قراءه منهجيه للخطاب التجديدي عند د. الترابي

قراءه منهجيه للخطاب التجديدي عند د. الترابي

د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@hotmail.com

تمهيد:هذه الدراسة هي قراءه منهجيه للخطاب التجديدي عند د. الترابي، وهى قراءه تستند إلى موقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق لهذا الخطاب، إلى موقف تقويمي (نقدي) مضمونه تناول مفاهيم هذا الخطاب من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة، هذه القراءة تخلص إلى أن  لهذا الخطاب جوانب ايجابيه ، كما أن له  جوانب سلبيه ومن  أهمها  : أن هذا الخطاب لم يستطيع،في تناوله لبعض القضايا ، أن يتجاوز موقفي التقليد والتغريب، حيث انه  اتخذ موقف  يقارب الموقف التغريبي من بعض القضايا، رغم أنها  تتصل بأصول الدين،نتيجة لأسباب عديدة أهمها عدم تحديد هذا الخطاب لضوابط التجديد، في تناوله لهذه القضايا  ، كما أن هذا الخطاب اتخذ موقف لا يختلف في مضمونه عن الموقف التقليدي ، من بعض هذه القضايا، رغم أنها تتصل بفروع الدين الاجتهادية،  نتيجة لأسباب عديدة أهمها: أنه ظل يتراوح بين التفسير الديني للسياسة و التفسير السياسى للدين.وترى هذه القراءة  انه  لا يمكن تحرير هذا الخطاب من هذا الجانب السلبي ،إلا من خلال:أولا: الالتزام بضوابط التجديد،وتجاوز التفسير السياسى للدين(الذى يجعل السلطة هي الاصل والدين هو الفرع)،والالتزام بالتفسير الديني للسياسة(الذى يجعل الدين هو الاصل والسلطة هي الفرع)،وثانيا: الالتزام بالتقويم ببعديه (الموضوعي والذاتي) ، ومستوييه (النظري والعملي) ، أما  بعده الأول (الموضوعي) فيتضمن حمل نصوص هذا الخطاب ذات الدلالة ألعامه  التي يمكن  فهمها على عده أوجه على الوجه الصحيح (كما حدده السلف الصالح وعلماء أهل السنة) ما أمكن،أما بعده الثاني(الذاتي) فيتضمن رفع التعارض بعض مفاهيم وأحكام هذا الخطاب مع المعهود من مذهب أهل السنة،من خلال تقييد بعضها بالانتقال من مذهب الإجمال(الذى يضع حكما كليا بالنفي أو الإثبات) إلى مذهب التفصيل(الذى يميز بين الكيفيات المختلفة للمفهوم أو الحكم)،ومن خلال تصويب بعضها الأخر. أما مستوى التقويم الأول(النظري) فيتضمن ما سبق (وهو موضوع الدراسة)،أما مستواه الثاني (العملي) فيتضمن إلغاء اى تناقض بين المستويين النظري والعملي للخطاب ، أو بين المواقف المتعددة لمستواه العملي ، وهو ما يتحقق بإلغاء أسبابه، وأهمها  التجريد، اى تناول المفاهيم  العامة المجردة ، وعدم التطرق لمضمونها الخاص العيني، وهو ما يؤدى إلى عدم التقاء مستوى الخطاب النظري بمستواه العملي، وبالتالي  فانه لا يمكن تحقيق  هذا الالتقاء بين  هذين المستويين من مستويات الخطاب – ومن ثم تحقيق الاتساق بينهما،أو بين المواقف  المتعددة لمستواه العملي – إلا بانتقال هذا الخطاب من المجرد إلى العيني ،  بتحديد المضمون الخاص العيني  لمفاهيمه العامة المجردة .

المواقف المتعددة  من الخطاب التجديدي عند د. الترابي: تعددت المواقف من الخطاب التجديدي عند د. الترابي،غير انه يمكن تحديد ثلاثة مواقف أساسيه منه:

أولا: الرفض المطلق: فهناك أولا موقف الرفض المطلق لهذا الخطاب ، باعتبار انه يخالف أصول الدين  والفهم الصحيح للدين لها كما حدده السلف الصالح وعلماء أهل السنة.

ثانيا: القبول المطلق:وهناك  ثانيا موقف القبول المطلق لهذا الخطاب  باعتبار انه يتطابق مع الدين.

ثالثا: الموقف التقويمي(النقدى):

تقويم مفاهيم الخطاب: وهناك ثالثا الموقف الذى يتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين، إلى الموقف التقويمي أو النقدي، وهنا يجب التمييز بين النقد والنقض، فالنقد لغة: تمحيص الدنانير الصحيحة من الزائفة،واصطلاحا : هو موقف معرفي قائم على أخذ  وقبول ما هو صواب في  الراى، ورد ورفض ما هو خطأ فيه، أما النقض فهو ما يقابل الرفض المطلق. وقد دعي الإسلام إلى الالتزام بالموقف التقويمي(النقدي)، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، قال تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقال صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)،. وهو فيما نرى الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام كابن تيمية الذي يقول في التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت (الصوفية والتصوف) وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة … وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..). ومضمون هذا الموقف هو تناول مفاهيم هذا الخطاب من حيث اتفاقها أو اختلافها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة، وطبقا للفهم الصحيح لها ( كما حدده السلف الصالح وعلماء أهل السنة).

الجوانب الايجابية: هذا الموقف يرى أن  للخطاب التجديدي عند د. الترابي  جوانب ايجابيه ، تتمثل في مفاهيمه المتسقة مع أصول الدين.وأهمها التأكيد على ضرورة التجديد الاسلامى،لحل المشاكل  المتجددة، التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المتغير.

الجوانب السلبية: كما أن هذا الموقف يرى أن لهذا  جوانب سلبيه ، تتمثل في مفاهيمه التي تتناقض مع أصول الدين وطبقا للفهم الصحيح لها ( كما حدده السلف الصالح وعلماء أهل السنة).

إشكاليه عدم  تجاوز موقفي التقليد والتغريب:  ومن أهم الجوانب السلبية للخطاب التجديدي عند د. الترابي ، أن هذا الخطاب لم يستطيع ، في تناوله لبعض القضايا ، أن يتجاوز موقفي التقليد والتغريب، باعتبار أن هذا التجاوز هو شرط اساسى لتحقيق موقف التجديد الاسلامى،الذى اتخذه هذا الخطاب غاية له .

