الاستخلاف الاسلامى الثاني: دراسة في شروط استخلاف الأمة في الحاضر

kill

الاستخلاف الاسلامى الثاني: دراسة في شروط استخلاف الأمة في الحاضر

 د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه  في جامعه الخرطوم

ا/ استخلاف الامه في الماضي(استخلاف الامه الأول): وهو استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة، وقد كان  قائما على الاتصال الزمانى بالاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى”الراشدي”، كما كان قائما على الاتصال المتناقص بالاستخلاف المثال  بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى “الراشدي”، بمعنى انه  تضمن انقطاع قيمي تدريجي عن الاستخلاف  المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى ” الراشدي” ب/ استخلاف الامه في الحاضر (استخلاف الامه الثاني):  وهو استخلاف الامه في الحاضر ،  وتحققه يكون بعد انقطاع زماني وقيمي عن الاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى “النبوي ” والاقتدائى “الراشدى” وتحقق هذا النوع من أنواع الاستخلاف يتم بشكل تدريجي ، وعبر مرحلتي الاستطاعة ” ما هو ممكن” ، ثم العزم ” ما ينبغي أن يكون” كما سنوضح لاحقا. ج/ استخلاف الامه في المستقبل(استخلاف الامه الأخير) : وهو استخلاف الامه آخر الزمان، وهو مرتبط بظهور المهدي ونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان.تمهيد(ملخص الدراسة ): تبدأ الدراسة بتعريف الاستخلاف لغة واصطلاحا ، ثم تبين أقسامه المتعددة (الاستخلاف الخاص،الاستخلاف العام ,”الذي ينقسم إلى ينقسم إلى قسمين : الاستخلاف التكويني و الاستخلاف ألتكليفي”) ثم توضح الدراسة أن القران الكريم  أشار إلى الوعد الالهى باستخلاف الامه فى قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ..)(النور:55)،وان الايه تتضمن الاشاره إلى أنواع متعددة من الاستخلاف  هي : أولا: الاستخلاف  الاصلى- المثال – وهو الاستخلاف الذي تشير إليه  الدلالة الاصليه للأيه ، وهو استخلاف الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)، وهو المثال (النموذج) لاى استخلاف للامه ، ويتضمن أيضا  نوعين من أنواع الاستخلاف: ا/ الاستخلاف النبوي(المثال الاتباعى): وهو استخلاف الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وهذا الاستخلاف هو قسم من أقسام الاستخلاف الخاص ، وهو مثال(نموذج)  اتباعى لاى استخلاف  للامه ، اى مثال (نموذج) واجب الإتباع لتحقيق الاستخلاف الاسلامى في اى زمان ومكان، ب/الاستخلاف الراشدي(المثال الاقتدائى)، وهو استخلاف  الخلفاء الراشدين خاصة والسلف الصالح عامه ،وهذا الاستخلاف هو اعلي درجات الاستخلاف العام ، وهو مثال ( نموذج ) اقتدائي لاى استخلاف للامه، اى مثال(نموذج) واجب الاقتداء لتحقيق الاستخلاف الاسلامى في اى زمان ومكان، ثانيا:الاستخلاف  التبعى :وهو هو الاستخلاف الذي تشير إليه الدلالة التبعية للأيه،  وهو الاستخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة ، وهو قسم من أقسام الاستخلاف العام،  ، ويتضمن هذا الاستخلاف أيضا أنواع متعددة من الاستخلاف – تمثل مراحل متعددة للاستخلاف العام للامه منها :

ثم تبين  الدراسه شروط  الاستخلاف النصية المطلقة اى شروط استخلاف الامه في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف”،  و كل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الامه ” ، وشروط الاستخلاف الاجتهادية  المقيدة ، اى شروط استخلاف الامه في مكان معين ” الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “الحاضر”: ففيما يتعلق باستخلاف السياسى  فان شروطه النصية المطلقة ، في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها: أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية لله : ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة: ثالثا: إقرار قواعد كليه للسلطة كالمساواة و العدل و الشورى. رابعا أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى .أما شروط الاستخلاف السياسي الاجتهادية المقيدة فترى الدراسه أنها تتمثل في الحرية كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه” ، والاستيطاني ” ومنه الاحتلال الصهيوني لفلسطين”) ( كمظاهر للاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي).ثم تبين الدراسه ان الموقف السليم من الديموقراطيه موقفي الرفض أو القبول المطلقين لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف نقدي يقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه، وهو ما يتحقق من خلال الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام،أما الدلالة الخاصة المنفردة لمفهوم الديموقراطيه – ومثالها الديموقراطيه الليبرالية- فان الموقف الصحيح منها هو قبول ما اتفق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورفض ما تناقض معهما. أما فيما يتعلق بالاستخلاف الاقتصادي فان الدراسه تشير إلى أن شروطه  النصية المطلقة تتمثل  في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها:أولا:إسناد ملكيه المال لله تعالى (واتوهم من مال الله الذي أتاكم) .ثانيا:استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )،أما شروط  الاستخلاف الاقتصادي الاجتهادية المقيدة فتتمثل في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (كمظاهر للاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي). أما فيما يتعلق بالاستخلاف الاجتماعي  فقد أشارت الدراسه إلى  بعض شروطه النصية المطلقة  من خلال تناول نقل الإسلام للمراْه من الاستضعاف إلى الاستخلاف،  كما أشارت إلى شروط الاجتهادية المقيدة والتي تتمثل في الوحدة كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت. أما فيما يتعلق بالاستخلاف الحضاري  فقد تناولت الدراسه شروطه  النصية المطلقة ، من خلال تناولها لأصول المنظور الحضاري الاسلامى ، كما بينت الدراسه أن شروط الاستخلاف الحضاري الاجتهادية المقيدة،  تتمثل في الجمع بين الاصاله والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد  ، كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود والتغريب الحضاري ( كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الحضاري). وأخيرا تناولت الدراسه  العلاقة بين الاستخلاف ومنهج التغيير حيث بينت أن هناك مرحلتين أساسيتين للتغير، لكل منهما خصائص معينه على المستويين الاعتقادى والعملي:المرحلة الأولى هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، أما المرحلة الثانية فهي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم .

الاستخلاف لغة واصطلاحا: الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ،ج26،ص199). وإذا كانت الوكالة نوعان: عامه وخاصة فان الاستخلاف ورد في القران بما يقابل هذين النوعين،. فقد ورد بمعنى الوكالة العامة ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ،وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني (أو الاجتماعي)، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران  الكريم الوجود بمملكه ملكها الله تعالى ، والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض،تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى (ألخلافه النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه… وإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص156 ).

أقسام الاستخلاف:

 أولا:الاستخلاف الخاص: هو استخلاف فرد معين، وهو مقصور على الأنبياء والرسل،  ومن أدلته قوله تعالى ﴿ يا داؤد إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾ ، وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف .

ثانيا:الاستخلاف العام: وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي فرد أو فئة دونها ، و أدلته.
قوله تعالى ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾، ورد في تفسير الأمام أبن جزئ الكلبي )إي يخلف بعضكم بعضاً أو خلائف عن الله والخطاب في هذا لجميع الناس)( تفسير ابن جزئ الكلبي ،ص41). وقوله تعالى ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره﴾، ورد في تفسير ألنسفي ( …. والمعنى انه جعلكم خلفاء في أرضه وقد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد و الطاعة )( مدارك النزيل وحقائق التاويل، ص201) . وفي السنة قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36)|.وينقسم إلى قسمين :

ا/الاستخلاف التكويني : ومضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان( من حيث هو إنسان) ، إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، وذلك بتوافر امكانيه معرفته والتزامه السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف كما في قوله تعالى ﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾.

الاستخلاف الاجتماعي: ومن أشكال الاستخلاف التكويني الاستخلاف الاجتماعي ، الذي يستند إلى المعنى الحقيقي لمصطلح الاستخلاف ، ومضمونه هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين: ومن أدلته قوله تعالى ﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون ﴾ ( الأعراف: 119) ، وقوله تعالى ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ ﴾ ( الأعراف:74)،ورد في تفسير أبن كثير ( اي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل (.وهذا الاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار هي ذات الوحدات الاجتماعية التي يتم خلالها الاستخلاف الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان وهي الاسره﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾ ، فالعشيرة﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾،فالقبيلة فالشعب،( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) فالامه التي مناط الانتماء إليها اللسان لقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (إلا أن العربية اللسان..)، وتتميز بالاستقرار في الأرض الخاصة ، أو الديار بالتعبير القرانى، كما في قوله تعالى ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8) ، فالإنسانية.

