مفهوم الضمان الاجتماعي في الفكر الاقتصادي المقارن

 899483014

مفهوم الضمان الاجتماعي في الفكر الاقتصادي المقارن

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com

تعريف مفهوم الضمان الاجتماعى ( SOCIAL SECURITY) : تعددت تعريفات مفهوم الضمان الاجتماعى بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفه التى تتناوله ، وتركيز كل تعريف على عناصر معينه من عناصره ، ومن هذه التعريفات:

اولا: مجموعة القواعد القانونية ، التي تنظم حماية الأفراد من المخاطر الاجتماعية ، التي من شأنها   – إذا ما حلت بهم – أن تمنعهم كليا أو جزئيا من ممارسة نشاطهم المهني , والحصول علي مورد رزقهم , أو أن تزيد في أعبائهم العائلية , وتخفض من مستواهم المعيشي , وذلك بالوسائل التي تحددها , وعلي نحو يضمن لهؤلاء الأفراد حدا أدني من المعيشة اللائقة ( د. محمد ولد بتار /الضمان الاجتماعي).

ثانيا: نظام لضمان عيش الفرد في حده الأدنى المعقول ، عن طريق تأمين العمل له ، وحماية قدرته عليه ، وتعويضه عن دخله المفقود في حالة انقطاعه عنه لأسباب خارجة عن إرادته ، وتغطية النفقات الاستثنائية التي تترتب على المرض أو الإصابة أو العجز أو الوفاة ، وكذلك نفقات الأعباء العائلية (حمدان،حسين عبد اللطيف. الضمان الاجتماعي  فلسفة وتطبيق. بيروت: الدار الجامعية، ١٩٨٦. ص ١٧).

 وقد اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر العام 1948 الضمان الاجتماعى من حقوق الانسان/ حيث نصت الماده 22 منه على أن (لكل إنسان بصفته عضوا في الجماعة الحق في الضمان الاجتماعي وله الحق في أن يتم توفيره له، من خلال الجهد القومي والتعاون الدولي وبما يتفق مع التنظيم والموارد في كل دولة…)، وأوضح الإعلان معنى هذا الضمان في المادة (25) حيث نصت على أن(لكل إنسان الحق بالضمان في حالة البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وفي الحالات الأخرى التي يفقد فيها المرء وسائل معيشته… الخ).

مفهوم الضمان الاجتماعى فى الفكر الاقتصادى الغربى :

ا/ الموقف الليبرالى (الراسمالى) من الضمان الاجتماعى: لا يمكن الحديث عن موقف الليبرالية كفلسفة ومنهج ، والراسماليه بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد، من الضمان الاجتماعى،  إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي لكليهما ، فعلى المستوى النظري نجد أن الراسماليه  قائمه كنظام اقتصادي  ليبرالي –و استنادا إلى فكره القانون الطبيعي-  على أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما ، من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وطبقا  لهذا  فان الموقف الليبرالي – الراسمالي من الضمان الاجتماعى- على المستوى النظرى-  هو موقف سلبى .  أما على المستوى التطبيقي فقد ما اثبت واقع المجتمعات الراسماليه الغربية ذاته خطاْ هذا الموقف الليبرالي – الراسمالى ،إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الغربية، وان اختلفت في حدود هذه الضوابط ومداها ، ذلك أن المنافسة الحرة في النظام الاقتصادي الراسمالى في المجتمعات الغربية قضت على حرية المنافسة لتنتهي إلى الاحتكار ،اى ان التجربة أثبتت أن ترك كل فرد يفعل ما يشاء سينتهي إلى أن لا يستطيع الاغلبيه فعل ما يريدون، كل هذا أدى إلى الكثير من الظواهر الاجتماعيه السالبه ،التى تعرقل تطور المجتمع كالفقر والبطاله وانتشار الجريمه … ، مما أدى إلى ظهور الحركات الاشتراكية ذات المنطلقات الفكرية المتعددة (الطوباوية، الماركسية، القومية، الدينية…)، والتي سعت لمكافحه هذه الظواهر الاجتماعيه السالبه ، من خلال العديد من الاليات ومنها  الضمان الاجتماعي ، كل هذا ادى الى ان تتخذ الليبراليه والراسماليه موقف ايجابي من الضمان الاجتماعى – على المستوى التطبيقى . حيث قدم  بسمارك، مستشار ألمانيا، واحدًا من نظم االضمان الاجتماعى الأولى عام 1883. وفي بريطانيا  قدمت الحكومة الليبرالية التي كان يرأسها هنري كامبل بانرمان وديفيد لويد جورج نظام التأمين الوطني عام 1911, وهو النظام الذي تم توسيعه فيما بعد بواسطة كليمنت أتلي. ولم يكن للولايات المتحدة نظام ضمان اجتماعى منظم حتى الكساد الكبير، عندما تم إدخال نظام تدابير الإغاثة في حالات الطوارئ في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت (ويكيبيديا –الموسوعه الحره).

