قراءه منهجيه للتراث الفكري لمحمد أبو القاسم حاج حمد

قراءه منهجيه للتراث الفكري لمحمد أبو القاسم حاج حمد

د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@hotmail.com

تمهيد:هذه الدراسة هي قراءه منهجيه للتراث الفكري للمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد ، وهى قراءه تستند إلى موقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق لهذا التراث الفكري ، إلى موقف تقويمي (نقدي) من هذا التراث الفكري على المستويين الديني والفلسفي- باعتبار انه يمكن تصنيفه كفلسفة دينيه معاصره – ومضمون هذا الموقف التقويمي (النقدي) – على المستوى الديني – تناول مفاهيم هذا التراث  الفكري من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم هذا التراث الفكري تتسق مع هذه الأصول،فان بعضها الآخر يتناقض معها ، أما الموقف  التقويمي (النقدي) من  هذا التراث الفكري – على المستوى الفلسفي – فينقسم إلى: أولا: نقد داخلي مضمونه تناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث اتساقها أو تناقضها مع بعضها البعض، وهنا تخلص هذه القراء إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم ،كما انه هناك تناقض بين بعضها الآخر،وثانيا: نقد خارجي مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث صدقها الواقعي، وأوجه الصواب والخطأ فيها.

أولا: المستوى الديني: كما سبق ذكره فان مضمون الموقف التقويمي (النقدي) من التراث الفكري لمحمد ابو القاسم حاج حمد ، على المستوى الديني ، هو تناول مفاهيم هذا التراث الفكري ، من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم هذا التراث الفكري تتسق مع هذه الأصول، فان بعضها الآخر يتناقض معها ، ومن المفاهيم التي تتناقض مع الأصول:

 الجهاد: يرى أبو القاسم حاج حمد أن الجهاد ـ بمفهومه المعروف ـ ليس من الإسلام، بل هو قرين الدعوة في مرحلة الرسول (صلى الله عليه وسلم). إذ أن الرسول( صلى الله عليه وسلم ) لم يؤسس لدولة، بل أقام دعوة اعتمدت على النصر الإلهي المباشر ـ بدر والخندق ـ وكل ما تم من بعد وفاته، مجرد توسع (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص92)، وكل الفتوحات، خارج دائرة الأمة الوسط، هي من نوع التوسع، ولا علاقة لها بالجهاد، ولا بالأمة الوسط. وقد نتجت كافة المشكلات من بعدُ مع هذا التوسع غير الديني” (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص324)، وهذا التقييد الزمانى والمكاني للجهاد يتعارض مع إطلاق النصوص القطعية  لحكم الجهاد رمانيا ومكانيا (بمعنى تقريرها انه  واجب في كل زمان ومكان)، ومن هذه النصوص قوله (صلى الله عليه وسلم)الحديث (الجهاد ماضي إلى يوم القيامة)، لذلك أجمع الفقهاء على أن الجهاد فرض عين إذا دخل العدو ارض الإسلام، اما تقييد هذه النصوص لحكم الجهاد فهو من جهة الشروط ، حيث قررت ان للجهاد شروط متى توافرت وجب وهى : أولا: إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنته عنه ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله).  وثانيا: إخراجهم من ديارهم  ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).

نظريه التطور العضوي:  يتفق أبو القاسم حاج حمد  مع نظريه التطور العضوي (الدارونيه) في القول بوجود مسافة زمنية بين الطين والخلق البشرى، وهو يستشهد هنا بقوله تعالى( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً) (الأنعام/2) (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص264-266)- وهو استشهاد يخالف تفسير السلف وأهل السنة للأيه –  واعتراضه الوحيد على نظريه التطور العضوي هو على حصرها الأجل بالمرحلة القردية. غير أن نظريه التطور العضوي  تتعارض فى ذاتها وفى ما يلزم منها مع مفهوم الخلق الذى أشارت إليه العديد من  النصوص كقوله تعالى(لَقَد خَلَقنَا الإنسَانَ فِي أحسَنِ تَقوِيمٍ.)(التين:4)،وقوله تعالى (الّذِي خَلَقَك فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ)(الانفطار:7)،وقوله تعالي(وَلَقَد خَلَقنَاكُم ثُمّ صَوّرنَاكُم ثُمّ قُلنَا لِلمَلَائِكَةِ اسجُدوا لأدم.) (الأعراف:11)) .

