الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر : قضاياه ومذاهبه

doustour islami

الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر : قضاياه ومذاهبه

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم

 sabri.m.khalil@hotmail.com

تمهيد: تعددت القضايا التي طرحها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر، كما تعددت مذاهبه التي تتضمن جمله من الحلول لهذه القضايا.

قضيه علاقة الشريعة بمصادر التشريع: أهم هذه القضايا  قضية علاقة الشريعة بمصادر التشريع ، حيث نجد في الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر،  ثلاثة صيغ رئيسيه لهذه العلاقة ، تستند إلى مذاهب معينه في وحده أو تعدد مصادر التشريع ، وهذه الصيغ هي:

الصيغة الأولى( الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع): فهناك أولا الصيغة التي مضمونها أن الشريعة المصدر الوحيد للتشريع ، هذه الصيغة هي تعبير عن مذهب الوحدة المطلقة لمصادر التشريع، والقائم على أن هناك امكانيه أن يكون للتشريع مصدر واحد ، والحجة التي تستند إليها أن إسناد التشريع لغيره تعالى هو شرك في الربوبية.

تقويم:

الخلط بين دلالات مصطلح التشريع:غير إن هذه الصيغة تخلط بين دلالتين لمصطلح التشريع:

الدلالة الأولى(الشرع): هي حق وضع القواعد – الحدود ، التي لا يباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها، وهو ما ينفرد به الله تعالى ، لذا اسند القران فعل( شرع) إلى الله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصينا بة نوح والذي أوحينا إليك).

الدلالة الثانية (التقنين): هي حق الدولة في إصدار القوانين،وأصل هذه الدلالة أن السلطة هي ضرورة اجتماعيه، والدولة آخر أشكالها ، والدولة هي ذات النظام القانوني في المجتمع ، فالدولة هي التي تصدر القانون وتطبقه وتنفذه ، بواسطة أجهزه مختصة في الإصدار( السلطة التشريعية) ، والتطبيق(السلطة القضائية) ، والتنفيذ(السلطة التنفيذية)، وبالتالي لا يمكن أن توجد دوله بدون تشريع وسلطه تشريعيه، وفى الفقه الاسلامى نجد العديد من القواعد والمفاهيم القانونية الاسلاميه التي تعبر عن هذه الدلالة لمصطلح التشريع، من هذه القواعد (للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات) و ( أمر الإمام يرفع الخلاف) و (أمر الإمام نافذ ) ، فكل هذه القواعد تفيد حق الدولة في تبنى قواعد فقهيه –   قانونيه– معينه لتصبح ملزمه للناس .وكذلك مفهوم التعزير في الفقه الجنائي الاسلامى ،الذى يفيد حق الدولة في تبنى عقوبات معينه ، كجزاء على مخالفات معينه للنظام القانوني، لتصبح ملزمه ، رغم أنها لم ترد في الشرع .

التعارض مع تعدد مصادر التشريع و الشريعة : كما أن هذه الصيغة تتعارض مع تعدد مصادر التشريع، وتعدد الشريعة الاصليه والتبعية (القران والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا والمصالح المرسلة…)

التعارض مع مفهوم التوحيد: كما أن هذه  الصيغة ذاتها هي شكل من أشكال الشرك، لأنها تخلط بين الشرع (احد قسمي الدين بالاضافه إلى العقيدة ) كوضع الهي ، وكل من التشريع طبقا لدلالته القانونية (احد أنشطه الدولة المخول لأحد أجهزتها )، والاجتهاد (حق وضع القواعد- الفروع ) باعتبارهما كسب بشرى. فضلا عن مساواتها بين مصادر النظام القانوني الاسلامى الاصليه (الكتاب والسنة)، ومصادره التبعية(الإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا والمصالح ألمرسله…)، يقول الشافعي( ولا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما سواهما تبع لهما)( جماع العلم-11).

رد فعل متطرف: كما أن هذه الصيغة تحاول إثبات العلاقة  بين الشريعة والتشريع ومصادره ، ولكنها تتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة خلط ، وليست علاقة ارتباط وتمييز، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن  هذه الصيغة إنما طرحت في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على طرح الليبرالية (العلمانية) لصيغه أخرى تنفى العلاقة بين الشريعة والتشريع ومصادره ، ومضمونها نفى كون الشريعة مصدر- أو مصدر رئيسي- للتشريع .

الصيغة الثانية: (الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع): وهناك ثانيا الصيغة التي مضمونها  أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، هذه الصيغة هي محاوله للتعبير عن مذهب الجمع بين وحدة وتعدد مصادر التشريع، والقائم على أن اعتبار أن للتشريع مصدر رئيسي واحد، ومصادر فرعيه متعددة.لكنها تفتقر إلى الدقة في التعبير عن هذا المذهب ، لأنها لا تميز بين أصول الشريعة النصية الثابتة وفروعها الاجتهادية المتغيرة، وبين مصادر الشريعة الاصليه (القران والسنة) ومصادرها الفرعية (كالإجماع والقياس وشرع من قبلنا والمصالح المرسلة…).

الصيغة الثالثة: (أصول الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، وفروعها هي المصدر الفرعي الأول للتشريع): وهناك ثالثا الصيغة التي مضمونها:

أولا: أن أصول الشريعة ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، هي المصدر الرئيسي للتشريع.

ثانيا: أن فروع الشريعة ، التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة، هي المصدر الفرعي الأول للتشريع ، باعتبار أنها نقطه البداية- وليست نقطه نهاية- لاى اجتهاد تشريعي(قانوني) ،لأنها تجسيد لخبره الامه وماضيها.

ثالثا: أن هذا الاجتهاد التشريعي(القانوني) يتضمن الاستفادة من عدد  من مصادر التشريع الفرعية (كالعرف والتراث القانوني الانسانى القديم والمعاصر) بشرط عدم تناقضها مع أصول الشريعة.

 هذه الصيغة هي تعبير دقيق عن مذهب الجمع بين وحدة وتعدد مصادر التشريع، والقائم على أن اعتبار أن للتشريع مصدر رئيسي واحد، ومصادر فرعيه متعددة.

وتستند هذه الصيغة إلى حقيقة أن مصطلح الشريعة استعمل تاريخيا بمعنى النظام القانوني الاسلامى بأصوله التشريعية وفروعه الاجتهادية، ومصادره الاصليه والتبعية ، يقول ابن تيميه عن مفهوم  الشريعة ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم).

قضيه العلاقه بين الدين والدوله: ومن القضايا التى تناولها الفقه الدستورى الاسلامى  المعاصر قضيه العلاقه بين الدين والدوله ، حيث يطرح صيغتين رئيسيتين  لهذه العلاقة ، تعبر كل صيغه منهما عن مذهب معين في الاستخلاف :

الصيغه الاولى: دينيه السلطه والتشريع ( مذهب الاستخلاف الخاص): الصيغه الاولى تقول بدينيه السلطه والتشريع، وتستند الى مذهب الاستخلاف الخاص الذى مضمونه ان الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض،

تقويم:

المساواة بين الحاكم والنبي : ان الاستخلاف الخاص مقصور على الأنبياء، وبختم النبوة بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف، والقول بهذا المذهب يعنى المساواة بين الحاكم والنبي في الدرجة.

التقارب مع مذهب الثيوقراطيه والكهنوت: وهذه الصيغه تقارب مذهب الثيوقراطيه (الدولة الدينية بالمفهوم الغربي) والكهنوت والذى مضمونه انفراد فرد معين او فئه معينه  بالسلطه الدينيه (وبالتالى السياسيه) دون الجماعه، وهو مذهب مرفوض في الإسلام، قال تعالى(واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ،بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.

رد فعل متطرف على مذهب العلمانية: كما أن هذه الصيغة تحاول إثبات العلاقة  بين الدين والدولة ، ولكنها تتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة خلط ، وليست علاقة ارتباط وتمييز، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن  هذه الصيغة إنما ظهرت في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على صيغه أخرى ، طرحتها الليبرالية ومذهبها في العلمانية، قائمه على  نفى علاقة الدين بالدولة ، ومضمونها فصل الدين عن الدولة.