ب/ الضمان الاجتماعى فى النظم  الاقتصادية الاشتراكية : اتساقا مع ما سبق ، فان تجربه  النظم الاشتراكية في مجال الضمان الاجتماعى لم تثبت عدم جدوى الضمان الاجتماعى – كما يرى المفهوم الليبرالي الراسمالى طبقا لمستواه النظرى –  وإنما أثبتت أن الضمان الاجتماعى لابد أن تلازمه جمله من الشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسياسية ، لكي ينجح فى مكافحه الظواهر الاجتماعية السالبة كالفقر والبطاله..، ومنها الديموقراطيه وما يصاحبها من شفافية، وتطهير القطاع العام من بيروقراطيه وفساد ، والتمييز بين الملكية الفردية ، بما هي حق تصرف  الفرد بالمال المقيد بمصلحه المجتمع،والتي يجب الإقرار بها ، و الملكية الخاصة ، والتي مضمونها حق التصرف المطلق في المال، دون اعتبار لمصلحه المجتمع،والتي يجب رفضها.

ثانيا:الضمان الاجتماعى في الفكر الاقتصادي الإسلامي:

 ا/ فلسفه الضمان الاجتماعى فى الفكر الاقتصادي الاسلامى : أما فلسفه الضمان الاجتماعى في الفكر الاقتصادي الاسلامى ، فتنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ، ومنها: أولا:  أن الله تعالى هو المالك الأصلي للمال ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾(النور: 33) .ثانيا: أن الله تعالى (مالك المال) استخلف الجماعة في الانتفاع به، أما الفرد فنائب ووكيل عنها في الانتفاع به( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)، وان للجماعة بالتالي حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية قال (صلى الله عليه وسلم ) (الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار) (روه احمد وأبو داود) ، وهو ما يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها ، يقول عمر بن الخطاب( رضي الله عنه) (لو أن عناقا ” عنزا ” ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة) . ثالثا:أن للجماعة أن تترك ما دون مصادر الثروة الرئيسية حقا ينتفع به الفرد بشرط ان يتعارض ذلك مع مصلحتها.

ب/ آليات الضمان الاجتماعى في الفكر الاقتصادي الاسلامى: استنادا إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية السابقة ، فقد قرر الفكر الاقتصادي الاسلامى ،على مستوى أصوله النصية الثابتة ، وفروعه الاجتهادبه المتغيرة ، جمله من آليات الضمان الاجتماعى  والتي تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول :آليات تقوم بتطبيقها الدولة: ومن هذه الآليات:

أولا: الزكاة : قال تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)( التوبة :60).

ثانيا: كفاله الدولة للفقراء: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن الرسول (صلى اله عليه وسلم ) قال ( أنا أوْلى بالمؤمنين في كتاب الله, فأيكم ماَّ ترك ديناً وضيعة (عيالاً) فادعوني فأنا وليه )( رواه مسلم, ح/3041).

ثالثا: العطاء:  قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)(والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى).
رابعا: إقراض الدولة للمحتاج: ينقل ابن عابدين عن أبو يوسف (يدفع للعاجز- أي العاجز عن زراعة أرضه الخراجيه لفقره – كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه ).

القسم الثاني: آليات يقوم بتطبيقها  المجتمع :  ومن هذه الآليات:

أولا:الصدقات: قال تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ( التغابن : 16)، وقال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ : 39).

ثانيا: كفالة الأيتام والأرامل: قَالَ الرَسُولُ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) (وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا – وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا -)( رواه البخاري ” 4998″، ومسلم “2983” من حديث أبي هريرة بلفظ قريب). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ). (رواه البخاري “5038” ومسلم “2982”).

ثالثا:الكفارات : قال  تعالى (…فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ…) (المائدة : 89) .

رابعا: الأوقاف: وهى تطبيق لقوله ( الله صلى الله عليه وسلم )( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء : صدقة جارية …. )( رواه الترمذي ح/1297).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s