 القضايا ذات  الصلة بالأصول:  فالخطاب التجديدي عند د. الترابي،اتخذ موقف  يقارب الموقف التغريبي من بعض القضايا، رغم أنها  تتصل بأصول الدين:

أولا:الدلالة العامة وتعدد أوجه الفهم: حيث أن بعض نصوص هذا الخطاب ذات دلاله عامه يمكن فهمها على عده أوجه، بعضها يتسق مع الفهم الصحيح لها ( كما حدده السلف الصالح وعلماء أهل السنة)، وبالتالي يتسق مع موقف التجديد الاسلامى وبعضها يخالف هذا الفهم الصحيح، وبالتالي يقارب الموقف التغريبي. والتقويم الموضوعي (اى الذى ينبغي أن يقوم به نقاد هذا الخطاب) لهذه النصوص ، يتضمن حملها علي هذا الفهم الصحيح ما أمكن،وهنا نستأنس بقول ابن تيمية (وفي كلام أهل التصوف عبارات موهمة في ظاهرها بل وموحشة أحيانًا، ولكن تحتمل وجهًا صحيحًا يمكن حملها عليه، فمن الإنصاف أن تحمل على الوجه الصحيح … ) (مجموع الفتاوى /ص337)، ومقوله ابن تيميه السابقة هي تطبيق للقاعدة :”إذا احتمل القول الكفر على تسعه وتسعون وجه ، واحتمل الإيمان على وجه، واحد حمل على هذا الوجه”.

العلاقه بين الاديان: فبعض نصوص  هذا الخطاب ، ذات دلاله عامه يمكن فهمها على عده أوجه ، منها فهم انه يستند فى تفسيره للعلاقه بين الاديان الى نظريه وحده الاديان، ومن هذه النصوص قوله فى حوار مع جريدة الرأي العام (إنني أدعو إلى قيام الملة الإبراهيمية والتي ينطوي تحت لوائها كل الأديان السماوية). غير ان  هذه النظريه رفضها علماء أهل ألسنه لانها ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي تجعل علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي  انتفاء  الموضوعية،وبالتالى يجب حمل هذه النصوص– ما امكن- بمعنى تفسيرالعلاقه بين الاديان استنادا الى مفهوم وحده مصدرالاديان السماويه، الذى يعبرعن التصورالاسلامى للاديان، والذى مضمونه ان الله تعالى هومصدر كل الأديان السماوية ، وان  الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفي أو إلغاء  لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره أخر وارقي مراحل الوحي فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه،كما فى قوله تعالى﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، ﴾  ( المائدة:48) .

حكم الجهاد: كما أن بعض نصوص  هذا الخطاب ، ذات دلاله عامه يمكن فهمها على عده أوجه : منها فهم أن موقف هذا الخطاب من الجهاد هو القول بانتفاء وجوب الجهاد، من هذه النصوص قوله في ندوة تلفزيونية حول الشريعة ، ونشرتها جريدة الأيام السودانية في 6/11/1408هـ : ( القتالُ حكم ماض ، هذا قولٌ تجاوزه الفكر الإسلامي الحديث ، في الواقع الحديث ، ولا أقولُ إنَّ الحكم قد تغير ، ولكن أقول : إنَّ الواقع قد تغير ، هذا الحكم عندما ساد كان في واقع معين ، وكان العالم كلُّه قائماً على علاقة العدوان ، لا يَعرف المسالمة ، ولا الموادعة ، كانت امبراطوريات ، إما أن تعدو عليها أو تعدو عليك , ولذلك كان الأمر كلُّه قتالاً في قتال ، أو دفاعاً في دفاع إن شئت.وهذا الفهم يتعارض النصوص القطعية كقوله (صلى الله عليه وسلم)الحديث (الجهاد ماضي إلى يوم القيامة وإجماع الفقهاء على أن الجهاد فرض عين إذا دخل العدو ارض الإسلام. لذا يجب حمل هذه النصوص – ما أمكن- على معنى أن واقع العالم في الماضي لم يكن يسمح – إلا قليلا- بان تكون علاقة المسلمين  مع غيرهم هي علاقة سلم ما لم تتوافر شروط الجهاد، أو علاقة حرب في حاله توافر شروط الجهاد ، وهى: أولا: إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنته عنه ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله).  وثانيا: إخراجهم من ديارهم  ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).

العلاقة بين المذهبين السني والشيعي : كما أن بعض نصوص  الخطاب التجديدي عند د. الترابي، ذات دلاله عامه يمكن فهمها على عده أوجه : منها فهم  انه ينكر وجود فوارق بين المذهبين السني والشيعيومن  هذه النصوص قوله حيث سُئل في لقائه في جريدة المحرر 24/2/1415هـ : ( هل أنت على المذهب الشيعي ) ؟ , فأجاب : ( أنا لا أُسُمِّي نفسي شيعياً ولا سنياً , سني وشيعي لا تعني أنه يتبع سنة الرسول أو لا يتبعها , معناها حزب سياسي ، ومرشح لكلِّ حزب ، وأنا لا أصوت لهذا ولا لهذا ) .و قوله في لقائه في جريدة المحرر 24/2/1415هـ : ( أنا لستُ سُنياً , ولا أُدرك ما معنى السني والشيعي )، وهذا الفهم يتعارض مع حقيقة وجود خلافات بين المذهبين ذات طبيعة  دينيه(متمثله في الخلافات العقدية والفقهية بينهما ، والتي أسهب الباحثين في بيانها)،وذات طبيعة حضاريه ( تتمثل في أن المذهب السني بتفريعاته المتعددة قد أصبح جزء من البنية الحضارية للامه العربية “واغلب الأمم والشعوب المسلمة” ،كما أن المذهب الشيعي قد أصبح جزء من البنيه الحضارية للامه الايرانيه).لذا يجب حمل هذه النصوص على معنى السعي لتقليل من هوة الخلاف المذهبي، بما يحقق القدر المكن من الوحدة،من خلال الالتقاء على الأصول، والحوار حول الفروع.

تعريف التوحيد: كما أن بعض نصوص هذا الخطاب تعرف التوحيد تعريفا لغويا ( ومضمونه الجمع)، لكن يجب عدم الاكتفاء بالتعريف اللغوي ، بل أيضا التقيد بالتعريف الشرعي لمفهوم التوحيد هو  إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى، ومضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق”دوام كونه فاعلا” ،يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.). و مضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة” الغاية المطلب”، يقول ابن تيمية ( …. ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ….. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره).