ب-الاستخلاف ألتكليفي : و مضمونه إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة ، يقول الماتريدى(وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه)( تأويلات أهل السنة، و بالتالي فإن هذا النوع من أنواع الاستخلاف مقصور على الذين يلتزمون بالوحي ، فهو يحد النوع السابق ولا يلغيه فيكمله ، ومن أدله الاستخلاف التكويني – الذي طبقا له يكون الإنسان الملتزم بالوحي”سواء كان فردا أو جماعه ” خليفة الله في الأرض-  في السيرة: قول الصحابي للرسول (صلى الله عليه وسلم)( تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه) ( أبي داؤد, حدود,3ك). وعن القثوبان قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر هو خليفة الله في الأرض وخليفة كتابه وخليفة رسوله)( السيوطي، الفتح الكبير، ج1، ص 751). وعن السلف الصالح: قال المغيرة لعمر: (يا خليفة الله فقال ذاك نبي الله داؤد)( التاج في أخلاق الملوك, بيروت, 1955 هامش ص162) . وقال علي أبن أبي طالب ( إلا أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة, ومن مؤتمن يصلح لحمل الحق حتى يؤديه لأشباهه من الناس فيزرعه في قلوبهم: قلوب تحمل ذلك العلم ظاهراً وباطناً تحقيقاً له… أؤلئك خلفاء الله في أرضه بما استلا نوه مما استرعاه المترفون, وانسوا مما استوحش منه الجاهلون, قد صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة معلقة بالملأ إلا على, واؤلئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه فآه لهم وواه شوقاً إلى رؤيتهم”( ابن القيم مفتاح السعادة, دار العهد الجديد, مصر ص 123). وعن الحسن أخرج وضاح في كتاب القطعان وحديث الاوزاعي انه بلغه عنه انه قال( لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتأب الله فان وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من اهتدى فاؤلئك خلفاء الله)( ألشاطبي, الاعتصام, دار الفكر, ج1, ص43). وعن علماء أهل السنة قال ابن الجوزي( فكلما جد العباد صاح بهم لسان الحال عبادتكم لا. يتعداكم نفعها, وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)( أبن الجوزي ، صيد الخاطر، ج 2 ، ص 151).وقد قال البعض أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح “خليفة الله “مطلقا، استنادا إلى  نفيه قول الشيعة أن الإمام هو خليفة الله في أرضه(…لان الله تعالى لا يخلفه غيره, فان الخلافة تكون عن غائب وهو سبحانه تعالى شهيد مدبر لخلقه….) ( ابن تيميه، منهاج السنة النبوية، ج1، ص136-137)، والصواب هو أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح” خليفة الله ” على وجه  يفيد  أن استخلاف الإمام هو شكل  من أشكال الاستخلاف الخاص ، والذي مضمونه استخلاف فرد معين، لأنه مقصور على الأنبياء والرسل، وبختم النبوة بوفاة الرسول انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف ،وهذا القول يلزم منه المساواة بين الإمام والنبي في الدرجة ،  كما أنكر استخدام مصطلح “خليفه الله ” على وجه يفيد غيبه المستخلف ” الله تعالى ” ، ولكنه لم ينكر استخدام مصطلح “خليفة الله ” بإطلاق ، بدليل استخدامه له في سياق أخر حيث يقول ( … وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة الله على الأرض قد وكل أعوانًا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض‏…) ( الفتاوى/ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور/حكم وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض).

الوعد الالهى باستخلاف الامه :  أشار القران الكريم إلى الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف “الأمة الاسلاميه ” بأممها وشعوبها  التكوينية المتعددة: قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(النور:55). تتضمن الايه الاشاره إلى أنواع متعددة من الاستخلاف  هي :

 

أولا: الاستخلاف  الاصلى- المثال – (استخلاف الرسول والخلفاء الراشدين ): النوع الأول من أنواع الاستخلاف الذي تشير إليه الايه هو الاستخلاف الاصلى ،اى الاستخلاف الذي تشير إليه  الدلالة الاصليه للأيه ، وهو استخلاف الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)، وهو المثال (النموذج) لاى استخلاف للامه ، ويتضمن أيضا  نوعين من أنواع الاستخلاف:

ا/ الاستخلاف النبوي(المثال الاتباعى): وهو استخلاف الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وقد أشار إليه المفسرين ، يقول ابن كثير (هَذَا وَعْد مِنْ اللَّه تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ أُمَّته خُلَفَاء الْأَرْض أَيْ أَئِمَّة النَّاس وَالْوُلَاة عَلَيْهِمْ وَبِهِمْ تَصْلُح الْبِلَاد وَتَخْضَع لَهُمْ الْعِبَاد ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْد خَوْفهمْ أَمْنًا وَحُكْمًا فِيهِمْ وَقَدْ فَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة : فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ مَكَّة وَخَيْبَر وَالْبَحْرَيْنِ وَسَائِر جَزِيرَة الْعَرَب وَأَرْض الْيَمَن بِكَمَالِهَا وَأَخَذَ الْجِزْيَة مِنْ مَجُوس هَجَر وَمِنْ بَعْض أَطْرَاف الشَّام وَهَادَاهُ هِرَقْل مَلِك الرُّوم وَصَاحِب مِصْر وَإِسْكَنْدَرِيَّة وَهُوَ الْمُقَوْقَس وَمُلُوك عَمَّان وَالنَّجَاشِيّ مَلِك الْحَبَشَة الَّذِي تَمَلَّكَ بَعْد أصحمة رَحِمَهُ اللَّه وَأَكْرَمَهُ ، وهذا الاستخلاف هو قسم من أقسام الاستخلاف الخاص ،الذي مضمونه استخلاف الله تعالى لفرد معين، و ينفرد به الرسل والأنبياء ، ولا يجوز نسبته إلى غيرهم ، وهو مثال(نموذج)  اتباعى لاى استخلاف  للامه ، اى مثال (نموذج) واجب الإتباع لتحقيق الاستخلاف الاسلامى في اى زمان ومكان، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32]، ومضمون  هذا الإتباع  أن السنة  النبوية هي احد المصادر الاصليه للتشريع الاسلامى” بالاضافه إلى القران الكريم ” ، وان الأحاديث اليقينية الورود القطعية الدلالة مصدر لأصول الدين ، والأحاديث الظنية الورود والدلالة مصدره لفروعه .

ب/الاستخلاف الراشدي(المثال الاقتدائى): وهو استخلاف  الخلفاء الراشدين خاصة والسلف الصالح(الصحابة والتابعين) عامه وقد أشار إليه المفسرين أيضا ، يقول ابن كثير( ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَارَ اللَّه لَهُ مَا عِنْده مِنْ الْكَرَامَة قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْده خَلِيفَته أَبُو بَكْر الصِّدِّيق فَلَمَّ شُعْث مَا وَهَى بَعْد مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَ جَزِيرَة الْعَرَب وَمَهَّدَهَا وَبَعَثَ جُيُوش الْإِسْلَام إِلَى بِلَاد فَارِس صُحْبَة خَالِد بْن الْوَلِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَفَتَحُوا طَرَفًا مِنْهَا وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلهَا وَجَيْشًا آخَر صُحْبَة أَبِي عُبَيْدَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمَنْ أَتْبَعهُ مِنْ الْأُمَرَاء إِلَى أَرْض الشَّام وَثَالِثًا صُحْبَة عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِلَى بِلَاد مِصْر فَفَتَحَ اللَّه لِلْجَيْشِ الشَّامِيّ فِي أَيَّامه بُصْرَى وَدِمَشْق وَمَخَالِيفهمَا مِنْ بِلَاد حَوْرَا وَمَا وَالَاهَا… وَتَوَفَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْده مِنْ الْكَرَامَة وَمَنَّ عَلَى أَهْل الْإِسْلَام بِأَنْ أَلْهَمَ الصِّدِّيق أَنْ يَسْتَخْلِف عُمَر الْفَارُوق فَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْده قِيَامًا تَامًّا لَمْ يُدِرْ الْفُلْك بَعْد الْأَنْبِيَاء عَلَى مِثْله فِي قُوَّة سِيرَته وَكَمَال عَدْله وَتَمَّ فِي أَيَّامه فَتْح الْبِلَاد الشَّامِيَّة بِكَمَالِهَا وَدِيَار مِصْر إِلَى آخِرهَا وَأَكْثَر إِقْلِيم فَارِس وَكَسَرَ كِسْرَى وَأَهَانَهُ غَايَة الْهَوَان وَتَقَهْقَرَ إِلَى أَقْصَى مَمْلَكَته وَقَصَرَ قَيْصَر وَانْتَزَعَ يَده عَنْ بِلَاد الشَّام وَانْحَدَرَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة …ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الدَّوْلَة الْعُثْمَانِيَّة اِمْتَدَّتْ الْمَمَالِك الْإِسْلَامِيَّة إِلَى أَقْصَى مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا ; فَفُتِحَتْ بِلَاد الْمَغْرِب إِلَى أَقْصَى مَا هُنَالِكَ الْأَنْدَلُس وَقُبْرُص ; وَبِلَاد الْقَيْرَوَان وَبِلَاد سِبْتَة مِمَّا يَلِي الْبَحْر الْمُحِيط وَمِنْ نَاحِيَة الْمَشْرِق إِلَى أَقْصَى بِلَاد الصِّين)،وهذا الاستخلاف هو اعلي درجات الاستخلاف العام ، وهو مثال ( نموذج ) اقتدائي لاى استخلاف للامه، اى مثال(نموذج) واجب الاقتداء لتحقيق الاستخلاف الاسلامى في اى زمان ومكان،قال تعالى (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(البقرة: 137)، وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم ).(فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)( حديث حسن رواه عدد من الأئمة منهم الترمذي وأبو داود في سننهما؛ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ( ومضمون هذا الاقتداء – على مستوى أصول الدين – الالتزام بفهم السلف الصالح للنصوص ، وما تتضمنه من عقائد وعبادات وأصول معاملات، كما أنها قائمه على إلغاء الإضافات التي طرأت علي فهم السلف لهذه الأصول .
أما  على مستوى فروع  الدين  فمضمون هذا الاقتداء  هو اعتبار اجتهاد السلف الصالح في  وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، ، تجسيد لماضي الامه وخبرتها، وبالتالي اتخاذه نقطه بداية لاجتهادنا فى وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها ، وليس نقطه نهاية له، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها كما هي ، أو بعد الترجيح بينها ، أو وضع قواعد جديدة استجابة لمشاكل جديدة لم يعايشوها..

