أدله إثبات وجود الله بين الفلسفة و الدين

أدله إثبات وجود الله بين الفلسفة و الدين

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@hotmail.com

أولا: من أدله إثبات وجود الله في الفلسفة اليونانية:

ا/ الدليل الغائي  :  قال به  سقراط وأفلاطون، ومضمونه أن لكل شيء في الطبيعة غرضا، لا يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود موجود غير مادي، يتجاوز الطبيعة وينظم كل الظواهر على نحو منسجم دليل الحركة: ووضعه  أرسطو و مضمونه: أ- الحركة تحتاج إلى محرك.ب- الحركة والمحرك متزامنان.ج- كلّ محرك إما أن يكون متحركاً وإما أن يكون ثابتاً.د- كل موجود جسمي متغير ومتحرك.هـ- التسلسل والدور في الأمور المترتبة غير المتناهية محال .النتيجة: تنتهي سلسلة الحركات إلى محرك غير متحرك.

 ب/الدليل الكوني(دليل العلية): وقال به أرسطو أيضا ، ومضمونه أن الله موجود باعتباره العلة الأولى لكل الأشياء والظواهر .

ثانيا: من أدله إثبات وجود الله في الفلسفة الوسيطة:

الدليل الوجودي: وقد  وضعه أنسلم ومضمونه: انه  لا شك أن كل إنسان مهما كانت درجته ، يستشعر في عقله ضرورة أن يكون هناك موجود ليس هناك من هو أكمل منه.وفكرة الكمال تظل ناقصة ما لم يوجد لها مقابل في الخارج، ولكي تكون هذه الفكرة كاملة لابد وأن يكون هناك موجود في الخارج غاية في الكمال لا يوجد من هو أكمل منه.وهذا الوجود الأكمل على الإطلاق هو الذي نطلق عليه اسم الله(د. طه حبيشي/ أدلة الفلاسفة على وجود الله تعالى).

ثالثا:من أدله إثبات وجود الله في الفلسفة الحديثة:

ا/الدليل الأنطولوجي:  وقال به ديكارت يعرف أيضا بالبرهان السبي، و يعتمد على مبدأ أنه : إذا وجد أي شيء فلابد من وجود شيء آخر هو سببه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وقد وجد ديكارت من بين أفكاره الفطرية فكرة الكائن الكامل اللامتناهي، التي لا يمكن أن يكون هو سببها لأنه شاك فهو ناقص، إذ أن الشك ينطوي على النقص، ولما كان ما هو ناقص لا يمكن أن يكون سبباً لما هو كامل  فمن المحال أن نحصل على فكرة الكمال اللامتناهي من تراكم أفكار أشياء متناهية، لأن المتناهيات لا يمكن أن تؤدي إلى لا متناهي. وأخيراً لما كان  الوجود الموضوعي  الصوري للفكرة لا يمكن أن ينشأ من قبل كائن موجود بالقوة حسب، بل من قبل كائن له وجود صوري وفعلي أيضاً، فإنه ينبغي أن نستنتج أن سبب فكرة الكمال اللامتناهي هو كائن كامل لا متناهي بالفعل وهو الله. فالله باعتباره الكائن الكامل اللامتناهي موجود ضرورة.

ب/الدليل الشخصي: وهو دليل مأخوذ من دليل السابق، مؤداة أنه موجود غير تام الكمال، ناقص، وهو بالتالي ليس الكائن الوحيد في الوجود، إذ لابد لوجوده من علة، والعلة لابد أن تكون مكافئة على الأقل للمعلول إن لم تكن أكثر منه فضلاً وكيفاً،وديكارت لو كان علة وجود نفسه، لكان يستطيع أن يحصل من نفسه لنفسه على كل ما يعرف أنه ينقصه من الكمالات، لأن الكمال ليس إلا محمولاً من محمولات الوجود، والذي يستطيع أن يهب الوجود يستطيع أن يهب الكمال. وإذن تكون علة وجوده ذاتاً لها كل ما يتصور من الكمالات وهذه هي ذات الله تعالى.

ج/الدليل الهندسي: وقال به  ديكارت أيضا ومضمونه انه كما أن فكرتنا عن المثلث تستتبع أن تكون زواياه الداخلية مساوية لقائمتين ( 180 درجة ) ، كذلك فإن فكرتنا عن الله باعتباره كائناً كاملاً متناهياً تستلزم وجوده بالضرورة. وعليه فإذا كان من التناقض أن نقول أن الزوايا الداخلية للمثلث لا تساوي قائمتين، فمن التناقض كذلك أن نقول أن الله غير موجود، لأن الوجود متضمن في ماهية الله على نحو ما تكون مساواة الزوايا الداخلية للمثلث لقائمتين متضمنة في تعريف المثلث.