الصيغه الثانيه: مدنيه السلطه ودينيه التشريع (مذهب الاستخلاف العام): اما الصيغه الثانيه فتقول بمدنيه السلطه ودينيه التشريع، فهى تقول بمدنيه السلطه (وليس التشريع كما فى العلمانيه) استنادا الى ان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهى ثابت والاجتهاد ككسب انسانى متغير،  كما تقول بدينيه التشريع ( وليس السلطه كما فى الثيوقراطيه )، لان السلطه مقيده فى الاسلام بالقواعد – الاصول (التى مصدرها النصوص يقينيه الورود قطعيه الدلاله)، مع وجوب تقرير ان المقصود بالتشريع مصدره الرئيسى،اى ان تكون اصول الشريعه هى المصدر الرئيسى للتشريع.

الارتباط والتمييز: هذه الصيغه تستند الى تصور معين لطبيعة العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية ،تجعل العلاقه بينهما علاقة ارتباط (وليست علاقه خلط كما فى الثيوقراطيه) ، وعلاقه تمييز (وليست علاقه فصل كما فى العلمانيه )

 مذهب الاستخلاف العام وإسناد السلطتين الدينية والسياسية للجماعة : هذه الصيغه تستند الى مذهب الاستخلاف العام الذى يترتب عليه اسناد  كل من  السلطة الدينية (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)،والسلطة السياسية (التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر)- بموجب عموم  الاستخلاف- للجماعة ، كما في قوله تعالى﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )، وقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) ، وبالتالى فانه يترتب على هذا المذهب ان اسناد السلطه الدينيه لفرد معين او فئه معينه انما يكون من  باب التخصص لا الانفراد ، كما يترتب عليه ان الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله، يقول الماوردي عن البيعة أنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)، ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ).

حقوق الأقليات الدينية: ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه حقوق الأقليات الدينية، حيث يطرح مذهبين يستند كل  منهما إلى تصور معين لمشكله العلاقة بين الوحدة والتعدد:

المذهب الأول : الوحدة المطلقة : يفترض أن الحل الصحيح لمشكله العلاقة بين الوحدة والتعدد ، هو القول بالوحدة المطلقة ، و يترتب على هذا المذهب  إنكار اى شكل من إشكال التعدد ، وإنكار المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، وبالتالي إنكار العديد من الحقوق التي قررها الإسلام كدين للأقليات  الدينية ،  فضلا عن  تحويل بعض الأحكام  الاستثنائية  التاريخية المرتبطة بظروف زمانيه ومكانيه معينه إلى قاعدة مطلقه تصلح لكل زمان ومكان.

المذهب الثاني: الجمع بين الوحدة والتعدد (التعددية المقيدة): ويقوم على أن الحل الاسلامى الصحيح لمشكله الوحدة والتعدد هو الجمع بين الوحدة والتعدد ، على المستويين التكليفى والتكويني، وبالتالي  الإقرار بالتعددية (المقيدة وليست المطلقة) . وتتمثل الوحدة – على المستوى التكويني- في تقرير الإسلام وحده الكون ووحده البشر ، بمعنى وحده الأصل البشرى ، والمساواة بين إفراده ، بخضوع كل الناس لذات السنن الالهيه الكلية والنوعية التي حركه الإنسان ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ﴾ . كما تتمثل  الوحدة – على المستوى التكليفي-   في تقرير الإسلام مفهوم وحده الدين الذي مضمونه وحده مصدر كل الأديان السماوية (الله تعالى) ، وان الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفي أو إلغاء لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره أخر وارقي مراحل الوحي فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، ﴾( المائدة:48)،.بخلاف نظريه وحده الأديان التي رفضها علماء أهل السنة، والتي ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي فان علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي انتفاء الموضوعية .كما تتمثل التعددية – على المستوى التكويني – تقرير القران التعدد كسنه إلهيه﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَات ِوَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُم ْوَأَلْوَانِكُم ْإِنَّ فِي ذَلِك َلَآيَات ٍلِّلْعَالِمِينَ﴾ )الروم : 22). كما  تتمثل التعددية – على المستوى التكليفى في تقرير  القران تعدد الشرائع.

إقرار مفهوم المواطنة: كما أن هذا المذهب يرى أن الإسلام اقر بمفهوم المواطنة الذي يشمل المسلمين وغير المسلمين، وهو ما يتضح من خلال وثيقة الصحيفة التي كانت بمثابة دستور لدوله المدينة، وطبقا لها نشأت علاقة انتماء جديدة،علاقة انتماء إلى ارض مشتركه (وطن)، فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعا(أهل الصحيفة) إلى ما فوق الطور القبلي ، ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم)، ولكن يتوحد الناس فيه (مع اختلاف الدين) في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن)( وأنَّ يهود بني عوف أمَّة مع المؤمنين …).
إقرار الإسلام حقوق الأقليات الدينية :هذا المذهب يتسق مع إقرار الإسلام جمله من الحقوق للمنتمين إلي الأديان الأخرى، ومن هذه الحقوق:

إسناد الأعمال: ففيما يتعلق بإسناد الأعمال لغير المسلم ، فانه إذا كان هناك من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، فان هناك أيضا من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء ، والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الاجنبى، فالأول يحق له إسناد الأعمال له مادام شرط الكفائه متوفر فيه ، لأنه جزء من حق المواطنة الذي اقره الإسلام، أما الثاني فيتوقف إسناد الإعمال له على مصلحه الدولة.
الأخذ برأيه: أما فيما يتعلق بالشورى فانه يحق لغير المسلم الأخذ برأيه في الشورى ، لان مجال الشورى هو الفروع لا الأصول، يقول ابن كثير في تفسير الايه( اسألوا أهل الذكر)( اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)( 3/215).

الحرية الدينية: أما فيما يتعلق بالحرية الدينية ، فقد قرر الإسلام الحرية الدينية لغير المسلمين، ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية، بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي (لا إكراه في الدين).

مفهوم الذمة: أما عن مفهوم أهل الذمة فان الذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان(الفيروزابادى، القاموس المحيط ، 4/115) ، أما اصطلاحا فقد عرفها العلماء بأنها ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم) ( أبو زهره المجتمع الانسانى، ص 194) ، فهو تقرير حقوق المواطنة لغير المسلم في الدولة الاسلاميه، مع احتفاظه بحريته الدينية،على المستوى الدستوري( في ذمه الله ورسوله) ، ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه المسلمة ، مادام قائما بواجباتها
التمييز: أما التمييز بين الذميين والمسلمين،  فلم يقل به احد من المتقدمين ، وقال به بعض العلماء ، في مرحله تاريخية لاحقه ، لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمين  ، من باب الاحتراس، فهو ليس قاعدة مطلقه، بل حكم تاريخي مربوط بظروف معينه (عبد العزيز كامل، معامله غير المسلمين ج1، ص199).
مفهوم الجزية: أما الجزية فهي حكم من أحكام الحرب كبدل للإعفاء من الجندية ، ورد في الصلح مع نصارى نجران ( ليس على أهل الذمة مباشره قتال ،وإنما أعطوا الذمة على أن لا يكلفوا ذلك) ، لذا ذهب العديد من العلماء كرشيد رضا ووهبه الزحيلى (أثار الحرب، ص698 ) وعبد الكريم زيدان ( الفرد والدولة،ص98) إلى أنها لا تؤخذ في حاله أداء الخدمة العسكرية كما في الدولة الحديثة ، وقد استندوا في ذلك إلى العديد من السوابق التاريخية التي تؤيد ذلك ، ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه ( أنهم طلبوا الأمان والصلح ، فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين، وان لا يؤخذوا بالجزية)( البلاذردى، فتوح البلدان،ج1/ ص217)، ومع أهل ارمينه ( أن ينفروا لكل غاره… على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلي ذلك)( الطبري، تاريخ الأمم، ج 5،ص257 ).

النظام الاقتصادي: ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه النظام الاقتصادي،حيث نجد مذهبين لكل منهم تصور معين للملكية والموقف من النظم الاقتصادية المعاصرة:

المذهب الأول: الخلط بين الملكية الفردية والملكية الخاصة: المذهب الأول يفترض – في مجال الملكية- أن الإسلام يقر الملكية الخاصة ( اى ملكيه الرقبة وحق التصرف المطلق في المال)، كما في الفلسفة الاقتصادية الليبرالية ممثله في النظام الاقتصادي الراسمالى، واتساقا مع هذا يتخذ – في مجال العلا قه مع النظم الاقتصادية المعاصرة- موقف القبول المطلق للنظام الاقتصادي الاسلامى والذي يتمثل فى محاوله تفسير مفهوم الاقتصاد الاسلامى،استنادا إلى مفاهيم وقواعد وقيم النظام الاقتصادي الراسمالى، وهو ما يتناقض مع حقيقة أن النظام الاقتصادي الراسمالى يتناقض مع الفكر الاقتصادي الاسلامى ، سواء على مستوى أصوله النصية الثابتة ، او فروعه الاجتهادية المتغيرة.