ثانيا:الاستخلاف  التبعى (استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة): النوع الثاني من أنواع الاستخلاف الذي تشير إليه الايه هو الاستخلاف التبعى ، اى الاستخلاف الذي تشير إليه الدلالة التبعية للأيه،  وهو الاستخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة ، وهو قسم من أقسام الاستخلاف العام،  وقد أشار إليه المفسرين ، ورد في تفسير الطبري:(يَقُول تَعَالَى ذِكْره ” وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا”بِاللَّهِ وَرَسُوله ” مِنْكُمْ ” أَيّهَا النَّاس , ” وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ” يَقُول : وَأَطَاعُوا اللَّه وَرَسُوله فِيمَا أَمَرَاهُ وَنَهَيَاهُ ; ” لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض ” يَقُول : لَيُوَرِّثَنَّهُمْ اللَّه أَرْض الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَب وَالْعَجَم , فَيَجْعَلهُمْ مُلُوكهَا وَسَاسَتهَا . ” كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ ” يَقُول : كَمَا فَعَلَ مِنْ قَبْلهمْ ذَلِكَ بِبَنِي إِسْرَائِيل , إِذْ أَهْلَكَ الْجَبَابِرَة بِالشَّأْمِ وَجَعَلَهُمْ مُلُوكهَا وَسُكَّانهَا ).  وورد في تفسير القرطبي : |(فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : يَعْنِي أَرْض مَكَّة ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ سَأَلُوا اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ فَوُعِدُوا كَمَا وُعِدَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ; قَالَ مَعْنَاهُ النَّقَّاش . الثَّانِي : بِلَاد الْعَرَب وَالْعَجَم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; … وَاللَّام فِي ” لَيَسْتَخْلِفَنّهم ” جَوَاب قَسَم مُضْمَر ; لِأَنَّ الْوَعْد قَوْل , مَجَازهَا : قَالَ اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَاَللَّه لَيَسْتَخْلِفَنّهم فِي الْأَرْض فَيَجْعَلهُمْ مُلُوكهَا وَسُكَّانهَا)، ويتضمن هذا الاستخلاف أيضا أنواع متعددة من الاستخلاف – تمثل مراحل متعددة للاستخلاف العام للامه منها :

ا/ استخلاف الامه في الماضي(استخلاف الامه الأول): وهو استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة، وقد كان  قائما على الاتصال الزمانى بالاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى”الراشدي”، كما كان قائما على الاتصال المتناقص بالاستخلاف المثال  بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى “الراشدي”، بمعنى انه  تضمن انقطاع قيمي تدريجي عن الاستخلاف  المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى ” الراشدي” ، وقد أشار إليه  الحديث الذي  أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، والطبراني في المعجم الكبير ، وابن حبان في صحيحة بإسناد جيد عن أبي إمامة الباهلي (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً: الحكم، وآخرهن الصلاة)  والمقصود بالحكم  فى الحديث القضاء قال المناوي” وقد كثر ذلك في زماننا حتى في القضية الواحدة تنقض وتبرم مرات بقدر الدراهم”. وقد أشار ابن كثير الى هذا  الاستخلاف في قوله ( فَالصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَمَّا كَانُوا أَقْوَم النَّاس بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَوَامِر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْوَعهمْ لِلَّهِ كَانَ نَصْرهمْ بِحَسْبِهِمْ أَظْهَرُوا كَلِمَة اللَّه فِي الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب وَأَيَّدَهُمْ تَأْيِيدًا عَظِيمًا وَحَكَمُوا فِي سَائِر الْعِبَاد وَالْبِلَاد ; وَلَمَّا قَصَّرَ النَّاس بَعْدهمْ فِي بَعْض الْأَوَامِر نَقَصَ ظُهُورهمْ بِحَسْبِهِمْ وَلَكِنْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ” لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة – وَفِي رِوَايَة – حَتَّى يَأْتِيَ أَمْر اللَّه وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ – وَفِي رِوَايَة – حَتَّى يُقَاتِلُونَ الدَّجَّال – وَفِي رِوَايَة – حَتَّى يَنْزِل عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَهُمْ ظَاهِرُونَ ” . وَكُلّ هَذِهِ الرِّوَايَات صَحِيحَة وَلَا تَعَارُض بَيْنهَا ).

ب/ استخلاف الامه في الحاضر (استخلاف الامه الثاني):  وهو استخلاف الامه في الحاضر ،  وتحققه يكون بعد انقطاع زماني وقيمي عن الاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى “النبوي ” والاقتدائى “الراشدى” ودليله الحديث : روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير (رضي الله عنه الله)، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (أخرجه أحمد (30/355 حديث 18406)، والبزار والطبراني في الأوسط (6577) ، ورواه أيضًا الطيالسي والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري ، و صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط) . وتحقق هذا النوع من أنواع الاستخلاف يتم بشكل تدريجي ، وعبر مرحلتي الاستطاعة ” ما هو ممكن” ، ثم العزم ” ما ينبغي أن يكون” كما سنوضح لاحقا.

ج/ استخلاف الامه في المستقبل(استخلاف الامه الاخير) : وهو استخلاف الامه آخر الزمان، وهو مرتبط بظهور المهدي ونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ، وغيرها من اشراط الساعة.

شروط الاستخلاف : تشير الايه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ… ﴾ إلى الوعد الالهى بالاستخلاف، كما تشير إلى أن تحقيق  هذا الوعد الالهى معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية ( والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان ) ، والموضوعية ( والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح) ، وقد بين الإسلام كدين ” ممثلا في القران والسنة”  شروط الاستخلاف في كل زمان ومكان ، وترك للمسلمين  أمر الاجتهاد في تحديد شروط الاستخلاف في المكان والزمان المعينين ، وفيما يلي نبين  شروط  الاستخلاف النصية المطلقة اى شروط استخلاف الامه في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف”،  و كل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الامه ” ، وشروط الاستخلاف الاجتهادية  المقيدة ، اى شروط استخلاف الامه في مكان معين ” الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “الحاضر”:

أولا: الاستخلاف السياسي : الاستخلاف  في المنظور القرانى مفهوم شامل،  ذو أبعاد متعددة تشمل كافه مناجى الحياة ،  ويشكل بعده السياسي” الذي عبرنا عنه بمصطلح الاستخلاف السياسي”احد هذه الأبعاد المتعددة،وبناء على هذا يتضح لنا خطاْ المذهب الذي يرى أن الاستخلاف مفهوم سياسي بحث ، فيقصر الاستخلاف على احد أبعاده “هو بعده السياسي” ، ويلغى أبعاده الأخرى” كأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والحضارية …”، فهذا المذهب يستند إلى منظور جزئي لمفهوم الاستخلاف ، يخالف المنظور الشامل له في المنظور القرانى ..

ا/ شروطه النصية المطلقة :تتمثل شروط الاستخلاف السياسي النصية المطلقة ، في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها:

أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية لله : طبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب إسناد الحاكميه (السيادة بمعنى السلطة المطلقة) لله تعالى وحده ، قال تعالى( أن الحكم إلا لله ) ( الأنعام:57)
ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة: وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكميته في الأرض، وذلك بممارستها للسلطة (بما هي ممارسه للسيادة في زمان ومكان معينين) مقيده بهذه الحاكميه الالهيه، فالمستخلف في السلطة ( الأمر) أصلا هو الجماعة بدليل تقرير القران أن الأمر شورى بين المسلمين (وأمرهم شورى بينهم)، وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن … “ويجعلكم خلفاء الأرض” ( فاطر: 39). “وهو الذي جعلكم خلائف الأرض”…( الأنعام:165)،أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله .
قواعد السلطة : :
المساواة : اتساقا مع كون المستخلف عن الله تعالى في السلطة- أصلا- هو الجماعة ، فان أول قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامي في السلطة هي قاعدة المساواة ، ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم) ، وعند البيهقي كما عزاه ألمنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الألباني عن جابر( رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال: ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ثم يقرر الإسلام ما هو صالح للمحافظة علي هذه القاعدة، في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان ، وهما قاعدتي العدل والشورى.
العدل : هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه ، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمي الحكم ( القضاء)، ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه،قال تعالى( إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ( النساء:85)
الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة ، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ، ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة والمعرفة وذلك بالإشارة به على الآخرين، وهنا نشير إلى أن مبدأ ترجيح رأى الأغلبية فيما ليس فيه نص يقينى الورود قطعي الدلالة مبدأ أشار إليه علماء أهل السنة يقول الغزالي في مسألة ( إذا بويع لإمامين) (أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة… ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح). وقال ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة)، ومن أقوال الفقهاء ” الأكثرية مدار الحكم عند فقدان دليل أخر.
كيفية قيام السلطة: أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى .
ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة  (الحرية ) : اما شروط الاستخلاف السياسي الاجتهادية المقيدة فتتمثل في الحرية كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه” ، والاستيطاني ” ومنه الاحتلال الصهيوني لفلسطين”) ( كمظاهر للاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي). وعلى المستوى العقدي أكد الإسلام على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة ،قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ، وقال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )(الكهف:29)،وقال تعالى ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )(يونس:99) ،وقال عمر بن الخطاب ( رضوان الله عليه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) (فتوح مصر ، ص 290 ) ، والحرية في المفهوم الإسلامي هي المقدرة على الترقي المادي والروحي للإنسان، أي المقدرة على إشباع حاجاته المادية والروحية ، هذا الترقي له ضوابط تكليفيه (الوحي)،وتكوينيه (السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود) تحده ولا تلغيه فتكمله وتغنيه .

