مستقبل ثوره الشباب العربي

تمهيد:  تتناول هذه الدراسة المواقف المتعددة من  مستقبل  ثوره الشباب العربي، التي اندلعت شرارتها الأولى في تونس، ومنها انتقلت إلى مصر، ثم إلى اليمن وليبيا وسوريا، والتي أثمرت سقوط العديد من النظم الاستبدادية، والتي ما زالت آثارها تتفاعل ،  والحديث هنا مقصور على تحديد طبيعة العلاقة بين ثوره الشباب العربي ومستقبل الدول العربية التي لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد، ويمكن إجمال هذه المواقف في ثلاثة مواقف أساسيه هي:

الموقف الأول: الفصل: ينفى  وجود اى علاقة بين ثوره الشباب العربي ومستقبل الدول العربية التي لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد، هذا الموقف يلزم منه منطقيا (وقد لا يعي أصحابه هذا اللزوم المنطقي، بل قد يتبنون إيديولوجيات تتناقض معه)، تحويل الجزء إلى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره، فضلا عن إنكار سنه(قانون)التأثير المتبادل.

وهو موقف يقوم على ترك الامتداد التلقائي للظروف،مما يؤدى (موضوعيا) إلى اكتمال توافر الشروط الذاتية للثورة نهاية المطاف(بعد سلسله من الهبات والانتفاضات الشعبية)، ومن ثم  يؤدى إلى تحقق الثورة (كظاهرة اجتماعيه تتحقق حتما عند تتوافر شروطها)، بصرف النظر عن النوايا (الذاتية) لأصحاب هذا الموقف.

الانفراد بالسلطة : الاستمرار في الانفراد بالسلطة،مع مشاركه صوريه لبعض قطاعات المعارضة ، مع عزل اغلب قطاعات الشعب عن الممارسة السياسية ،وكما هو معلوم فان الاستبداد السياسى هو السبب الاساسى للثورات..

القبول المطلق للخصخصة : فهو موقف يقوم  في المجال الاقتصادي على الاستمرار في اتخاذ موقف القبول المطلق للخصخصة(الاليه الاساسيه  للنظام الاقتصادي الراسمالى)، بحجه انه في ظل هذه الخصخصة تم تحقيق قدر كبير من التقدم الاقتصادي، لكن هذا الموقف يتجاهل حقيقة أن الذى يستفيد من  التقدم الاقتصادي في اى نظام اقتصادي راسمالى هم الاقليه وليس الاغلبيه، لذا كانت بداية ثوره الشباب العربي في الدول العربية التي اتخذت موقف القبول المطلق من الخصخصة ( تونس ومصر)، فضلا عن العديد من الثورات الشعبية التي قامت من قبل(نهاية القرن السابق وبداية الالفيه الجديدة)، في العديد من دول العالم الثالث (كإندونيسيا والأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرهم)، ضد انظمه اتخذت ذات الموقف من الخصخصة( تحت شعار الليبرالية الجديدة، وبتوصية  من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ).

الفساد: الاستمرار في توفير الظروف التي تمهد للفساد كعدم وضع ضوابط للمنافسة بين القطاعين العام والخاص ،واتخاذ موقف القبول المطلق من الخصخصة،وكما هو معلوم فن الفساد هو احد أسباب الثورات.

المقياس الخاص للاستقرار: كما أن هذا الموقف يقوم في المجال القانوني على وضع مقياس خاص واستثنائي للاستقرار غير المقياس القانوني  له ،وهو الذى لن يؤدى فى خاتمه المطاف إلا إلى عدم الاستقرار ، إذ لا يستطيع أحد من الناس وهو يمارس حياته ويدخل في علاقات خاصة أو عامة مع غيره أن يعرف مقدما أن ما يقوم به يطابق أو لا يطابق  مع  هذا المقياس الخاص.

التركيز على العوامل الخارجية : كما أن هذا  الموقف يركز في تفسير الأحداث على العوامل الخارجية،ويتجاهل  – او يقلل من أهميه -العوامل الداخلية. وهو بذلك يتبنى  نظريه المؤامرة  التي تحمل القوى الخارجية(الامبريالية، الصهيونية) المسئولية وتوجه الادانه إليها ، و تعفى القوى الداخلية(الحكومات العربيه) من اى مسئوليه  أو ادانه.