د/الدليل الاخلاقى : وقد وضعه كانط الذى يرى استحالة  البرهنة نظريا على وجود الله ، ولكن يمكن البرهنة على وجوده من ناحية أخلاقيه، إذ يرى أن للإنسان شعور فطرى بالعدالة، والعدالة تقتضى أن يثاب المحسن ويعاقب المسيْ، ولكن في الحياة نجد أن هناك محسن لا يثاب ومسىْ لا يعاقب،لذا لابد من وجود يوم آخر يعاقب فيه هذا المسىْ ويثاب فيه  هذا المحسن ، ولابد من وجود اله يوجد هذا اليوم ويحاسب فيه الناس ويحقق العدالة.

رابعا:من أدله إثبات وجود الله في الفلسفة الاسلاميه :

دليل الإمكان والوجوب : وقال به  ابن سينا ، ويتكون من مقدمات ثلاث هي:المقدمة الأولى: إنّ موجودات هذا العالم ممكنة الوجود، وهي ذاتاً لا تقتضي الوجود؛ إذ لو كان واحد منها واجب الوجود لتم إثبات المطلوب المقدمة الثانية: كل ممكن الوجود فهو محتاج في وجوده إلى علّة تمنحه الوجود. المقدمة الثالثة: استحالة الدور والتسلسل في العلل .النتيجة: إنّ كلّ واحد من موجودات هذا العالم _ الممكنة الوجود حسب الفرض _ يحتاج إلى العلّة الفاعلية، ويستحيل أن تمتد سلسلة العلل إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أيضاً الدور؛ إذن لابدّ أن تنتهي سلسلة العلل من ناحية البدء إلى علّة ليست محتاجة إلى علّة, وهي التي نسميها واجب الوجود، وهو المطلوب

خامسا:من أدله إثبات وجود الله في علم الكلام الاسلامى :

ا/دليل الخلق والاختراع:  ومضمونه إن وجود المخلوقات بعد العدم دليل على وجود الخالق ، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق قال تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)،ويرتكز  هذا الدليل على فكرتين بديهيتين الأولى: حدوث المخلوقات ، وهذا معلوم بالمشاهدة في آحاد الحيوان والنبات ، وبالضرورة العقلية في سائر المخلوقات ، لأﻧﻬا مسخرة ، والمسخر مخترع من قبل غيره ضرورة.والثانية : حاجة المحدَث إلى محدِث : وهذه الفكرة معلومة بضرورة العقل، فالمحدَث لابد له من محدِث لا يفتقر إلى غيره، وهو الله تعالى.

ب/دليل العناية:  ومضمونه أن ما في الوجود من مظاهر العناية بالمخلوقات عامة، والإنسان خاصة، هي دليل على وجود الخالق. ويدخل في هذا الدليل كثير من صور الاستدلال، منها :أ / دلالة الإتقان : فكل مخلوق يحمل من كمال الإتقان ما يدل على وجود خالقه وكمال ذاته وصفاته، قال تعالى ( صنع الله الذي الَّذِي َأتقنَ كُلَّ شيء). ب/ دلالة التناسق : فالعالم كله يخضع لسنن كونية متناسقة ، ثمرﺗﻬا الاتساق بين المخلوقات، والاتساق مع وجود الإنسان ، قال تعالى ( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ).

سادسا: قضيه إثبات وجود الله من منظور منهجي اسلامى :

قضيه إثبات وجود الله كجزء من الإيمان بالغيب:إن قضيه إثبات وجود الله (تعالى) في المفهوم الاسلامى تندرج تحت إطار الإيمان بالغيب ، والإيمان لغة هو التصديق كما في قوله تعالى على لسان إخوة يوسف(عليه السلام) (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)،أما الغيب لغة ما غاب عن حواس الإنسان،أما الإيمان بالغيب اصطلاحا فهو  الإقرار والتسليم بأن الوجود لا يقتصر على الوجود الشهادي، المحدود بالحركة خلال الزمان والتغيير في المكان ، ويمكن للإنسان أن (يشاهده) بحواسه وبالتالي يدركه بوعيه ، ،ويشمل الوجود التسخيري (الطبيعة) و ألاستخلافي (الإنسان). بل يمتد الوجود  ليشمل الوجود الغيبي(عالم الغيب) بشكليه المحدود “غير القائم بذاته “كوجود الملائكة” ، والمطلق “القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به ” وهو وجود الله تعالى . فهو وجود (غائب) عن حواس الإنسان ، وبالتالي عن إدراكه وتصوره. إذا المعنى الاصطلاحي للإيمان بالغيب قائم على تسليم وإقرار العقل بصحة فكرة أو اعتقاد، لا يمكن إثباتها بالتجربة والاختبار العلميين، لأن الوجود موضوع الفكرة أو الاعتقاد غير محدود بالزمان أو المكان، أي وجود غيبي.