الخلط: ووجه الخطأ في هذا المذهب انه يخلط بين الملكية الخاصة المتعلقة بوظيفة الملكية، التي مضمونها حق المالك في التصرف المطلق بالمال، والملكية الفردية المتعلقة بالشكل القانوني للملكية، والتي مضمونها حق الفرد في التصرف المقيد بالمال. وان الموقف السليم من النظم الاقتصادية المعاصرة ليس القبول المطلق ، بل هو الموقف النقدي القائم على رفض السلبيات وقبول الايجابيات.

نقض أدله المذهب: ويستدل هذا المذهب بعده أدله سنعرض لها ونتناولها بالنقد:

الدليل الأول: وضع الإسلام حد السرقة وجعل عقوبتها قطع اليد، والاستدلال هنا غير صحيح، إذ أن الحدود هي (محظورات شرعية زجر الله عنها بعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى)، وما كان حق الله يعني أن وضعه كان لحماية مصلحة الجماعة ، لا مصلحة الفرد يقول الكاساني (والمقصود بحق لله كل فعل أو امتناع ترجع علة إيجابه أو النهي عنه إلى الجماعة)(بدائع الصنائع، ج7، ص 33،56)، وهذا دليل على أن حد السرقة إنما وضعه الشارع تعالى لحماية مصلحة الجماعة ،التي لها حق الانتفاع أصلا وأن كان الانتفاع بيد الفرد،إذ لو كان المراد إقرار الملكية الخاصة كما في الراسماليه لكانت عقوبة السرقة قصاص لا حد، إذ المقصود بالقصاص(ما وجب إتيانه أو الامتناع عنه لحق الفرد)( المرجع السابق، ص320)إي أن القصاص وضع لحماية حق الفرد ولذا يجوز العفو في القصاص ولا يجوز في الحد.

الدليل الثاني: أنه لا يجوز للدولة أن تأخذ من مال الفرد سوى الزكاة،وهو رأي خاطئ،ومن أدلة ذلك قوله تعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ والملائكة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِيا لْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسائلين وَفِي الرقاب وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ اِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(البقرة: 177)، وفي تفسير القرطبي (استدل بها من ذهب إلى إن في المال حق سوى الزكاة ،وقيل الزكاة المفروضة،والأول أصح …وقال عمر (رضي الله عنه)( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على الفقراء المهاجرين)، وقال علي رضي الله عنه (إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم(.

الدليل الثالث: انه لا يجوز للدولة أن تأخذ مال الفرد جبراً، بل على الفرد أن يعطي باختياره، وهو رأي خاطئ والأدلة: عندما احي عمر رضي الله عنه أرضا بالربدة وكانت لقوم فجاءؤا وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في إلاسلام علام تحميها،فاطرق عمر ثم قال: المال مال الله والعباد عباد الله والله لو لا ما احمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبر في شبر”. ،يقول الإمام ابن حزم (وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، يجبرهم السلطان على ذلك أن لم تقم الزكوات، ولا في سائر أموال المسلمين فيقم لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ،وبمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة).

 المذهب الثاني: مذهب الملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية:أما المذهب الثاني فيرى – في مجال الملكية – أن الملكية الخاصة والتي تسمى (ملكية الرقبة)، والتي تخول للفرد  حق التصرف المطلق في المال-كما في النظام الراسمالى- تتناقض مع المنظور الاقتصادي الاسلامى القائم على إسناد ملكية المال لله تعالى وحده(وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(المائدة: 17). وان الإسلام إنما اقر الملكية الفردية( كشكل قانوني للملكية)، لكن على وجه يتسق مع تصور معين للملكية الاجتماعية (كتحديد لوظيفة الملكية )، ومضمونه ان حق الفرد في التصرف في المال ليس مطلق بل مقيد بالالتزام بالضوابط التي وضعها مالك المال ، وعدم التناقض مع مصلحه الجماعة المستخلفة أصلا عن الله تعالى في الانتفاع بالمال .

المفاهيم الكلية للفلسفة الاقتصادية الاسلاميه : وهذا المذهب يتسق مع المفاهيم الكلية للفلسفة الاقتصادية الاسلاميه وهى:

أولا: إسناد ملكيه المال (اى حق التصرف المطلق في المال)لله تعالى ، قال تعالى (واتوهم من مال الله الذي أتاكم) .

ثانيا:  استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال، على الوجه الذى حدده مالك المال ،  أما الفرد فنائب ووكيل عن الجماعة في الانتفاع بالمال على وجه لا يتناقض مع مصلحتها، قال تعالى (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) ، وهذا الاستخلاف العام يتحقق من خلال القواعد التالية:

ا/ أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلأ والنار (روه احمد وأبو داود).

ب/ تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها، قال عمر بن الخطاب  (رضي الله عنه) ( لو أن عناقا ” عنزا ” ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة).

ج/ أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به  الفرد ، بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.

العدالة الاجتماعية في المنظور الاقتصادي الاسلامى : كما أن هذا المذهب يرى أن المنظور الاقتصادي الاسلامى يعتبر أن العدالة الاجتماعية  هو غاية أساسيه للنشاط الاقتصادي للمجتمع المسلم – والدولة الاسلاميه كممثل له – وذلك من خلال تقريره لشرطي العدالة الاجتماعية : الشرط الأول  هو تكافؤ الفرص يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ، وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام ، والرجل وعناؤه وحاجته ، والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى) . أما الشرط الثاني فهو عدالة توزيع الثروة الذي يتضمن عدالة الأجور، روي أن أبو عبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة )، قال أبو يوسف في تفسيره ( إذا استعملتم علي شيء فابذل لهم العطاء والرزق لا يحتاجون).

الوظيفة الاقتصادية للدولة في المنظور الاقتصادي الاسلامى: كما أن هذا المذهب يرى ان المنظور الاقتصادي الاسلامى قد اقر الوظيفة الاقتصادية للدولة- بالاضافه إلى وظائفها الأخرى- وتتمثل  هذه الوظيفة في أن احد الغايات الاساسيه للدولة الاسلاميه ، هو إشباع الحاجات المتجددة للجماعة، وهو ما يتجسد في كون وظيفة الدولة في مجال الاقتصاد ، هو توفير الحاجات الأساسية  للجماعة من مأكل وملبس ومسكن وتكوين الاسره وتعليم وعمل ..وقد أشارت الكثير من النصوص إلى  هذه الوظيفة الاقتصادية للدولة… روى أحمد عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) (من ولى لنا عملا وليس له منزلاً فليتخذ منزلا أو ليس له زوجه فليتزوج أو ليس له خادم فليتخذ خادم أو ليس له دابة فليتخذ دابة ومن أصاب شيئا سوي ذلك فهو غالى )،وروي الواقدى باسنادة (أمر عمر فكتب إلى عمال أهل العوالي، فكان يجري عليهم القوت ، ثم كان عثمان فوسع عليهم في القوت والكسوة، وكان عمر يفرض للمنفوس مائه درهم، فإذا بلغ زادة مائتي درهم، وكان إذا أتي بلقيط فرض له مائه له رزقا ياخذة ، وله كل شهر بقدر ما يصلحه، ثم ينقله من سنة إلى سنة،وكان يوصي بهم خيرا أو يجعل أرضهم أو نفقتهم من بيت المال)، ويقول الإمام ابن حزم ( وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان علي ذلك أن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم ،فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه ،ومن اللباس للشتاء والصيف ،وبمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة…)( ابن حزم، المحلى، ج1 ، ص156.)

نظام الحكم : ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه نظام الحكم .

 المفاهيم الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه : تنطلق الفلسفة السياسية الاسلاميه من جمله من المفاهيم الكلية، وهى:

أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية لله : طبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب إسناد الحاكميه (السيادة بمعنى السلطة المطلقة) لله تعالى وحده ، قال تعالى( أن الحكم إلا لله ) ( الأنعام:57) .

ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة:  وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكميته في الأرض، وذلك بممارستها للسلطة (بما هي ممارسه للسيادة في زمان ومكان معينين) مقيده  بهذه الحاكميه الالهيه، فالمستخلف في السلطة ( الأمر) أصلا هو الجماعة  بدليل تقرير القران أن الأمر شورى بين المسلمين (وأمرهم شورى بينهم)، وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن … “ويجعلكم خلفاء الأرض” ( فاطر: 39). “وهو الذي جعلكم خلائف الأرض”…( الأنعام:165)،أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله .

قواعد السلطة :

المساواة : اتساقا مع كون المستخلف عن الله تعالى في السلطة- أصلا- هو الجماعة ، فان أول قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامي في السلطة هي قاعدة المساواة ، ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم) ، وعند البيهقي كما عزاه المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الألباني عن جابر( رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال: ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ثم يقرر الإسلام ما هو صالح للمحافظة علي هذه القاعدة، في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان ، وهما قاعدتي العدل والشورى.

العدل : هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه ، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمي الحكم ( القضاء)، ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه،قال تعالى( إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ( النساء:85).

الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة ، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ، ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة والمعرفة وذلك بالإشارة به على الآخرين،  وهنا نشير إلى أن مبدأ ترجيح رأى الأغلبية  فيما ليس فيه نص يقينى الورود قطعي الدلالة مبدأ أشار إليه علماء أهل السنة يقول الغزالي في مسألة ( إذا بويع لإمامين) (أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة… ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح).  وقال ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة)، ومن أقوال الفقهاء ” الأكثرية مدار الحكم عند فقدان دليل أخر.

كيفية قيام السلطة: أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين فقد ترك الإسلام  للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى .

الموقف من الديموقراطيه:

وفى الفقه  السياسي والدستوري الاسلامى المعاصر نجد مذهبين  في تحديد الموقف من الديمقراطية، هما مذهب الرفض المطلق والمذهب النقدي.

 أولا:مذهب الرفض المطلق :  المذهب الأول يقوم على الرفض المطلق لمفهوم الديموقراطيه دون تمييز بين دلالاته  المتعددة بناءا على العديد من الحجج أهمها : أن مصطلح الديموقراطيه اجنبى،غير انه لا حرج من استخدام اى مصطلح ، ما دام هذا الاستخدام ذو دلاله لا تتناقض مع قواعد الوحي المطلقة ، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل . ومن هذه الحجج أن الديموقراطيه تسند الحاكميه (السيادة ) للشعب ، غير آن هذه الحجة تخلط بين الدلالة الخاصة المنفردة للديموقراطيه ممثله في الديموقراطيه الليبرالية والتي لا تميز بين السيادة والسلطة، و الدلالة العامة المشتركة للديموقراطيه ، والتي تسند السلطة – وليس السيادة- للشعب . ومن هذه الحجج أن اختيار الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى يتم  ببيعة أهل الحل والعقد فقط، وهى بيعه خاصة ،  وهذا غير صحيح،  ففي الفقه السياسي الإسلامي يتم اختيار الحاكم طبقا لبيعتان هما :

 أولا: البيعة الخاصة: وهى بيعه أهل الحل والعقد ، وهي الجماعة التي لها حق بيعة الإمام من بين أعضائها، وهي تقارب ما يسمى في  الفكر السياسي الحديث ( الهيئة التشريعية) التي تكون من ممثلين الأغلبية الشعب بانتخاب، والتي تتولي اختيار الحكومة  (السلطة التنفيذية)، التي تكون مسئولية أمام هاؤلاء الممثلين ( النظام البرلماني) ، كما ان أهل الحل والعقد كانوا ممثلين لأغلبية الشعب تفويضا، وهو ما نلاحظه في جماعه المهاجرين الأولين التي تكون من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون من القرشيين الذين هاجروا من مكة إلى يثرب ، فكان ذلك تفويضا، ولذا يجوز أن يكون اختيار أهل الحل والعقد في عصرنا بالانتخاب باعتبار ذلك وسيلة لضمان كونهم يمثلون أغلبية الجماعة، يوضح الإمام الغزالي صفات من له الحق في العقد للإمام ( أن يكون مطاعا ذا شوكه .. ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان) وهذه البيعة بمثابة الترشيح.

 ثانيا:البيعة العامة:إن البيعة الأولي لا تكفي وحدها، فلابد من البيعة العامة التي هي بمثابة تصديق علي الترشيح، وإكمال للعقد .يقول ابن تيمية ( وكذلك عمر لما عهد إليه ابوبكر ولم يبايعوه لم يصر إمام ،وكذلك عثمان لم يصر إمام باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له)، ويقول الغزالي( ولو لم يبايع ابابكر غير عمر، وبقي كافة جميع الخلق مخالفين له لما انعقدت الإمامة ،فان المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين ).

المذهب النقدي: أما المذهب الثاني فيتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف نقدي يقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه، وهو ما يتحقق من خلال  الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام،أما الدلالة الخاصة المنفردة لمفهوم الديموقراطيه – ومثالها الديموقراطيه الليبرالية- فان الموقف الصحيح منها هو قبول ما  اتفق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورفض ما تناقض معهما.

حقوق الانسان: كما تناول الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه حقوق الإنسان المفاهيم الكلية للمنظور الاسلامى لحقوق الإنسان:ينطلق المنظور الاسلامى لحقوق الإنسان من المفاهيم الكلية التالية:

أولا: التوحيد( الله تعالى هو مصدر الحقوق الاصليه للإنسان):طبقا لمفهوم مفهوم التوحيد فان الحق صفة من صفات ربوبية الله تعالى ، و هذه الصفة لها شكلين من أشكال الظهور : الأول هو  الظهور التكويني كما في قوله تعالى﴿ ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ، ويترتب عليه تقرير الحقوق التكوينية للإنسان والتي تتمثل في الحقوق التي جعلها الله تعالى  للإنسان حقوقاً بحكم تكوينه، والثاني هو الظهور التكليفى كما في قوله تعالى﴿ فذلك الله ربكم الحق﴾ ،ويترتب عليه الحقوق التكليفيه ، والتي تتمثل في الحقوق قررها الله تعالى للإنسان في شرعه.ويترتب على ما سبق أن مصدر الحقوق الاصليه للإنسان في المنظور الاسلامى لحقوق الإنسان هو الله تعالى.

ثانيا: الاستخلاف ( الاجتهاد الانسانى هو مصدر الحقوق الفرعية للإنسان): وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار الحق كصفه ربوبية في الأرض، وذلك بالتزامها بالحقوق الاصليه للإنسان ( التي لا تخضع للتغير في المكان أو التطور خلال الزمان )، والتي مصدرها التكليفى هو الوحي، ومصدرها التكويني هو السنن الالهيه التي ضبط حركه الإنسان.ثم اجتهادها في وضع الحقوق الفرعية للإنسان ( التي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان).

الحقوق الأصلية:  والحقوق الأصلية التي قررها الإسلام للإنسان تنقسم إلى أربعة حقوق رئيسيه تتفرع منها حقوق ثانوية متعددة،وهذه الحقوق الاساسيه هي: (ا)حق  الحفاظ  على الحياة (ب)حق التعبير (ج)حق المعرفة (د)حق العمل.

أولاً: حق الحفاظ على الحياة: أول الحقوق الاصليه التي قررها الإسلام للإنسان حق الحفاظ  على الحياة ، لهذا عد القرآن الكريم  القتل جريمة  ليس ضد الفرد المقتول فقط بل الإنسانية كلها، قال تعالى﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ( المائدة : 32)،وشرع القصص تأكيداً لهذا الحق وحماية له ( ولكم في القصاص  حياة يا أولى الألباب)، بل قرر الإسلام  هذا الحق للإنسان قبل أن يولد، فحرم الإجهاض يقول الغزالي ( الإجهاض جناية على وجود حاصل ، فأول مراتب الوجود النطفة في الرحم فتختلط بماء الرجل فإفسادها جناية) (الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج2 – ص 65)،ويتصل بحق الحفاظ على الحياة حق توفير الدولة الإسلامية الحاجات الضرورية للناس من ملبس ومأكل ومسكن وعلاج و تكوين الأسرة ،يقول الإمام ابن حزم الظاهري ) وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد، أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين لهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ،ومن اللباس للشتاء والصيف ،و بمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة)( أبن حزم ، المحلي ، ج1- ص 156).  ويتصل بحق الحفاظ على الحياة تحريم الإسلام التعذيب لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)( أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) ( رواه مسلم) ، وتحريم التخويف لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( لا يحل  لمسلم أن يروع مسلماً )( أبو داود).

