الحفاظ على الاستقرار في المنظور التشريعي الاسلامى

tt

الحفاظ على الاستقرار في المنظور  التشريعي الاسلامى

د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد (ملخص الدراسة ): تبين الدراسة أن الحفاظ على استقرار المجتمع المسلم ، أصل شرعي أوجبته الكثير من النصوص، كما أسست له الكثير من القواعد ومنها:  قاعدة  الطاعة المقيدة لولى الأمر” أو الطاعة في المعروف ” ، وقاعدة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو، وقاعدة أن صلاح الدنيا شرط لصلاح الدين ، وقاعدة وجوب حفظ مقاصد الشرع  الضرورية ،  وقاعدة  أن الحفاظ على الاستقرار مقدم على التغيير السياسي، وقاعدة تحريم الخروج بالسيف ” التغيير المسلح ” ، وقواعد  التوازن بين  التغيير والاستقرار، ثم تبين الدراسة انه رغم أن الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي، إلا انه  قد ظهر في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر ، بعض المذاهب التي  تتعارض مع  هذا الأصل الشرعي ، ومن هذه المذاهب  مذهب التفسير السياسي للدين ، الذى يتعارض في ذاته، مع تقرير هذا الأصل الشرعي ، لأنه يستند إلى  القول بأن  الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، وهذا القول يتعارض مع تقرير ان الحفاظ على الاستقرار أصل شرعى ، لأنه يقوم على أن السلطة”وما يتصل بها من تغيير سياسي ” هي أصل من أصول الدين ، بالتالي يجب ان يقدم على ما سواه من فروع  الدين ومنها الحفاظ على الاستقرار.  كما أن هذا المذهب يلزم منه  الكثير من المفاهيم ، التي يتعارض بعضها مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى، ومن هذه المفاهيم اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين، وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، والتفرق الناتج عن الاختلاف على مستوى أصول الدين مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم . ومن المذاهب  التي تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ، لأنه يلزم منه الهرج ” القتال دون الالتزام  ضوابطه الشرعية، وقتال الفتنه ” القتال الذى مفسدته اكبر من مصلحته “، وكلاهما مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم .

تعريف مفهوم الاستقرار : الاستقرار لغة  يفيد معاني الثبات والإقرار والسكن ، ورد في معجم المعاني الجامع (… اِسْتَقَرَّ سُكَّانُ الصَّحْراءِ : ثَبَتُوا في مَكانِهِمْ بَعْدَ تَرْحالٍ  ، هوَ لاَ يَسْتَقِرُّ على حالٍ : لاَ يَثْبُتُ على وَجْهٍ وَلا على قَرارٍ، اِسْتَقَرَّ رَأْيُهُ على السَّفَرِ : أَقَرَّ رَأْيُهُ ، رَضِيَهُ ، أَمْضاهُ ، استَقَرَّ بالمكان : تمكَّنَ وسَكَنَ). ومن مرادفات كلمة استقرار : إقامَة, دَوَام ، سُكُون ، تَحَقّق , سَكِينَة ، طُمَأْنِينَة, هُدُوء. ومن أضدادها: تجوالٌ , تَرْحالٌ , سَفَرٌ , هجْرَةٌ , اضْطِراب , هِيَاج , حَرَكَةٌ… أما اصطلاحا فقد تعددت تعريفات المفهوم بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفه، فهناك مذهب يعرف الاستقرار بما يفيد معنى الإبقاء على الواقع كما هو كائن ، بالتالي رفض تغييره إلى ما  ينبغي أن يكون ، وهذا التعريف رغم انه يتصل بمعنى الاستقرار اللغوي ، إلا انه يتعارض مع الحركة و التغير كسنن  إلهيه كليه ، تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة ” المسخرة “، والإنسان” المستخلف ” . أما التعريف الذى نأخذ به فهو تعريفه بأنه : انتظام حركه المجتمع في أنماط معينه ، على وجه يتسق مع السنن الالهيه الكلية والنوعية، التي تضبط حركه المجتمع ، وهو ما يتحقق من خلال المشاركة وينتفي في حاله الصراع ، وطبقا لهذا التعريف فان الثبات الذى يوصف به الاستقرار ليس ثبات موضوعي مطلق – لأن القول بذلك  يلغى سنن الحركة  والتغير –  بل  هو ثبات ذاتي نسبى ، اى إحساس بالثبات نتيجة لانتظام حركه المجتمع ، واتساق هذا الانتظام مع السنن الالهيه التي تضبط حركته .. وللاستقرار مقاييس متعددة – تحدد الأنماط المتعددة له – ومن هذه المقاييس : المقياس القانوني ، و الذى مضمونه اتساق علاقات الناس مع القانون ، والمقياس السياسي والذي مضمونه الحفاظ على وحده الوطن وسلامه أراضيه وسيادة شعبه على أرضه …

الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي : و الحفاظ على استقرار المجتمع المسلم بأشكاله المتعددة “القانونية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية ..” أصل شرعي أوجبته الكثير من النصوص ، وأسست له الكثير من القواعد:

أولا: النصوص: فقد أوجبت الكثير من النصوص الحفاظ على الاستقرار :

 ا/ في القران الكريم :  حيث أشار القران الكريم إلى أن من موجبات عباده الله تعالى انه تعالى انعم على الناس بنعمه الاستقرار – التي عبر عنها القران هنا بمصطلح “امنهم من خوف”، قال تعالى ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (قريش:3-4) . كما تنبأ القران الكريم باستخلاف الامه الاسلاميه ، وان هذا الاستخلاف سيتضمن تحقيق الاستقرار للمسلمين- والذي عبر عنه القران هنا بمصطلح” ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا” – قال تعالى (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱأرتضىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) [النور:55]. كما أشار القران الكريم  إلى أن غياب الاستقرار هو عقاب الهي للكفر بالنعمة، قال تعالي(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) ( النحل :112). كما حدد القران الكريم عقوبة حديه معينه، _لمن يهدد استقرار المجتمع المسلم، قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة الآية 33) .

ب/ في السنة النبوية : كما أشارت السنة النبوية إلى أن الاستقرار نعمه إلهيه كبرى، قال الرسول (صلى اله عليه وسلم )(من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)( رواه الترمذي في سننه).كما كان الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يدعوا الله تعالى أن يديم هذه النعمة ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) كان إذا رأى الهلال قال( اللهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالْإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ )، كما نهت السنة السنة النبوية عن كثير من الممارسات السالبة ، التي تؤثر  سلبا على استقرار المجتمع المسلم كحمل السلاح وترويع الآمنين ، قال (صلى الله عليه وسلم) (من حمل علينا السلاح فليس منا) (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما)، وقال (صلى الله عليه وسلم ) ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا).

 ثانيا: القواعد : كما أسست الكثير من القواعد للحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى :

ا/ الطاعة المقيدة لولى الأمر” الطاعة فى المعروف : من القواعد  التي أسست للحفاظ على الاستقرار قاعدة الطاعة المقيدة لولى الأمر أو الطاعة في المعروف، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: 59). يقول الإمام  ابن تيمية ( نزلت هذه الآية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين في ذلك في قسمهم، و مغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ).

ب/ الاستقرار شرط لتطبيق النظام الاسلامى “قاعدة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو”: ومن القواعد التي أسست للحفاظ على الاستقرار قاعدة “النهى عن اقامه الحد وقت الغزو” والتي تدل على أن الاستقرار هو احد شروط تطبيق النظام القانوني الاسلامى ، وهذه القاعدة تستنبط من أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) لم يقم حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو، و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ، و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 ).

 صلاح الدنيا شرط لصلاح الدين :  ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على الاستقرار، القاعدة  التي تقرر أن صلاح الدنيا شرط لصلاح الدين ، والتي ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه ” الاقتصاد في الاعتقاد ” حيث يقول ( إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا، أعني مقادير الحاجة، شرط الدين)، فطبقا لهذه القاعدة فان الحفاظ على وجود المجتمع – والذي يرتبط باستقراره – سابق على تنظيمه طبقا لقواعد الدين .

حفظ مقاصد الشرع  الضرورية :  والحفاظ على الاستقرار يتصل اتصالا وثيقا ببعض مقاصد الشرع الخمسة الضرورية التي قررها العلماء وهى “حفظ الدين والنفص والمال والنسل” ،يقول ألشاطبي (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:أحدها: أن تكون ضرورية.والثاني: أن تكون حاجية.والثالث: أن تكون تحسينية.فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين… ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل)(الموافقات:2/17-18).ويقول الغزالي(ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ورفعها مصلحة.وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح)(المستصفى :2/482). ، حيث يرتبط الحفاظ على الاستقرار على الأقل بمقصدين من هذه المقاصد الضرورية وهى  حفظ النفس والمال.

