حماية المستهلك : فلسفتها و آلياتها في الفكر الاقتصادي الاسلامى المقارن

حماية المستهلك : فلسفتها و آلياتها في الفكر الاقتصادي الاسلامى المقارن

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@hotmail.com

تعريف مفهوم حماية المستهلك: تعددت تعريفات مفهوم حماية المستهلك، ومن هذه التعريفات:( حفظ حقوق المستهلك وضمان حصوله عليها)، و(عبارة عن خدمة توفرها الحكومة أو المجتمع المدني لحماية المستهلك من الغش التجاري أو استغلاله أو سوء تقديم خدمة ما عن طريق الاحتكار أو الخضوع لظروف معينة) ( د. الداوي الشيخ/تحليل آليات حماية المستهلك في ظل الخداع والغش التسويقي، حالة الجزائر) و( نوع من التنظيم الحكومي والأهلي العامل على حماية مصالح المستهلكين )(ويكيبيديا). وهذه التعريفات رغم تعددها إلا أنها تشترك في وصف حماية المستهلك بأنها : حماية أو حفظ حقوق أو مصالح المستهلك.

حماية المستهلك في الفكر الاقتصادي الغربي: كانت بداية ظهور حركة حماية المستهلك ، في الغرب في القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث ظهرت فكرة جمعية المستهلك في الثلاثينات من القرن الماضي وتبلورت في الخمسينات من نفس القرن؛ ومن جانب أخر فقد تم إصدار أول مجلة  متخصصة في حماية المستهلك تحت عنوان تقارير المستهلكين. وقد مرت هذه الحركة بالمراحل التالية :مرحلة الأولى:( 1900- 1930): تعتبر بداية سنة 1900 بمثابة التاريخ الذي شهد أولى بدايات حركة حماية المستهلك.مرحلة الثانية:( 1930-1950):بدأت حركة حماية المستهلك في هذه المرحلة تأخذ ملامح واضحة نظرا للظروف الصعبة التي عايشها المستهلك آنذاك، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية( أزمة الكساد) التي شهدها العالم في سنة 1929.كما ازدادت معاناة المستهلكين سوءا بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية،.المرحلة الثالثة( 1950- 1962): هناك من يرى بأن بداية هذه المرحلة( أي سنة 1950) تمثل التاريخ الحديث لتأسيس ونشأة حركة حماية المستهلك في الدول الغربية، وهذا من خلال بروز وظهور عدة مجموعات ضاغطة تنادي بالدفاع عن حقوق المستهلكين. المرحلة الرابعة( 1962 إلى الآن ): يرى كثير من الكتاب أن سنة 1962 تعد بمثابة الانطلاقة الرسمية لنشأة الحركة الاستهلاكية، حيث جاء هذا التأسيس انعكاسا للرسالة التي تقدم بها الرئيس الأمريكي آنذاك( جون كنيدي)، والتي عرفت بـ” قائمة حقوق المستهلك ،( د. الداوي الشيخ/تحليل آليات حماية المستهلك في ظل الخداع والغش التسويقي، حالة الجزائر)،ومع تزايد الاهتمام بحقوق المستهلك، صدرت التشريعات التي تكفل تلك الحقوق وتضمن حمايتها. وأنشئت المنظمات الحكومية وغير الحكومية والدولية والجمعيات التي تولي اهتمامها لحماية المستهلك، كما تم تأسيس المنظمة الدولية لحماية المستهلك، وأصبح العالم يحتفل باليوم العالمي لحقوق المستهلك في 15 آذار/ مارس من كل عام، وتتويجاً لجهود حركة حماية المستهلك، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 248/39 الصادر بتاريخ 09 نيسان/ أبريل 1985، حقوق المستهلك وتتلخص فيما يلي: ا/الحق في السلامة، أي حقه في الاستخدام الآمن للمنتجات والخدمات، التي قد تحمل أضراراً للصحة أو مخاطر على الحياة.ب/الحق في إشباع احتياجاته الأساسية، ويشمل حق المستهلك في الحصول على السلع والخدمات الضرورية والأساسية . ج/الحق في العيش والعمل في بيئة صحية. د/ الحق في التعلم واكتساب المعرفة والمهارة لتمكينه من اختيار السلع والخدمات التي تلبي احتياجاته.ه/ الحق في أن يستمع إليه عند تطوير المنتجات والخدمات.- الحق في الاختيار، وتفضيل المنتجات والخدمات المعروضة. و/ الحق في تزويده بالمعلومات اللازمة ليبني اختياره على أسس صحيحة.ى/ الحق في الإنصاف والتعويض، وحصوله على تسوية عادلة لشكواه، بما في ذلك تعويضه عن الأضرار التي لحقت به من السلع الرديئة أو الخدمات غير الكافية.