أما على المستوى التطبيقي فان تطبيق مفهوم الحرية يتصل بالعديد من المشاكل التي يطرحها الواقع  :

الاحتلال الصهيوني لفلسطين كمراحله من مراحل الاستكبار اليهودي: أشار القران الكريم  إلى مراحل الاستكبار اليهودي عبر التاريخ في قوله تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا* فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا *إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا *عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)( الإسراء:4-8) وهذه المراحل هى0:

(وعد أولاهما ) الإفساد الأول لليهود وبعث جالوت وجنوده : أول مرحل الاستكبار اليهودي هي التي أشار إليها القران الكريم ب” وعد اولاهما ” ، وقال كثير من المفسرين  ان المقصود بالعباد أولى إلباس الشديد الذين بعثهم الله تعالى عليهم فيها فجاسوا خلال الديار، جالوت وجنوده ، يقول ابن كثير ( وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف فِي هَؤُلَاءِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُمْ ؟ فَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة أَنَّهُ جَالُوت الْجَزَرِيّ وَجُنُوده سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ أُدِيلُوا عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ)، ويقول الطبري (ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { أُولِي بَأْس شَدِيد } … فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ الَّذِي بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْأُولَى جَالُوت).

(وعد الاخره ) الإفساد الثاني لليهود ومجي بختنصر: ثاني مراحل الاستكبار اليهودي هي التي أشار إليها القران الكريم ب”وعد الاخره” ، وقال كثير من المفسرين  ان المقصود بالذين يسيئوا وجوه اليهود وَيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا ، بخنصر وجنوده ، يقول الطبري (وَقَوْله ” فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة ” يَقُول : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْمَرَّة الْآخِرَة مِنْ مَرَّتَيْ إِفْسَادكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْأَرْض فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ الْمَجُوسِيّ الْبَابِلِيّ , أَبْغَض خَلْق اللَّه إِلَيْهِ , فَسَبَى وَقَتَلَ وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس , وَسَامَهُمْ سُوء الْعَذَاب . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثَنْي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَلَمَّا أَفْسَدُوا بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّة الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ , فَخَرَّبَ الْمَسَاجِد وَتَبَّرَ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا )،

 (العود الأول ) الإفساد الثالث لليهود والاستخلاف النبوي الخاص : ثالث مراحل الاستكبار اليهودي ، متضمنة في قوله تعالى (وان عدتم عدنا) ، وفصلها المفسرون فقالوا أن العود اليهودي ( للاستكبار والإفساد في الأرض ) يتمثل فيها في غدر اليهود بالمسلمين ، بنقضهم عهدهم معهم ، في زمن الرسول ” صلى الله عليه وسلم” ، وان العود الالهى ( لمعاقبه اليهود) يتمثل فيها في بعث الله تعالى عليهم الرسول ” صلى الله عليه وسلم” والمسلمين، يقول ابن كثير ( …وَقَالَ قَتَادَة قَدْ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيل فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، ويقول القرطبي ( قَالَ قَتَادَة : (َ فعَادُوا فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَة بِالصَّغَارِ ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَهَذَا خِلَاف مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث وَغَيْره وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ حَلَّ الْعِقَاب بِبَنِي إِسْرَائِيل مَرَّتَيْنِ عَلَى أَيْدِي الْكُفَّار , وَمَرَّة عَلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا حِين عَادُوا فَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ ). فالعود اليهودي الأول  للاستكبار والإفساد في الأرض التقى ” زمانا ومكانيا “، وتعارض ” قيميا ” مع الاستخلاف النبوي الخاص.

(العود الثاني) الإفساد الرابع لليهود” والاستخلاف  العام  الثاني للامه: أما رابع مرحل الاستكبار اليهودي فهي متضمنة أيضا في قوله تعالى (وان عدتم عدنا)، ويتمثل العود اليهودي ” إلى الاستكبار والإفساد في الأرض” يتمثل فى اغتصاب فلسطين ، و قيام دوله الكيان الصهيوني ” اسرائيل ” عام 1948، من خلال تحالف بين المنظمة الصهيونية العالمية وقوى الاستعمار القديم ” بريطانيا” والجديد”الولايات المتحدة الامريكيه”، أما العود الالهى فيتمثل في تحرير فلسطين ، وتفكيك إسرائيل كدوله قائم على شكل من أشكال الاستكبار اليهودي ” الصهيونية ” ، وهضم الحقوق الوطنية والقومية والاسلاميه للشعب الفلسطيني . وذلك عند الالتزام بشروط العود الالهى وأهمها توحد الاراده الفلسطينية والعربية والاسلاميه، يقول الطبري ( { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } قَالَ : عَادَ الْقَوْم بِشَرِّ مَا يَحْضُرهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَث مِنْ نِقْمَته وَعُقُوبَته . ثُمَّ كَانَ خِتَام ذَلِكَ أَنْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب , فَهُمْ فِي عَذَاب مِنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَة أُخْرَى { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبّك لِيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } . … 7 167 الْآيَة , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب . 16684 – حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ { عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يَرْحَمكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } فَعَادُوا , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ …) .فالعود الثاني لليهود للاستكبار يلتقي زمانيا ومكانيا ويتعارض قيميا مع الاستخلاف العام الثاني للامه, وبالتالي لا يكتمل تحققه إلا بعد إلغاء هذا العود اليهودي للاستكبار ،من خلال تحرير فلسطين، طبقا لمرحلتين هما: أولا:مرحله الاستطاعة(الممكن )، و آليتها الرئيسية  هي المقاومة ، وتهدف إلى استرداد ما هو ممكن من  حقوق الشعب الفلسطيني العربي المسلم . ثانيا :مرحله العزم (ما ينبغي أن يكون ) ، و تهدف إلى استرداد كافه حقوق الشعب الفلسطيني العربي المسلم،وذلك عند توحد الاراده الفلسطينية والعربية والاسلاميه ..

(العود الأخير) الإفساد الأخير ” آخر الزمان والاستخلاف العام الاخير للامه: أما آخر مراحل الاستكبار اليهودي فمتضمنة أيضا في قوله تعالى(وان عدتم عدنا)، وتمثل الإفساد الأخير لليهود ، وتتصل بظهور اشراط الساعة الكبرى من ظهور المهدي ونزول عيسى (عليه السلام)، فهذا العود اليهودي للاستكبار سيلتقي زمانيا ومكانيا – وسيتعارض قيميا مع الاستخلاف العام الأخير للامه…

الموقف من الديموقراطيه: فى الفقه السياسي والدستوري الاسلامى المعاصر نجد مذهبين في تحديد الموقف من الديمقراطية، هما مذهب الرفض المطلق والمذهب النقدي.
أولا:مذهب الرفض المطلق : المذهب الأول يقوم على الرفض المطلق لمفهوم الديموقراطيه دون تمييز بين دلالاته المتعددة بناءا على العديد من الحجج أهمها : أن مصطلح الديموقراطيه اجنبى،غير انه لا حرج من استخدام اى مصطلح ، ما دام هذا الاستخدام ذو دلاله لا تتناقض مع قواعد الوحي المطلقة ، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل . ومن هذه الحجج أن الديموقراطيه تسند الحاكميه “السيادة ” للشعب ، غير آن هذه الحجة تخلط بين الدلالة الخاصة المنفردة للديموقراطيه ممثله في الديموقراطيه الليبرالية ،والتي لا تميز بين السيادة والسلطة، و الدلالة العامة المشتركة للديموقراطيه ، والتي تسند السلطة – وليس السيادة- للشعب . ومن هذه الحجج أن اختيار الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى يتم ببيعة أهل الحل والعقد فقط، وهى بيعه خاصة ، وهذا غير صحيح، ففي الفقه السياسي الإسلامي يتم اختيار الحاكم طبقا لبيعتان هما : أولا: البيعة الخاصة: وهى بيعه أهل الحل والعقد ، وهي الجماعة التي لها حق البيعة الإمام من بين أعضائها، وهي تقارب ما يسمى في الفكر السياسي الحديث( الهيئة التشريعية) التي تكون من ممثلين الأغلبية الشعب بانتخاب، والتي تتولي اختيار الحكومة (السلطة التنفيذية)، التي تكون مسئولية أمام هؤلاء الممثلين ( النظام البرلماني) ، كما ان أهل الحل والعقد كانوا ممثلين لأغلبية الشعب تفويضا، وهو ما نلاحظه في جماعه المهاجرين الأولين التي تكون من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون من القرشيين الذين هاجروا من مكة إلى يثرب ، فكان ذلك تفويضا، ولذا يجوز أن يكون اختيار أهل الحل والعقد في عصرنا بالانتخاب باعتبار ذلك وسيلة لضمان كونهم يمثلون أغلبية الجماعة، يوضح الإمام الغزالي صفات من له الحق في العقد للإمام ( أن يكون مطاعا ذا شوكه .. ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان) وهذه البيعة بمثابة الترشيح. ثانيا:البيعة العامة:إن البيعة الأولي لا تكفي وحدها، فلابد من البيعة العامة التي هي بمثابة تصديق علي الترشيح، وإكمال للعقد .يقول ابن تيمية ( وكذلك عمر لما عهد إليه ابوبكر ولم يبايعوة لم يصر إمام ،وكذلك عثمان لم يصر إمام باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له)، ويقول الغزالي( ولو لم يبايع ابابكر غير عمر، وبقي كافة جميع الخلق مخالفين له لما انعقدت الإمامة ،فان المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين (.