الحفاظ على الاستقرار مقدم على التغيير السياسى:  ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على المجتمع قاعدة “ستون سنة من إمام جائر؛ خير من ليلة واحدة بلا إمام ” ،  والتي أشار إليها الإمام ابن تيميه في قوله (فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة من إمام ظالم؛ خير من ليلة واحدة لا إمام… )، وقوله أيضًا(ومن المعلوم: أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء – يعني بني أمية وبني العباس – من الملوك الظلمة؛ لكان ذلك خيرًا من عدمهم، كما يقال: ستون سنة من إمام جائر؛ خير من ليلة واحدة بلا إمام … ) فهذه القاعدة تشير إلى  أن وجود نظام جائر أفضل من عدم وجود اى نظام على الإطلاق ، وبالتالي دخول المجتمع في حاله من الفوضى وغياب الاستقرار  وهى بهذا لا تفيد معنى لا تفيد معنى الدفاع عن النظم الاستبدادية كما يتصور البعض، بل  تؤكد على أن الحفاظ على وجود المجتمع  –  بالحفاظ على استقراره – سابق على تغييره ،دون أن يلغى ذلك السعي لتغيير النظام الجائر، لكن طبقا لضوابط  واليات تضمن الحفاظ على استقرار المجتمع .إذا هذه القاعدة  لا تبرر الاستبداد بل تشير إلى الدولة كضرورة اجتماعيه ،وهو الأمر الذى  ما اتفقت عليه كل المذاهب الاسلاميه ما عدا الخوارج النجدات،  كما اتفقت عليه كل مذاهب الفكر السياسي الحديث والمعاصر ماعدا المذهب الفوضوي  أو مذهب اللا دوله .

تحريم الخروج بالسيف ” التغيير المسلح”:  ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على الاستقرار قاعده تحريم الخروج بالسيف،  اى التغيير باستخدام القوه المسلحة ، والتي اجمع عليها علماء أهل ألسنه ، يقول الإمام ابن تيمية  (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) (مجموع الفتاوى:35/12)، ويقول  أيضًا (فلهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترْك قتال الأئمة في الفتنة، وأما أهل الأهواء – كالمعتزلة – فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم)( الاستقامة:2/215 – 216)،ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقة ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)، ويقول الإمام الأشعري في (رسالة أهل الثغر)(وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته – مِنْ برٍّ وفاجر – لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) (ص 297:ط / مكتبة العلوم والحكم)، ويقول الصابوني في (عقيدة السلف أصحاب الحديث))(ص 106/ ط. مكتبة الغرباء): (ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جَوَرة فَجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح، والتوفيق، والصلاح، وبَسْط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف… ). أما  إذا  اذا كان المقصود بالخروج التغيير السلمي ، فان حكمه يتغير بحسب ما يفضى إليه ، حسب قاعده سد الذرائع وفتحها كما سنبين لاحقا .

أهل السنة والتوازن بين  التغيير والاستقرار : وقد حاول أهل السنة تحقيق توازن بين الاستقرار والتغيير من خلال القواعد التالية :

اولويه الإصلاح : فقد اجمع أهل السنة على الأخذ بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي، يقوم على آليات  شرعيه متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف(… بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).

منع وإيجاب الثورة استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها: ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى( والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين :المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28) ، المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي: 10 \ 311)،ومن الواضح أن الحكم بالمنع أو الإيجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سدا لذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الأول قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم – وهى هنا غياب الاستقرار- على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثانى بالإيجاب فتحا للذرائع ،اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم من خلعه. ويمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان الحكم بالمنع أو الإيجاب أنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الظالم ، أو المنفعة التي قد تتحقق من ذلك ، وبالتالي الحكم بالمنع – على درجاته من كراه او تحريم – حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك” ومن هذه المفاسد غياب الاستقرار”، والحكم بالإيجاب -على درجاته من اباحه واستحباب ووجوب-  حسب درجه المصلحة التي قد تتحقق من ذلك، وهذه المصلحة لا تتحقق إلا بالتزام بجمله من الضوابط الشرعية كالوحدة ونبذ التفرق ونبذ العنف إلا  في حاله الدفاع عن النفس .. فالحكم بالإيجاب يقتصر على الثورة التي تتبع أساليب التغيير السلمية، ولا يتعداه إلى الثورة التي تتبع أساليب التغيير المسلح،لان هذه الأساليب  تتعارض مع إجماع  علماء أهل السنة على تحريم ” الخروج بالسيف ” كما سبق الاشاره إليه ….

