الجماعات الاسلاميه بين المذاهب والشيع :دراسة عن بدعه وفتنه التفرق في الدين

tampon

الجماعات الاسلاميه بين المذاهب والشيع :دراسة عن بدعه وفتنه التفرق في الدين

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@hotmail.com

تمهيد: لمصطلح “الجماعات- الحركات- الاسلاميه “،والتعدد الذى يفيده دلالالتين:

الدلاله الاولى : الدلاله البدعيه: التفرق فى الدين (الشيع): الدلاله الاولى تفيد الاختلاف ” التعدد” على مستوى اصول الدين ،التى مصدرها النصوص يقينيه الورود قطعيه الدلاله، وهو مضمون التفرق فى الدين المنهى عنه فى كثير من النصوص كما سنوضح ادناه، وطبقا لهذه الدلاله فان مصطلح “الجماعات الاسلاميه “يقارب او يقابل مصطلح “الشيع” فى القران الكريم .

ادله النهى عن التفرق فى الدين :

فى القران الكريم : قال تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (الأنعام: 159)،وقال تعالى( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ،وقال تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)

في كتب التفسير : ورد في تفسير ابن كثير  عند قوله تعالى “وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَات ” (… يَنْهَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّة أَنْ يَكُونُوا كَالْأُمَمِ الْمَاضِيَة فِي اِفْتِرَاقهمْ وَاخْتِلَافهمْ وَتَرْكهمْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مَعَ قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ) ، كما ورد عند قوله تعالى”انَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ “(… وَالظَّاهِر أَنَّ الْآيَة عَامَّة فِي كُلّ مَنْ فَارَقَ دِين اللَّه وَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ فَإِنَّ اللَّه بَعَثَ رَسُوله بِالْهُدَى وَدِين الْحَقّ لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّين كُلّه وَشَرْعه وَاحِد لَا اِخْتِلَاف فِيهِ وَلَا اِفْتِرَاق فَمَنْ اِخْتَلَفَ فِيهِ وَكَانُوا شِيَعًا أَيْ فِرَقًا كَأَهْلِ الْمِلَل وَالنِّحَل وَالْأَهْوَاء وَالضَّلَالَات فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ بَرَّأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا هُمْ فِيهِ )، كما ورد فى موضع اخرمن تفسير ابن كثير (…فَأَهْل الْأَدْيَان قَبْلنَا اِخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنهمْ عَلَى آرَاء وَمُثُل بَاطِلَة . وَكُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ تَزْعُم أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء وَهَذِهِ الْأُمَّة أَيْضًا اِخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنهمْ عَلَى نِحَل كُلّهَا ضَلَالَة إِلَّا وَاحِدَة وَهُمْ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة الْمُتَمَسِّكُونَ بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْر الْأَوَّل مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَدِيم الدَّهْر وَحَدِيثه كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه أَنَّهُ سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفِرْقَة النَّاجِيَة مِنْهُمْ فَقَالَ ” مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْم وَأَصْحَابِي” ..).كما ورد في تفسير الطبري عند قوله تعالى” وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ “( يَقُول : وَلَا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينهمْ , وَخَالَفُوهُ فَفَارَقُوهُ ” وَكَانُوا شِيَعًا ” يَقُول : وَكَانُوا أَحْزَابًا فِرَقًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل … وَقَوْله : ” كُلّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ” يَقُول : كُلّ طَائِفَة وَفِرْقَة مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينهمْ الْحَقّ , فَأَحْدَثُوا الْبِدَع الَّتِي أَحْدَثُوا بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . يَقُول : بِمَا هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ مِنْ الْمَذْهَب , فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ , يَحْسِبُونَ أَنَّ الصَّوَاب مَعَهُمْ دُون غَيْرهمْ .)

في السنة النبوية :عن معاوية بن أبي سفيان( رضي الله عنه) قال( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لا إن من قبلكم من أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) ، وزاد في رواية(وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» ).  وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم)(إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا : فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا . ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال )، وعن أسامة بن شريك( رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه ).