 الرد على دعوى تعارض الإيمان بالغيب مع العلم: وهنا يتضح لنا خطاْ قول منكرو وجود الله تعالى  بان الإيمان بالغيب (والذي يتضمن قضيه إثبات وجود الله تعالى ) يتناقض مع العلم ، لان كلا من الإقرار بوجود الله تعالى (اى الإيمان)، وإنكار وجوده تعالى (اى الكفر أو الإلحاد) هو اعتقاد موضوعه وجود غيبي، وبالتالي لا يمكن إثباته بالتجربة والاختبار العلميين.

الإيمان بالغيب والاستدلال: كما أن المفهوم الاسلامى يرفض الإقرار والتسليم  بالوجود الغيبي(عالم الغيب) (المتضمن لوجود الله تعالى ) بدون برهان أو دليل ، ويعتبر أن هذا التسليم والإقرار هو الخطوة الأخيرة من شكل من أشكال الاستدلال العقلي (الانتقال من مقدمه عقليه إلى نتيجة عقليه) ، القائم على الاستدلال بالوجود الشهادي المحدود (الكون)،على الوجود الغيبي المطلق (المتضمن لوجود الله تعالى)،قال تعالى (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لقوم يعقلون) (البقرة: 164). وبناءا على هذا فان المفهوم الاسلامى يقوم على – وبالتالي يدعوا إلى- البرهنة على وجود الله تعالى ، ولكنه يستند في برهنته على إثبات وجود الله تعالى على شكل من إشكال الاستدلال الذى يسبقه شكل من أشكال الاستقراء (الانتقال من مقدمه حسية إلى نتيجة عقليه) مضمونه النظر في الكون وقال تعالى(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) (الحج: 46)، وهنا نجد احد أوجه الاختلاف بين المفهوم الاسلامى والفلسفة الغربية العقلية منذ أرسطو لأنها حاولت البرهنة على وجود الله تعالى استنادا إلى شكل من أشكال الاستدلال الذى لا يسبقه اى نوع من أنواع الاستقراء، فجاءت براهينها مستند إلى معيار الاتساق دون معيار التطابق مع الواقع ،

التمييز بين الوجود والماهية: ،كما يميز المفهوم الاسلامى بين وجود (عالم الغيب)  وكيفيه –خصائص – عالم الغيب ،فالأول يمكن للعقل أن يدركه ويبرهن عليه ،أما الثاني فلا يمكن للعقل أن يتصوره إلا بالوحي ، لذا تضمن الإيمان بالغيب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، قال تعالى(يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)،وفي الحديث القدسي (تفكروا في مخلوقاتي ولا تفكروا في ذاتي فتهلكوا).وهنا نجد احد أوجه الاختلاف بين المفهوم الاسلامى والفلسفة الغربية العقلية التي لم تتميز في برهنتها على وجود الله تعالى بين الوجود والماهية، اى ترى إمكانية إدراك أو تصور العقل لوجود وماهية عالم الغيب ،لأنها تنظر إلى العقل باعتباره وجود مطلق ، وليس فاعليه معرفيه محدودة تكوينيا بالسنن الالهيه في إدراكه لعالم الشهادة، و تكليفيا بالوحي في إدراكه لعالم الغيب كما في المفهوم الاسلامى .

الإيمان بالغيب لا يناقض العلم أو العقل:وهكذا فإن الإيمان بالغيب(والذي يتضمن إثبات وجود الله تعالى ) في المفهوم الاسلامى لا يترتب عليه إنكار الوجود الموضوعي (الحقيقي) للوجود الشهادي أو انضباط حركته بسنن إلهية لا تتبدل (السببية) “فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً”، أو إنكار كون العقل هو وسيلة لمعرفته ،لأنه اعتقاد موضوعه وجود غيبي مطلق عن قيود الزمان والمكان، مفارق للوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان.  وأخيرا فان المفهوم الاسلامى يقوم على اسبقيه الإيمان بالغيب كأساس للدين (أو الميتافيزيقا بالمصطلح الفلسفي الغربي)على كل نشاط علمي أو عقلي أو فلسفي ، ذلك أن  العلم بما هو الكشف عن القوانين (السنن) التي تحكم حركة الأشياء والظواهر والإنسان، يقوم على التجربة والاختبار العلميين ولكنه في ذات الوقت يقوم على مسلمات سابقة على التجربة مثل الموضوعية والحتمية…كما أن كل مذهب فلسفي إنما ينطلق من مسلمات غير قبله للنفي أو الإثبات بالتجربة العلمية .

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”أدله إثبات وجود الله بين الفلسفة و الدين

  1. لو تفضلتم سياذتكم ان تبودا لنا رٲيكم في اعتماد القواعد التي جاءت في نقد العقل المحض من اعتبار الدليل العامي في الاستدلال على وجود الله دون الاعتباري ، ما صحت ذلك وهل يكون ذلك موافق للشرع من حيث انه دعى الى بديهية العقل ومتال كانط كذلك ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s