منهج التغيير الاسلامى ومفهومي الجماعة والاستخلاف: نحو جماعه للاستخلاف الاسلامى

tampon

منهج التغيير الاسلامى ومفهومي الجماعة والاستخلاف: نحو جماعه للاستخلاف الاسلامى

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@hotmail.com

منهج التغيير الاسلامى والاستخلاف :

الاستخلاف كهدف لمنهج التغيير الاسلامى: يهدف منهج التغيير الإسلامي إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان،من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار: السياسي،الاقتصادي  ،الاجتماعي …  والذي يمثل ما هو كائن ، إلى الاستخلاف بكل أبعاده: السياسية ،الاقتصادية ،الاجتماعية … والذي يمثل ما ينبغي آن يكون.

شروط الاستخلاف: ويترتب على هذا أن منهج التغيير الاسلامى يتضمن  المعرفه والالتزام بشروط الاستخلاف، غير ان شروط الاستخلاف تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : شروط نصيه مطلقه: تولى بيانها الوحي ، و منهج التغيير الاسلامى قائم هنا على الالتزام بهذه الشروط

القسم الثاني : شروط اجتهادية  مقيدة : ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فى وضعها ، بما يتفق مع واقعهم ،ولا يتعارض مع الشروط النصية المطلقة  ، وتتضمن شروط استخلاف الامه في مكان معين ” كالامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “كالحاضر”، وهى تتمثل – فيما يتعلق بالبعد السياسي  للاستخلاف – في الحرية كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه” ، والاستيطاني ” ومنه الاحتلال الصهيوني لفلسطين”) ، كمظاهر للاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي..كما تتمثل – فيما يتصل بالبعد الاقتصادي للاستخلاف في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي ، كمظاهر للاستضعاف- الاستكبار الاقتصادي. كما يتمثل – فيما يتصل بالبعد الاجتماعي للاستخلاف – في الوحدة كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت. كما يتمثل- فيما يتصل بالبعد الحضاري للاستخلاف – في الجمع بين الاصاله والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد  ، كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود والتغريب الحضاري ( كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الحضاري).

خصائص منهج التغيير الاسلامى:

التوازن في علاقات التغيير:  يقوم منهج التغيير الاسلامى – استنادا إلى مفهوم الوسطية – على التأكيد على القيمة المتساوية لطرفي نسق العلاقات التي تشكل جوهر عمليه التغيير: كالفكري(النظري) والعملي(التطبيقي)، والوحدة والتغاير(التعدد)،والمرحلية والاستمرارية، والعلني والسري، والأهداف والوسائل،والاستراتيجيه والتكتيك.. فيجعل العلاقة بينها علاقة تأثير متبادل، ولا يؤكد على طرف ليلغى أخر ، وفى حاله قوله باولويه طرف على آخر فانه يقصد بالاولويه اولويه ترتيب لا اولويه تفضيل، اى يجعل العلاقة بين أطراف هذه العلاقات علاقة توازن . أما المناهج التي تتطرف في التأكيد على طرف معين لدرجه إلغاء الطرف الأخر، اى تجعل العلاقة بين أطراف هذه العلاقات علاقة اختلال، نتيجة لتحويلها ل هذا الطرف أو ذاك إلى مطلق اى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، فهي تتعارض مع جوهر منهج التغيير الاسلامى

تعدد أساليب التغيير: كما يقوم  منهج التغير الاسلامى على تعدد أساليب التغيير(كأساليب التغيير الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو التربوي…)، وبالتالي فان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين يجب أن يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى . وهو ما أقرته العديد من النصوص،  كقوله تعالى( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )(التوبة : 122

التدرج:  وهذا التغيير لا يتم بالقفز على الواقع، بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، وهو ما يجب على المسلمين الأخذ به استنادا إلى قاعدة التدرج التي قررها الإسلام،وهنا يجب التمييز بين نوعين من أنواع التدرج:

أولا: التدرج في التشريع: اى التدرج في بيان درجه الإلزام في القاعدة الشرعية المعينة ( من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم أو من الندب إلى الوجوب…)،ومن أشكاله التدرج في بيان درجه الإلزام في شرب الخمر من الاباحه إلى الكراهة إلى التحريم ، غير ان هذا النوع من أنواع التدرج قد انتهى بختم النبوة بوفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم).