المذاهب التي تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي : ورغم أن الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي ، أوجبته كثير من النصوص، وأسست له كثير من القواعد الشرعية، إلا انه  قد ظهر في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر ، بعض المذاهب التي  تتعارض  مع تقرير أن  الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي الأصل الشرعي، ومن هذه المذاهب :

 مذهب التفسير السياسي للدين : من هذه المذهب مذهب “التفسير السياسي للدين” – الذي يعبر عنه  البعض – خطاْ – بمصطلح ” الإسلام السياسي” –  ، وهو مذهب يقوم على محاوله إثبات علاقة  بين الدين والدولة، لكنه يتطرف في  هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، وليست علاقة ارتباط ووحده ، ومرجع هذا التطرف أن هذا مذهب ظهر في المجتمعات المسلمة ، في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على اللبيراليه والتي باستنادها إلى العلمانية ، القائمة على فصل الدين عن الدولة، نفت اى علاقة للدين بالدولة . وهذا المذهب يتعارض في ذاته” اى المفاهيم التي يستند إليها ” ، وفيما يلزم منه ” اى المفاهيم التي يلزم منه “مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى :

ا/الامامه” السلطة” أصل من أصول الدين : ففيما يتعلق بهذا المذهب في ذاته ” اى المفاهيم التي يستند اليها” نجد انه يستند إلى  القول بأن  الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله-خلافا للمذهب الشيعي – يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام تتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين  اى تتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان  الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، ، يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاً…وقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر ” رضي الله عنه ” في خطبته” ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ” ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله  ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…)(المواقف ، ص 395 )،اتساقا مع تقرير علماء أهل السنة أن الامامه – بمعنى السلطة – هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين خلافا لمذهب الشيعي القائل أنها فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية..)( الأحكام السلطانية: ص  5) ، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43). وهذا القول يتعارض مع تقرير ان الحفاظ على الاستقرار أصل شرعى ، لأنه يقوم على أن السلطة”وما يتصل بها من تغيير سياسي ” هي أصل من أصول الدين ، بالتالي يجب ان يقدم على ما سواه من فروع  الدين ومنها الحفاظ على الاستقرار.

 ب/ اباحه الاختلاف على مستوى أصول الدين : كما أن هذا المذهب يلزم منه  الكثير من المفاهيم ، التي يتعارض بعضها مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى، ومن هذه المفاهيم اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104).  ولا شك ان التفرق الناتج عن الاختلاف على مستوى أصول الدين مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم ، لذا اعتبر الإمام ابن تيميه أن التفرق من أعظم الشرور والفتن (وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا) .

مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة:  ومن هذه المذاهب مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة  وهو مذهب يقوم على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير ، ويلزم منها البدعة الثانية وهى استحلال الدماء المحرمة  ” كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار..”، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهومي التكفير والقتال ، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية ، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة- الذي يمثل الفهم الصحيح للإسلام – لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين ، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية .ويتمثل  هذا المذهب في ماضي الامه في مذهب الخوارج الذي يقوم على الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، من خلال عدم الالتزام بضوابط التكفير والقتال الشرعية….كما يتمثل  هذا المذهب  في حاضر الامه في مذهب أهل الغلو  في التكفير والقتال ، الذي يلتقي مع مذهب الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، ويفارق مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي للمفهومين،  وقد أشار الإمام ابن تيميه إلى  هذا الالتقاء بين أهل الغلو الخوارج  في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، حيث يقول في وصف الخوارج (ولهم خاصيتان مشهورتان فارقوا بها جماعه المسلمين وأئمتهم ، احدهما خروجهم من عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، و ما ليس بحسنه حسنه.. الفرق الثاني: في الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وان دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار إيمان ،وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهميه، وطائفة من غلاه المنتسبين إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم… فينبغي على للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين ،وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم)( مجموع الفتاوى 19/72).
-وقد اجمع علماء أهل السنة ،على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة – الذي مثله في عصرهم الخوارج – مذهب بدعي ضال ، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة ، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ ْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ … ) ( الفتاوى : 28/518 ) . والإطلاق البدعى للقتال، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج – وهو القتل القتل – حتى يكثر فيكم المال فيفيض) (صحيح البخاري – كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء – باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث‏1002‏(. كما ان القتال  الذى مفسدته أكثر من مصلحته ليس جهادا بل قتال فته كما قال الإمام ابن تيميه  (أن القتال إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته: فهو قتال فتنة…). وبناء على ما سبق فان مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء يتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى لأنه يلزم منه الهرج ” القتال دون الالتزام  ضوابطه الشرعية، وقتال الفتنه ” القتال الذى مفسدته اكبر من مصلحته “وكلاهما مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s