في أقوال السلف وعلماء أهل السنة : عن ابن عباس( رضي الله عنهما) في قوله تعالى”ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن” وفي قوله” أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه “(أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة) ،وقال ابن كثير قوله تعالى” ولا تفرقوا..” ( أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة) ، وقال أيضا(خيف عليهم الافتراق والاختلاف فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة: منها فرقة ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه) .

ذم  العلماء المحدثين للدلالة البدعيه للمصطلح : وقد ذم بعض العلماء المحدثين الدلالة البدعيه لمصطلح “الجماعات الاسلاميه “ ،والتي  تفيد الاختلاف ” التعدد” على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة،اى التفرق في الدين: يقول الشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني ردا على السؤال :  ما هو حكم الشرع في تعدد هده الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية … ؟ (… لا يخفى على كل مسلم عارف بالكتاب والسنة وما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، أن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار أولاً والمناهج والأساليب ثانياً ، فليس من الإسلام في شئ ، بل ذلك مما نهى عنه ربنا عز وجل في أكثر من آية في القرآن الكريم منها قوله تعالى” ولا تَكونُوا مِن المشركِـين من الذِيْنَ فَرَّقُوا دِينَهُم وكَانُوا شِيَعَاً كل حِزب بِما لَدَيهم فَرحُون.. .)، ويقول في حديث حذيفة “فاعتزِل تلك الفرق كُلّها ” ( في هذا الحديث أنَّ المسلم إذا أدرك مثل هذا الوضع؛ فعليه حينذاك ألاَّ يتحزَّب، وألاَّ يتكتَّل مع أي جماعة أو مع أي فرقة، مادام أنـَّه لا توجد الجماعة التي عليها إمام مبايع من المسلمين) .(الدَّعوة إلى الله لعلي الحلبي الأثري ، ص 98) ، ويقول الشيخ /محمد بن صالح العثيمين ردا على السؤال: هل هناك نصوص في كتاب الله وسُنَّة نبيِّه – صلى الله عليه وسلم – فيها إباحة تعدُّد الجماعات الإسلامية ؟ ( ليس في الكتاب والسُنَّة ما يبيح تعدُّد الجماعات والأحزاب ، بل إنَّ في الكتاب والسُنَّة ما يَذُمّ ذلك ، قال تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..”.ولا شكَّ أنَّ هذه الأحزاب تنافي ما أمر الله ، بل ما حثَّ الله عليه في قوله” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ “، ولا سيّما حينما ننظر إلى آثار هذا التفرُّق والتحزُّب حيث كان كُلّ حزب وكُلُّ فريق يرمي الآخر بالتشنيع والسبِّ والتفسيق، وربما بما هو أعظم من ذلك، لذلك فإنَّنِي أرى أنَّ هذا التحزُّبَ خطأٌ ) (مجلَّة الجندي المسلم ، العدد 83 في ربيع الأوَّل عام 1417 هـ)

التفرق في الدين بدعه:  وهذا التفرق في الدين الذي نهت عنه النصوص –و الذي هو مضمون الدلالة الأولى البدعيه لمصطلح الجماعات الاسلاميههو بدعه  ، لذا ربط  علماء أھل السنة بین التفرق فى الدين و البدعھ ، یقول ابن تیمیة(والبدع مقرونة بالفرقة , كما أن السنة مقرونة بالجماعة , فیقال : أھل السنة والجماعة , كما یقال : أھل البدعة والفرقة)( الإستقامة:1/ 42)، ویقول ألشاطبي ( الفرقة من أخس أوصاف المبتدعة) ( الاعتصام ) ، ویقول بن المبارك(أھل الحق لیس فیھم اختلاف)( جامع البیان ).