ثانيا :التدرج في التطبيق: اى التدرج في تطبيق القاعدة الشرعية وليس في بيان  درجه الإلزام في القاعدة  الشرعية ومن أدلته قول عمر بن عبد العزيز لابنه ( إنّ قومك قد شدّوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم ، لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي ، من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ، ويحيي فيه سنة ، حتى يحكم الله بيننا ، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين )(حلية الأولياء  5/282 ) (صفة الصفوة لابن الجوزي 2/128 ).

وبناءا على فان هناك مرحلتين أساسيتين للتغير، لكل منهما خصائص معينه على المستويين الاعتقادى والعملي:

أولا: مرحله الممكن( الاستطاعة):المرحلة الأولى هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير القران والسنة لقواعد: أولا: الاستطاعة(فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ)، وقال (صلى الله عليه وسلم) ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )(متفق عليه). ثانيا: رفع الحرج (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(المائدة: 6 )، ثالثا:الوسع (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(البقرة: 286 ، يقول ابن كثير( وَقَوْله ” لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا ” أَيْ لَا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ).

وهذه المرحلة لها مستويان:

ا/ المستوى الاعتقادى:  وهو المستوى الاصلى لهذه المرحلة ، ذلك أن منهج المعرفة الإسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل ، والإيمان على العمل (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات), وبالتالي فانه طبقا له فان  تغيير الفكر سابق على تغيير الواقع .

المضمون: ومضمون هذا المستوى هو – على المستوى النافي – تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى “المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى” ، كما أن مضمونه –على المستوى المثبت- هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي ” المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي” ( على المستوى الفكري) ، والاجتهاد في وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع(على المستوى الاشكالى)،والتحديد  النظري لأهداف الامه (على المستوى الغائي) ..

 الصيغ :هذا المضمون يتحقق من خلال صيغ متعددة ، تجمع بين الوحدة والتعدد، بدرجات متفاوتة، يتم الأخذ باى منها حسب الإمكانيات التي يتيحها الواقع ، منها الحوار بين الباحثين والكتاب والمفكرين من اجل الالتقاء على ما هو مشترك من ثوابت الامه. ومنها إيجاد وسائل نشاط ثقافي متنوعة ( كالصحف والمجلات والكتب والجمعيات الثقافية والمواقع الالكترونية والإذاعات والقنوات الفضائية…) تجسد النشاط الفكري لأداه تنظيميه واحده،
 مفهوم الدعوة : وقد عبر البعض عن هذا المستوى أيضا بمصطلح الدعوة .

التمييز بين الدعوة كمرحله للتغيير وكفرض: وهنا يجب ملاحظه  أن الحديث هنا عن الدعوة كمرحله من مراحل التغيير لا كفرض ، إذ أن الدعوة كفرض باقية إلى يوم الدين، وأن الدعوة هنا ليست دعوة كفار أو مشركين إلى الإسلام  ، بل دعوة للمسلمين بالارتقاء من بواقعهم مما هو كائن(الاستضعاف- الاستكبار) إلى ما ينبغي أن يكون(الاستخلاف) كما سبق ذكره .

مفهوم الجماعة : و هذه الدعوة ليست فردية فقط ، بل  أيضا هي دعوة جماعية منظمة ، اى تتم عبر جماعه، اى جماعه للدعوة إلى الاستخلاف الاسلامى ، ودليل ذلك بيعة النصح لكل مسلم في السيرة  ، التي هي جزء من بيعة المسلمين للرسول(صلى الله عليه وسلم) على أعمال الإسلام ، فقد أخرج أبو عوانة في مسنده الجزء الأول أن جرير بن عبد الله تحدث يوم مات المغيرة بن شعبة فقال (أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له فإني بايعت بيدي هذه على الإسلام واشترط على النصح لكل مسلم فورب الكعبة إني ناصح لكم أجمعين) (أخرج البخاري أتم منه). وإذا كانت هذه البيعة للرسول (صلى الله عليه وسلم ) فإن كل مسلم مأمور بالنصح كشرط للإسلام.

جماعه المسلمين وجماعه من المسلمين : غير أنه يجب التمييز هنا بين جماعه المسلمين( المسئولة -آصاله -عن تحقيق الاستخلاف) ، وجماعه من المسلمين(التي تقتصر مسئوليتها  هنا على دعوه جماعه  المسلمين إلى تحقيق الاستخلاف ).

