صيغه التمويل بالمرابحه: تقييم اسلامى

مرابحة

صيغه التمويل بالمرابحه: تقييم اسلامى

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تعريف المرابحة:   المرابحة  لغة مفاعله من الربح و أصله النماء والزيادة ، أما اصطلاحا فان المرابحة بيع الشيء بثمنه مضافا إليه زيادة معينة ، والمرابحة من بيوع الأمانة ، القائمة على الائتمان بين الطرفين على صحة خبر رب السلعة بمقدار رأس المال،لذلك يجب أن يكون الثمن الأول معلوما والربح معلوما أيضا.

حكم المرابحة: اختلف الفقهاء حول حكم  بيع المرابحة :

أولا: الجواز : من العلماء من نقل القول بالجواز منهم ابن قدامه و ابن هبيرة  و الكاساني ، غير ان القائلين بالجواز جعلوه مشروطا بالشروط التالية:أولا: أن يكون رأس المال أو ما قامت به السلعة معلوما للمشترى الثاني، ثانيا : أن يكون الربح معلوما؛ لأنه بعض الثمن ، والعلم بالثمن شرط صحة البياعات.الثالث : أن يكون رأس المال من ذوات الأمثال .

ثايا: الكراهة: وهناك من العلماء من قال بالكراهة تنزيها ،وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وروي عن ابن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهم، وعن الحسن ، ومسروق وعكرمة ، وعطاء بن يسار رحمهم الله تعالى، وقد علل الكراهة تنزيها بأن فيه جهالة، فيما إذا قال: بعتكه برأس ماله مائة ريال، وربح درهم في كل عشرة، فالجهالة أن المشتري يحتاج إلى جمع الحساب ليعلم مقدار الربح.

ثالثا: التحريم: وقد نقل عن ابن حزم القول بحرمه المرابحه وبطلان العقد بها لان اشتراط ربح معين شرط ليس في كتاب الله. وبأنه بيع بثمن مجهول،إلا أنه قال بجوازه لمن كان في بلد لا ابتياع فيه إلا هكذا، على أن يبين ثمن شرائه أو قيامه عليه.

(الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد/ المرابحة في المصارف الإسلامية. ب . م. مفيض الرحمن/ رؤية شرعية حول المرابحة وصياغتها المصرفية)

 التمييز بين صيغتي المرابحة القديمة والمحدثة :

للمرابحة صيغتين ، الصيغة الأولى هي الصيغة القديمة والتي تناولها  الفقهاء ، وهى الصيغة المقصودة بمصطلح المرابحة عند استخدامه مجردا . أما الصيغة الثانية ، وهى صيغه التمويل التي تستخدمها البنوك الاسلاميه باسم (  بيع المرابحة للآمر بالشراء )،وهى صيغه محدثه ، ظهرت في نهاية عقد السبعينات ، يقول د. محمد الماحي فى بحثه المعنون ب” الأساس الشرعي لصيغة التمويل بالمرابحة” ( شاع استعمال مصطلح “بيع المرابحة للآمر بالشراء” لدى البنوك الإسلامية والشركات التي تتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية وهو مصطلح حديث ظهر في أواخر عقد السبعينات، وكان أول من استعمله الدكتور سامي حمود بتوجيه من العلامة السنهوري، كما جاء في بحثه.حيث يقول الدكتور سامي حمود “وقد كان بيع المرابحة للآمر بالشراء بصورته المعروفة حاليا في التعامل المصرفي كشفا وفق الله إليه الباحث أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه في الفترة الواقعة بين 1973 و1976 حيث تم التوصل إلى هذا العنوان الاصطلاحي بتوجيه من الأستاذ الشيخ العلامة محمد فرج السنهوري رحمه الله تعالى، حيث كان أستاذ مادة الفقه الإسلامي المقارن للدراسات العليا بكلية الحقوق بجامعة القاهرة”).

