مظاهر التفكير الفلسفي عند الشيخ فرح ود تكتوك

tampon

سيرته الذاتية : هو الشيخ فرح بن محمد بن عيسى بن قدور بن عبدل بن عبد الله بن محمد الأبطح، أما اللقب ” تكتوك” ففيه عدة روايات :الرواية الأولى تقول أنه لقبٌ لأبيه لحق به ،أما الروايات الأخرى فتلصق اللقب به شخصيًا ، وتقول أرجح هذه الروايات أن سبب اللقب جاء من أن صدره كان “يتكتكً” من كثرة قراءة القرآن. وتختلف الروايات حول ميلاد الشيخ فرح ود تكوك ،والراجح منها أنه من مواليد القرن الحادي عشر الهجري بمنطقة سنار . درس الشيخ فرح ود تكتوك على يد عدد من أشهر فقهاء زمانه، منهم الشيخ “أرباب العقائد”، و”الخطيب عمار بن عبد الحفيظ”، و”الخطيب عبد اللطيف بن الخطيب عمار” .. وتنقل في بداية حياته في طلب العلم من مكان إلى آخر حتى استقر به المقام في قرية “الحجيرات” قريبًا من سنار، واجتمع حوله تلاميذ ومريدون ، شكل بهم مدرسة دينيه -اجتماعية قوامها العمل والكدح، ورفض التبطل والانقطاع. كانت وفاة الشيخ فرح يوم الواحد والعشرون من ربيع الثاني سنة 1147هـ ، وكان عمره عندها مائة وبضع سنين، وتم دفنه ظهر يوم الاثنين “بمشرع” مرسى الحجيرات، ويقع الآن قرب خزان سنار.
تعريف الفلسفه :
ا/ لغة: ترجع الدلالة الأصلية لمصطلح “فلسفة ” إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة، والمصطلح القرآني المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي هو مصطلح (حكمة)، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول(انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540.) ،غير انه لا حرج من استخدام مصطلح الفلسفه، ما دام هذا الاستخدام ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكليه ، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل، كما أن القران الكريم ذاته احتوى على عشرات الكلمات ذات الأصول الاعجميه كسندس وكرسي وإستبرق ..، كما الكثير من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة بدون حرج، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه) (البيهقي ، معرفة السنن والآثار :1/118. وابن عساكر ، تاريخ دمشق :51/350).
ب/ اصطلاحا: أما اصطلاحا فقد تعددت تعريفات الفلسفه ،والتعريف الذي نرجحه هو تعريفها بأنها الفلسفة بأنها: فاعليه أو نشاط معرفي ، يهدف إلى محاوله حل ذات المشاكل التي يطرحها واقع معين، لكن على مستوى معين، يتصف بالكلية والتجريد،(خصائص قضايا الفلسفة) ،وهى تهدف هنا إلى معرفه(نظريه المعرفة) الوجود: كما هو كائن(نظريه الوجود)، وكما ينبغي ان يكون (نظريه القيم)(فروع الفلسفة الاساسيه)، ومن خلال منهج استدلالي مضمونه الانتقال من مقدمات عقليه إلى نتائج عقليه، و يتصف بالعقلانية والمنطقية والنقدية والشك المنهحى(خصائص المنهج الفلسفي)، وهى تشكل بذلك نمط تفكير معين(هو نمط التفكير العقلاني) العلاقة بينه وبين انماط التفكير الأخرى(كنمط التفكير الديني ونمط التفكير العلمي) هي علاقة تحديد وتكامل لا إلغاء وتناقض..