ثانيا: مخالفه المعهود من مذهب أهل السنة : كما أن بعض مفاهيم وأحكام هذا الخطاب  تتعارض مع مذهب أهل السنة. و التقويم الذاتي (اى الذى ينبغي أن يقوم به مؤسس الخطاب والملتزمين به) يتضمن رفع  هذا من خلال تقييد بعضها بالانتقال من مذهب الإجمال(الذى يضع حكما كليا بالنفي أو الإثبات) إلى مذهب التفصيل(الذى يميز بين الكيفيات المختلفة للمفهوم أو الحكم)،ومن خلال إلغاء بعضها الأخر.

أولا: التقييد:  ومن المفاهيم والأحكام التي ينبغي رفع التعارض بينهما وبين مذهب أهل السنة بتقييدها (بالانتقال من مذهب الإجمال إلى مذهب التفصيل):

المهدي: نفى ظهور المهدي آخر الزمان ،وهو ما يتعارض مع مذهب اهل ألسنه في إثبات ظهور المهدي آخر الزمان استنادا إلى وجود أحاديث صحيحة عنه ،يقول ابن القيم في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف(وهذه الأحاديث – اى أحاديث المهدي- أربعه أقسام: صحاح وحسان و غرائب وموضوعه)، ورفع هذا التعارض لا يتحقق إلا من خلال تقييد هذا النفي بنفي التصور الشيعي للمهدي الذى  رفضه أهل السنة لأنه غير عقلاني(وبالتالي اسطورى)، يقول ابن القيم( ولقد أصبح هؤلاء عار على بني ادم وضحكه يسخر منهم كل عاقل)، وغير علمي(وبالتالي خرافي) يقول ابن كثير في كتاب الفتن والملاحم(وليس هو بالمنتظر الذي تزعم الرافضة ونرتجى ظهوره فى سرداب سامراء فان ذلك ما لا حقيقة له ولا عين ولا اثر) لأنه يستند إلى مفهوم الغيبة الذى يتناقض مع الموت كسنه إلهيه. وهو تصور ذو مصدر غير اسلامى، يقول ابن حزم(سار هؤلاء الشيعة في سبيل اليهود القائلين: أن الياس عليه السلام فنحاس بن العاذر بن هارون عليه السلام أحياء إلي اليوم وسلك هذا بعض ألصوفيه، فزعموا أن الخضر والياس عليهما السلام حيان إلي الآن)(ابن حزم، الفصل، ص4،س180)، وكذلك تقييد هذا النفي بنفي الفهم الخاطئ لبعض المسلمين للمهدي ، وهو ما يمكن ترجمته عمليا بتصحيح هذا الفهم الخاطئ ه  يقول الشيخ الألباني( إن كثيراً من المسلمين قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي ، وهذه خرافة وضلال ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة ، وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً بل هي كلها لا تخرج عن أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر برجل من أهل بيته ووصفه بصفات بارزة من أهمها أنه يحكم بالإسلام وينشر العدل بين الأنام فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة كما صح عنه صلى الله عليه وسلم)

نزول المسيح : نفى نزول المسيح بن مريم (عليه السلام) آخر الزمان باعتبار أن ذلك يتعارض مع ختم النبوة ، وهو ما يتعارض مع مذهب أهل السنة الذى يستند إلى أحاديث صحيحة منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله احد) ،يقول السفاريني الحنبلي في شرح منظومته (لوامع الأنوار البهية):( قد أجمعت الأمة على نزول عيسى بن مريم السلام عليه ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة)، ورفع هذا التعارض لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تقييد هذا النفي بنفي التصورات الخرافية والاسطوريه عن نزول عيسى(عليه السلام)، ذات المصادر غير الإسلامية ، مع ملاحظه أن نزول عيسى(عليه السلام) من الاشراط العظمى السماوية للساعة ، وبالتالي فهو مرتبط بعالم الغيب لا عالم الشهادة والسنن الالهيه التي تضبط حركته. اى انه باعتبار نبوته من أوائل الذين يبعثون يوم القيامة . فنزول عيسى (عليه السلام)آخر الزمان ما يندرج تحت مفهوم شهادة الأنبياء على أممهم يوم القيامة(وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليكم شهيدا)( النساء) ،وبالتالي لا يتعارض مع مفهوم ختم النبوة.

تجديد الدين: القول بان الأشكال التي أخذها الدين ليست هي أشكاله النهائية: حيث يقول  ( ليست الأشكال التي أخذها الدين في عهد من العهود هي أشكاله النهائية , وإنما يزدهر الدين بإذن الله في شكل جديد عهداً بعد عهد ) (تجديد الفكر الاسلامى ص38 )، وهو ما يتعارض العديد من النصوص كقوله تعالى (اليوم أكملت لكم ديني وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)،ورفع هذا التعارض لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين أصول الدين التي لا تجديد فيها ، وفروعه التي ينبغي التجديد فيها .

حجية أحاديث الآحاد: نفى حجية أحاديث الآحاد ، ورغم أن بعض الكتاب والمفكرين الإسلاميين المحدثين والمعاصرين قد نفوا حجية أحاديث الآحاد، إلا أن مذهب النفي المطلق (القائل أن أحاديث الآحاد ليست بحجه مطلقا ،باعتبار أنها ظنيه الورود،وبالتالي نفى كل الدلالات التي تشير إليها هذه الأحاديث)،يتعارض مع موقف السلف والائمه (احمد والشافعي وأبو حنيفة ومالك) وعلماء الحديث وأصول الفقه من أهل السنة ، والقائم على إثبات حجية أحاديث الآحاد لآحاد حجه ، مع اختلافهما في درجه حجيته إلى مذهبين المذهب الأول: الإثبات المطلق: القول بان أحاديث الآحاد حجه مطلقا، بالتالي إثبات كل الدلالات التي تشير إليها أحاديث الآحاد ،المذهب الثاني: الإثبات المقيد: اى القول بان أحاديث الآحاد حجه، لكنها ادني من الأحاديث المتوترة في درجه الحجية(الإلزام)، وبالتالي إثبات الدلالات التي تفيدها أحاديث الآحاد والتي لا تتناقض دلالات النصوص اليقينية الورود (كالقران الكريم  والأحاديث المتواترة )، لذا ينبغي تقييد هذا النفي  بنفي المساواة بين أحاديث الآحاد و الأحاديث المتوترة في درجه الحجية(الإلزام)” بالالتزام بمذهب الإثبات المقيد: ، مع وجوب رفض مذهب النفي المطلق( لأنه يترتب عليه رد قطاع غالب من الأحاديث النبوية.

