مفهوم المعارضة فى الفكر السياسى الاسلامى المقارن

مفهوم المعارضة فى الفكر السياسى الاسلامى المقارن

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com

أولا: مفهوم المعارضة في الفكر السياسى الغربي::تعددت مواقف الفلسفات والمذاهب  السياسية الغربية، من مفهوم المعارضة السياسية (الذى يشكل احد أسس الديمقراطية)، طبقا لمواقفها من مشكله الوحدة والتعدد. فهناك فلسفات ومذاهب سياسيه أكدت على وحده المجتمع، ولكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء حرية الأفراد فيه( مذهب الوحدة المطلقة) كالهيجليه والماركسية والنازية والفاشية … وهذا الموقف يقود إلي الرفض المطلق لمفهوم المعارضة السياسية.كما أن هناك فلسفات أكدت على حرية الأفراد المكونين للمجتمع،لكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء وحده المجتمع ( مذهب التعددية المطلقة) كالليبرالية، وهذا الموقف يقود إلى القبول المطلق لمفهوم المعارضة السياسية.

المفهوم الليبرالي للمعارضة السياسية: حيث تستند الليبرالية كمنهج إلي فكره القانون الطبيعي، ومضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل، تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة). وتطبيقا لهذا المنهج فان الفلسفة السياسية الليبرالية تقوم على إسناد السلطة والسيادة (السلطة المطلقة )للشعب. أما على مستوى المذاهب النظم والأشكال الفنية السياسية فان الليبرالية تستند إلى الديمقراطية الليبرالية ألقائمه على انه : ما دام الناس قد ولدوا أحرارا فلهم ان يحتاروا النظام القانوني الذى بريد(الاستقلال السياسي)، ولهم ان يعبروا عن هذا الاختيار تعبيرا حرا سريا (الاستفتاء)، فإذا كانوا من الكثرة بحيث لا يستطيعون ان يقولوا جميعا ما يريدون فليختاروا من بتحدث باسمهم وينوب عنهم في التعبير عن ارداتهم (التمثيل النيابي )، وعندما يختلفون لا يكون ثمة إلا أن يؤخذ  براى الاغلبيه احتراما للمساواة بينهم (حكم الاغلبيه)، على ان يكون للاقليه الحق في التعبير عن رأيها احتراما للمساوه ذاتها(حرية المعارضة السياسية)…

تقويم: لا مجال لنقد الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ،أو مفهوم المعارضة السياسية الذى يشكل احد أسس الديموقراطيه . لكن النقد ينصب على الأساس الفكري الليبرالي الديموقراطيه ومفهوم المعارضة( اى الليبراليه كنظام راسمالى ، علماني ، فردى…) .

ثانيا: مفهوم المعارضة في الفكر السياسي الاسلامى: أما في إطار الفكر السياسى الاسلامى الحديث والمعاصر فان هناك موقفين من المعارضة السياسية:

أولا:الرفض المطلق: الموقف الأول يقوم على الرفض المطلق لمفهوم المعارضة السياسية، استنادا الى العديد من  التصورات غير الصحيحة ومن أهمها:

الوحدة المطلقة: تصور أن الإسلام يدعو إلى الوحدة المطلقة التى تتعارض مع مفهوم المعارضة ، غير أن هذا التصور غير صحيح، فالتصور الإسلامي( استنادا إلي مفهوم الوسطية) يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد ،فهو يؤكد على وحده المجتمع  من خلال تقريره  وجوب خضوع كل المجتمع للقواعد -الأصول التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده  وأنا ربكم فاعبدون ﴾ ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ ويؤكد على التعددية و حرية الأفراد المكونين له وذلك من خلال أباحه اختلاف الناس في القواعد- الفروع التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة .

الطاعة المطلقة: تصور أن الإسلام اوجب طاعة الحاكم طاعة مطلقه استنادا إلى العديد من الادله  كقوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم)،غير أن  طاعة أولى الأمر في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه كما يتصور أنصار هذا الموقف ، بل هي مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ،يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس  إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) .والقول بالطاعة المطلقة للحاكم يتنافى مع مفهوم التوحيد، والذي يلزم منه إسناد ألحاكميه -السيادة (السلطة المطلقة ) لله تعالى ، يقول الإمام الغزالي ( الحاكم هو الشارع ، و لا حكم إلا لله تعالى لا حكم غيرة،وأما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك علي مملوكه ولا مالك إلا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له، أما النبي ( صلى الله عليه وسلم) والسلطان والسيد و الأب والزوج فان أمروا أو أوجبوا لم يجب شئ بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم)، كما ان هذا القول يقارب مذهب الثيوقراطيه (واهم ممثليه نظريتي العناية الالهيه والحكم بالحق الالهى) وهو مذهب مخالف للإسلام.

ثانيا: الموقف النقدي: الموقف الثاني يقوم على قبول مفهوم المعارضة السياسية بعد تحديده بالمفاهيم الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه،والتي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للتنظير والممارسة السياسية.