ثانياً: حق المعرفة: ثاني  الحقوق الاصليه التي قررها الإسلام  للإنسان هو حق المعرفة، لذا قرر الإسلام إلزامية التعليم  الاساسى التي نستدل عليها بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)( طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وكذلك مجانية التعليم الاساسى  والتي نستدل عليها بقوله تعالى على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( قال لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله) ، يقول الإمام الغزالي (على المعلم  أن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب  على إفادته العلم أجراً، ولا يقصد به جزاءاً ولا شكراً)، كما روى أبن داود  عن أبي شيبه انه قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : يا رسول الله رجل أهدى لي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليس بمال عليها في سبيل الله فقال( أن كنت تحب أن تكون طوقاً  من النار فأقبلها).

ثالثاً: حق التعبير: وثالث الحقوق الاصليه التي أقرها الإسلام للإنسان هو حق التعبير عن الرأي كما يتضح في مفهوم الشورى (وأمرهم شورى بينهم ).

رابعاً: حق العمل: ورابع الحقوق الاصليه التي قررها الإسلام للإنسان  هو حق العمل ، لذا حث القرآن على العمل ﴿ …. فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ( الملك : 15) ،وجعل العمل أساساً للجزاء ﴿ أن ليس للإنسان إلا ما  سعي وأن سعيه سوف يري ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾، وعظمت السنة العمل ( ما أكل طعاماً قط خير من عمل يده وأن نبي الله داود يأكل من عمل يده)( رواه البخاري)،ولحماية هذا الحق سن الإسلام حق الحصول على الأجر المناسب للعمل المناسب لقوله تعالى في الحديث القدسي ( ثلاثة أما خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته… رجل أعطي بي ثم غدر ،رجل باع حراً  فأكل ثمنه  ،رجل استأجر فاستوفي منه العمل ولم يعطه حقه) ( رواه البخاري). كما قرر الإسلام وجوب اختيار الشخص المؤهل للقيام بالعمل المعين وعدم جواز تنحيته وتوليه غيره لهوى أو رشوة أو قرابة ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من أرضى الله منه فقد خان الله ورسوله) ، وقال (صلى الله عليه وسلم)( من أولى من أمر المسلمين شيئاً  فأمر عليهم أحد محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم).

ثم اجتهادها في وضع الحقوق الفرعية للإنسان ( التي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان).وهذه الحقوق الأصلية التي قررها الإسلام، أما ويتضمن هذا الاجتهاد الأخذ بإسهامات الأمم المعاصرة في مجال حقوق الإنسان بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة

الحقوق الفرعية: أما الحقوق الفرعية للإنسان ، والتي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان، فقد  ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، ويتضمن هذا الاجتهاد الأخذ بإسهامات الأمم المعاصرة في مجال حقوق الإنسان، بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة ..

حقوق المراْة : : ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه دور المراه  في المجتمع.

الحقوق الشرعية للمراْه : ونقطه البداية هنا ينبغي أن تكون إقرار الحقوق الاصليه التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه ، والتي تنقسم إلى ثلاثة حقوق رئيسيه ، تتفرع منها حقوق ثانوية متعددة، وهذه الحقوق الاساسيه هي :

حق المعرفة: أول الحقوق  التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه هو  حقها في المعرفة والتعليم ،ومن أدله ذلك: قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وأضاف بعضهم للرواية ومسلمه ، وقال البعض بعدم وجوده في الحديث إنما لفظ مسلم يقع على الذكر والأنثى، وهو اصطلاح الشارع في سائر الخطاب الشرعي(يا أيها الذين امنوا..). وكذلك قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء ). وجاء في كتاب الطبقات الكبرى أن عدد من روى عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) من النساء نيف وسبعمائة امراْه .

حق إبداء الراْى : ثاني الحقوق  التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه هو  حقها إبداء رأيها في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…والتي لم يرد فيها نص يقيني الورود قطعي الدلالة،والأخذ به… ومن أدله ذلك : إعطاء القران حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر للمراْه مثل الرجل(المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..). واخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) براى النساء في كثير من الوقائع ، كما هو الحال مع أم سلمه في صلح الحديبيه وقال (حبذا رأيك يا أم سلمه ،لقد انجي الله المسلمين بك من عذاب اليم)( رواه الشيخان). وان سمراء بنت نهيك الاسديه أدركت الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعمرت ،وكانت تمر بالأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وخروج عائشة (رضي الله عنها ) فى يوم الجمل . واعتراض المراْه على عمر(رضي الله عنه) حين فكر في تحديد المهور فقال عمر (أصابت امراْه واخطأ عمر).

حق العمل: ثالث الحقوق  التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه هو حقها في العمل طبقا للضوابط الشرعية ، ومن أدله ذلك: أن المراْه عملت في عهد الرسول(صلى الله عليه وسلم) في مجالات عديدة ، فقد اشتهر في الطب والتمريض رفيده الانصاريه التي ورثت الطب عن أبيها في الجاهلية، فلما أسلمت جعل لها خيمة في مسجد الرسول تداوى فيها الرجال والنساء جميعا (أسد الغابة ، ج7)( طبقات ابن سعد،ج8). ولما أصيب سعد بن معاذ في الخندق قال (صلى الله عليه وسلم) ( انقلوه إلى خيمة رفيده ). وفى مجال الحرب أورد البخاري بابا كاملا اسماه باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال( صحيح البخاري، ط المجلس الأعلى للشئون الاسلاميه، ج5، ص84 ).وولى عمر الشفاء على سوق المدينة ، وكذلك ولى سمراء الاسديه . ولم يعترض الفقهاء –إجماعا- على حق المراْه في العمل سوى الامامه الكبرى ، التي رفضه قطاع غالب من العلماء  استنادا إلى الحديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امراْه). أما القضاء فقد قال الجمهور الذكورة شرط في صحة الحكم فقط ، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضيا في الأموال ، وقال الطبري يجوز أن تكون قاضيا على الإطلاق، وقال ابن حزم جائز أن تلي المراْه الحكم- القضاء-وهو قول أبو حنيفة .

مفهوم المساواة:  وفى إطار الفقه الاجتماعي والدستوري الاسلامى المعاصر نجد مذهبين في الموقف من المساواة بين المراْه والرجل :

المذهب الأول ( نفى المساواة) : المذهب الأول يقوم على نفى المساواة بين المراْه والرجل استنادا إلى العديد من الادله أهمها أولا:نفى القران الكريم أن يكون الذكر كالأنثى(وليس الذكر كالأنثى).ثانيا: تقرير الشريعة الاسلاميه لجمله من الأحكام الخاصة بالمراه .

تقويم للمذهب والرد على أدلته: ان نفى القران الكريم أن يكون الذكر كالأنثى هو نفى للمثلية، اى نفى أن تكون المراْه مثل الرجل في التكوين والامكانيات و المقدرات الذاتية ، وليس نفى للمساواة التي تتعلق – في المفهوم الاسلامى- باالمساواه في الحقوق والواجبات ، دون نفى تفاوت المراه والرجل في التكوين والمقدرات والامكانيات  الذاتية ، وبالتالي فان إقرار الشريعة الاسلاميه لجمله من الأحكام الخاصة بالمراه ، هو من باب مراعاة هذا التفاوت وليس  من باب نفى المساواة .

المذهب الثاني : (إقرار المساواة ونفى المثلية ” المفهوم الاسلامى للمساواة” ): أما المذهب الثاني فيقوم على الإقرار بالمساواة بين المراْه والرجل، طبقا للمفهوم الاسلامى للمساواة، والذي مضمونه ان تحكم العلاقة بين والرجل في المجتمع، قواعد عامه مجرده ، سابقه على نشاْه تلك العلاقات ، وهو ما يتحقق في الشريعة بما هي وضع الهي مطلق. ومن الادله على تقرير الإسلام للمساواة بين الرجل والمراه  على الوجه السابق بيانه  :قوله تعالى( ولهن مثل الذي لهن بالمعروف.( وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (إنما النساء شقائق الرجال)(أخرجه احمد في مسنده) . وكذلك تقرير الإسلام ان المراْه مساويه للرجل في سائر التكاليف الشرعية .وكذلك تقريره ان المراْه مساويه للرجل في المسؤليه(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمراْه راعيه فى بيت زوجها وهى مسئوله عن رعيتها…)

نفى المثلية : كما يقوم هذا المذهب على رفض المثلية ، التي تعنى ان تكون المراْه مثل الرجل فى التكوين والامكانيات و المقدرات الذاتية، وهو ما نفاه القران ( و ليس الذكر كالأنثى)، حيث ان التفاوت فى المقدرات الذاتية سنه إلهيه تشمل الناس كلهم ، وهو جزء من مفهوم الدرجيه الذي يقرر تفاوت الناس فى المقدرات والامكانيات الذاتية دون ان يلغى ذلك المساواة بينهم.