تجديد أصول الفقه:  إن بعض نصوص  الخطاب التجديدي عند د. الترابي، ذات دلاله عامه ، يمكن أن يفهم منها أن تجديد أصول الفقه يقتضى إلغاء كل الاجتهادات السابقة في مجال علم أصول الفقه كقوله (لكن تتعقد علينا المسألة بكون علم أصول الفقه التقليدي الذي نلتمس فيه الهداية لم يعد مناسبا للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء، لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل بطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي)(. تجديد أصول الفقه الإسلامي  ص73(. ،وهو ما يتعارض مع فهم الأصوليون من أهل السنة  للمفهوم،و رفع هذا التعارض لا يمكن أن يتحقق إلا من عبر تقييد مفهوم تجديد أصول الفقه من خلال: أولا:  التميز بين ( أصول الفقه ) بمعنى القواعد (العامة ، المجردة، الملزمة)، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،والتي لا يجوز فيها الاجتهاد أو التجديد، وبين العلم بهذه الأصول بمعنى الاجتهادات فى علم أصول الفقه، والتي تعددت بتعدد المناهج المستخدمة فيه، ففي إطار أهل السنة هناك علم أصول الفقه الظاهري فى كتاب “الإحكام في أصول الأحكام” لابن حزم، وهناك علم أصول الفقه الشافعي كما يتمثل فى كتاب” الرسالة” للشافعي.  ثانيا:اتخاذ اجتهادات علماء أهل السنة في مجال علم أصول الفقه نقطه بداية لا نقطه نهاية لاى اجتهاد في هذا المجال .

منهج التفسير: كما  أن بعض نصوص هذا الخطاب، ذات دلاله عامه ، يمكن أن يفهم منها أن منهجه في التفسير-  ينطلق من إلغاء كل التفاسير و كل الاجتهادات في مجال علم أصول التفسير ،فعلى سبيل المثال يقول في كتابه( المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع) ص27 : ( وفي رأيي أنَّ النظرة السليمة لأصول الفقه الإسلامي تبدأ بالقرآن الذي يبدوا أننا محتاجون فيه إلى تفسير جديد , وإذا قرأتم التفاسير المتداولة بيننا تجدونها مرتبطة بالواقع الذي صيغت فيه , كل تفسير يُعبِّر عن عقلية عصره إلاَّ هذا الزمان لا نكاد نجد فيه تفسيراً عصرياً شافياً )، وهو ما يتعارض مع  منهج التفسير الذى اتبعه مفسري أهل السنة،ورفع هذا التعارض لا يمكن أن يتحقق إلا من عبر  تقييد مفاهيم “التفسير الجديد”  و”التفسير العصري” الواردة في النص بالالتزام بما اتفق عليه السلف وعلماء أهل السنة في مجال التفسير وأصوله، عند تفسير ما هو محكم في القران الكريم، مع مراعاة أن مصدر الإلزام هنا النص المحكم(الأصل)لا اتفاقهم على تفسير معين( أو قواعد معينه في علم أصول التفسير)،و اتخاذ اجتهادات السلف وعلماء أهل السنة على اختلاف مذاهبهم(حنابلة، أشاعره، ماتريديه ، طحاويه،أهل الظاهر) في مجال التفسير (و أصوله) نقطه بداية لا نقطه نهاية،عند تفسير ما هو متشابه في القران الكريم..

السلف: اعتبر الخطاب التجديدي عند د.الترابي أن أقوال السلف غير ملزمه ، وانه يمكن الاستئناس بها فقط ، دون تمييز بين موضوع هذه الأقوال هل يتصل بأصول الدين أم فروعه،  والسلف لغة الماضي و كل ما تقدم. أما السلف اصطلاحا فهم الصحابة والتابعون وتابعوهم من الأئمة الذين يقتدي بهم، يقول القلشانى( السلف الصالح، وهو الصدر الأول الراسخون في العلم، المهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الحافظون لسنته). وقد دعت النصوص جميع المسلمين إلى الاقتداء بالسلف الصالح:قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة:الآية100).وقال (صلى الله عليه وسلم)(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)( رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم. غير أن طبيعة الاقتداء بالسلف الصالح تختلف باختلاف موضوع أقوالهم  ،فإذا كانت أقوالهم تتصل بأصول الدين ممثله في النصوص يقينية الورود والقطعية الدلالة فان الاقتداء هنا يأخذ شكل  الالتزام بفهم السلف الصالح لهذه النصوص ، وما تتضمنه من عقائد وعبادات وأصول معاملات، لذا قال العلماء ان (قول الصحابي في الأمور التي لا مجال فيها للراى او الاجتهاد له حكم الرفع فالاستدلال والاحتجاج،وذلك حملا لقوله في هذا الباب على التوقف والسماع والتنصيص من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يظن بهم المجازفة في القول ولا يجوز أن يحمل قولهم على الكذب فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم)(علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري ،كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، دار الكتاب العربي ،1997، ط3،ج3، ص410.كما يأخذ الاقتداء هنا شكل إلغاء الإضافات التي طراءت علي فهم السلف لهذه الأصول ،اى البدع إذ البدعة هي بالاضافه إلى أصول الدين. أما إذا كانت أقوالهم تتصل بفروع ممثله في النصوص ظنيه الورود والدلالة فان مضمون الاقتداء بالسلف الصالح هنا هو الاقتداء بهم في اجتهادهم في وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، وذلك بالاجتهاد في وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها ، غير أن هذا لا يعنى إلغاء القواعد الفرعية التي وضعها السلف الصالح ،بل اعتبارها تجسيدا لماضي الامه وخبرتها، وبالتالي اتخاذها نقطه بداية لاجتهادنا لا نقطه نهاية له، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها كما هى ، او بعد الترجيح بينها ، أو وضع قواعد جديدة استجابة لمشاكل جديدة .