حماية المستهلك في الفكر الاقتصادي الاسلامى: أما الفكر الاقتصادي الاسلامى،على مستوى أصوله النصية الثابتة، وفروعه الاجتهادية المتغيرة،  فقد أسس لمفهوم حماية المستهلك ، من خلال العديد من المفاهيم والقواعد، والتي تشكل فلسفه واليات حماية المستهلك،في إطار الفكر الاقتصادي الاسلامى ومنها:

الدعوة إلى إتقان العمل: قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه ).

 النهى عن  الغش: قال  الرسول( صلى الله عليه وسلم )(من غشنا فليس منا). الأمر بالوفاء في الكيل والنهى عن التلاعب بالموازين :قال تعالى( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) ، وقال تعالى( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) .

تحريم الاحتكار : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ).

نظام الحسبة وحماية المستهلك : إن كثير من مهام  نظام الحسبة تندرج تحت إطار حماية المستهلك كمنع الاحتكار والغش ومراقبة الجودة والأسعار (د محمد عوده العمايدة/ حماية المستهلك في الشريعة الإسلامية/المركز العربي للدراسات والأبحاث)

إيجاب تقديم البائع للبيانات الكافية عن المبيع: بحيث يبين نوعه وصفاته المميزة وكميته، بما يخرجه من الجهالة ، ويجعل التعاقد بناء على تراضٍ وبينةٍ تامة.

تسعير السلع الضرورية والاستراتيجيه : هناك ثلاثة مذاهب في الفكر الاقتصادي الاسلامى حول حكم التسعير، المذهب الأول هو مذهب المنع  الذى  يرى انه  لا يجوز للحاكم أن يسعر على الناس مطلقاً (المنع)، وإن فعل ذلك يكون فعله هذا إكراهاً يكره معه البيع والشراء (الكراهه)، ويمنع صحة البيع عند بعضهم (التحريم)، وقد استدل  أنصار هذا المذهب بأدلة ، منها قوله (صلى الله عليه وسلم)( إن الله هو المسعِّر ، القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ). غير ان هذا الحديث -وغيره من النصوص المماثلة- لا يدل على المنع المطلق للتسعير، ولكنه يدل على المنع من التسعير في الأحوال التي يكون التسعير فيها مجحفاً بحق البائع أو العامل الذي يقوم بما يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها ، يقول ابن تيميه(من احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبي (صلى الله عليه وسلم-)« إن الله هو المسعر… » قيل له : هذه قضية معينة ، وليست لفظاً عاماً ، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه ، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه ، فإذا بذله صاحبه ، كما جرت به العادة ، ولكن الناس تزايدوا فيه – فهنا لا يسعر عليهم ).  وبناءا على ما سبق فان الراى القائل بعدم تدخل الدولة في التسعير مطلقا ، وترك الأسعار طبقا لقانون العرض والطلب، لا يتسق مع هذا المذهب ، ولا مع التصور الاسلامى للمال ، بل يعبر عن التصور الاقتصادي الراسمالى الليبرالي والقائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،استنادا إلى مفهوم القانون الطبيعي . أما المذهب الثانى فهو مذهب الإيجاب:  فقد ذهب بعض العلماء ، كسعيد بن المسيب، وربيعة بن عبد الرحمن : إلى جواز التسعير مطلقاً (الوجوب)،و ذهب المالكية إلى جواز التسعير في الأقوات مع الغلاء . أما المذهب الثالث فهو مذهب الجمع بين المنع والإيجاب: فقد ذهب كثير من متأخري الحنفية وبعض الحنابلة ، كابن تيمية وابن القيم إلى منع التسعير في أحوال و إيجابه (جوازا او وجوبا ) أحياناً أخرى،يقول ابن تيمية: (التسعير منه ما هو ظلم , ومنه ما هو عدل جائز بل واجب) ويقول (إذا تضمن العدل بين الناس , مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل, فهو جائز بل واجب)،و يقول ابن القيم ( فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم  بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه, أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام, وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم, من أخذ الزيادة على عوض المثل, فهو جائز, بل واجب) .والمذهب الذى نرجحه ، والذي يتسق مع مضمون مذهب الجمع بين المنع والإيجاب، ان التسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة، يقول ابن القيم (وجماع الأمر أن مصلحة الناس, إذا لم تتم إلا بالتسعير, سعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط , وإذا اندفعت حاجتهم بدونه, لم يفعل) ، فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان المنع  ، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان الإيجاب بشرط أن لا يتضمن السعر الذى تضعه الدولة الضرر للبائع والمشتري .
وللجماعة مصلحه دائمة فى وجوب  تسعير السلع الضرورية والاستراتيجيه ، دفعا لضرر دائم يتمثل فى وقوع  الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم ، وهو ما يناقض مع جوهر التصور الإسلامي للمال .