النظام القانونى الاسلامى(الشريعه الاسلاميه): ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه تطبيق النظام القانوني الاسلامى(الشريعة الاسلاميه )، حيث نجد مذهبين في تحديد مفهوم الشريعة الاسلاميه ، يترتب عليهم شكلين من أشكال تطبيق النظام القانوني الاسلامى.

أولا: مذهب  قصر الشريعة على  العقوبات ( التطبيق الجزئي) :المذهب الأول يقصر الشريعة على العقوبات ، من خلال جعله العلاقة بين مصطلحي الشريعة والعقوبة علاقة تطابق، ويترتب على هذا المذهب التطبيق الجزئي للشريعة الاسلاميه .

تقويم المذهب : ووجه الخطأ في هذا المذهب هو أن مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح  عقوبة ، ذلك أن لمصطلح شريعة دلالتين: دلاله أصليه تشمل  العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة… والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة ، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية… يقول ابن تيميه( وإلا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات‏…)‏، وطبقا لهذه الدلالة فان مصطلح شريعة اشمل من مصطلح العقوبة، إذ أن العقوبات المقدرة هي جزء من الشريعة . كما أن لمصطلح الشريعة دلاله تبعية هي النظام القانوني الاسلامى وما يتضمنه من نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح  ” الحدود “. و القواعد -الفروع، التي محلها الفقه في الإسلام يقول ابن تيميه ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم). وطبقا لهذه الدلالة لمصطلح الشريعة فان مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبة الذي يتضمن نمطين من أنماط الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى  هما العقوبات الحدية و عقوبات التعزير.

ثانيا: مذهب شمول مفهوم الشريعة ( التطبيق الشامل ): أما المذهب الثاني فيقول بشمول مفهوم الشريعة الاسلاميه،وبالتالي فان مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبة كما سبق بيانه، كما يدعو هذا المذهب إلى التطبيق الشامل للنظام القانوني الاسلامى ، وضرورة التزام هذا التطبيق بجمله من الضوابط التي تضمن أن يكون تطبيق النظم القانوني الاسلامى صحيحا ، وهذه الضوابط هي :

أولا: اعتبار الواقع: من هذه الضوابط اعتبار الواقع عند تطبيق النص ، يقول ابن القيم )ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.النوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك، لم يعدم أجرين أو أجرا،فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله( (إعلام الموقعين 1/87) .

ثانيا: اعتبار مصلحة الجماعة: ومن هذه الضوابط اعتبار مصلحه الجماعة ، وهو ما يتسق مع تقرير علماء الإسلام أن مقصد التشريع الإسلامي تحقيق مصلحة الناس، يقول ألشاطبي( إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا مصالح الناس وحيثما وجدت العمل به فيه حق لله من جهة وجوب العمل به وفية حق للعبد من جهة انه ما شرع إلا المصلحة)( ألشاطبي ، الاعتصام ). فشرعه تعالي قائم علي أصول ما تحقق للجماعة مصالحها في كل زمان و مكان ، أما ما دون ذلك من مصالح متجددة ( مرسلة )، فقد ترك الإسلام للجماعة وضعها علي الوجه الذي يحققها ،في إطار أصول الشرع.

ثالثا: التدرج: ومن هذه الضوابط الالتزام بقاعدة التدرج التي قررها الإسلام في كثير من الأحكام والتزم بها الرسول(صلى الله عليه وسلم)(المرحلة المكية والمرحلة المدنية. وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:

ا/ التدرج في التشريع: اى التدرج في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة الى التحريم او من الندب الى الوجوب…)،ومن أشكاله التدرج فى بيان درجه الإلزام فى شرب الخمر من الاباحه عند قوله  تعالى{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67], إلى الكراهة عند قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219], و قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43], الى التحريم عند قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوة بوفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم).

ب/التدرج فى التطبيق: اى التدرج فى تطبيق القاعدة الشرعية وليس فى بيان  درجه الإلزام فى القاعدة  الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(حلية الأولياء  5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128)

رابعا: مراعاة العرف: ومن هذه الضوابط مراعاة العرف الذي يسود في المجتمعات المسلمة ، وذلك بتجاوز موقفي القبول المطلق أو الرفض المطلق لهذا العرف ،  إلى موقف نقدي يقوم على اخذ وقبول ما وافق القواعد الأصول ، ورد ورفض ما خالفها. وهذا الموقف نجد أسسه في اعتبار الاصوليون للعرف كمصدر من المصادر التبعية للشريعة الاسلاميه.

خامسا: العمل على توفير الشروط الموضوعية : ومن هذه الضوابط وجوب سعى المجتمع لتوفير الشروط الموضوعية اللازمة لتطبيق النظام القانوني الإسلامي، وهى تتضمن شروط سياسية كالشورى ، واقتصادية كالعدل الاجتماعي، واجتماعيه كالاستقرار الاجتماعي…..هذه الشروط يتوافر بعضها (كالشورى والعدل…) في الدلالة الاصليه لمصطلح الحدود ” القواعد الامره”، كما تستند بعضها (كالاستقرار الاجتماعي) إلى  شروط إيقاع العقوبة العامة والخاصة ،التي حددها القانون الجنائي الاسلامى ، فمن الشروط العامة اللازمة لإيقاع العقوبة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو وهو ما يستنبط من ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل  ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو،و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ،و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء(محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 ).

 القانون الجنائي الاسلامى: ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه تطبيق القانون الجنائي الاسلامى .

مبادئ القانون الجنائي الاسلامى : ونقطه البداية هنا ينبغي أن تكون الانطلاق من  مبادئ القانون الجنائي الاسلامى ، والتي تتضمن جمله من المفاهيم والقيم والقواعد القانونية التي تضبط مفهوم العقوبة ، والتي سبق فيها القانون الجنائي الاسلامى القانون الجنائي الوضعي :

مبدأ (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) أو (قانونية الجرائم والعقوبات) : ومضمونه انه لا يمكن عَدّ فعل أو تركه جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص صريح فلا مسؤولية ولا عقاب على فعل أو ترك، وهذا المبدأ نجد الاشاره إليه في جمله من الآيات كقوله تعالى  (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).كما نجد الاشاره إليه في قاعدتين أصوليتين هما: «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص»، والثانية: «الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة»( محمد شلال العاني و عيسى العمري، فقه العقوبات في الشريعة الإسلامية، ص52- 53).

ويترتب على قاعدة «لا جريمة ولا عقاب إلا بنص» نتائج منها:

ا/عدم رجعية القانون: والمقصود به أن المشرع لا يتناول بالعقاب أفعالاً ارتكبت قبل صدور التجريم، وقد أشارت عده آيات إلى هذه القاعدة كقوله تعالى (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)، لكن الشريعة الإسلامية تتفق مع أغلب القوانين الوضعية على وجود استثناءين لقاعدة عدم رجعية التشريعات الجزائية، أولهما يتعلق بمصلحة المتهم( عبود السراج، التشريع الجزائي المقارن، ص118)، والثاني بتطبيق قواعد الإجراءات.

ب/ قصر التجريم وترتيب العقوبات على القانون المكتوب: دون غيره من المصادر القانونية،وفى القانون الجنائي الاسلامى وردت النصوص على العقوبات الحدية والقصاص، أما عقوبات التعزير  فكون أنها لم ترد في الشرع، لأنها العقوبة التي يقررها الحاكم للجرائم التي لا حد فيها ولا كفارة ولا قصاص، لا ينفى هذه النتيجة، لأننا نجد الفقه الاسلامى نجد العديد من القواعد التي تفيد حق الدولة في تبنى قواعد قانونيه معينه لتصبح ملزمه للناس ،من هذه القواعد : “للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات” و “أمر الإمام يرفع الخلاف” و “أمر الإمام نافذ ” .

