التسامح في المنظور القيمى الاسلامى

التسامح في المنظور القيمى الاسلامى

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@hotmail.com

تعريف: التسامح لغة أصله السماح والسماحة وهما الجود ، وسمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء، وسمح لي فلان أي أعطاني ، وسمح لي بذلك : وافقني على المطلوب،والمسامحة : المساهلة ، وتسامحوا : تساهلوا ، وسمح وتسمح : فعل شيئا فسهل فيه،وقولهم : الحنفية السمحة : ليس فيها ضيق ولا شدة(ابن منظور/ لسان العرب/ مادة سمح).أما التسامح اصطلاحا فهو قبول الاختلاف، والإقرار بالتعدد (العرقي،السياسي،الديني ،المذهبي،الحضاري…).

من مفاهيم وقيم وقواعد التسامح في القرآن الكريم : وقد حث القران الكريم على التسامح  من خلال دعوته المسلمين إلى الالتزام بالعديد من المفاهيم والقيم والقواعد التي تجسد التسامح كقيمه دينيه أخلاقيه اجتماعيه  ومنها:

 

  • الإقرار بالتعدد التكليفى كما في قوله تعالى ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، والتعدد التكويني كما في قوله تعالى﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ .

  • الدعوة إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن كما في قوله  تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقوله تعالى (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

  • النهى عن الفظاظة وغلظه القلب  كما في قوله تعالى  (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ).

  • الحث على العفو والصفح  كما فى قوله تعالى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)،

  • النهى عن تكفير المسلمين كما في قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ) ) النساء / 94 (.

  • الإقرار بالحرية الدينية للمخالف في الدين كما في قوله تعالى ( لا إكراه في الدين ) ) البقرة / 256(

  • الأمر ببر المخالف  في الدين ما لم يقاتل المسلمين أو بخرجهم من ديارهم كما فى قوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) ( الممتحنة /8 ) ،وقوله تعالى ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان… ) ( المائدة / 5 (.

من مجالات التسامح في السنة النبوية:كما حثت السنة النبوية على التسامح في كافه مجالات الحياة ومن هذه المجالات:

أولا:مجال المعاملات التجارية والقضائية وغيرها : فعن جابر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم )( رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى )( أخرجه ابن ماجه) .

ثانيا:مجال السلوك  والتعامل مع الأخر: فعــن ابن عــباس (رضي الله عــنه) أنه قال قــال رســول الله (صلى الله عليه وسلم) ( اسمح يسمح لك )، قال الاصمعى : معناه سهل يسهل لك وعليك.

ثالثا:مجال الدين : فعن أبى أمامة الباهلى قال قال النبي (صلى الله عليه وسلم )( إنى لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنى بعثت بالحنيفية السمحة )(أخرجه احمد)

رابعا:مجال التعامل مع المخالف في الدين : فعن عبد الرحمن بن شماسة المهدي قال سمعت أبا ذر (رضي الله عنه) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم )( إنكم ستفتحون ارضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما .) (أخرجه البيهقى)، وروى أيضا عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما ) .

من قواعد التسامح عند علماء أهل السنة : اتساقا مع حث القران الكريم والسنة النبوية على التسامح فقد قرر علاء أهل السنة العديد من القواعد التي تجسد التسامح كقيمه ومن هذه القواعد :

أولا:إقرار الاختلاف والتعدد المذهبي: يقول ابن مفلح( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)[الآداب الشرعية 1/186].

ثانيا: النهى عن التعصب المذهبي: يقول ابن تيميَّة( ومن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الأئمَّة دون الباقين، فهو بِمَنْزلة مَن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضيِّ الذي يتعصَّب لعليٍّ دون الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، وكالخارجيِّ الذي يَقْدح في عثمانَ وعليٍّ – رضي الله عنهما – فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماعِ أنَّهم مذمومون خارجون عن الشَّريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسولَه، فمن تعصَّب لواحدٍ من الأئمة بعينه ففيه شَبهٌ من هؤلاء، سواءٌ تعصَّب لمالكٍ أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد، أو غيرهم. )(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية” 22/ 252 – 254)..ويقول ابن القيِّم( وأما المتعصِّب الذي جعل قولَ متبوعه عيارًا على الكتاب والسُّنة وأقوالِ الصحابة، يزِنُها به، فما وافق قول متبوعه منها قبِلَه، وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصَّواب؛ وإن قال – وهو الواقع -: اتَّبعته وقلَّدته، ولا أدري أعلى صوابٍ هو أم لا؟ فالعُهْدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السُّؤال لك عمَّا حكمت به بين عباد الله، وأفتيتهم به؟ فوالله إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلاَّ مَن عرف الحق، وحكم به، وأفتى به، وأما من عداهما فسيَعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء )(إعلام الموقِّعين” 2/ 232

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s