المصطلح  طارىْ ومحدث–لفظا-  :  كما ان مصطلح – الجماعات / الحركات الاسلاميه – من ناحيه لفظيه -.محدث و وطارىء فى تاريخ الامه ، وطوال التاريخ الاسلامى ، حيث لم يرد لفظ “اسلامى: داعيه اسلامى ، مفكر اسلامى…” أو “إسلاميين:جماعات او حركات اسلاميه …” كصيغه نسب لمفرد او جماعه من البشر فى القران أو ألسنه  أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)، . وإذا كان بعض العلماء المسلمين فى مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضى الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام ابو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين – بما في ذلك  الفرق التي تختلف مع أهل السنة والجماعة كالشيعة، والخوارج والمرجئة والمعتزلة،مع تركيزه على المذاهب الاعتقاديه (الكلامية) المختلفة لهذه الفرق،وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصره التى تقتصر على فئه معينه من المسلمين – على تعددها -ولا تمتد وتشمل كل المسلمين.

 كما ان المسلمين استخدموا المصطلحات ألقرانيه (المسلم المسلمين) في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات، أما الجماعات  التي تلتزم  بأحد المذاهب الاسلاميه،التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة،فقد نسبوها إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام .

التفرق في الدين فتنه : كما أن التفرق في الدين – باعتبار بدعيته – هو احد أسباب الفتن،  لان البدع فى الدين من أهم أسباب الفتن  كما يقرر الامام ابن تيمية الذى يقول (…. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها، ومن تبعهم من العامة من الفتن: هذا أصلها، يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي: التي هي الأهواء الدينية والشهوانية، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا، وذلك أن أسباب الضلال والغي البدع في الدين، والفجور في الدنيا، وهي مشتركة: تعم بني آدم، لما فيهم من الظلم والجهل) ،كما أن التفرق في الدين هو في ذاته فتنه، بل من أعظم الفتن كما يقرر الإمام ابن تيميه حيث يقول(وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا).

الفرقة الناجية هي جماعه المسلمين وليست جماعه من المسلمين: وقد دأبت الجماعات الاسلاميه- أو اغلبها- على وصف نفسها- صراحة أو ضمنا علنا أو سرا- وعلى وجه الانفراد وليس الاشتراك ، بأنها الفرقة الناجية التي أشارت إليها العديد من النصوص كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا إن من قبلكم من أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) ،وهذا التفسير للفرقة الناجية يتعارض مع ظاهر هذه النصوص ، الذي يفيد ان معيار الفرق التي فئ النار هو التفرق في الدين”الافتراق إلى ثنتان وسبعون مله ” ، كما أن معيار الفرقة التي في الجنة (الفرقة الناجية )هو الوحدة وعدم التفرق في الدين”لذا وصفتها هذه النصوص بأنها واحده “،وكما سبق ذكره فان مضمون الدلاله البدعيه لمصطلح “الجماعات الاسلاميه ” هو التفرق فى الدين.كما ان الكثير من روايات هذه النصوص- كما في الرواية السابقة الذكر– يفيد صراحة أن الفرق الناجية هى جماعه المسلمين فى كل مكان وزمان ، وليست جماعه من المسلمين فى مكان وزمان معين ، وقد أكد العلماء هذا التفسير  – الصحيح-  للفرقة الناجية ، وأضافوا ان جماعه المسلمين فى كل زمان ومكان تتمثل في أهل السنة والجماعة،ورد فى تفسير ابن كثير (…فَأَهْل الْأَدْيَان قَبْلنَا اِخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنهمْ عَلَى آرَاء وَمُثُل بَاطِلَة . وَكُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ تَزْعُم أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء وَهَذِهِ الْأُمَّة أَيْضًا اِخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنهمْ عَلَى نِحَل كُلّهَا ضَلَالَة إِلَّا وَاحِدَة وَهُمْ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة الْمُتَمَسِّكُونَ بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْر الْأَوَّل مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَدِيم الدَّهْر وَحَدِيثه كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه أَنَّهُ سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفِرْقَة النَّاجِيَة مِنْهُمْ فَقَالَ ” مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْم وَأَصْحَابِي”) ، وهنا نشير الى ان مذهب التضييق المذهبي لمصطلح “أهل السنة ” ،الذي يقصر وصف “أهل السنة” على مذهب معين، دون غيره من مذاهب آهل السنة، يتعارض مع  التفسير الصحيح للفرقة الناحية (والذي مضمونه أن الفرقة الناجية هي جماعه المسلمين فى كل زمان ومكان وليست جماعه من المسلمين في مكان وزمان معينين ) ، والمذهب الذى يتسق مع هذا التفسير هو مذهب الشمول الشرعي الذي قرره العلماء والذي مضمونه ان لمصطلح ” أهل السنة” دلالتين :