مظاهر التفكير الفلسفي عند الشيخ فرح ود تكتوك : طبقا للتعريف السابق لمصطلح “الفلسفه” فإننا نجد الكثير من مظاهر التفكير الفلسفي عند الشيخ فرح ود تكتوك ،ومنها: رفضه للتفكير الاسطورى والتزامه بالتفكير العقلاني وخصائصه ، وخاصة الروح النقدية ،التي تجلت في دعوته للإصلاح الدينى والاجتماعي،وكونه مصدر لكثير من الحكم الشعبية والتي هي شكل من أشكال التفكير الفلسفي ،وفيما يلي نتناول هذه المظاهر بشي من التفصيل :
أولا: التفكير العقلاني والعلمي عند الشيخ فرح ود تكتوك : وقد تلازم مع رفض الشيخ فرح ود تكتوك لأنماط التفكير والسلوك البدعى ، رفضه لأنماط التفكير الخرافي والأسطوري، وأخذه بالتفكير العلمي والعقلاني – ومرجع هذا التلازم أن نمط التفكير البدعى يتضمن أنماط التفكير الخرافي والاسطورى ، ومن مظاهر التفكير العلمي عنده دعوته إلى الأخذ بالأسباب كما فى قوله (السكين أمان من السلب .. )،وقوله (الفطور مسمار القلب)، ومن مظاهر التفكير العقلاني عنده التزامه بالتفكير المنطقي ومثال له :شكا له احد المزارعين من ألم في يده واسم الرجل – ألبدري قائلا – اعزم على يدي يا شيخنا ، فمسك فرح يد البدري وشرع يعزم عليها :يا إيد البدري، قومي بدري إتوضي بدري ، صلي بدري، أزرعي بدري، حشي بدري، أحصدي بدري ،كدي شوفي كان تنقدري)
ثانيا: الشيخ فرح ود تكتوك فيلسوف الإصلاح الديني :
تحرير التصوف من أنماط التفكير والسلوك البدعى التي اختلطت به: ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في السودان، وأصبح التصوف وقيمه المعرفية والسلوكية “موضوعيا” أحد مكونات الشخصية الحضارية العامة السودانية، بصرف النظر عن الموقف “الذاتي”منه ، وهنا نجد أن الكثير من القيم الايجابية التي تميز الشخصية السودانية كالتعايش السلمي مع الأخر التسامح والتضامن مع الآخرين والزهد… مرجعها التصوف ، كما ساهم التصوف في حل مشكلة المعرفة بالإسلام ذاته، نسبه لجهل الناس بدلالات ألفاظ القران والحديث، وعدم فهم كتب التراث الإسلامي؛ نسبه لأسلوب تدوينها المختلف عما تعارف عليه الناس في عصرهم،وهو ما أدى إلى أن يصبحوا غير قادرين على استنباط قواعده ، ويمارسون حياتهم طبقاً لمذاهب فقهيه لم تحط بواقعهم القبلي والشعوبي، ولا تراثهم الحضاري بصوره تامَّة. فأكملوا ما لم يجدوا فيها بقواعد، وطرق، وتقاليد، وآداب سلوك تتفق بصوره عامة مع (روح) الإسلام؛ ولكنها أكثر تفصيلاً وأسهل إدراكاً يتبعها من (يريد) أن يتبعها( كطريقة) للتعامل مع غيره. غير أن واقع تخلف النمو الحضاري للمجتمع السوداني – نتيجة لعوامل داخليه وخارجية متفاعلة -، أدى إلى اختلاط التصوف ببعض أنماط التفكير البدعى ، متمثلا في شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام فيه؛ والتي تكتسب قدسية نسبتها إلى الدين، وقد دعي كثير من الصوفية أنفسهم – قبل غيرهم – إلى تحرير التصوف من هذه الأنماط الفكرية والسلوكية البدعيه التي اختلطت به (انظر على سبيل المثال د.عمر مسعود محمد التجانى، الحركات التصحيحية في التصوف الإسلامي، أفكار جديدة، هيئه الأعمال الفكرية، العدد14، مارس2006 ص152) ، وقد كان الشيح فرح ود تكتوك احد هؤلاء الصوفية الذين دعوا إلى تحرير التصوف من أنماط التفكير والسلوك البدعى التي اختلطت به – بالقول والعمل، وقد أخذت هذه الدعوة عنه مظاهر متعددة منها :
أولا:مناظراته مع بعض الشيوخ الذين تبنوا بعض الأفكار البدعيه ، ومنها مناظرته للشيخ (دكين) شيخ طائفة الملاماتيه ، التي تقوم على بدعه فصل الظاهر عن الباطن، من خلال إباحتها فعل المعاصي، باعتبار أن هذه الاباحه شكل من أشكال ستر حسن الباطن”الصلة الباطنية ” الذاتية”بالله تعالى” بقبح الظاهر”ممارسه المعاصي” .
ثانيا: مواجهته للفرق الضالة كمواجهته لجماعة (الزبالعة) وشيخهم (كرين ود عبد الله), والتي حرفت الدين باسم الفقه ، ونظم فيهم قوله ( يا أبَّان طريقةً مضللة* يا أبان عملاً ما هولي لله *وقت العنقريب فوقكم بله * ما بينفعكم كرين ود عبد الله )، اى( يا أصحاب الطريقة المضللة، يا أصحاب الأعمال التي ليس هي لله، عندما يحين أجلكم لن ينفعكم كرين بن عبد الله)
ثالثا: استنكاره لحياه التبطل واحتقار العمل عند بعض شيوخ الصوفية ومريدهم ، وعمله بيده إلى جانب تلاميذه ومريديه في الزراعة لتأمين قوت عامهم من الذرة .