التمييز بين الأصول والفروع: هذا الموقف يقوم على التمييز بين أصول الدين ، التي مصدرها النصوص يقينية الورود القطعية الدلالة،والتي تسمى تشريعا،  والتي لا يجوز مخالفها او الاتفاق على مخالفتها سواء بواسطة فرد أو فئة أو اغلبيه أو الشعب كله. والفروع التي مصدرها النصوص ظنيه الورود والدلالة، والتي تسمى اجتهادا، وفيها اختلف ويختلف المسلين بدون إثم، فمن أصاب فله أجران ومن اخطأ فله اجر، وهنا يمكن الأخذ بمفهوم المعارضة السياسية، اى ترجيح رأي الأغلبية السياسية،على ان تبقى للأقلية السياسية حرية المعارضة والنقد والدعوة إلى رأيها وإقناع الناس بصحته بأدلة قد تستقيها من أثار ممارسة الأغلبية السياسية… إلى أن تحصل لرأيها على الأغلبية فيصبح الحكم لها بعد أن كان عليها.

أدله الإقرار بالمعارضة السياسية:ويستند هذا الموقف إلى العديد من المفاهيم والقواعد الكلية- التي تشكل المستوى النظري للفكر السياسى الاسلامى. والتجارب العملية – التي تشكل المستوى العملي للفكر السياسى الاسلامى:

إقرار علماء الإسلام حرية معارضه السياسية: فقد اقر علماء الإسلام حرية المعارضة السياسية يقول الماوردى(وإذا بغت طائفة على المسلمين،وخالفوا رأى الجماعة،وانفردوا بمذهب ابتدعوه ،و لم يخرجوا عن المظاهرة بطاعة الإمام ،ولا تحيزوا بدار اعتزلوا فيها … تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل)( الأحكام السلطانية) ، ويعلق السرخسى في المبسوط على موقف الإمام على بن أبى طالب من الخوارج بقوله( فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج، فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل، وفيه دليل على أن التعرض بالشتم للإمام لا يوجب التعذير)(ج10، ص125-126)

الامامه من فروع الدين:  إن الامامه (السلطة) عند أهل السنة من فروع الدين،وليست من أصوله كما يرى المذهب الشيعي ، وبالتالي يجوز فيها الأخذ بمفهوم المعارضة ، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها …) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363، لسيف الدين الآمدي) .ويقول الإيجي عن الامامه: « وهي عندنا من الفروع  ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا » (المواقف : ص 395) .ويقول الإمام الغزالي ( أعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ، ثمّ إنّها مثار للتعصبات ، والمُعْرِض عن الخوض فيها ، أسلم من الخائض فيها ، وإن أصاب ، فكيف اذا أخطأ؟ ، ولكن إذ جرى الرسم باختتام المعتقدات بها ، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد ؛ فإنّ فطام القلوب عن المنهج ، المخالف للمألوف ، شديد النِّفار ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234 ) ، هذا المذهب يتسق مع لم عدم نفى القران صفه الأيمان عن الطوائف المتصارعة﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلي أمر الله﴾. كما يتسق مع كون الصحابة (رضي الله عنهم) اختلفوا في مسالة السلطة (على بن أبى طالب ومعاوية- على وعائشة… رضي الله عنهم أجمعين ) دون أن يكفر احدهم الأخر.

الحاكم وكيل عن الجماعة: كما أن الحاكم فى الفكر السياسى الاسلامى ، نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله، يقول الماوردي عن البيعة أنها ” عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار” ويقول أبو يعلي أن الخليفة ” وكيل للمسلمين “، وبالتالي فان مفهوم المعارضة السياسية يتسق مع المفهوم الاسلامى الصحيح لدور ووظيفة الحاكم.

اباحه النقد: ومضمون المعارضة السياسية نقد السلطة لتقويمها اى الكشف عن أوجه قصورها عن أداءها لدورها .هذا الموقف النقدي اقره الفكر السياسى الاسلامى، وعبر عنه بمصطلح التقويم ، يقول ابو بكر الصديق (رضي الله عنه) (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). كما عبر عنه بمصطلح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(لدين النصيحة ، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ).

إقرار التعددية السياسية: ويستند مفهوم المعارضة السياسية الى التعددية السياسية التي هي شكل من أشكال التعددية  التي اقرها الإسلام على المستوى النظري،  ويؤكدها التاريخ الإسلامي على المستوى التطبيقي. فعلى المستوى الأول نجد أن القران قد قرر التعددية كسنه إلهيه ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ( المائدة:48) ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴾(الروم:22).وقد اقر كثير من علماء الإسلام التعددية على هذا الوجه فابن تيميه مثلا يقول( الأحزاب التي أهلها مجمعون على ما أمر به الله ورسوله من غير زيادة أو نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم… وإذا زادوا في ذلك أو نقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل… فهذا من التفرق الذي ذمه الله ورسوله)(الصاوي، شرعيه الانتماء إلي الأحزاب والجماعات الاسلاميه، ص 112).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s