دلالة خاصة :وتتمثل في وصف مذهب معين بمصطلح ” أهل السنة ” – على وجه الاشتراك لا الانفراد – ومثال لها قول الإمام ابن تيميه ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر ،وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة).

 دلالة عامة : مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب وألسنه ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346) ،وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير” الاشعرى ” أساسه العقدي، وطبقا لهذه الدلاله لا يخرج من دائرة أهل السنة إلا المذاهب  القائمة على بدعه : كالخوارج والشيعة والمرجئة والتصوف القائم على العقائد الاجنبيه، كالحلول والاتحاد ووحده الوجود،وهنا نستأنس بقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221). فالامام ابن تيميه يعتبر أن التصوف السني أو جزء غالب منه، يندرج تحت هذه  الدلالة العامة لمصطلح أهل السنة ، حيث يقول انه نقل التكلم بالتصوف عددا من ائمه أهل السنة ( أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة ، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما ، وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى) (مجموع الفتاوى / 11/ ص 5 )،كما يضع التصوف مع باقي مذاهب وفرق أهل السنة فى كثير من النصوص،  كما في قوله(وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف ، فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم ، وهم المتبعون للرسالة إتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه) ( مجموع الفتاوى / 12 / 36). كما يعتبر الإمام ابن تيميه أن المذهب الاشعرى هو احد مذاهب أهل السنه ،طبقا لمعيار نسبى مضمونه أن الاشاعره هم أهل السنه في البلاد التي يكون فيها أهل البدع هم المعتزلة والرافضة حيث يقول (… فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم )(نقض تأسيس المطبوع/2/87)، ويذكر عن الاشاعره أنهم من المتكلمين (المنتسبين إلى السنة )( الجواب الصحيح /1/252) . كما اقر بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنه العديد من علماء المذهب الحنبلى  منهم العلامة السفاريني الحنبلي الذى يقول ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق:   الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه  ،  والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ،  والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) ، والعلامة المواهبي الحنبلي الذى يقول (طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) (العين والأثر ).

الدلالة الثانية: الدلالة الاجتهادية (المذاهب): اما الدلاله الثانيه لمصطلح”الجماعات الاسلاميه” فتفيد الاختلاف ” التعدد” على مستوى فروع الدين، التى مصدرها النصوص الظنيه الورود والدلاله ، وهو ما اقره الاسلام من خلال اقراره لمفهوم الاجتهاد ،يقول ابن مفلح( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)[الآداب الشرعية 1/186]. وطبقا  لهذه الدلاله فان مصطلح “الجماعات الاسلاميه “يقارب او يقابل مصطلح المذاهب.ولهذه ضوابط شرعيه منها:

جماعه  من المسلمين وليست جماعه المسلمين: أن اى جماعه- او جماعات- تنسب نفسها إلى الإسلام ، لا تصبح  بذلك جماعه المسلمين، بل هى – بعد التزامها بمفاهيم وقيم وقواعد الدين – جماعه من المسلمين.

عدم التكفيرالمخالف: أن لا يترتب على وصف اى جماعه- او جماعات –  بانها اسلاميه تكفير  المخالف لها في المذهب لورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (ترجم له البخاري) .

لا عصمه لاحد بعد الانبياء: إن وصف اى جماعه – او جماعات – بانها اسلاميه لا يعنى ان أفرادها  اصبحوا معصومين عن الخطأ ، إذ لا عصمه لأحد بعد الأنبياء، و القول بذلك يعنى المساواة بينهم وبين الأنبياء والرسل فى الدرجه.