المذهب النقدي: أما المذهب الثاني فيتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف نقدي يقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه، وهو ما يتحقق من خلال الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام،أما الدلالة الخاصة المنفردة لمفهوم الديموقراطيه – ومثالها الديموقراطيه الليبرالية- فان الموقف الصحيح منها هو قبول ما اتفق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورفض ما تناقض معهما.

ثانيا : الاستخلاف الاقتصادي:

ا/ شروطه النصية المطلقة : تتمثل شروط الاستخلاف الاقتصادي النصية المطلقة ، في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها:

أولا:إسناد ملكيه المال لله تعالى (واتوهم من مال الله الذي أتاكم) .

ثانيا:استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )،وهو ما يتحقق من خلال  :

ا/ تقرير أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلأ والنار (روه احمد وأبو داود).

ب/ تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة). ج/ أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد (القطاع الخاص) بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.

ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة (التنمية المستقلة و العدالة الاجتماعيه) : أما شروط  الاستخلاف الاقتصادي الاجتهادية المقيدة فتتمثل في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (كمظاهر للاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي).

 العدالة الاجتماعية:اعتبر المنظور الاجتماعي الاسلامى أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي للفرد والدولة ” كممثل للمجتمع” ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: تكافؤ الفرص وعدالة توزيع الثروة التي تتضمن عدالة الأجور، ففيما يتعلق بالشرط الأول (تكافؤ الفرص)، يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته ،والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى). أما فيما يتعلق بالشرط الثاني (عدالة توزيع الثروة وعدالة الأجور )، روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة )، قال أبو يوسف في تفسيره ( إذا استعملتم علي شيء فابذل لهم العطاء والرزق لا يحتاجون( . كما قرر المنظور الاجتماعي الاسلامى، قيمه المساوه ذات الصلة الوثيقة بالعدل الاجتماعي:قال تعالى ﴿ أن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾. والمساواة (في المجال الاقتصادي) في الإسلام تعني أن تحكم العلاقات بين الناس في المجتمع ، قواعد عامة مجرده سابقه علي نشأة تلك العلاقات ،هي الضوابط التي وضعها مالك المال تعالي ، لتنظيم انتفاع المستخلف فيه ( الجماعة)، علي الوجه الذي يحقق مصالحها ككل وليس مصلحه فرد أو فئة، دون إنكار ما يكون بين الناس من تفاوت في المواهب والمقدرات الذاتية ، قال تعالى ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ( الزخرف: 32(. كما أن المنظور الاجتماعي الاسلامى، يرفض النزعة الفردية التي تؤكد على الفرد لتلغى الجماعة لقوله (صلى الله عليه وسلم)( إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، كما يرفض النزعة الجماعية التي تؤكد على الجماعة لتلغى الفرد لقوله (صلى الله عليه وسلم)(لا يكن أحدكم امعه، يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت، وان اساؤا أساءت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أحسنتم ، وان اساؤا أن تجتنبوا إساءتهم)، ويقوم على التوازن بين الفرد والجماعة من خلال التأكيد على ان الجماعة بالنسبة للفرد كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه(مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ،إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)، وهو التوازن اللازم لتحقيق العدل الاجتماعي .و العدل الاجتماعي مرتبط بوظيفة الملكية ، فهو ينتفي عندما يكون من حق المالك اتخاذ القرار الاقتصادي دون المجتمع (الملكية الخاصة كما في الراسماليه )،ويتحقق عندما يكون القرار الاقتصادي أصلا من حق المجتمع، وبالتالي يجب أن لا يتناقض القرار الاقتصادي للمالك مع مصلحته (الملكية الاجتماعية) ، بصرف النظر عن الشكل القانوني للملكية (فرديه،تعاونيه ،مشتركه ،عامه…). وبالرجوع إلى المنظور الاقتصادي الاسلامى ، نجد انه يرفض الملكية الخاصة،والتي تسمى (ملكية الرقبة)،والتي تخول للفرد التصرف المطلق في المال ،إذ أن مضمونها يقابل مصطلح الملكية القرانى ، والملكية طبقا له هي صفة من صفات ربوبية الله تعالى ﴿ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ (المائدة: 17)، وإسنادها إلى سواه هو شرك في الربوبية ﴿ وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ (إلا سراء:
111) .
أما الملكية الفردية كشكل قانوني للملكية، فقد اقرها الإسلام ، لكن على وجه يتسق مع تصور خاص للملكية الاجتماعية قائم على إسناد ملكيه المال لله تعالى ، واستخلاف الجماعة في الانتفاع به، وان الفرد نائب عنها.

اماره المترفين “النظام الاقتصادي الراسمالى ” : اماره المترفين هي شكل من أشكال ثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف الاقتصادي- السياسي، الناتج من إسناد ” الربوبية ” الفعل المطلق” ،وصفاتها ” من ملكيه وحاكميه … لغير الله تعالى، فهي تتعارض قيميا مع الاستخلاف الاقتصادي- السياسي القائم على إسناد الملكية والحاكميه لله تعالى ، واستخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال والسلطة.وبناء على هذا فان الاستخلاف الاقتصادي – والسياسي- لا يمكن تحققه إلا بعد تدمير اماره المترفين , وقد تنباْ القران الكريم بهذا التدمير الالهى لاماره المترفين فى قوله تعالى (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا ) ( الإسراء: 16)، وقد نقل المفسرون اختلاف القراء في قراءه لفظ (أمرنا ) ، والمشهور هو قراءه التخفيف، كما اختلف المفسرون في معنى أمرنا مترفيها ، فقال بعضهم أمرنا مترفيها امرأ قدريا ، وقال بعضهم أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها بمعصية الله، وقال آخرون جعلنا مترفيها أمراء ففسقوا فيها (انظر ابن كثير والطبري). وفيما نرى فانه لا تعارض بين هذه المعاني فيجوز الجمع بينها ، وبناءا على هذا فان المترفين في هذه الايه ليسوا الذين يمتلكون المال فقط ، بل الذين يمتلكون المال ، ويعملون على الإبقاء على الواقع القائم على ثنائيه الاستكبار / الاستضعاف ، ومعارضه تغييره إلى الاستخلاف ، ورد في تفسير ابن كثير (“إِلا قال مترفوها” وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة, قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر). ومن أشكال اماره المترفين ، و التي تأخذ بالتالي حكمه ، في حتمية خضوعه للتدمير الالهى، النظام الاقتصادي الراسمالى الربوى، والذي قانونه الاساسى المنافسة الحرة على الموارد، والبقاء للأقوى ، والذي يستند إلى فلسفه طبيعيه ، ومنهج قائم على القانون الطبيعي الذي مضمونه ” ان مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصه ” ، وهو جزء من نظام متكامل علماني في موقفه ومن الدين ، ديموقراطى ليبرالي في موقفه من الدولة ، فردى في موقفه من الأخلاق …” لان هذا النظام يستند إلى فلسفه تسند ملكيه المال ” وكذا ألحاكميه والتشريع ” للإنسان _ الفرد.