الوحدة المقيدة : كما مفهوم الجماعة هنا لا يفيد الوحدة المطلقة،بل الوحدة المقيدة  ، التي تجمع بين الوحدة والتعدد  ، من خلال وجوب الاتفاق على أصول الدين التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده  وأنا ربكم فاعبدون ، مع أباحه الاختلاف في فروع الدين ، والتي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة , ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾(المائدة 48 . ). فجماعه الدعوة إلى الاستخلاف إذا هي جماعه واحده على مستوى الأصول، وجماعات متعددة عل مستوى الفروع,

ب/ المستوى العملي:   وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة .

المضمون: ومضمون هذا المستوى الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن، والممكن هنا هو تنفيذ ما يتيح الواقع تنفيذه ، من حلول نظريه للمشاكل التي يطرحها الواقع ،وبعبارة أخرى اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه تحقيق أهداف الامه .والحديث  هنا عن جماعه “على مستوى الأصول “، او جماعات”على مستوى الفروع ”  لتحقيق الاستخلاف الاسلامى بالتبعية – اى من حيث هي طليعة الامه ” المسئولة بالاصاله عن تحقيق الاستخلاف” .

الصيغ: هذا المضمون يتحقق أيضا من خلال صيغ متعددة ، تجمع بين الوحدة والتعدد، بدرجات متفاوتة، يتم الأخذ باى منها حسب الإمكانيات التي يتيحها الواقع ،منها : التعاون دون الاندماج بين أدوات متعددة فكريا وتنظيميا “بالالتقاء بين التيارات الفكرية المتعددة على ما هو مشترك من أهداف الامه”(العمل الجبهوى). ومنها التعاون او الاندماج بين أدوات متحدة فكريا ” تتبنى ذات الفكر بدرجات متفاوتة ” ومتعددة تنظيميا . ومنها إيجاد أدوات “متنوعة” تجسد النشاط السياسي لذات الاداه “الواحدة”.

ثانيا: مرحلة ما ينبغي أن يكون( العزم) : أما المرحلة الثانية فهي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي ان يكون كما في قوله تعالى(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور)( لقمان: 17) وقوله تعالى( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى:  43  ، ومن أدلتها  أيضا قوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾(الأنفال  72)، فالآية ميزت بين جماعة الذين آمنوا ولم يهاجروا ، التي تمثل مرحله الممكن “الاستطاعة” ، وجماعة المهاجرين التي تجسد مرحله ما ينبغي ان يكون” العزم”.  وفي السيرة تبدأ  مرحله العزم أو ما ينبغي ان يكون في مستواها العملي ببيعتي النصرة للأنصار والهجرة للمهاجرين ، وتستمر حتى تكوين دولة الإسلام في المدينة وما تلي ذلك. و وهذه المرحلة لها مستويان :

االمستوى العملي: وهو المستوى الاصلى  لهذه المرحلة.

المضمون: ومضمون هذا المستوى الانتقال مما هو ممكن إلى مرحله ما ينبغي أن يكون ،وما ينبغي أن يكون هنا هو تنفيذ كل الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها الواقع ، وبعبارة أخرى التحقيق  الكامل لكل أهداف الامه.

الصيغ: هذا المضمون يتحقق أيضا من خلال صيغ متعددة أهمها إيجاد أداه واحدة تجسد نشاطها السياسي من خلال أدوات متنوعة، تنبثق من القاعدة التي تشكلت في المرحلة السابقة وعبر أدواتها،وتسند إلى الوحدة الفكرية التي حققتها تلك المرحلة عبر دواتها.

ب/المستوى الاعتقادى :  وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة.

المضمون: ومضمون هذا المستوى هو الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل الجديدة التي يطرحها الواقع بعد تغييره، أو تحديد الأهداف الجديدة للامه بعد تحقق الأهداف السابقة.فهو تعبير عن استمرار الاجتهاد.

الصيغ: هذا المضمون يتحقق أيضا من خلال صيغ متعددة أهمها إيجاد أداه تجسد استمرار النشاط الفكري،بمضمونه الجديد،عبر أدوات النشاط الثقافي السابقة الذكر، أو من خلال إيجاد أدوات جديدة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s