الالتزام بالمنهج التقويمي:  ، ويترتب على ما سبق ان على الجماعات التى توصف بانها اسلاميه –  ان تلتزم – كغيرها من أفراد وجماعات المسلمين  – بالمنهج التقويمي  الذي مضمونه تجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على قبول الصواب، ورفض  الخطأ قال تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقال صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)،هذا التقويم له قسمان : الأول هو التقويم الموضوعي ومضمونه تقويم الآخرين  لفرد أو جماعه، وقد  عبر عنه أبو ابكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). والقسم الثاني: التقويم الذاتي ومضمونه تقويم الفرد أو  الجماعة لذاتها كما في قوله تعالى( وما أبرّئ نفسي أنّ النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربّي )(يوسف: 53) وقوله صلى الله عليه وسلم( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا).

دعوة الى مذهب اسلامى وليست دعوه الى الدين الاسلامى : انه يجب على الجماعات التى توصف بانها اسلاميه ان تمييز بين دلالتين لمصطلح الدعوة : الدلالة الأولى للمصطلح المخاطب فيها غير المسلم ، ومضمونها دعوه الكفار والمشركين إلى الإسلام كدين، والدلالة الثانية للمصطلح المخاطب فيها المسلم، ومضمونها دعوة للمسلمين الى الارتقاء بواقعهم مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، فهى- بنشاطها فى المجتمعات المسلمه- تدعو مسلمين الى مذهب- اجتهادى-ولوكان  اسلاميا-  خاصع للتغير خلال الزمان  وفى المكان، ولا تدعو غير مسلمين الى الاسلام كدين،اذ ان المخاطب فى الاخيره- كما اسلفنا- هم الكفار والمشركين .

لا كهنوت فى الإسلام: ان وصف  اى جماعه بانها اسلاميه  لا يعنى أنها  تنفرد بالسلطة الروحية ( أو السياسية ) دون الجماعة، لأنه شكل من أشكال الكهنوتية الذي يرفضها الإسلام، ذلك ان المصطلح الاسلامى- القرانى – المقابل لمصطلح السلطة الروحية أو السلطة الدينية فى الفكر السياسي الغربي الحديث والمعاصر هو مصطلح ” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر” ، وهذه السلطة  فى الاسلام مخوله  بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)، وهذا يعنى رفض الاسلام للكهنوتية التي تعنى  إسناد السلطة الدينية (و السياسية) إلى فرد أو فئة (عالم – علماء دين)، ينفرد او تنفرد بها دون الجماعة( فيتحول عالم –علماء الدين الى رجل – رجال دين )، يقول تعالى(واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ،بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم .

السياسه اجتهاديه وليس نصيه: أن وصف جماعه –او جماعات – بانها اسلاميه  لا ينفى كون نشاطها السياسي  ليس صراع ديني بين مسلمين وكفار، بل صراع سياسي يدور في إطار الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل التي يطرحها الواقع.هذا التقرير مبنى على تقرير أهل السنة أن الامامه( السلطة) من فروع الدين لا أصوله( بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم)، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها… ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) .ويقول الإيجي عن الامامه: ( وهي عندنا من الفروع  ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) .. كما هو مبنى على عدم نفى القران صفه الأيمان عن الطوائف المتصارعة” وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلي أمر الله”. كما هو مبنى على أن الصحابة  اختلفوا في مسالة السلطة إلي حد القتال(على بن أبى طالب ومعاوية- على وعائشة… رضي الله عنهم) دون أن يكفر احدهم الأخر.

تعدد أساليب التغيير: إن منهج التغير الاسلامى يقوم على تعدد أساليب التغيير (كأساليب التغيير الفكري و السياسي و الاجتماعي و التربوي…)،وبالتالي فان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين يجب أن يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى . وهو ما أقرته العديد من النصوص،  كقوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s