مبدأ المساواة في العقوبة: يقصد به أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم، وقد أشارت العديد من النصوص إلى هذا المبدأ كقوله صلى الله عليه وسلم (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)

مبدأ قضائية العقوبة: المقصود به هو أن السلطة القضائية هي المسئولة عن توقيع العقوبات الجنائية، (فلا عقوبة إلا بنص ولا عقوبة إلا بحكم قضائي). وقد أشار القانون الجنائي الاسلامى إلى هذا المبدأ، يقول الماوردي في الأحكام السلطانية بأن أحد واجبات الإمام ( تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم) ( د. وهبة الزحيلي، العقوبات الشرعية، ص227-229).

مبدأ شخصية العقوبة: وهذا المبدأ الذي تبنته القوانين الوضعية نتيجة لمبدأي المسؤولية الأخلاقية والحرية الفردية، وهو كذلك من المبادئ العامة الأساسية في القانون الجنائي الاسلامى يقول تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم): (لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه) (أ. محمد تهامي دكير، خصائص العقوبة في الشريعة الإسلامية).

مشروعيه العقوبة فى القانون الجنائي الاسلامى:

ان نظرية الجزاء فى القانون الجنائي الاسلامى لا تقوم على أساس الانتقام، قال تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) { البقرة : 179 } ( الاحتفاظ للجرم بجزاء شخصي في الآخرة ، واستبدال الدية بالعقوبة والتوبة ، والعفو )، بل هي مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على ما يحقق مصالح البشر ، أو حماية المصالح كما يقال في فقه القانون الجزائي(حفظ النفس بتحريم القتل والعقل بتحريم الخمر،والنسل بتحريم الزنا،والمال بتحريم السرقة) ، وذلك بالجمع بين عنصري الجزاء(اى كون العقوبة هي جزاء على خرق مجموعه القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني الاسلامى ) ، والردع(اى ان من غايات العقوبة الزجر الكافي والمناسبً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني الاسلامى )، يقول تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) والنكال المنع، يقول الشيخ محمد أبو زهره في تفسير الايه (هذا العقاب فيه جزاء كفاء للجريمة، وفيه منع لغير المرتكب عن ان يرتكب) (محمد أبو زهره، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة ، دار الفكر العربي، ص192).

شروط إيقاع العقوبة فى القانون الجنائي الاسلامى : وقد حدد القانون الجنائي الاسلامى شروط عامة وخاصة لإيقاع العقوبة، ومن الشروط العامة اللازمة لإيقاع العقوبة:أولا: التكليف: و يقصد به البلوغ و العقل فلا يجب معاقبة الصغير أو المجنون. ثانيا:الاختيار و عدم الإكراه: فلا يعاقب من أجبر بغير إرادته على اقتراف جريمة معينة لأن عنصر الإرادة و الاختيار مفقود، ومثال على  ذلك عدم تطبيق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوبة القطع عام الرماده، لان الجوع يسلب الإنسان الاراده والمقدرة على الاختيار ، و هنا نرى انه ليس دقيقاً أن يقال إن عمر بن الخطاب قد عطل حدّ السرقة عام المجاعة،فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرّم الله ، ولكنه رأى في ظروف معينّة أن جزاء قطع اليد لم تتوافر له احد شروطه وهو الاراده . ثالثا: العلم بالتحريم: فلا يعاقب من يجهل حرمة جريمة معينة ارتكبها لانتفاء القصد إلى ارتكاب الجريمة. رابعا:ثبوت الجريمة: لا عقوبة ما لم تثبت الإدانة بالطرق القطعية. خامسا: ومن الشروط العامة لإيقاع العقوبات الحدية توافر الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يستنبط من ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل  ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو،و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ،و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء(محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 )

 العقوبات الحدية وقاعدة درء الحدود: أن  الفهم والتطبيق الصحيحين للعقوبات الحدية لا يتحقق الا من خلال اعتبار قاعدة  درء الحدود والتي من أدلتها: ما رواه ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا)، وحديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم )( رواه ابن حزم عن عمر موقوفا عليه ، قال الحافظ : وإسناده صحيح )، والحديث (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)، وعن عمر ، قال : لأن أخطئ في الحدود بالشبهات ، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات (المقاصد الحسنة /50).والدرء لغة الدَّفْع (لسان العرب)، أما اصطلاحا فهو دفع العقوبة  الحدية، قدر الاستطاعة ،بمدفعها الشرعي:

أولا: على المستوى التشريعي: ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى إصدار القانون، ويتضمن درء الحدود على المستوى التشريعي عدم اعتبار النظام القانوني العقوبة المعينة عقوبة حديه ما لم يجمع عليها الفقهاء، و هو ما يدل على أنهم استندوا إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة” ، لان كل فعل يختلف فيه الفقهاء حلا و تحريما فان الاختلاف شبهه تسقط الحد ، يقول ابن قدامه في المغنى( ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه… لان الاختلاف في اباحه الوطء فيه شبهه، والحدود تدرأ بالشبهات).وهنا تعتبر العقوبة المعينة عقوبة تعذير، مع استمرار توصيف الجريمة التي تستوجبها بأنها جريمة حديه(طبقا للدلالة التبعية الأولى لمصطلح حد) ، وتوصيف الفعل المنهي عنه بأنه حد(طبقا للدلالة الاصليه لمصطلح حد).

 ثانيا: على المستوى القضائي : ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى تطبيق القانون، وذلك بعدم تطبيق العقوبة الحدية  على المتهم ما لم تتحقق في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، و تنتفي عنه كل موانع إيقاعها ،  فالمدفع الشرعي هنا له قسمان: الاول نافى ، ويتضمن موانع إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الشبهات ، فقاعدة درء الحدود بالشبهات قررها اغلب الفقهاء،يقول الإمام ابن المنذر:(وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهات .كما يضم هذا القسم ما قرره القانون الجنائي الاسلامى من الأسباب الشرعية التي تسوغ سقوط الحد، والتي قسمها الفقهاء إلى ثلاثة أنواع : الأول يتعلق بشروط تحقق العقاب، و النوع الثاني ما يتعلق بالإثبات ، والنوع الثالث ما يتعلق باقامه الحد بعد توافر السبب وثبوت الشرط وقيام الإثبات الخالي من كل شبهه . والقسم الثاني مثبت،ويتضمن شروط إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم  الستر كما في قوله صلى الله عليه وسلم قوله (لو سترته بثيابك لكان خيرا لك)، كما يضم العفو كما في القصاص،وتوبة الجاني  قبل ان يقدر عليه كما في الحرابة.

 أساس مشروعيه قاعدة درء الحدود:إن أساس مشروعيه قاعدة درء الحدود ان نظرية الجزاء في الإسلام لا تقوم على أساس الانتقام بل هي ، مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على حماية المصالح وذلك بالزجر الكافي والمناسب للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد الآمرة أو الناهية وهي ” الحدود ” .لذا فان التشدد في العقوبات الحدية المقصود منه الزجر والردع -وهو ما يتحقق بأقل حد ممكن من التطبيق – يقول ابن القيم) ومن المعلوم: أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم. ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله.(.وتطبيقا لهذه القاعدة تجد ان الفقهاء قد احتاطوا في تطبيق العقوبات الحدية ، فضيقوا دائرة الأفعال التي تنطبق فيها شروط الجريمة الحدية و تستوجب بالتالي عقوبة حديه إلى درجه جعلت الأفعال التي تنطبق فيها هذه الشروط فى حكم النادر. يقول الشيخ  محمد  أبو زهره( ان الأخذ بمبدأ الشبهة الدارئة للحد القصد منه هو ان تكون شريعة الحد قائمه، والتنفيذ القليل منها صالح لإنزال النكال بالمذنبين، او بعبارة أدق من يكون بصدد الوقوع في الجريمة) (الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، دار الفكر العربي، ص 200). وبناءا على ما سبق فانه لا وجه شبه بين قاعدة درء الحدود الشرعية، وتعطيل الحدود غير الشرعي، والذي مضمونه دفع العقوبة الحدية بدون مدفع شرعي،وذلك بعدم تطبيق  العقوبات الحدية على المتهم الذي تحققت في فعله  كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، وانتفت عنه كل موانع إيقاعها (المستوى القضائي)،او عدم تحريم  الأفعال التي تنطبق عليها شروط الجرائم الحدية، او اباحه الأفعال التي ورد النهى عنه بقاعدة ناهيه مصدرها نص يقيني الورود قطعي الدلالة(المستوى التشريعي) .