 الموقف الثاني: التطابق: يرى أن هناك علاقة بين ثوره الشباب العربي ومستقبل الدول العربية التي لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد ، وهى علاقة تطابق، اى تطابق مستقبل الدول التى لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد، مع مصير الدول العربية ، التي قامت فيها ثوره الشباب العربي، من حيث قيام ثوره شعبيه أدت إلى سقوط النظم السياسية الحاكمة في هذه الدول.

هذا الموقف يلزم منه منطقيا( وقد لا يعي أصحابه هذا اللزوم المنطقي، بل قد يتبنون إيديولوجيات تتناقض معه) أن  الوجود العام يلغى الوجود الخاص، وبالتالي فان تقرير الوجود العام  القومي يترتب عليه إلغاء الوجود الخاص الوطني.

كما أن بعض من يتبنى هذا الموقف يستند إلى تصور مثالي للتغيير مضمونه القفز مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون ، وهو ما يتناقض مع التصور العلمي للتغيير ،والقائم على التدرج بالانتقال بالواقع مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، إلى ما ينبغي أن يكون.

الموقف الثالث : الارتباط والتمييز: أما الموقف الثالث من العلاقة بين ثوره الشباب العربي ومستقبل الدول العربية التي لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد ، فيرى  أيضا أن هناك علاقة بينهما ، ولكنه يجعل هذه العلاقة علاقة ارتباط وتمييز ، لأنه يستند إلى فكره مضمونها  أن الوجود العام لا يلغى الوجود الخاص، بل يحده كما يحد الكل الجزء فيكمله و يغنيه.

هذا الموقف يرى  أن تأثر مستقبل الدول العربية التي لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد (وتأثيره عليها  أيضا)هو محصله للتأثير المتبادل كسنه إلهيه (قانون) كليه ، كما انه محصله للروابط الموضوعية(الجغرافية،التاريخية،الاجتماعية،الحضارية…)التي تشد أجزاء الامه رغم التجزئة، غير أن هذا الموقف يرى أن هذا التأثير مقيد وليس مطلق ، ويتمثل هذا التقييد في أن توفر أو لا توفر الظروف السياسية  والاجتماعية والاقتصادية (الخاصة بواقع كل دوله عربيه) الشروط الموضوعية  والذاتية للثورة.

دور المثقفين : هذا الموقف يرى أن من واجب  المثقفين (كطليعة للشعب وليس كنخبه منفصلة عنه) هو احترام اراده الشعب ، كما تتجسد في اختاره كيفية التغيير” تغيير جزئي اصلاحى او تغيير كلى ثوري”وتوقيته.. ، وان يقتصر دورهم  على الكشف عن السنن الالهيه(القوانين) التي تضبط حركه التغيير،والكشف عما يتسق معها من آليات التغيير الذى يعبر عن اراده الشعب، أما دعوه الشعب  إلى الثورة ، بدون العمل على توفير الشروط الذاتية لها”بإيجاد طليعة ذات وعى معرفي واراده أخلاقيه للتغيير” (كما عند بعض أنصار الموقف الثاني)،أو دعوته إلى عدم القيام بالثورة، بدلا من العمل على القضاء على العوامل التي تؤدى إليها(كالفقر والبطالة…)( كما عند  بعض أنصار الموقف الأول)، فهو يتناقض مع حقيقة أن الثورة  ليست فكره( ذاتيه) ذات مضمون معرفي محدد ، بل هي فعل جماعي تلقائي، تضبط حركته سنن إلهيه (قوانين) موضوعيه، (غير متوقفة على الوعي أو عدم الوعي بها)، كما أنها  ليست قرار فردى ارادى (اختياري)، بل هي ظاهره اجتماعيه تتحقق (حتما) في حال توافر شروطها.

الفعل التراكمي:كما أن هذا الموقف يرى ان تعريف الثورة بأنها تغيير فجائي هو تعريف صحيح  من ناحية شكلها النهائي ، لكن هذا الشكل النهائي له جذور سابقه ،وبالتالي يمكن وصفها – بالنظر إلى هذه الجذور- بأنها فعل تراكمي .وهنا يتضح لنا خطاْ الموقفين السابقين لان كليهما يتجاهل هذه الخاصية التراكمية للثورة، من خلال عزل الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية عن الثورة في الموقف الأول، والحديث عن فوريه الثورة” اى امكانيه قيامها فى اى وقت” في الموقف الثاني.