 اختلاف مضمون صيغتي المرابحة :  ومن ناحية المضمون فان هناك اختلاف بين الصيغة  القديمة للمرابحة عند الفقهاء ، والصيغة المحدثة لها ، المستخدمة في البنوك الاسلاميه،  يقول د. محمد الماحي فى بحثه المعنون ب” الأساس الشرعي لصيغة التمويل بالمرابحة”  (…بالرغم مما قد يبدو من تشابه بين صور المرابحة عند الفقهاء وصورتها المعروفة حاليا لدى البنوك الوطنية فإن هناك فروقا جوهرية قد تجعل الصورتين مختلفتين تماما وذلك أنه:في المرابحة عند الفقهاء، البائع يكون قد اشترى المال المنقول أو العقار لنفسه، دون أن يكون أحد قد طالب بذلك.وفي المرابحة الجديدة، البائع الذي هو البنك لا يشتري لنفسه وإنما يشتري للزبون الذي طلب منه ذلك، بمعنى أن البنك يشتري المبيع صورته…ويتميز بيع المرابحة للآمر بالشراء بثلاثية أطرافه، بمعنى أن يشتمل على ثلاثة متعاقدين، الأول: الآمر بالشراء، الثاني، المصرف، الثالث، البائع. وهو أمر يختلف فيه بيع المرابحة للآمر بالشراء عن المرابحة المعروفة عند الفقهاء المتقدمين حيث أن المرابحة المعروفة في كتب التراث الفقهي ثنائية الأطراف… المرابحة عند الفقهاء، يتم فيها العقد حقيقة بين طرفين، أما المرابحة البنكية بهذه الصيغة المعروفة حاليا فإن الطرفين لا يبرمان العقد أثناء عملية المرابحة وإنما يعد كل واحد منهما الآخر فقط، الزبون يعد البنك بالشراء ويوقع التزاما بذلك، بأنه يشتري منه هذا العقار أو المنقول المعين سلفا، والبنك يعد الزبون ببيع المنقول أو العقار بعد شرائه من مالكه ويلتزم هو أيضا بذلك.أي أن العقد الحقيقي فيما بينهما لا يتم إلا بعد شراء العقار أو المنقول من قبل البنك هذه فوارق جوهرية في الحقيقة بين الصورتين للمرابحة عند الفقهاء، وصورتها المعروفة لدى المؤسسات البنكية، وتبين أن الجامع بينهما هو الاسم فقط ، أما المعنى فهو مختلف ، بذلك ينبغي علينا أن نبحث عن تأصيل وأساس آخر لهذه المعاملة الجديدة ونبحث عن الفقهاء عما ينبغي علينا أن نبحث عند الفقهاء عما يمكن أن نكيف به هذه العملية وبالتالي الحكم عليها فقهيا بالجواز أو المنع.)

حكم الصيغة المحدثة للمرابحة بين الجواز والمنع :  أما تقييم الصيغة المحدثة للمرابحة،المستخدمة في البنوك الاسلاميه ، فقد قال بعض العلماء بجواز هذه الصيغة  ومنهم (د. سامي حمود في كتابه”تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية”، و د. يوسف القرضاوي في كتابه “بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية” ، و د.علي أحمد السالوس في بحثه بعنوان” المرابحة للآمر بالشراء”، وترتكز حججهم بالقول بالجواز أن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة ، غير أن  القائلين بالجواز وضعوا شروطا للجواز ومنها : أولا: أن يملك التاجر السلعة ، ثانيا:  عدم إلزام الآمر بالشراء.

غير أن كثير من العلماء قال بمنع هذه الصيغة المحدثة للمرابحة : يقول أبو المجد حرك  (إن صيغة التمويل بالمرابحة التي تجريها البنوك الإسلامية لا تختلف في شيء عن الإقراض الربوي من ناحية الدور الاقتصادي وإن اختلفت عنها في الشكل القانونية). و يقول أحمد النجار (المرابحة أسوأ أسلوب لعمل البنك الإسلامي لأنها تعطي الفرصة للتحايل) . واعتبر سليمان الأشقر عقد بيع المرابحة عقدا باطلا في كتابه “بيع المرابحة كما تجريه المصارف الإسلامية” . و يقول الشيخ محمد محمد المختار الشنقيطي ( أمّا ما يسمّى اليوم بـ ” بيع المرابحة ” في المعاملة الموجودة والشائعة في بعض المؤسسات ، من كونه يأتي إلى الشركة أو إلى المؤسسة أو إلى المصرف ، ويقول له : اشتري سيارة من نوع كذا أو السيارة من فلان وقسطها عليّ ، وفي بعض الأحيان يذهب العميل ويحضر فواتير السلعة التي يرغب في شراءها ثم يدفعها إلى البنك فيقوم البنك بدراستها ثم يشتريها ويبيعها بالأجل على الذي رغب فيها من العملاء ، هذا النوع من البيوع لا يعتبر مرابحة وليس في حكم المرابحة أصلاً ؛لأن المرابحة التي تكلم العلماء عليها سلعة مملوكة وتحت يد البائع من حيث الأصل، أما هذا النوع من البيوع في العصر الحديث والموجود في زماننا هذا لم يشتر البنك أو المصرف إلا بعد دلالة العميل، فالبنك لا يريد لنفسه ؛ وإنما يريد أن يأخذ زيادة على غرم المال الذي دفعه، فبدل أن يعطي العميل مائة ألف على أن يردها مائة وعشرين أدخل السلعة حيلة على الزيادة والنماء ، ولذلك يعتبر من الربا . و كما قال الشيخ ابن عثيمين بعدم جواز هذه الصيغة المحدثة للمرابحة لأنها تحايل على الشرع ، كما فعل اليهود حين حرم عليهم الصيد يوم السبت كما في قوله تعالى ” وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ”  ، ويرى أن التحايل على الشرع يزيد الإثم : اى   إثم المخالفة بفعل المحرم و فعل التحايل.