الموقف من السنة النبوية :  يرى أبو القاسم حاج حمد أن الحديث النبوي، في مجموعه مختلق وموضوع. من هنا فهو يرى وجوب الاكتفاء بالقرآن، وهو بناء على هذا فهو يرى ان المسلمون قد اخطوا بتأسيسهم لعلم الحديث ، خصوصا بعد أن نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث. ويرى ان سبب كتابه المسلمين للحديث الحديث  اليهود، والرغبة في تقليدهم، ليكون لنا تلمود كما لهم تلمود (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص99). وهذا الموقف يتعارض مع موقف السلف وعلماء أهل السنة من السنة كمصدر للتشريع.

الحجاب: يرى أبو القاسم حاج حمد  أنه ليس على المرأة تغطية رأسها أو وجهها أو ذراعيها أو ساقيها. باعتبار أن آيات الحجاب تأمر بتغطية الجيوب التي يفسرها بأنها وسط المرأة لا غير (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص105).وهو ما يتعارض مع إجماع السلف وأهل السنة على أن الحجاب هو ستر سائر البدن عدا الوجه  والكفين .

وعد الاخره : يرى ابو القسم حاج  حمد أن المقصود بوعد الاخره في الايه (فإذا وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تدبيراً)، اغتصاب الصهاينة لفلسطين عام 1948(إبستومولوجيا المعرفة الكونية ،ص144). وهو ما يخالف أقوال أهل التفسير، الذين قالوا أن المراد به تيطس الروماني كما عند الطبري  وابن كثير وغيرهما.

معجزات الرسول : ينكر أبو القاسم حاج حمد معجزات الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ، ما عدا معجزة القرآن الكريم.وهو ما يتعارض مع إثبات السلف وعلماء أهل السنة لمعجزاته (صلى الله عليه وسلم )الكبرى (القران الكريم ) والصغرى.

العقوبة بين النص والاجتهاد: يدعو أبو القاسم حاج حمد إلى الاجتهاد في العقوبات ، دون تمييز بين العقوبات المقدرة، والتي تتضمن عقوبات  الحد والقصاص، والتي الأصل فيها النص. و العقوبات غير المقدرة وهى عقوبات التعزير، والتي الأصل فيها الاجتهاد .

مفهوم إسلاميه المعرفة : يبنى أبو القاسم حاج حمد مفهوم إسلاميه المعرفة ، حيث يقول مثلا(إسلامية المعرفة عنوان مركب من إسلامية ومعرفة… فتركيب المعرفة على الإسلامية، يحمل تخصيصاً وتحديداً، بوصف هذه المعرفة الإسلامية مفارقة لغيرها، على مستوى المناهج الأخرى)( إبستومولوجيا المعرفة الكونية ،ص197) ، غير أن هذا المفهوم عنده ظل يتراوح بين مذهبين في تفسير الآيات الكونية والعلمية :

المذهب الأول:رد الأصل إلى الفرع: اى المذهب إلى يعتبر الآيات العلمية و الكونية بمثابة غايات للنص القرآني لا وسائل له ،وذلك من خلال شروعه في استخراج النظريات العلمية من هذه الآيات لا من الكون نفسه، دون تمييز بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة . هذا المذهب يجعل العلم الأصل (المطلق) والقرآن الفرع (المحدود) وذلك بتأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية معينة. فضلاً  عن أن النظريات العلمية (كشكل من أشكال المعرفة الإنسانية) محدودة نسبية لذا تحتمل الصواب والخطأ وبالتالي فإن اعتبارها من القرآن يؤدي إلي نسبة هذا الخطأ إليه ، وقد وجه الشاطبى النقد  لبعض أنصار هذا المذهب في عصره(جاءت الشريعة على معهود العرب وما تعرفه من علوم ولم تخرج مما ألفوه وان كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القران الحد فأضافوا إليه كل علم يذكره المتقدمين والمتأخرين… وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا اعرف بالقران وعلومه وما أودع فيه ولم يبلغنا أن تكلم منهم احد من شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم من أحكام التكاليف وأحكام الاخره…).

