مفهوم التجديد في الفكر الاسلامى

مفهوم التجديد في الفكر الاسلامى

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@hotmail.com

تعريف المفهوم: التجديد لغة  اعاده الشيء إلى سيرته الأولى (جدد الثوب تجديدا: صيره جديدا. وتجدد الشيء تجددا: صار جديدا، تقول: جدده فتجدد وأجده أي الثوب وجدده واستجده: صيره، أو لبسه جديدا فتجدد. والجديد نقيض البلى والخلق) (لسان العرب 3/111، الصحاح للجوهري 2/454).أما التجديد في الاصطلاح الشرعي  فهو اجتهاد في فروع الدين المتغيرة ، مقيد (محدود) بأصوله الثابتة ، قال (صلى الله عليه وسلم) “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر فى قرن المائة ح رقم 3740 والحاكم فى المستدرك 4/522) ، عرف العلماء التجديد فى الحديث(بإحياء ما أندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة)(فيض القدير 1/ 10- 2/282.).كما عرفوا المجدد بانه من (له حنكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته) (فيض القدير 1/10، عون المعبود 11/389،391 ). فالتجديد الوارد في الحديث هو تجديد لفروع الدين(التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة) مقيدا بأصوله(التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) . ويترتب على هذا أن التجديد المذكور فى الحديث لا ينطبق على الوقوف عند أصول الدين وفروعه(التقليد)، ولا رفض أصول الدين وفروعه (التغريب).

التجديد بين النظر والتطبيق: وللتجديد قسمان:

 قسم نظري: مجاله فروع الدين النظرية، وهو الاجتهاد اى وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا، مقيدا بالقواعد المطلقة، التي مصدرها الوحي، والتي تحدد نمط الفكر اللازم لوضع هذه الحلول . وقد ميز العلماء بين المجتهد المقيد والمجتهد المطلق ، والفارق بينهما هو فارق في الشمول بين التجديد في فرع واحد من فروع الدين، أو أكثر من فرع، والمجتهد المطلق هو المجدد .

قسم عملي: مجاله فروع الدين العملية، وهو تنفيذ الحلول السابقة في الواقع بالعمل ، مقيدا بالقواعد المطلقة، التي مصدرها الوحي، والتي تحدد أسلوب العمل اللازم لتنفيذ هذه الحلول.

والقسم الأول هو التجديد بالاصاله بينما القسم الثاني هو التجديد بالتبعية ، لان وضع الحل سابق على تنفيذه. يقول الحافظ ابن كثير في كشف الخفاء 1/283 ( وقد ادعى كل قومٍ في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث ، والظاهر – والله أعلم – أنه يعمُّ حملةَ العلمِ من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء : من مفسرين , ومحدثين , وفقهاء , ونحاة و ولغويين , إلى غير ذلك من الأصناف ) وقد قرر عددا من العلماء المتقدمين تعدد  المجددين

المجددين بين الوحدة والتعدد:  وإذا كان لا خلاف في تعدد المجددين على مدى الزمان (رأس كل قرن) فان هناك مذهبين حول وحده او تعدد المجددين في القرن الواحد، المذهب الأول: يقول بوحدة المجدد فى القرن التزاما بظاهر الحديث، بينما المذهب الأخر برى أن نص الحديث لا يمنع القول بتعدد المجددين فى القرن الواحد :يقول الحافظ ابن حجر في الفتح 13/295 ( لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متجهٌ , فإن اجتمع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوعٍ من أنواع الخير , ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخصٍ واحدٍ , إلا أن يُدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير ، وتقدمه فيها ….)
ويقول ابن الأثير ( لا يلــــزم أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً وإنما قد يكون واحداً وقد يكون أكثر منه ؛ فإن لفظة (مَنْ) تقع على الواحد والجمع ، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعـــوث : الفقهاءَ خاصة – كما ذهب إليه بعض العلماء – فإنّ انتفاع الأمة بغيرهم أيضاً كثير مثل: أولي الأمر ، وأصحاب الحديث ، والقراء والوعاظ ، وأصحاب الطبقات من الزهاد ؛ فـإن كـل قـومٍ ينفعون بفن لا يـنـفــــع بــــه الآخر ؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ، ويُتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر . وكذلك أصحاب الحـديث ينفـعـون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع ، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايــات ، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا . فكل واحد ينفــع بغير ما ينفع به الآخر … فإذا تحمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى ، وأبعد من التهمة ، فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعـــةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة ، يجددون للناس دينهم .. ).وورد في فيض القدير( فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز. والثانية الشافعي. والثالثة الأشعري أو ابن شريح. والرابعة الاسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني. والخامسة حجة الإسلام الغزالي. والسادسة الإمام الرازي أوالنووي. ولا مانع من الجمع فقد يكون المجدد أكثر من واحد. ففي الثالثة من أولي الأمر المقتدر، ومن المحدثين النسائي. وفي الرابعة من أولي الأمر القادر. ومن الفقهاء والخوارزمي الحنفي وهكذا يقال في بقية القرون). والمذهب الذى نرجحه هو الجمع بين وحده وتعدد المجددين فى القرن ،بمعنى انه إذا كان المجدد هو المجتهد المطلق فان الاجتهاد المطلق هو أيضا تتفاوت درجاته  بتفاوت درجات شموله فى التجديد ، وهنا يكون وصف الوحدة في حق من هو أكثر شمولا في التجديد، كما يكون وصف التعدد فيمن هم اقل شمولا في التجديد.

