهيم الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه،والتي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للتنظير والممارسة السياسية.

قضيه تقييد فتره الحكم: حرضت النظم السياسية الديموقراطيه الليبرالية على تحديد فتره حكم الحاكم من خلال تحديد عدد دورات ترشحه( وتحديد مده كل دوره أيضا)، أما في إطار الفكر السياسى الاسلامى المعاصر ، فان هناك ثلاثة مواقف من هذا الإجراء الفني الديموقراطى ،الموقف الأول يرفضه باعتبار أن الإسلام لا يحدد فتره زمنيه للحكم ،هذا الموقف يتجاهل أن الفكر السياسي الاسلامى يستند إلى مجموعه من المفاهيم المطلقة عن قيود الزمان والمكان، وبالتالي صالحه لكل زمان ومكان، أهمها مفهوم الشورى ،  أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين فقد ترك الإسلام  للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، وهذا الإجراء الفني  لا يتصل بالمفاهيم المطلقة للفكر السياسى الاسلامى،بل يتصل بكيفية اقامه السلطة في زمان ومكان معينين. ولا يصح الاحتجاج بان فتره الخلافة الراشدة لم تعرف أو تتقيد بهذا الإجراء ، لأنه لا يمكن لأحد أن يبلغ مقام الصحابة، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)( الراوي: أبو سعيد الخدري/ المحدث: البخاري / المصدر: صحيح البخاري / الرقم: 3673/خلاصة الدرجة: صحيح).أما الموقف الثاني فيقبله باعتباره إجراء فني يتصل بالفروع الاجتهادية، التي يمكن للمسلمين فيها الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى. أما الموقف الثالث فلا يحدد فتره الحكم من جهة من خلال عدم تحديد عدد دورات ترشح الحاكم ، ولكنه يحدده من جهة تحديد مده كل دوره ترشح.

الثورة: كما أن التغيير السياسى يتحقق أيضا من خلال الثورة، وقد اختلف علماء أهل السنة في الأخذ بالثورة “التي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر” كأسلوب للتغيير إلى مذهبين، المذهب الأول: المنع وهو مذهب العديد من العلماء كالإمام الاشعرى وابن تيميه وغيرهما،المذهب الثاني الإيجاب ، ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311). ومن الواضح أن كما كلا المذهبين مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها، اى مدى ترجيح كل مذهب للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الجائر، أو المفسدة التي قد تلزم  من خلعه. والمذهب الذى نرجحه ، والذي يجمع بين مضمون المذهبين السابقين ، هو تقسيم الحكم على خلع الحاكم الجائر إلى: أولا: حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته حسب درجه امكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق خلعه ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منه، دون المنع، بالالتزام بجمله  من الضوابط ألتكليفيه والتكوينية أشار إليها الفقه السياسي الاسلامى . وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحاله الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من خلعه ، ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك، وذلك عند استحالة الالتزام بهذه الضوابط (وهو ما يقابل في علم اجتماع الثورة الحديث عدم قيام الثورة  في حاله عدم اكتمال توافر كل شروطها) .

معوقات التغيير السياسى:

الاستبداد: و التغيير السياسى يعوق فاعليته الاستبداد ، بما هو انفراد فرد أو فئة بالسلطة دون الجماعة (الشعب)، وهو ما يتناقض مع تقرير الإسلام أن السلطة السياسية (التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر)مخوله بموجب التمكين العام للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 ).ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين )، وبالتالي فان شيوع الاستبداد في المجتمعات المسلمة لا يرجع إلى الإسلام كدين، بل هو محصله عوامل داخليه وخارجية متفاعلة.