ثانيا: التصويب: ومن المفاهيم والأحكام  التي ينبغي  رفع التعارض بينها وبين مذهب أهل السنة بالتصويب:

قضيه تزوج المسلمة بالكتابي: اباحه زواج المسلمة من الكتابي حيث يقول في مجلة الإرشاد اليمنية ، محرم وصفر 1408هـ : ( أمرُ الزواج بين المسلمين وأهل الكتاب : فيُعتبر جائزاً بنصِّ الكتاب المسلم من الكتابية , وعكسه , غالب الفقهاء على غيره خشية الفتنة على المسلمة ، واعتبارات أُخرى تقديرية استُنبطت من النصوص ، لكن لا يُوجد قطعي صريح )، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة  من تحريم تزوج المسلمة بالكتابي استدلالا بالعديد من النصوص كقوله تعالى (ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم)، يقول الإمام الطبري( والقول في تأويل قوله تعالي “ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم” يعني تعالى ذكره بذلك: أن اللّه قد حرّم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك من أي أصناف الشرك كان، فلا تُنكحوهن أيها المؤمنون منهم، فان ذلك حرام عليكم … وعن قتادة والزهري في قوله تعالى “ولا تنكحوا المشركين” قال: لا يحل لك أن تنكح يهودياً أو نصرانياً ولا مشركاً من غير أهل دينك) (جامع البيان).

قضيه شهادة المراْه:  القول بان شهادة المراْه تساوى شهادة الرجل، حيث يقول (إن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل تماماً وتوازيه بل وأحياناً تكون أفضل منه وأعلم، وشهادتها أقوى منه)،وهو ما يخالف مذهب السلف وأهل السنة من شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين، استدلالا بقوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ،مع ملاحظه إن اشتراط الشريعة شهادة رجل أو امرأتين كما في الايه الكريمة، لا يرجع إلى نفى الشريعة للمساواة بين الرجل والمراْه، بل إلى زيادة منها في التوثيق وحفظا للحقوق ، كما اشترطت أربعه شهود من الرجال في إثبات جريمة الزنا لخطورتها، مع ملاحظه أن هناك حالات تكفى فيها شهادة مراْه واحده كما في الولادة. يقول الشيخ مصطفى السباعي( من الواضح أن هذا التفاوت لا علاقة له بالانسانيه ولا بالكرامة ولا بالاهليه… وان شهادة المراْه في حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادرا… والحقوق لابد من التثبت فيها… فليست مسالة كرامه أو أهانه أو أهليه وعدمها وإنما مسالة تثبت في الأحكام والاحتياط في القضاء فيها)( المراْه بين الفقه والقانون ،ص31-32) ويقول المستشار سالم البهنساوى (وهذا النقصان ليس له اثر في الفقه الاسلامى إلا في الشهادة على الأموال وذلك حفظا للحقوق كما هو الحال في اشتراط اربع شهود من الرجال لاقامه حد الزنا وشهادة المراْه وحدها في الولادة)(السنة المفترى عليها،ص232).
الردة: إنكاره تقرير عقوبة للردة ،كما في  قوله في جريدة المحرر عدد 263 في 24/2/1415هـ : ( في بلدي وأنا أدعو إلى حرية الحوار فإنني أترك للطرف الآخر أن يقول ما يشاء , بل إنني أقول : أنه حتى لو ارتدَّ المسلمُ تماماً وخرج من الإسلام ويُريد أن يبقى حيث هو فليبق حيث هو , لأنه : لا إكراه في الدين , وأنا أقول : ارتد , أو لا ترتد , فلك حريتك في أن تقول ما تشاء , بشرط أن لا تُفسد ما هو مشتركٌ بيننا من نظام ) ثم يقول : ( في إطار دولتنا الواحدة فإنه يجوزُ للمسلم كما يجوز للمسيحي أن يُبدِّلَ دينه ) ، وهو ما يخالف إجماع السلف وعلماء أهل ألسنه على تقرير عقوبة للمرتد استنادا لنص الحديث (من بدل دينه فاقتلوه)،كما يخالف  تقرير النصوص إن النهى عن الردة هو حد، وأن فعل الارتداد عن الدين هو جريمة حديه (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة: 217)، وان كان بعض الكتاب الإسلاميين المعاصرين- منهم محمد سليم العوا- قد خالفوا سابقيهم بقولهم أن  عقوبة الردة هي تعزير وليست حد، دون إنكارهم تقرير عقوبة للردة،مع ملاحظه أنهم لم يميزوا بين الردة المجردة والردة المغلظة(كما فعل ابن تيميه)، وأخيرا فانه يجب تقرير أن أساس مشروعيه عقوبة الردة أن الكفر- و الردة احد أشكاله فهي كفر طارئ- و لو كان عقيدة مضمره لا يضر الله شيئا سبحانه وتعالى، ولكنه يضرّ صاحبه والمجتمع الذي ينتمي إليه، لأنه يجرّد صاحبه من صدق الالتزام في تعامله مع الآخرين بقواعد التعامل الاجتماعي بين الناس التي جاءت في القرآن والتي تسمّى جملة “الإسلام”( د. عصمت سيف الدولة: رسالة في الكفر والإيمان).  بالتالي فان تقرير عقوبة للردة لا يتعارض مع تقرير الإسلام لحرية الاعتقاد.

نظريه التطور العضوي: القول بأن نظريه التطور العضوي لا تتناقض مع الإسلام،فقد  سُئل في لقاء صحفي: هل تقرون أن الإنسان ينحدر من سلالة القرد؟ فأجاب(لا أري في ذلك تناقضاً مع النص القرآني, كما في الإنجيل. يقول الإسلام أن الله خلق الإنسان من طين غير أن النباتات والحيوانات والإنسان تتركب من نفس العناصر. يجب الأخذ في الاعتبار هذه النظرية الأساسية ثم توسيعها) (الأنباء 24\1\1998). وهو ما يخالف مذهب أهل السنة القائل بمفهوم الخلق الذى أشارت إليه العديد من  النصوص كقوله تعالى(لَقَد خَلَقنَا الإنسَانَ فِي أحسَنِ تَقوِيمٍ.)(التين:4)، وقوله تعالى (الّذِي خَلَقَك فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ)(الانفطار:7)،وقوله تعالي(وَلَقَد خَلَقنَاكُم ثُمّ صَوّرنَاكُم ثُمّ قُلنَا لِلمَلَائِكَةِ اسجُدوا لأدم.) (الأعراف:11)) .

أصل الخلق: و القول  بأن حواء أصل الخلق وليس اّدم استنادا إلى أن لفظ (نفس) مؤنث في الاّية: (ياّ أيُّهَا النَّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسِ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثيِراً وَنِسَاءً.) (محاضرة: المرأة والبندقية)..وهو ما يخالف تفسير علماء  أهل السنة.