ثالثا: الاستخلاف الاجتماعي :

ا/ شروطه النصية المطلقة : تتمثل شروط الاستخلاف الاجتماعي النصية المطلقة ، في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها:

المراْه من الاستضعاف إلى الاستخلاف: من أشكال الاستكبار الاجتماعي إلغاء فعل المراه ، وإلغاء المساواة بينها وبين الرجل ، وبالتالي نشوْ علاقة طرفيها الرجل المستكبر والمراْه المستضعفة . والمفهوم الاسلامى للمساواة ، يقوم على أن تحكم العلاقة بين المراْه والرجل في المجتمع ، قواعد عامه مجرده سابقه على نشاْه تلك العلاقات ، وهو ما يتحقق في الشريعة بما هي وضع الهى سابق لعلاقات البشر رجالا ونساءا . ومن الادله على تقرير الإسلام للمساواة على الوجه السابق بيانه :قوله تعالى( ولهن مثل الذى لهن بالمعروف)، وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(إنما النساء شقائق الرجال)(أخرجه احمد في مسنده) ،وكذلك تقرير الإسلام  أن المراْه مساوية للرجل في سائر التكاليف الشرعية، وكذلك تقريره أن  المراْه مساوية للرجل في المسئولية ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته،  والمراْه راعيه فى بيت زوجها وهى مسئوله عن رعيتها…). ويترتب على ما سبق أيضا رفض الإسلام للمفهوم الخاطئ للمساواة، والذي نجده في الدلالة الخاصة لمفهوم تحرير المراْه في الغرب، والذي يقرنها بالمثلية، إذ الاخيره تعنى أن تكون المراْه مثل الرجل في التكوين والإمكانيات و المقدرات الذاتية، وهو ما نفاه القران (وليس الذكر كالأنثى)، غير أن هذا لا ينفى المساوه على الوجه السابق بيانه – كما يرى تيار التقليد – إذ أن التفاوت في المقدرات الذاتية سنه إلهيه تشمل الناس كلهم لا  النساء فقط،  وهو جزء من مفهوم ألدرجيه الذى يقرر تفاوت الناس فى المقدرات والإمكانيات الذاتية، دون أن يلغى ذلك المساواة بينهم. ويقدم القران الكريم نموذجا لهذا الاستكبار الاجتماعي ، متمثلا في المجتمع العربي القبلي الجاهلي، الذي كانت فيه المراْه مستضعفه، فسلب منها حق الحياة (وإذا المؤودة سألت بأي ذنب قتلت)، كما كان مجرد وجودها عار على أهلها (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم , يتوارى من القوم من سوء ما بشر به )، كما كانت محرومة من حقوقها الاجتماعية، فكان الابن يرث زوجه أبيه ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) (النساء:19).)، ثم يدعو القران الكريم إلى تحرير المراه  من الاستضعاف ، اى إلى تحرير فعلها من اى محاوله لإلغائه، قال تعالى ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) (النساء:75)، كما يضع القران الكريم ضمان موضوعي مطلق لاستمرارية فعلها ، يتمثل في جمله من  المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ، التي جاءت بها الشريعة، والتي تحكم العلاقة بين النساء والرجال ، والسابقة على نشوء هذا العلاقة التي ، ومنها تقرير القران الكريم أن المراه مشاركه للرجل في درجه الاستخلاف بدليل عموم آيات الاستخلاف (وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره)( فاطر:39)، وكذلك بدليل تقرير القران أن شرطي الاستخلاف( وهما الإيمان والعمل الصالح كما في قوله تعالى”وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض”)، كما يمكن ان يتوافرا في الرجل ، يمكن أن يتوافرا في المراْه ،قال تعالى (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلتحيينه حياة طيبة) (النحل: 97) .

ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة (الوحدة):أما الشروط الاجتهادية المقيدة للاستخلاف الاجتماعي فتتمثل في الوحدة كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت. وعلى المستوى العقدي حثت النصوص المسلمين على الوحدة كقوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92) .

التمييز بين الوحدة التكوينية والوحدة ألتكليفيه : غير انه يجب التمييز – وليس الفصل – بين الوحدة ألتكليفيه” الدينية ” ، والتي تتحقق بالاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة ، مع اباحه الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة ، والوحدة التكوينية” السياسية ” التي تتحقق بالوحدة السياسية لامه معينه اكتمل تكوينها ، ومصدر هذا  التمييز هو التمييز بين أمه التكليف التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92) ، وأمه التكوين التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعى كما في قوله تعالى﴿ وجعلناهم اثني عشره أسباطا أمما).

مراعاة أطوار التكوين الاجتماعي التي بلغتها المجتمعات المسلمة:كما أنه يجب مراعاه  أطوار التكوين الاجتماعي التي بلغتها المجتمعات المسلمة ، حبث أن الوحدة الاسلاميه التكوينية وكيفيه تحقيقها ، غير منفصلة عن أطوار التكوين الاجتماعي التي بلغتها المجتمعات المسلمة خاصة والبشرية عامه. فالوحدة الاسلاميه وشكل الدولة التي جسدتها في مرحله الأمم في طور التكوين أخذت الشكل التالي :أولا:الأرض غير ثابتة الحدود،ثانيا : وهى تضم مئات من القبائل والشعوب والأمم ، ثالثا: وكانت السلطة فيها مركزيه ممثله في الخليفة الذي له حق تعيين الولاة في الأقاليم .أما في واقعنا القائم على اكتمال تكوين الأمم وشكل الدولة القائم على أولا: الدولة ذات الحدود الثابتة ، ثانيا :الشعب الواحد ثالثا:السلطة البسيطة أو الاتحادية، وانتهى حق الفتح وحل محله حق الأمم في تقرير مصيرها ، وبالتالي فان الوحدة الاسلاميه وشكل الدولة التي تجسدها في واقعنا لابد أن يتسق مع هذه الخصائص.

تكامل الوحدة الدينية والقومية والوطنية: كما أنه يجب إقرار ان العلاقة بين الوحدة الدينية (الاسلاميه) والقومية (العربية) والوطنية هى علاقة علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض وإلغاء تناقض وإلغاء، اى ان  الوحدة الدينية”الاسلاميه “بالنسبة للوحدة القومية والوطنية بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، فالوحدة الوطنية هي خطوه اتجاه الوحدة العربية والوحدة العربية هي خطوه اتجاه الوحدة الاسلاميه.

إقرار سنه التدرج : كما أن كيفية تحقيق الوحدة الاسلاميه يجب أن تقوم على إقرار سنه التدرج حيث ان الانتقال مما هو كائن( التقسيم والتجزئة والتفتيت) إلى ما ينبغي أن يكون(الوحدة) لا يمكن أن يتم إلا من خلال الممكن ، والممكن الاجتماعي هو اتخاذ كل الخطوات الممكنة ،التي تقود إلى الوحدة الاسلاميه التكوينية  ومن هذه الخطوات:

أولا: السعي لتحقيق الوحدة الاسلاميه ألتكليفيه (الدينية) ،وذلك بالعمل على التقاء المسلمين على أصول الدين مع أباحه اختلافهم في فروعه، باعتبار أن الوحدة ألتكليفيه  شرط للوحدة التكوينية( السياسية ) ،

ثانيا: لما كانت الوحدة الاسلاميه هي وحده بين أمم مسلمه ، فان الخطوة الأولى لها هي توحيد كل أمه من هذه الأمم – ومنها الامه العربية  المسلمة – في شكل دوله بسيطة أو إتحاديه ( فيدرالية)، بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي(عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاق الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ،إلغاء أو تخفيف القيود على حركه العمالة والتجارة …). فوحده كل أمه مسلمه هي خطوه تجاه الوحدة الاسلاميه .

ثالثا: والوحدة الاسلاميه الممكنة تأخذ شكل إنشاء هيئات مشتركه بين الأمم والشعوب المسلمة ، تنوب عنها في ممارسه بعض السلطات الداخلية والخارجية ، وهذا الشكل يسمح أن يصل الاتفاق إلى حد أن يكون للهيئات حق التمثيل الدبلوماسي و إعلان الحرب وإبرام الصلح ، وهو ما عبر عنه في الفكر السياسي الحديث بالدولة التعاهديه ( الكونفدراليه ).

رابعا: الاستخلاف الحضاري :

ا/ شروطه النصية المطلقة : تتمثل شروط الاستخلاف الحضاري النصية المطلقة ، في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة .

 اصول المنظور الحضاري الاسلامى : إن الإسلام ليس دين فقط، بل هو دين وحضارة،وقد وضع الإسلام  أصول المنظور الحضاري “الاسلامى”  على المستوى الفردي والاجتماعي ،وترك للمسلمين أمر الاجتهاد في وضع فروعه. فعلى المستوى الاجتماعي ظهر الاسلام في منطقه ساد فيها التخلف الحضاري بكل أشكاله ، فانتقل بها في فتره وجيزه إلي التقدم الحضاري بكل أشكاله، فقد ساد التخلف الاجتماعي ممثلا في الواقع القبلي( بكل علاقاته الوثنيه” تعدد الالهه رمز لتعدد القبائل” والعرقية والعصبية)أو الشعوبي المنغلق على ذاته، فارتقى بسكان المنطقة إلي أن يكونوا شعب في المدينة، ليلتحم مع غيره من الشعوب ، ليكون فيما بعد أمه ذات حضارة إنسانيه. كما ساد التخلف الفكري ممثلا في سيادة أنماط التفكير الاسطورى في الشعوب والقبائل التي تسود المنطقة، ثم جاء الإسلام فهدي الناس إلي أعمال العقل، وانشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماط متعددة من التفكير العقلاني الذي لا تناقض الأيمان أو الوحي، وان كانت تناقض بالتأكد نمط التفكير الأسطوري. كما ساد التخلف العلمي ممثلا في سياده أنماط التفكير الخرافي في هذا المنطقة عندما كانت مجتمعاتها في الأطوار القبلية والشعوبية ،وعندما جاء الإسلام هدى الناس إلي أصول منهج البحث العلمي، وترك لهم الاجتهاد في وضع فروعه واستعماله، ولم يحتاج المسلمون إلي كثير من الوقت لاحتلال المراتب الاولى في كثير من العلوم، كما ساد انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير والحركة. غير انه نتيجة لعوامل داخليه (شيوع التقليد  وقفل باب الاجتهاد ، شيوع البدع،الاستبداد…) و خارجية( الغزو المغولي، الصليبي، الاستعمار،  القديم والجديد) دخلت هذه المجتمعات فى حاله من  تخلف  النمو الحضاري بكل أشكاله ، فظهر تخلف  النمو الاجتماعي اى حال هذا التخلف فى النمو الحضاري دون أن تبرز الأمة كطور ارتقت إليه القبائل والشعوب،يمكن من خلاله حل مشاكل الناس المتجددة،وهنا بدأ الناس في البحث عن حل مشاكلهم من خلال علاقات أخرى أضيق (العشائرية، القبلية، الشعوبية، الطائفية ) فظهرت العنصرية والطائفية والقبلية… وظهر تخلف النمو الفكري ممثلا فى التزام هذه المجتمعات بنمط تفكير  مختلط (عقلانى /اسطورى )، وظهر تخلف النمو العلمي ممثلا فى التزام هذه المجتمعات بنمط تفكير  مختلط (علمي/ خرافي )… وأخيرا فان  الانتقال بالمجتمعات المسلمة مما هو كائن ” تخلف النمو الحضاري بكافه أشكاله” ،إلى ما ينبغي أن يكون “التقدم الحضاري بكافه أشكاله” لا يكون الا بالعمل المشترك وااتدريجى على الفاء العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى حدوثه . كما ان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يكون بإلغاء القيم ألحضاريه للشخصية المسلمة (كما يرى التيار التغريبي)، كما لا يكون بالإبقاء على هذه الشخصية كما هي كائنة ،والإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية ،التى مصدرها تخلف النمو الحضاري للمجتمعات المسلمة، بإضفاء القداسة عليها بإسنادها إلى الدين  بل يتحقق التقدم الحضاري بالعمل على إلغاء المظاهر السلوكية والفكرية السلبية التي مصدرها تخلف  النمو الحضاري لهذه المجتمعات والإسلام كدين منها براء( كالتعصب المذهبي والطائفية…)، لتبقى القيم الحضارية الاسلاميه(كقيم الانسانيه،المساواة،الحرية،العدالة…) لتسهم إيجابياً في بناء مجتمعات مطهره منها، وإنتاج مظاهر سلوكية وفكرية إيجابية(كاحترام الإنسان من حيث هو إنسان …).

ب:شروطه الاجتهادية المقيدة (الاصاله والمعاصرة ” التجديد”): أما شروط الاستخلاف الحضاري الاجتهادية المقيدة،  فتتمثل في الجمع بين الاصاله والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد  ، كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في  الانشطار بين الجمود والتغريب الحضاري ( كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الحضاري)

مشكله الاصاله والمعاصرة:ترتبط مشكلة الاصاله والمعاصرة بالمشكلة (الحضارية) ،اى مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري في المجتمعات المسلمة؟ و هناك ثلاثة مواقف من هذه المشكلة.
الموقف الأول: (التقليد): يقوم على ان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي ، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه. و التَّقْلِيدِ بالاصطلاح الشرعي قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ يَذْكُرُهَا ( شرح المحلي على الورقات)، وقد ذم القران التقليد (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه إباءنا)(لقمان:21). كما نهى عنه الائمه :يقول الإمام أبو حنيفة(حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)( ابن عبد البر، فى فضائل ألائمه والفقهاء، ص145 )، ويقول الإمام احمد بن حنبل( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302).وهذا الموقف يؤكد على الاصاله لكنه يلغى المعاصرة التي تتضمن الاستفادة من إسهامات المجتمعات المعاصرة التي لا تتناقض مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة .  
الموقف الثاني: (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور ، وتبني قيم المجتمعات الغربية. وفي منظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه (وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض). فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية ، فهذا الموقف يؤكد على المعاصرة،  لكنه يلغى آصاله المجتمعات المسلمة  .

الموقف الثالث: الاصاله والمعاصرة (التجديد): أما الموقف الثالث فهو الموقف الذي يجمع بين الاصاله والمعاصرة من خلال تقرير أن تحقيق التقدم الحضاري لمجتمعات المسلمة ، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام كدين (التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات
المسلمة) ، سواء كانت من اجتهادات المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.
الاستفادة من الإسهامات الحضارية للأمم الأخرى: فهذا الموقف إذا يقوم على تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للإسهامات الحضارية للأمم الأخرى، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما ، وهو الموقف الذى يتسق مع جوهر موقف الإسلام من المجمعات الأخرى وإسهاماتها ، فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد فى عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره – عليه الصلاة والسلام – لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب).
التجديد: كما انه موقف يسند إلى التجديد، والتجديد لغة أعاده الشيء إلى سيرته الأولى (لسان العرب 3/111، الصحاح للجوهرى 2/454)،أما في الاصطلاح الشرعي فهو الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة، والمقيد (المحدود) بأصوله الثابتة ، قال (صلى الله عليه وسلم) (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر فى قرن المائة ح رقم 3740 والحاكم في المستدرك 4/522).  المستدرك 4/522)

الاستخلاف ومنهج التغيير ” كيفيه تحقيق الاستخلاف “: يهدف منهج التغيير الإسلامي إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان،من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار: السياسي،الاقتصادي  ،الاجتماعي …  والذي يمثل ما هو كائن ، إلى الاستخلاف بكل أشكاله: السياسية ،الاقتصادية ،الاجتماعية … والذي يمثل ما ينبغي آن يكون.

تعدد أساليب التغيير: و منهج التغير الاسلامى يقوم على تعدد أساليب التغيير (كأساليب التغيير الفكري او السياسي او الاجتماعي او التربوي…)، وبالتالي فان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين يجب أن يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى . وهو ما أقرته العديد من النصوص،  كقوله تعالى(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).

التدرج: وهذا التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، وهو ما يجب على المسلمين الأخذ به استنادا إلى قاعدة التدرج التي قررها الإسلام،وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:

أولا: التدرج في التشريع: اى التدرج في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة( من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم او من الندب إلى الوجوب…)،ومن أشكاله التدرج فى بيان درجه الإلزام في شرب الخمر من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم ، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوه بوفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم).

ثانيا :التدرج في التطبيق: اى التدرج في تطبيق القاعدة الشرعية وليس في بيان  درجه الإلزام في القاعدة  الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(حلية الأولياء  5/282- صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128).

وبناءا على فان هناك مرحلتين أساسيتين للتغير، لكل منهما خصائص معينه على المستويين الاعتقادى والعملي:

أولا: مرحله الممكن( الاستطاعة):المرحلة الأولى هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير القران والسنة لقواعد: أولا: الاستطاعة  (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ)، وقال (صلى الله عليه وسلم) ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )(متفق عليه). ثانيا: رفع الحرج (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]. ثالثا:الوسع (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) [البقرة:286] ، يقول ابن كثير( وَقَوْله ” لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ” أَيْ لَا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ).

وهذه المرحلة لها مستويان:

ا/ المستوى الاعتقادى:  وهو المستوى الاصلى لهذه المرحلة ، ذلك أن منهج المعرفة الإسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل ، والإيمان على العمل (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات), وبالتالي فانه طبقا له فان  تغيير الفكر سابق على تغيير الواقع. ولهذا المستوى بعد نافى هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى “المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى” ، كما أن له بعد مثبت هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي ” المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي” ( على المستوى الفكري) ، والاجتهاد في وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع(على المستوى الاشكالى)،والتحديد  النظري لأهداف الامه(على المستوى الغائي) ..

الإطلاق البدعى للمفاهيم والقيم والقواعد : ويتضمن تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى مواجهه عمليه الإطلاق البدعى للمفاهيم والقيم والقواعد، من خلال عدم الالتزام بضوابطها الشرعية،وفيما يلى نعرض لنماذج لهذا الإطلاق البدعى للمفاهيم    :

أولا:الإطلاق البدعى للقتال : فهناك الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، من خلال عدم الالتزام بالضبط الشرعي لهذا المفهوم:

ا/ في ماضي الامه (الخوارج): ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم القتال في ماضي الامه فى مذهب الخوارج .

 ب/ في حاضر الامه ( أهل الغلو و مذهب الإطلاق البدعى للقتال ومخالفه الضبط الشرعي للقتال ) : كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، في حاضر الامه ، في أهل الغلو من أنصار مذهب الإطلاق البدعى للقتال، فهم يتفقون مع الخوارج في الإطلاق البدعى للقتال، ويخالفون أهل السنة في الضبط الشرعى له ، والمتمثل في إقرارهم للعديد من الضوابط الشرعية للقتال ، والتي أشارت إليها الكثير من النصوص ومنها: أولا: ان الجهاد يكون مع جماعة المسلمين وامامهم، وليس مع آحاد الناس أو جماعه من المسلمين، لقوله تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا ) ( التوبة (38وقول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، يقول الإمام أحمد بن حنبل )والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك)، ثانيا: لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِم ، ثالثا : حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: لقول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري في صحيحة( ، خامسا :عدم جواز نقض العهود والمواثيق لقوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق)،رابعا :عدم جواز قتل المدنيين: فقد روى عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : ( انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن ) قال الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)( النساء : 93 ). والإطلاق البدعى للقتال ، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج – وهو القتل القتل – حتى يكثر فيكم المال فيفيض) (صحيح البخاري – كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء – باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث‏1002‏).