الواقع العربي: كما أن هذا الموقف يرى أن التحليل  المنهجي للواقع العربي (السياسى الاجتماعي الاقتصادي …) يكشف لنا عن عدم اكتمال توافر الشروط الذاتية للثورة (والتي تتمثل  في أن هذه الظروف ، لم تسمح للممارسة الديمقراطية ،بان تتعمق وتنمو إلى الحد الذي تستطيع فيه الجماهير امتلاك المقدرة الشعبية على فرض إرادتها )، في الدول العربية التي لم تنتقل إليها هذه الثورة بعد، نتيجة لعوامل متعددة (كشيوع القبلية والطائفية ، وضعف مؤسسات المجتمع المدني…)، رغم توافر شروطها الموضوعية(وتتمثل في أن هذه الظروف تحول دون تغيير هذا الواقع ، من خلال حل مشاكل اغلب الشعب).

خياران: وطبقا لهذا التحليل فان هناك خياران أمام النخب السياسية العربيه( الحاكمة والمعارضة).

الأول: المساهمة فى اكتمال توافر الشروط الذاتية للثورة، ومن ثم تحققها (كظاهرة حتمية تتحقق حتى متى توافرت شروطها )سواء بغير قصد (كما في حاله ترك الامتداد التلقائي للظروف، مما يؤدى موضوعيا إلى اكتمال توافر الشروط الذاتية للثورة في نهاية المطاف، ، او بقصد(كما في حاله العمل على إيجاد طليعة ذات وعى معرفي واراده أخلاقيه للتغيير).

الخيار الثاني:  الحيلولة دون الامتداد التلقائي للظروف، والانتقال بالواقع مما هو كائن إلى ما هو ممكن، بتغيير الواقع بالممكن، هذا الخيار مقصور على حاله عدم اكتمال توافر شروط الثورة (وبالتالي يصبح في حال اكتمال توافرها عديم الجدوى) ،،كما انه الخيار الوحيد الذى يمكن أن  يحول دون قيام الثورة ، لأنه يحول دون اكتمال توافر شروطها، خلافا لاستخدام القوه للحيلولة دون  تحقق الثورة ، الذى يساهم في اكتمال توافر الشروط الذاتية للثورة” من خلال زيادته لنطاق و حده السخط على النظام” ، ومن ثم يساهم في تحقق الثورة(كظاهرة حتمية متى توافرت شروطها)، كما يساهم في إلغاء طابعها السلمي أيضا. هذا الخيار يقوم على:

الحوار:الحوار بين القوى السياسية والتيارات الفكرية ، من اجل الالتقاء على المشترك من الثوابت الوطنية والقومية .

الموقف النقدي من الخصخصة: تجاوز موقفي القبول المطلق أو الرفض المطلق للخصخصة ، إلى الموقف النقدي منها و قائم على: التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد ، مع العمل على إصلاح القطاع العام ،وعدم خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية،وضمان ديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة ، وتوجيه القطاع الخاص والاستثمار الاجنبى نحو المجالات الانتاجيه التي تحقق الفائدة للمجتمع لا المجالات الاستهلاكية على حساب المجتمع، وتفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة كالجمعيات التعاونية والنقابات…

المقياس القانوني للاستقرار: الحفاظ على الاستقرار  طبقا للمقياس القانوني،اى  اتفاق علاقات الناس مع القانون .

مكافحة الفساد: : وضع  آليات وقوانين لمكافحه الفساد مثل : وضع ضوابط للمنافسة بين القطاعين العام والخاص  كدعم القطاع العام ، وتفعيل الرقابه فيه ،وتحفيز العاملين به ، وان يكون لكل قطاع مجالات محدده مقصورة عليه وحده .و بالتالي بحيث يصبح  من غير الممكن أن تنتقل قوة العمل أو الاستثمارات أو الأدوات أو البضائع أو الخدمات… من القطاع العام إلى القطاع الخاص أو العكس .و تطوير نظام اختيار وتعيين وترقية العاملين اعتمادا على مبدأ الكفائه وليس الولاء،وإصدار قوانين صارمة لمكافحة الفساد وتطبيق مبدأ من أين لك هذا.

الربط بين الداخل و الخارج: العمل على تحقيق الحرية بدون تجاهل لأحد المشكلتين( الاستبداد والاستعمار)،اى من خلال الربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والتبعية الخارجية،باعتبار أن الأول هو قيد داخلي على حرية الشعوب ، بينما الثانية هي قيد خارجي عليها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s