 إمامه المراه : ويقول بجواز أن تؤمَّ المرأة الرجال في الصلاة , وأن يُصلِّي النساء بجانب الرجال : حيث يقول في جريدة الشرق الأوسط عدد 9994 في 11/3/1427هـ : ( ليس هناك ما يمنع ذلك فقط ، يجبُ ألاَّ يلتصق الرجال بالنساء التصاقاً قوياً في الصفوف ، حتى لا تَحدُث الشهوة والانصراف عن الصلاة ) . وهو ما يخالف مذهب السلف وأهل السنة الذى يستند الى العديد من النصوص ومنها: إن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنهما قال: خطبنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) (لا تؤمَنَّ امرأة رجلا).

الحور العين : تفسير الحور العين بأنهم النساء الصالحات في الدنيا، حيث نقلت جريدة الشرق الأوسط عدد 9994 في 11/3/1427هـ قوله : ( الحور العين في الجنة هنَّ النساء الصالحات في الدنيا اللاتي يدخلن الجنة )،وهو يخالف تفسير أعلام التفسير من أهل السنة. .

الأخذ بقول الكافر  في الأمور العلمية : القول بأخذ قول الكافر وترك قول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) في الأمور العلمية: حيث يقول عن حديث الذباب في محاضرة له بجامعة الخرطوم بتاريخ 22/10/1402هـ : ( في الأمور العلمية يُمكن أن آخذ برأي الكافر ، وأترك رأي النبيِّ صلى الله عليه وسلم , ولا أجد في ذلك حرجاً البتة ) ،وهو ما يتعارض مع إجماع أهل السنة على عدم جواز تقديم قول اى شخص (مسلم أو كافر) على قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، لذا يجب رفع هذا التعارض  من خلال تصويب هذا القول بإلغاء هذا التقديم،  وتقييد الأخذ بقول الكافر  في الأمور العلمية بعدم وردود نص (ايه قرانيه أو حديث  للرسول “صلى الله عليه وسلم”).   ذلك ان للعلم مجالين : المجال الأول : يتصل بالمفاهيم والقواعد التي تضبط النشاط المعرفي العقلي (الاستدلالي) الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية، التجريدية التي تسبق البحث العلمي،وأصول المنهج العلمي، وهو المجال   الذى أطلق عليه اسم فلسفه العلم، واغلب النصوص التي  تتناول  الأمور العلمية  تتناول هذا المجال من مجالات العلم لأنه مجال ثابت ،أما المجال الثاني فيتصل بتفسير الظواهر( الجزئية، العينية) والقوانين الموضوعية (السنن الإلهية بالتعبير القرآني) التي تضبط حركتها، والتي معيار التحقق منها التجربة والاختبار العلميين ، وهو مجال العلم التجريبي. ،والنصوص هنا تناول هذا المجال من خلال مفهومي الترك والتعرض اى عدم التعرض لهذا المجال من مجالات العلم ،لأنه مجال متغير، مع قيام  بعض النصوص  بتفسير بعض الظواهر الطبيعية والانسانيه ،بهدف إثبات ربوبية الله تعالى وإلوهيته، وحث الناس على البحث العلمي في السنن الإلهية، التي تضبط الواقع الطبيعي والإنساني ، وهو ما أطلق عليه العلماء اسم الإعجاز العلمي، وهذه النصوص ملزمه مادامت يقينية الورود قطعيه الدلالة.

عذاب القبر: نفى عذاب القبر وهو ما يتعارض مع أجماع أهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، استدلالا بالعديد من النصوص، كقوله تعالى في حق آل فرعون ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]، وقوله تعالى في حق الشهداء (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله) (آل عمران : 169 – 170)، أما ما اختلفوا فيه فهو تحديد  طبيعة عذاب القبر ونعيمه،حيث نجد لهم مذهبين : المذهب الأول يقول أن عذاب القبر أو نعيمه هو عذاب أو نعيم مادي،والمذهب الثاني يقول انه عذاب أو نعيم حقيقي وغيبي، يقول ابن القيم(واعلم أن سعة القبر، وضيقه، ونوره، وناره ليس من جنس المعهود للناس في عالم الدنيا) ،وورد شرح العقيدة الطحاويه (ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها) (طبعه مكتبه الدعوة الاسلاميه ، القاهرة، ص392.

الأسباب: إن اتخاذ الخطاب التجديدي عند د. الترابي موقف  يقارب الموقف التغريبي من القضايا السابقة الذكر، رغم أنها  تتصل بأصول الدين ، هو محصله لأسباب عديدة أهمها عدم تحديده لضوابط التجديد – وبالتالي عدم التزامه بها- في تناوله لهذه القضايا، مع ما هو معلوم من أن عدم الالتزام بضوابط التجديد ، يؤدى إلى عدم التمييز بين الآراء الذاتية والاجتهاد الفقهي المجرد من بواعث صاحبه الذاتية،والقائم على قبول ما ثبت صحته بالدليل، سواء اتفق أو تعارض مع هذه البواعث.

ضوابط التجديد :

التمييز بين الأصول والفروع: لم يميز  هذا الخطاب بين الأصول والفروع عند تناوله لبعض القضايا (ومنها قضايا تجديد الدين وتجديد أصول الفقه) في حين  ان موقف التجديد الاسلامى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين الأصول والفروع،  ذلك أن التجديد في الاصطلاح الشرعي  فهو اجتهاد في فروع الدين المتغيرة، مقيد (محدود) بأصوله الثابتة، قال (صلى الله عليه وسلم) (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة ح رقم 3740، والحاكم في المستدرك 4/522) ، عرف العلماء التجديد في الحديث(بإحياء ما أندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة)(فيض القدير 1/ 10- 2/282.)، كما عرفوا المجدد بأنه من (له حنكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته) (فيض القدير 1/10، عون المعبود 11/389،391 )،  فالتجديد الوارد في الحديث هو باتفاق العلماء هو تجديد لفروع الدين(التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة)، مقيدا بأصوله(التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) ، ويترتب على هذا أن التجديد المذكور في الحديث لا ينطبق على الوقوف عند أصول الدين وفروعه(التقليد)، ولا رفض أصول الدين وفروعه (التغريب).