تجربه البنوك الاسلاميه بين المرابحه والقرض الحسن :

 إن تقييم تجربه البنوك الاسلاميه أثبتت أن لهذه التجربة ايجابيات تتمثل في محاولتها – بدرجات متفاوتة – تقديم بديل للمعاملات المصرفية الربويه . كما أن لهذه التجربة سلبيات عديدة منها :  أولا: ضعف الإسهام التنموي والانتاجى ، يقول د. أحمد النجار( البنوك الإسلامية في الأصل والأساس أجهزة تستهدف التنمية، ولأنها تعمل في إطار الشريعة، فإنها لا تقف عند حد الامتناع عن الربا ، بل تقف بالضرورة وبأمر الشارع في قلب العملية الإنتاجية، بل إن قربها وبعدها عن الإسلام الذي تنتمي إليه، إنما يقاس بدرجة إسهامها في العملية التنموية والإنتاجية …). ثانيا: ضعف البعد الاجتماعي ،ممثلا في محاربه الفقر و البطالة… يقول الشيخ صالح الكامل (  لقد ركزت المصارف الإسلامية جهدها على الفرار من الربا ،ولكنها وبكل أسف لم تبرز لنا بوضوح الفوارق بين ثمرة تطبيق النظام المصرفي الإسلامي ونتاج العمل الربوي ،نتيجة لمحدودية نجاح هذه المصارف في استخدام الموارد بعيدا عن محاكاة البنوك التقليدية، ولأنها جعلت النقود محلا للتعامل وليس أداة للتعامل، ولأنها في خضم منافستها للمصارف التقليدية محليا وعالميا أهملت الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى مثل تخفيف المعاناة في مجال الفقر ومحاربة البطالة وإيجاد فرص عمل للناس )( ندوة البركة الرابعة والعشرين للاقتصاد الإسلامي/ المصارف الإسلامية الواقع  والمأمول/مكة المكرمة 25- 27 أكتوبر 2003م). ثالثا:عدم الانتقال من الهامش المعلوم إلى المشاركة في الإرباح والخسائر: يقول الدكتور محمد بوجلال( معظم الاقتصاديين الإسلاميين يتفقون في توجيه النقد إلى البنوك الإسلامية القائمة أنها لم تستطع الانتقال من مرحلة ما أسميه “الهامش المعلوم” إلى مرحلة “المشاركة في الأرباح والخسائر” امتثالاً للشعار الذي نادت به عند نشأتها… )(تقييم المجهود التنظيري للبنوك الإسلامية والحاجة إلى مقاربة جديدة على ضوء ثلاثة عقود من التجربة الميدانية وأثر العولمة المالية على الصناعة المصرفية).

 إن اخذ البنوك الاسلاميه بالمرابحة ، بصيغتها المعاصرة التي أطلق عليها اسم “بيع المرابحة للآمر بالشراء” كصيغه أساسيه للتمويل ، بالاضافه إلى عدم الالتزام بضوابط المرابحة بصيغتيها  القديمة والمحدثة ، هو احد الأسباب الرئيسية لسلبيات تجربه البنوك الاسلاميه المشار إليها أعلاه ، وبالتالي فان تحرر البنوك الاسلاميه  من هذه السلبيات ، يتوقف – ضمن ما يتوقف – على  أضافه صيغ أخرى للتمويل ، وأهمها صيغه القرض الحسن ، ذات الآثار الايجابية التنموية والاجتماعية،  والتي  حثت عليها الكثير من النصوص ، قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(البقرة:245). وعن ابن مسعود( رضي الله عنه ) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال(ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة)(رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه )، وعن أنس قال: قال رسول الله( صلى الله عليه وسلم)( رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة.)( رواه ابن ماجه والبيهقي). قال ابن قدامة في المغني(والقرض مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض لما روينا من الأحاديث … وقال أبو الدرداء( لأن أقرض دينارين ثم يردان ثم أقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما)،و ومضمون صيغه القرض  دفع مال إلى من ينتفع به ويرد بدله، جاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي( إعطاء شخص مالاً لآخر في نظير عوض يثبت له في ذمته، مماثل للمال المأخوذ بقصد نفع المعطى له فقط).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s