ثانيا:الإطلاق البدعى للسلطة”الامامه”: وهناك الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه “السلطة” ، من خلال تحويل الامامه ” بمعنى السلطة ” من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه ” بمعنى السلطة” هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا )(المواقف : ص 395) ، ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) . أما الأقوال التي تفيد تقرير علماء أهل السنة وجوب نصب الإمام ، فهي لا تتحدث عن الامامه بمعنى السلطة ، وإنما تتحدث عن الامامه بمعنى الدولة وباعتبار أنها ضرورة اجتماعيه، لذا فانهم قرروا في ذات الوقت أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي وليس عيني، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم…) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، …) (روضة الطالبين :10/43).

ا/ في ماضي الامه (الاماميه “الشيعة”) : ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه ” السلطة” ، من خلال تحويل الامامه ” بمعنى السلطة ” من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله ، في ماضي الامه فى مذهب الشيعة ، حيث ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال:” الولاية أفضل ” … ” أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان )( الكافي ، 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام).

ب/ في حاضر الامه(مذهب التفسير السياسي للدين ومخالفه الضبط الشرعى لمفهوم السلطة- السياسة الشرعية) :كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه ” السلطة” ، من خلال تحويل الامامه ” بمعنى السلطة ” من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله ، في حاضر الامه في مذهب التفسير السياسي للدين ، وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة خلط، وليست علاقة ارتباط ، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة ، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة، كرد فعل على الليبرالية ،والتي باستنادها إلى العلمانية نفت وألغت اى علاقة للدين بالسياسة، ويستند هذا المذهب إلى افتراض أن الامامه – بمعنى السلطة- هي أصل من أصول الدين، وليست فرع من فروعه ، فهو هنا يتفق مع المذهب الشيعي ويخالف مذهب أهل السنة ، فضلا ان هذا المذهب يلزم منه ، جمله من المفاهيم البدعيه التي تتناقض مع مقاصد الشرع وضوابطه ، ومن هذه المفاهيم: أولا: التفرق في الدين: اى اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين، وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف،على مستوى أصول الدين ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة كما في قوله تعالى ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104). ثانيا: تكفير المخالف في المذهب ،وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). ثالثا: التعصب المذهبي: وهو ما ذمه علماء أهل السنة، يقول ابن القيِّم( وأما المتعصِّب الذي جعل قولَ متبوعة عيارًا على الكتاب والسُّنة وأقوالِ الصحابة، يزِنُها به ، فما وافق قول متبوعة منها قبِلَه، وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصَّواب؛ وإن قال – وهو الواقع -: اتَّبعته وقلَّدته، ولا أدري أعلى صوابٍ هو أم لا؟ فالعُهْدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السُّؤال لك عمَّا حكمت به بين عباد الله، وأفتيتهم به ؟ فو الله إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلاَّ مَن عرف الحق، وحكم به ، وأفتى به ، وأما من عداهما فسيَعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء )(إعلام الموقِّعين” 2/ 232).

ثالثا:الإطلاق البدعى للإرجاء: وهناك الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، من خلال عدم الالتزام بالضبط الشرعي لهذا المفهوم ، حيث أن الإرجاء في اللغة هو التأخير، وطبقا لهذا المعنى اللغوي، فان هذا المفهوم هو مفهوم شرعي ، أشارت إليه النصوص كما فى قوله تعالى(إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)( إبراهيم :42)، ورد في تفسير الطبري ( يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا يُؤَخِّر رَبّك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَك وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتك , لِيَوْمٍ تَشْخَص فِيهِ الْأَبْصَار . يَقُول : إِنَّمَا يُؤَخِّر عِقَابهمْ وَإِنْزَال الْعَذَاب بِهِمْ , إِلَى يَوْم تَشْخَص فِيهِ أَبْصَار الْخَلْق ; وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة ) ، لكنه اكتسب في مراحل تاليه معنى اصطلاحي بدعي ، مخالف للمعنى الذي فهمه السلف الصالح من المفهوم.

ا/ في ماضي الامه (المرجئة) : ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، في ماضي الامه في مذهب المرجئة ، والذي يفصل الإيمان عن العمل ، حيث يقول ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة)،أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة، ويقول (ان الإيمان اعتقاد، وان من أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ومن أهل الجنة(.

ب/ فى حاضر الامه (مذهب الطاعة المطلقة ومخالفه الضبط الشرعى للطاعه ” مذهب الطاعه المقيده”) : كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، في حاضر الامه – في المجال السياسى – فى مذهب الطاعة المطلقة الذي مضمونه افتراض أن الإسلام اوجب طاعة الحاكم طاعة مطلقه استنادا إلى العديد من الادله كقوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم)،غير أن طاعة أولى الأمر في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه كما يتصور أنصار هذا الموقف ، بل هي مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ،يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) . ويقول ابن تيمية ان أهل السنة : (لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به ، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة ، فلا يُجوّزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلاً … فأهل السنة لا يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً ، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، كما قال (تعالى) : ” أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ” [النساء : 59] ،فأمر بطاعة الله مطلقاً ، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله : ” مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ” [النساء : 80] ، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك ، فقال : ] وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ ، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة ، لأن ولي الأمر لا يُطاع طاعة مطلقة ، إنما يُطاع في المعروف) (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية :3/387).

 مفهوم الدعوة : وقد عبر البعض عن هذا المستوى أيضا بمصطلح الدعوة ، وهنا يجب ملاحظه  أن الحديث هنا عن الدعوة كمرحله لا كفرض ، إذ أن الدعوة كفرض باقية إلى يوم الدين، وأن الدعوة هنا ليست دعوة كفار أو مشركين إلى الإسلام  ، بل دعوة للمسلمين بالارتقاء من بواقعهم مما هو كائن(الاستضعاف- الاستكبار) إلى ما ينبغي ان يكون(الاستخلاف) كما سبق ذكره .

مفهوم الجماعة : كما أن هذه الدعوة ليست فردية فقط ، بل  أيضا هي دعوة اجتماعية منظمة ، اى تتم عبر جماعه ، ودليل ذلك بيعة النصح لكل مسلم في السيرة  ، التي هي جزء من بيعة المسلمين للرسول (صلى الله عليه وسلم) على أعمال الإسلام ، فقد أخرج أبو عوانة في مسنده الجزء الأول أن جرير بن عبد الله تحدث يوم مات المغيرة بن شعبة فقال (أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له فإني بايعت بيدي هذه على الإسلام واشترط على النصح لكل مسلم فورب الكعبة إني ناصح لكم أجمعين) (أخرج البخاري أتم منه، الجزء الأول). وإذا كانت هذه البيعة للرسول (صلى الله عليه وسلم ) فإن كل مسلم مأمور بالنصح كشرط للإسلام، غير أن  الجماعة هنا ليست جماعه المسلمين بل جماعه من المسلمين، كما مفهوم الجماعة هنا لا يفيد الوحدة المطلقة،بل الوحدة المقيدة  ، التي تجمع بين الوحدة والتعدد  ، من خلال وجوب الاتفاق على أصول الدين التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده  وأنا ربكم فاعبدون ، مع أباحه الاختلاف في فروع الدين ، والتي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة , ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المائدة:48) .

ب/ المستوى العملي:  وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة ، ومضمونه الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن، والممكن هنا هو تنفيذ ما يتيح الواقع تنفيذه ، من حلول نظريه للمشاكل التي يطرحها الواقع ،وبعبارة أخرى اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه تحقيق أهداف الامه .

ثانيا: مرحلة ما ينبغي أن يكون( العزم) : أما المرحلة الثانية فهي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي ان يكون كما في قوله تعالى(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور)( لقمان: 17) وقوله تعالى( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، ومن أدلتها  أيضا قوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (الأنفال: 72)، فالآية ميزت بين جماعة الذين آمنوا ولم يهاجروا ، التي تمثل مرحله الممكن”الاستطاعة” ، وجماعة المهاجرين التي تجسد مرحله ما ينبغي ان يكون” العزم”. وفي السيرة تبدأ  مرحله العزم أو ما ينبغي ان يكون في مستواها العملي ببيعتي النصرة للأنصار والهجرة للمهاجرين ، وتستمر حتى تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلي ذلك. و وهذه المرحلة لها مستويان :ا/ المستوى العملي: وهو المستوى الاصلى  لهذه المرحلة، ومضمونه الانتقال مما هو ممكن إلى مرحله ما ينبغي أن يكون ،وما ينبغي أن يكون هنا هو تنفيذ كل الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها الواقع ، وبعبارة أخرى التحقيق  الكامل لكل أهداف الامه. ب/المستوى الاعتقادى: وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة، ومضمونه الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل الجديدة التي يطرحها الواقع بعد تغييره، أو تحديد الأهداف الجديدة للامه بعد تحقق الأهداف السابقة.فهو تعبير عن استمرار الاجتهاد

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s