الثابت والمتغير: كما لم يميز  هذا الخطاب بين الثابت والمتغير عند تناوله لبعض القضايا(ومنها القضايا ذات الصلة  بالأصول المشار إليها سابقا)، في حين  أن موقف التجديد الاسلامى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين المجالات الثابتة والمجالات المتغيرة في الإسلام ، فالشريعة الاسلاميه تشمل العبادات والمعاملات التي تنقسم إلى قسمين القسم الأول : المعاملات الفردية :وتضم الأحوال شخصية وقضايا الاسره ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة والمواريث… أما القسم الثاني: تنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة: وهو ما يسمي النظم ، مثل النظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القانوني… أما العبادات والمعاملات الفردية فقد فصلها القران والسنة ، فهي ثابتة لا تخضع للتغير أو التطور، والأصل أنها لا تخضع للاجتهاد أو التجديد ، أما القسم الثاني من المعاملات  المتعلق بتنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، فقد أورد فيه الإسلام قواعد كلية ،وترك أمر وضع قواعد الفرعية للاجتهاد، ولا يعنى هذا إلغاء اجتهادات السلف الصالح وعلماء أهل السنة ،بل اتخاذها  نقطه بداية وليس نقطه نهاية.

تحديد الموقف من المفاهيم والقضايا:ويتصل  بضوابط التجديد تحديد الموقف من جمله من المفاهيم والقضايا:

مفهوم المساواة : وقد ظل الخطاب التجديدي  عند د. الترابي يتراوح بين المفهومين الاسلامى والغربي للمساواة في تناوله لبعض القضايا (ومنها قضيه شهادة المراه..)في حين أن تجاوز الموقف التغريبي،والانتقال إلى موقف التجديد الاسلامى ، في المجال الاجتماعي، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين  المفهومين الاسلامى والغربي للمساواة ، ذلك أن المفهوم الاسلامى للمساواة يقوم على أن تحكم العلاقة بين المراْه والرجل في المجتمع قواعد عامه مجرده سابقه على نشاْه تلك العلاقات ،-دون إنكار التفاوت بينهما في التكوين و المقدرات الذاتية – مع ملاحظه أن  هذا التفاوت هو سنه إلهيه تشمل الناس كلهم لا المراْه فقط، وهو جزء من مفهوم ألدرجيه  القرانى- وهو المفهوم الذى يتحقق في الشريعة بما هي وضع الهي سابق لعلاقات البشر رجالا ونساء ، ومن الادله على تقرير الإسلام للمساواة على الوجه السابق بيانه :قوله تعالى( ولهن مثل الذى لهن بالمعروف). وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(إنما النساء شقائق الرجال)(أخرجه احمد في مسنده) .وكذلك تقرير الإسلام أن المراْه مساوية للرجل فى سائر التكاليف الشرعية.وكذلك تقريره أن المراْه مساوية للرجل في المسؤليه (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمراْه راعيه في بيت زوجها وهى مسئوله عن رعيتها…). ويترتب على ما سبق أيضا رفض الإسلام للمفهوم الخاطئ للمساواة أما مفهوم المساواة في الغرب فيقرنها بالمثلية، التي  تعنى أن تكون المراْه مثل الرجل في التكوين والإمكانيات و المقدرات الذاتية وهو ما نفاه القران (و ليس الذكر كالأنثى).

مفهوم العقل: كما ظل هذا الخطاب  يتراوح بين المفهومين الاسلامى والغربي(اليوناني- الارسطى و الليبرالي) للعقل ، في حين ان تجاوز موقف التغريب والانتقال إلى موقف التجديد الاسلامى في المجال المعرفي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين المفهومين الاسلامى والغربي للعقل ، فالمفهوم الاسلامى للعقل ينظر إلي العقل باعتباره نشاط أو فاعليه معرفيه( لذا لم يرد في القران لفظ عقل بصيغه الاسم. بل ورد بصيغه الفعل ( نعقل، تعقلون، يعقلون…) ﴿ً وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾)، وهذه الفاعلية المعرفية محدودة:ا/ تكليفيا: بالعقل محدود بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى  للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع) ويقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(… وان يجعل الأصول التي نزل بها القران واتت بها السنن من الرسول غايات للعقول ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).ب/تكوينا: كما أنه محدود بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكانا﴿ والله أخرجكم من بطون  أمهاتكم  لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.أما المفهوم الغربي فينظر الى العقل باعتباره ذو وجود مطلق ، اى قائم بذاته ومستقل عن الحواس في إدراكه لعالم الشهادة، والوحي في إدراكه لعالم الغيب كما في التيار العقلاني(المثالي) في الفلسفة الغربية، وهو المفهوم الذى رفضه علماء الإسلام يقول علاء الدين الطوسي في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة(… فقوته الادراكيه أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينية وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم حتى اختلفوا في حقيقته)..

الموقف من المعتزلة: وقد أشار بعض الباحثين إلى تأثر الخطاب التجديدي عند د. الترابي بالمعتزلة وموقفهم من العقل،وفى كل الأحوال فان  فرقه المعتزلة ظهرت أساساً للرد على أصحاب الديانات والاعتقادات المخالفة للإسلام باستخدام المناهج العقلية التجريدية اليونانية، ولكن هذه الآلة (المناهج العقلية) تحولت بطول الممارسة من أداة إلى غاية ، فتحول العقل لديهم من نشاط معرفي محدود بالوحي في معرفته بغيبيات، إلى مصدر مطلق لمعرفة الغيبيات. لذا أصبح موقفهم من العقل اقرب للمفهوم اليوناني-وتحديدا الارسطى-  للعقل منه للمفهوم الاسلامى للعقل .

قضايا الفروع:كما أن الخطاب التجديدي عند د. الترابي اتخذ موقف لا يختلف في مضمونه عن الموقف التقليدي من بعض هذه القضايا ،رغم أنها تتصل بفروع الدين الاجتهادية، نتيجة لأسباب عديدة .