ثانيا: التغيير الحضاري: ومضمونه تغيير البنية كنسق حضاري . وقد تعددت تعريفات البنية، والتعريف الذى نأخذ به للبنيه هو تعريفها بأنها : نسق يتضمن أنماط التفكير (الذاتية)،والنظم الاجتماعية” السياسية الاقتصاديه ، الثقافية…” (الموضوعية)، ومجموعه  من القواعد التي تحددها.كما تعددت تعريفات الحضارة ، والتعريف الذى نأخذ به هو تعريفها بأنها :  نسق معرفي عقائدي مركب يتضمن العقائد والشرائع والقيم والأعراف… فالبنية طبقا لهذا التعريف هي نسق حضاري، ذلك أن مجموعه القواعد التي تحدد أنماط التفكير والنظم الاجتماعية هي جزء من الهيكل الحضاري ، كما أن أنماط التفكير والنظم الاجتماعية هي جزء من البناء الحضاري.ومضمون هذا التغيير هو إلغاء التناقض وتحقيق الاتساق بين أصول الدين التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة (باعتبارها المصدر الاساسى للهيكل الحضاري للشخصية المسلمة )، وأنماط التفكير والنظم الاجتماعية (باعتبارها جزء من البناء الحضاري حول هذا الهيكل الحضاري) ، وهذا الاتساق إنما يتحقق من خلال تحرير العقل المسلم من أنماط التفكير: الخرافي والاسطورى والبدعى، والالتزام بأنماط التفكير: العلمي، والعقلاني الذى لا يتناقض مع الوحي، والاجتهادي.ومن خلال تحديد النظم الاجتماعية : السياسية ، الاقتصاديه، التربوية …  بمفاهيم وقيم وقواعد الدين_ وليس من خلال إلغائها-.وهذا التغيير الحضاري هو أكثر شمولا من التغيير السياسي ، لأنه تغيير يجمع بين تغيير أنماط التفكير وتغيير النظم الاجتماعية.

الديموقراطيه والسياق الحضاري : وهذا التغيير الحضاري يحد كل من التغييرين السياسى والادارى ، واتساقا مع هذا فإننا نقرر أن كون الديموقراطيه هي أسلوب حل المشاكل الاجتماعية لا يعنى هذه أن المشكلات ستحل تلقائيا بمجرد الالتزام بالديموقراطيه – كما يلزم من المفهوم الليبرالي للديموقراطيه أو الرؤية الجزئية للعلاقة بين أبعاد التغيير المتعددة-، إنما يعني فقط أنها أصبحت قابلة للحل. أما حلها فعلا فيتوقف على مدى كفاءة الناس في كل مجتمع على حدة: التقدم الثقافي والتقدم العلمي والتقدم الفني. وتلك عناصر تتحدد تبعا للواقع الحضاري في كل مجتمع في كل مرحلة تاريخية معينة.

أنماط التغيير الحضاري:

الإصلاح: هذا البعد من أبعاد التغيير(التغيير الحضاري) يتحقق من خلال الالتزام بمفهوم الإصلاح، وقد ورد مصطلح الإصلاح فى القران الكريم بعده معاني ، والتعريف الذى نرجحه لمفهوم الإصلاح منظور إليه من زاوية منهجيه، هو تعريفه بأنه:تغيير تدريجي جزئي سلمى.ويأخذ الإصلاح كنمط للتغيير أشكال عده أهمها التقويم الذى عبر عنه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني)، والتقويم يعبر عن موقف يتجاوز كل من موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على اخذ  وقبول الصواب، ورد ورفض الخطأ،  فهو نقد للسلطة لتقويمها اى بهدف الكشف عن أوجه قصورها عن أداء دورها . ومن أشكال الإصلاح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم )، يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه … بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).أما عن العلاقة بين الإصلاح والثورة فإننا نلاحظ ان مذهب الجمع بين الإصلاح والثورة ، يعبر عن الرؤية الشاملة للعلاقة بين الإبعاد المتعددة للتغير، التي تستبعد اى بعد من أبعاده، كما إن مذاهب الإفراد( التي تتطرف في التأكيد على نمط تغيير معين ،  إلى درجه إلغاء نمط التغيير الأخر) هي أشكال مختلفة للرؤية الجزئية للعلاقة بين الأبعاد المتعددة للتغيير، والقائمة على التركيز على بعد معين للتغيير وتجاهل الأبعاد الأخرى.

معوقات التغيير الحضاري:

الإفساد في الأرض : كما أن التغيير الحضاري يعوق فاعليتهالإفساد في الأرض ، وقد ورد لفظ الفساد في القران الكريم للدلالة على عده  معانٍ : كالشرك والمعاصي و ما يترتب على ذلك من انقطاع الصيد في البحر والقحط في البر كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) ( الروم الآية41)،أو الطغيان والتجبر والاستبداد كما في قوله تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)(البقرة:204-206)،وقوله تعالى(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)(الفجر:11-13) ، وقوله تعالى (للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (سورة القصص:83)،أو عصيان أوامر الله كما في قوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً،إن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض …) (سورة المائدة الآية33)،ويدخل ضمن إطار الإفساد في الأرض مفهوم الفساد طبقا لدلالاته الحديثة التي مضمونها( إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص(  .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s