 من آليات حماية المستهلك:

  • التأكيد على ضرورة أن يتوفر المنتج،سواء أكان سلعة أو خدمة،على ضمانات ضد كل المخاطر التي يمكن أن تتسبب في إحداث ضرر بصحة المستهلك، أو بأمنه، أو بمصالحه المادية.

  • التأكيد على ضرورة مطابقة المنتج المعروض للاستهلاك للمقاييس المعتمدة، والمواصفات القانونية والتنظيمية.

  • التأكيد على ضرورة إعلام المستهلك بخصائص ومميزات المنتج المعروض من أجل الاستهلاك.

  • تفعيل أساليب توعية المستهلك عن طريق الإرشاد والتوجيه بما يكفل حمايته، وصيانة حقوقه.

  • إلزام المنتجين أو البائعين بضرورة كتابة كل البيانات الخاصة بالسلع على غلافها مما يتيح توفير الحماية للمستهلك.

  • تولي المراكز والهيئات المختصة عملية وضع المواصفات القياسية للمنتجات.

  • إلزام المنتجين أو البائعين بضرورة توفير الضمان للمستهلك عن السلع والخدمات المقدمة له،  سواء أكان هذا الضمان صريحا أو ضمنيا، مكتوبا أو شفهيا.

  • تفعيل الرقابة الدقيقة من طرف الهيئات المختصة فيما يخص مخالفات الأسعار، مع تشديد العقوبات الرادعة حتى لا يتضرر المستهلك.

  • تحديد الأسعار بطريقة واقعية، بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلك، مع متابعة التغير في الأسعار ، بما لا يضر بمصالح المستهلك.

  • توفير الشروط الصحية لاستخدام المواد والعبوات بما في ذلك التعبئة والتغليف.

  • الالتزام بإيصال المنتجات إلى المستهلك في المكان والزمان المناسبين، مع تحقيق العدالة في التوزيع.

  • تفعيل نشاط الرقابة على الجودة.  (د. الداوي الشيخ/ تحليل آليات حماية المستهلك في ظل الخداع والغش التسويقي، حالة الجزائر)

  • وضع التشريعات والقوانين التي تهدف إلى حماية المستهلك من الغش في المعاملات التجارية،و الممارسات الاحتكارية،وضمان سلامة المنتجات ومطابقتها للمواصفات…

  • إنشاء وتفعيل مؤسسات حماية المستهلك .

Advertisements

فكرة واحدة على ”حماية المستهلك : فلسفتها و آلياتها في الفكر الاقتصادي الاسلامى المقارن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s