التفسير السياسي للدين: ومن أهم هذه الأسباب أن هذا الخطاب يتراوح بين التفسير الديني للسياسة و التفسير السياسى للدين، وهو مذهب معين فى تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، بقوم على تأكيد واثبات العلاقة بين الدين والسياسة ، ولكنه يتطرف فى هذا التأكيد والإثبات إلى درجه جعلت العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط لاعلاقه ارتباط ووحده ، كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت وألغت اى علاقة للدين بالسياسة، لكن وجه الخطأ في هذا المذهب انه يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين. بينما الدين هو الأصل – والسياسة هي الفرع، اى أن الدين للسياسة بمثابة الكل للجزء يجده فيكمله ولكن لا يلغيه،.كما ان التفسير السياسى للدين يقوم منطقيا على أساس أن الامامه- السلطة- هي أصل من أصول الدين، وهذا المذهب قال به الشيعة، ولكنه يخالف ما ذهب إليه أهل السنة من ان الامامه من فروع الدين لا أصوله يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها … ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363، لسيف الدين الآمدي .ويقول الإيجي : « وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ( (المواقف : ص 395 .ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات، بل من الفقهيات )) الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) .( ويقول التفتازاني) ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق… ) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271)، بالاضافه إلى ما سبق فان  مذهب التفسير السياسي يستند إلى ويلزم منه ، جمله من المفاهيم ، التي تتناقض مع ومقاصد الشرع وضوابطه وبالتالي يعتبر بدعه،إذ البدعة الاضافه إلى أصول الدين ومن هذه المفاهيم: أولا: الثيوقراطيه و الكهنوتية: فكما سبق ذكره فان هذا المذهب يتطرف في تأكيد واثبات العلاقة بين الدين والدولة، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ،وهو بذلك يقارب الثيوقراطيه اى الدولة الدينية بالمفهوم الغربي،وهو مرفوضة من الإسلام لأنه يميز بين التشريع (الالهى)والاجتهاد) البشرى)، كما يقارب  الكهنوتية التي مضمونها انفراد فرد أو فئة بالسلطة الدينية دون الجماعة(فئة رجال الدين)، وهى مرفوضة في الإسلام، لان ه ينفى وجود وسيط بين الناس والله تعالى (وإذا سالك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني) ثانيا: التفرق في الدين: حيث انه يلزم من هذا المذهب اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين،وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104).ثالثا:احتكار الدين: كما يلزم من هذا المذهب احتكار فئة التحدث باسم الدين،  وهو ما يخالف إقرار الإسلام  للتعدد والاختلاف على مستوى الفروع ، يقول ابن مفلح( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)[الآداب الشرعية 1/186]. رابعا:تكفير المخالف: كما يلزم من هذا المذهب تكفير المخالف في المذهب ،وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). خامسا:الاستغلال السياسي للدين: كما يلزم من هذا المذهب الاستغلال السياسي للدين، والذي يتمثل في جعل الغاية من النشاط السياسي هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين،” بدلا من جعل الدين هو الأصل والسياسة هي الفرع”، وهو شكل من أشكال الاتجار بالدين الذي ورد النهى عنه فى الكثير من النصوص كقوله  تعالى:(ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(المائدة:44).

التفسير الديني للسياسة: السياسة الاسلاميه” الشرعية”: أما التفسير الديني ” الاسلامى – الشرعي- للسياسة فيجعل الدين هو الاصل – والسياسة هي الفرع، اى أن يكون الدين ” ممثلا في مقاصده وضوابطه ” للسياسة بمثابة الكل للجزء، يحده فيكمله ولكن لا يلغيه . وطبقا لهذا التفسير فان النشاط السياسى يجب ان يلتزم بجمله من الضوابط التي تهدف إلى تحقيق اكبر قدر ممكن من الاتساق بينه وبين مقاصد الشرع وضوابطه ،ومن هذه الضوابط :أولا:الامامه من فروع الدين: حيث  يقوم هذا التفسير على اعتبار أن الامامه فرع من فروع الدين وليس أصل من أصوله كما سبق ذكره ، وبالتالي فان النشاط السياسي هو شكل من أشكال الاجتهاد .ثانيا:السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص : كما يتسق هذا التفسير مع تقرير علماء أهل السنة أن السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.)

وهناك الكثير من النصوص التي تفيد ما سبق ذكره من أن هذا  الخطاب ظل يتراوح بين التفسير الديني للسياسية  والتفسير السياسى للدين ،مثال للأول النصوص التي تؤكد على أن العلاقة بين  الدين والدولة هي علاقة وحده وارتباط ،ومثال للثاني النصوص التي تتطرف في هذا التأكيد لدرجه تجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق وخلط أو التي تجعل الامامه (السلطة) أصل من أصول الدين كما في النص (ويمكن بذلك أن تتغير أصول الفقه والأحكام، ويصبح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصلين من أصول الأحكام في الإسلام)( تجديد الفكر الإسلامي ،ص48) . وتجاوز الخطاب التجديدي عند د. الترابي لموقفه الذى لا يختلف في مضمونه من الموقف  التقليدي،من بعض القضايا ذات الصلة بفروع الدين، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تجاوزه  للتفسير السياسى للدين والتزامه بالتفسير الديني للسياسة، حيث أن التفسير السياسى للدين يميل إلى الموقف التقليدي وينفر من الموقف التجديدي،نتيجة لتقديمه للتغيير السياسى على التغيير الفكري” وهو شرط اساسى للتجديد”.

بين المستويين النظري والعملي : إن ما سبق من حديث يتعلق بالمستوى النظري للتقويم كمفهوم منهجي اسلامى(وهو موضوع الدراسة)، أما مستواه العملي فيتضمن إلغاء اى تناقض بين المستويين  النظري والعملي للخطاب ، أو بين المواقف المتعددة لمستواه العملي،وهو ما يتحقق بإلغاء أسبابه، وأهمها  التجريد، اى تناول المفاهيم  العامة المجردة ، وعدم التطرق لمضمونها الخاص العيني ،. ذلك أن الخطاب التجديدي عند د. الترابي اتصف – في غالبه الأعم- بالتجريد، وهو بذلك اتصف بما يتصف به اى خطاب تجريدي، من عدم التقاء مستواه النظري بمستواه التطبيقي ، ذلك  أن المفاهيم  العامة المجردة وان صلحت لالتقاء متعددين في مدرسه فكريه واحده، إلا أنها تظل عاجزة عن أن تكون محلا للالتزام في الممارسة، والاحتكام إليها عند الاختلاف في حل مشكلات المجتمع المعين ، وبالتالي فانه لا يمكن تحقيق  الالتقاء بين المستويين النظري والعملي لهذا الخطاب- ومن ثم فان تحقيق الاتساق بين مستواه النظري والعملي أو بين المواقف المتعددة لمستواه  العملي – إلا بانتقال هذا الخطاب من المجرد إلى العيني ، بتحديد المضمون الخاص العيني  لمفاهيمه العامة المجردة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s