ضوابط التجديد :

التمييز بين الأصول والفروع:  وموقف التجديد الاسلامى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين الأصول والفروع،  ذلك أن التجديد في الاصطلاح الشرعي  فهو اجتهاد في فروع الدين المتغيرة، مقيد (محدود) بأصوله الثابتة، كما سبق الاشاره إليه عند الحديث عن المعنى الاصطلاحي للتجديد.

التمييز بين الثابت والمتغير: كما أن موقف التجديد الاسلامى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين المجالات الثابتة والمجالات المتغيرة في الإسلام ، فالشريعة الاسلاميه تشمل العبادات والمعاملات التي تنقسم إلى قسمين القسم الأول : المعاملات الفردية :وتضم الأحوال شخصية وقضايا الاسره ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة والمواريث… أما القسم الثاني: تنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة: وهو ما يسمي النظم ، مثل النظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام القانوني… أما العبادات والمعاملات الفردية فقد فصلها القران والسنة ، فهي ثابتة لا تخضع للتغير أو التطور، والأصل أنها لا تخضع للاجتهاد أو التجديد ، أما القسم الثاني من المعاملات  المتعلق بتنظيم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، فقد أورد فيه الإسلام قواعد كلية ،وترك أمر وضع قواعد الفرعية للاجتهاد، ولا يعنى هذا إلغاء اجتهادات السلف الصالح وعلماء أهل السنة ،بل اتخاذها  نقطه بداية وليس نقطه نهاية.

تحديد الموقف من المفاهيم والقضايا:ويتصل  بضوابط التجديد تحديد الموقف من جمله من المفاهيم والقضايا ومنها :

مفهوم المساواة : فتجاوز الموقف التغريبي،والانتقال إلى موقف التجديد الاسلامى ، في المجال الاجتماعي، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين  المفهومين الاسلامى والغربي للمساواة ، ذلك أن المفهوم الاسلامى للمساواة يقوم على أن تحكم العلاقة بين المراْه والرجل في المجتمع قواعد عامه مجرده سابقه على نشاْه تلك العلاقات ،-دون إنكار التفاوت بينهما في التكوين و المقدرات الذاتية – مع ملاحظه أن  هذا التفاوت هو سنه إلهيه تشمل الناس كلهم لا المراْه فقط، وهو جزء من مفهوم الدرجيه  القرانى- وهو المفهوم الذى يتحقق في الشريعة بما هي وضع الهي سابق لعلاقات البشر رجالا ونساءا ، ومن الادله على تقرير الإسلام للمساواة على الوجه السابق بيانه :قوله تعالى( ولهن مثل الذى لهن بالمعروف). وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(إنما النساء شقائق الرجال)(أخرجه احمد في مسنده) .وكذلك تقرير الإسلام أن المراْه مساوية للرجل فى سائر التكاليف الشرعية.وكذلك تقريره أن المراْه مساوية للرجل في المسؤليه (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمراْه راعيه في بيت زوجها وهى مسئوله عن رعيتها…). ويترتب على ما سبق أيضا رفض الإسلام للمفهوم الخاطئ للمساواة أما مفهوم المساواة في الغرب فيقرنها بالمثلية، التي  تعنى أن تكون المراْه مثل الرجل في التكوين والإمكانيات و المقدرات الذاتية وهو ما نفاه القران (و ليس الذكر كالأنثى).

مفهوم العقل:  إن تجاوز موقف التغريب والانتقال إلى موقف التجديد الاسلامى في المجال المعرفي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمييز بين المفهومين الاسلامى والغربي للعقل ، فالمفهوم الاسلامى للعقل ينظر إلي العقل باعتباره نشاط أو فاعليه معرفيه( لذا لم يرد في القران لفظ عقل بصيغه الاسم. بل ورد بصيغه الفعل ( نعقل، تعقلون، يعقلون…) ﴿ً وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾)، وهذه الفاعلية المعرفية محدودة:ا/ تكليفيا: بالعقل محدود بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى  للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع) ويقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(… وان يجعل الأصول التي نزل بها القران واتت بها السنن من الرسول غايات للعقول ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).ب/تكوينا: كما أنه محدود بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكانا﴿ والله أخرجكم من بطون  أمهاتكم  لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.أما المفهوم الغربي فينظر الى العقل باعتباره ذو وجود مطلق ، اى قائم بذاته ومستقل عن الحواس في إدراكه لعالم الشهادة، والوحي في إدراكه لعالم الغيب كما في التيار العقلاني(المثالي) في الفلسفة الغربية، وهو المفهوم الذى رفضه علماء الإسلام يقول علاء الدين الطوسي في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة(… فقوته الادراكيه أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينية وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم حتى اختلفوا في حقيقته)..

الموقف من المعتزلة: ويتصل بمفهوم العقل الموقف من فرقه المعتزلة التي ظهرت أساساً للرد على أصحاب الديانات والاعتقادات المخالفة للإسلام باستخدام المناهج العقلية التجريدية اليونانية، ولكن هذه الآلة (المناهج العقلية) تحولت بطول الممارسة من أداة إلى غاية ، فتحول العقل لديهم من نشاط معرفي محدود بالوحي في معرفته بغيبيات، إلى مصدر مطلق لمعرفة الغيبيات. لذا أصبح موقفهم من العقل اقرب للمفهوم اليوناني-وتحديدا الارسطى- للعقل منه للمفهوم الاسلامى للعقل.

فكرة واحدة على ”مفهوم التجديد في الفكر الاسلامى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s