المذهب الثاني:رد الفرع إلى الأصل: أن الفهم الصحيح للآيات العلمية والكونية ينتهي بنا إلي التمييز بين آيات الأصول التي تتضمن  أسس المنهج العلمي والدعوة إلى استعماله والآيات الكونية القطعية الدلالة التي هي بمثابة أمثله مضروبة للناس لاستعمال هذا المنهج العلمي للكشف عن السنن الالهيه في الطبيعة والإنسان.وآيات الفروع التي تتضمن الآيات الكونية ظنية الدلالة(تحتمل التأويل) والتي يمكن  تفسيرها بما ينتهي إليه البحث العلمي من نظريات أثبت صحتها بالتجربة والاختبار مع تقرير أن هذا التفسير اجتهاد انسانى محدود ، يحتمل الصواب والخطأ ،وطبقا لهذا تصبح هذه  النظريات العلمية هي جزء من هذا التفسير لا جزء من النص القرانى.

ثانيا :المستوى الفلسفي:  أما مضمون الموقف النقدي من التراث الفكري لابو القاسم حاج حمد على المستوى الفلسفي – فينقسم إلى:

 أولا: نقد داخلي : مضمونه نتناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث اتساق أو تناقض مفاهيمه مع بعضه البعض، وهنا تخلص هذه القراء إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم ، كما أن هناك تناقض بين بعضها الأخر، ومن هذه المفاهيم المتناقضة مع بعضها:

العلاقة بين الدين والدولة: يرى أبو القاسم حاج حمد أن المفهوم السائد عن الإسلام بأنه (دين ودولة)هو مفهوم ثيوقراطي غير صحيح فالدولة الإسلامية ـ في نظره ـ علمانية سياسياً (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص109). ولكنه في موضع اخر يقرر أن الإسلام لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص110).

النص القرانى بين الإطلاق والمحدودية: دعا أبو القاسم حاج حمد  إلى اعتبار القرآن كتابا كونياً، قادرا على استيعاب المتغيرات العالمية وهضمها (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ،ص24). لكنه في موضع آخر ينعى على الوضعية إغفالها إطلاقية النص القرآني، كأنه نص بشري محكوم بعلاقات التاريخ (المرجع السابق، ص39).

الاستشهاد بالسنة:  ورغم أن أبو القاسم حاج حمد يرى ان السنة النبوية بمجملها مرفوضة، لكنه مع ذلك ما يستشهد بها، وبسيرة ابن هشام.

ثانيا:  نقد خارجي: و مضمونه تناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث صدقها الواقعي ،وأوجه الصواب والخطأ فيها .

مفهوم الوسطية : مفهوم الوسطية عند أبو القاسم حاج حمد مكاني جغرافي،بينما مفهوم الوسطية هو مفهوم معرفي قيمي.

مفهوم الجدل :استخدم أبو القاسم حاج حمد مصطلح الجدل بدلاله خاصة تقارب معنى التأثير المتبادل، بينما دلاله المصطلح  العامة المشتركة هي ( التطور من خلال صراع المتناقضات)، وهى الدلالة التي استخدمها كل من هيرقليتس وهيجل وماركس …

الوضعية : استخدم أبو القاسم حاج حمد مصطلح الوضعية كمصطلح نقيض لمصطلح (ديني) (شرعي)، فضلا عن إطلاقه وصف (وضعي ) على مجمل التراث الفلسفي والعلمي الغربي ،  بينما الوضعية هي مدرسه فلسفيه غربيه معينه ، ذات مقولات فلسفيه محدده .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s