النظام الادارى والوظائف العامة: كما تناول الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه تحديد طبيعة النظام الادارى  ومعايير وضوابط الوظائف العام ،  وهنا يبغى الانطلاق من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للمنظور الادارى الاسلامى و التي تتضمن :

 المنظور المؤسسي للوظيفة: تجاوز المنظور الشخصي للوظيفة ، والذي يخلط بين الوظيفة وشخص الموظف، والالتزام بالمنظور المؤسسي للوظيفة الذي يميز بينهما( وهنا نستند إلى واقعه عزل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لخالد بن الوليد (رضي الله عنه) حتى لا يربط المسلمون بين النصر( ذو الشروط لموضوعية) و(شخص) خالد بن الوليد ، روى سيف بن عمر أن عمر ( رضي الله عنه ) قال حين عزل خالداً عن الشام ، و المثنى بن الحارثة عن العراق ( إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله تعالى نصر الدين لا بنصرهما ، وأن القوة لله جميعاً ) (البداية والنهاية :7/93()

معيار الكفاية : الأخذ بالكفائه كمعيار وحيد للوظيفة العامة ( نستدل بجمله من النصوص كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( من استعمل رجلاً على عصابة، وفيهم من أرضى الله منه فقد خان الله ورسوله) .

عدالة الأجور: الالتزام بمبدأ عدالة الأجور( الذي اقره المنظور الادارى الاسلامى، روي أن أبو عبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأعنهم بالعمالة عن الخيانة )

إسناد الأعمال لغير المسلم : إسناد الأعمال(الوظائف) لغير المسلم المواطن مادام شرط الكفائه متوفر فيه، لأنه جزء من حق المواطنة الذي اقره الإسلام (وثيقة الصحيفة) ( وهنا نجد انه إذا كان هناك في الفقه الاسلامى من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، فإننا نجد أيضا من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، وهناك من يرى الجواز أحيانا والمنع أحيانا، وهو رأى اغلب العلماء ، حيث يرى ابن العربي( أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به)(ابن العربي، 16،268)

الاستفادة من الإسهامات الاداريه للأمم المعاصرة: تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين لإسهامات الأمم الأخرى في مجال الاداره ، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما . (فقد استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب).

سيادة القانون: ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه سيادة القانون.

أصول الفكر القانوني الاسلامى: حيث نجد أن الفكر القانوني الاسلامى ،على مستوى أصوله النصية الثابتة، يتسق مع  مفهوم سيادة القانون طبقا لدلالته العامة المشتركة، فهو أولا: يتفق مع التفسير الشكلي للمفهوم،والمتعلق بوجوب وجود قانون ينظم حركه  المجتمع ، من خلال تقريره وجوب أن تحكم العلاقات بين الناس في المجتمع قواعد عامة مجرده سابقه علي نشأة تلك العلاقات هي الشريعة الاسلاميه اى النظام القانوني الاسلامى، يقول تعالى{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ً}[الأحزاب: 36] ، ويقول تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }- [النساء: 59].كما يتفق الفكر القانوني الاسلامى على مستوى أصوله النصية الثابتة مع التفسير الجوهري للمفهوم والمتعلق بالتزام الدولة ممثله في سلطاتها التشريعية والتنفيذية بالقانون ومعاييره، حيث تشير إليه كثير من النصوص كقوله صلى الله عليه وسلم «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»

ثانيا: مذاهب الفكر القانوني الاسلامى: أما على مستوى مذاهب الفكر القانوني الاسلامى الاجتهادية فإننا نجد العديد من المذاهب التي يتسق بعضها مع مفهوم سيادة القانون، ويتعارض بعضها معه.

مذاهب التعارض:أولا:مذهب الخلط بين دلالات مفهوم التشريع  : من هذه المذاهب التي تتعارض مع مفهوم سيادة القانون ذلك المذهب الذي يرتب علي مقولة الشارع هو الله تعالى  نفي حق البشر في وضع القواعد القانونية . وهذا المذهب يخلط بين الدلالة الدينية لمصطلح تشريع والتي مضمونها حق وضع القواعد – الأصول ، والدلالة القانونية للمصطلح، والتي مضمونها حق الدولة في تبنى قواعد فقهيه –   قانونيه– معينه لتصبح ملزمه للناس، وهى الدلالة التي قررها الفقه القانوني الاسلامى بتقريره للعديد من القواعد مثل : “للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات” و “أمر الإمام يرفع الخلاف” و “أمر الإمام نافذ ” .ثانيا: مذهب الاستخلاف الخاص: ومن هذه المذاهب التي تتعارض مع مفهوم سيادة القانون ،ذلك المذهب والقائم على ان الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض.ووجه الخطأ في هذا المذهب هو أن الاستخلاف الخاص مقصور على الأنبياء،وبختم النبوة وبوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف، والقول بهذا المذهب يعنى المساواة بين الحاكم والنبي في الدرجة.

مذاهب الاتفاق: مذهب الاستخلاف العام: أما المذاهب التي تتفق مع مفهوم سيادة القانون فاهمها مذهب الاستخلاف العام الذي مضمونه إسناد كل من السلطتين الدينية والسياسية للجماعة – الشعب بموجب مفهوم الاستخلاف العام . فالسلطة الدينية (الروحية) (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.والسلطة السياسية التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر مخوله  بموجب الاستخلاف العام أيضا للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله يقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ).

الهوية : ومن القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه الهوية ، حيث نجد مذهبين هما :

أولا : مذهب الوحدة المطلقة: الذي يرتب على الإقرار بعلاقة الانتماء الاسلاميه (الدينية ) ، إلغاء علاقات الانتماء الأخرى (الوطنية ، القومية…) ، ويترتب على هذا انه يجعل العلاقة بين الدعوة إلى الوحدة الاسلاميه والوحدة الوطنية والقومية علاقة إلغاء وتناقض، فضلا عن خلطه بين الوحدة التكليفيه (الدينية) والوحدة التكوينية ( السياسية)، وتجاهله لقاعدة التدرج.

 ثانيا:مذهب الجمع بين الوحدة والتعدد : أما المذهب الثاني فيرى أن علاقة الانتماء الاسلاميه ( الدينية) لا تلغى علاقات الانتماء الأخرى (الوطنية” الجغرافية” ، القومية” اللسانية”…) إنما تحددها – كما يحدد الكل الجزء –  فتكملها وتغنيها ، ويترتب على هذا أن هذا المذهب يرى أن العلاقة بين الوحدة الاسلاميه والوحدة الوطنية والقومية هي علاقة تكامل وليست علاقة تناقض ، باعتبار أن الوحدة الوطنية والقومية هي خطوات تجاه الوحدة الاسلاميه، كما يميز هذا المذهب بين الوحدة الاسلاميه التكليفيه ( الدينية) ” والتي تتمثل في التقاء المسلمين على أصول الدين مع اباحه اختلافهم في فروعه ” ، والوحدة الاسلاميه ألتكليفيه (السياسية)، “والتي تتمثل في الوحدة السياسية بين الأمم والشعوب المسلمة”، ولكن لا يفصل بينهما باعتبار أن الأولى هي شرط للثانية . كما يلتزم هذا المذهب بقاعدة التدرج ، من خلال تقريره أن السعي لتحقيق الوحدة الاسلاميه (السياسية)، يجب أن  يتم بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي.

العلاقات الدولية : ومن  القضايا التي تناولها الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه العلاقات الدولية ، حيث نجد مذهبين :

المذهب الأول: يرى عدم جواز انضمام الدولة الإسلامية إلى المنظمات الدولية بحجة أن الإسلام لا يبيح الحلف مع الكفار، وهذا غير صحيح على إطلاقه بل مقيد بشروط. فقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به من حمر النعم، ولو دعي به قبل الإسلام لأجبت)(رواه أحمد رقم 1655 و 1676)، وهو عن حلف الفضول، كذلك ما ورد في السيرة من تحالف بني هاشم وبني عبد المطلب مسلمهم ومشركهم لحماية النبي (صلى الله علي وسلم) ولم ينقضوا عهدهم للنبي رغم الحصار من قريش الذي ظل أكثر من عامين .

 أما المذهب الثاني فيرى جواز انضمام الدولة الإسلامية إلى المنظمات الدولية بشروط ، وبالتالي فان العلاقات الدولية للدول الاسلاميه يجب أن تخضع للعديد من الضوابط والمعايير كالعمل مع الدول والمؤسسات الدولية والجماعات السياسية المختلفة من اجل  إيجاد نظام عالمي متعدد الأقطاب، والتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية ، وتفعيل دور المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة كأدوات للتعاون الدولي لا التبعية السياسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s