نقد علماء السلطان:كما هاجم علماء السلطان فقال:
يا واقفًا عند أبواب السلاطين *** أرفق بنفسك من همٍ وتحزين
تأتي بنفسك في ذلٍ ومسكنة *** وكسر نفس وتخفيض وتهوين
من يطلب الخلق في إنجاز مصلحة **** أو دفع ضر فهذا في المجانين
وكم يحاكي لمسجون يدوم له **** وكم من السجن في أيدي المساجين
إن كنت تطلب عزاً لا فناء له **** فلا تقف عند أبواب الســـــــــــــلاطيـــن
خلِّ الملوك بدنياهم وما جمعوا *** وقم بدينك من فرض ومســــــــــــنون
استغن بالله عن دنيا الملوك كم ا*** أستغنى الملوك بدنياهم عن الدين
إلا الزم العلم والتقوى وما نتجت **** من الثمار تفز بالخرَّد العيـــــــــــــــــــــــن
رفض الاتجار بالدين : كما رفض الاتجار بالدين عند بعض العلماء ، و الذي يقوم على استخدام الدين كاداه لتحقيق غايات دنيويه من مال ومنصب وجاه ..حيث يقول .” دُب الفقير إما اتقى وأقبل على دار البقاء * دُب الفقير إن طلق الدرب وشال عصاتو ودخل الحرب ” ، اى ما أقبح عالم الدين الذي لم يتق الله، ولم يقبل على دار البقاء، ما أقبح الفقيه الذي ترك درب الرسول (صلى الله عليه وسلم )، وحمل عصاه ودخل في الصراعات الدنيوية من اجل المال والمناصب وغيرها.
ثالثا: الشيخ فرح ود تكتوك فيلسوف الإصلاح الاجتماعي:
التأكيد على قيمه العمل : أكد الشيخ فرح ود تكتوك على قيمة العمل والكسب وناهض التبطل ، وعمل مع مريديه في ألزراعه.
الدعوة إلى العدالة الاجتماعية : كما دعي– قولا وعملا- إلى العدالة الاجتماعية كقيمه حث عليها الإسلام كدين وان غابت- إلى حد ما – عن واقع المسلمين في مراحل متاجره،ومن مظاهر هذه الدعوة ، قيامه بتوزيع الأراضي التي منحها له السلطان على أتباعه وتلاميذه مقابل زراعتها وفلاحتها،وانحيازه إلى الفقراء لذا أطلق عليه اسم “فقير الترباله والرعوية ” اى شيخ المزارعين والرعاة،وتأكيده على قيمه العمل….
نقد المظاهر السلوكية السلبية : كما هاجم المظاهر السلوكية السلبية التي شاعت فى عصره مثل شرب الخمور وغيرها من خلال وصفه لأنواع الرجال : حيث يقول “الرجال فيهم بحور *وفيهم رخم فيهم صقور*وفيهم ردى ولد تكور* ضيع عمره فيشرب الخمور”
نظرته الموضوعية في المراه : كما تجاوزت نظرته إلى المرأة ، النظرة السلبية لها التي سادت في عصره ، والتي تسم جميع النساء بصفات سلبيه ، وقرر أن النساء ليسو سواء من ناحية الاتصاف بالصفات السلبية او الابجابيه ، وأنهن يختلفن – كما الرجال – من مراه إلى اخرى، فبعضهن خيرات وبعضهن شريرات ، حيث يقول : فيهم حريم / وفيهم رميم / وفيهم دهب مخزون قديم/ وفيهم عقارب ساكنات هشيم/ وفيهم هفوت /وفيهم لفوت /كأن جيت من الخلاء تجيك من البيوت/ لا تديك مقود ولا تخلى كلمتك تفوت.
استشراف المستقبل : وقد كانت للشيخ فرح ود تكتوك قدره على استشراف المستقبل، والتي قد يكون مصدرها امتلاكه لملكه الإلهام أو الحدس أو الكشف بالتعبير الصوفى أو الرؤية الصادقة بتعبير الحديث النبوي الشريف “الرؤية الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من أجزاء النبوة ” ، أو إعماله للاستقراء الحسي المستند إلى ألسببيه ، والاستدلال العقلاني المستند الى التفكير المنطقي . حيث تنبأ بالتغير في أنماط السلوك الاجتماعي في المجتمع السوداني فى القول المنسوب اليه “آخر الزمن شوف البقت،والنوق من الشيل دبرت، المحنة راحت ما قبلت، الجنى للوالدين جفت، العافى ليده ما تلفت،الحرة كالخادم مشت،مرقت بره انكشفت، راحوا لرجال تلت الجتت، والصح دروبه انسدت، كيف يلحقوك فقرا البخت “، كما تنبأ بالتغير الذي سيطال الطبيعة الجغرافية لنهر النيل في القول المنسوب اليه ” بكرة يجوك مقطوعين الطارى* ييسكونوك الضهارى ” ، بل قال بعض الباحثين أن القول المنسوب إليه ” آخر الزمن السفر يبق بالبيوت والكلام يبقى بالخيوط ” يتضمن تنبؤه بالقطار و التلفون..
رابعا: الشيخ فرح ود تكتوك فيلسوف الحكمة الشعبية السودانية:
تعريف المثل :يعرف المثل من ناحية اللفظ بأنه عبارة موجزه بسيطة، وقد تكون قائمه على نوع من الوزن( السجع). أما من ناحية المعنى فان المثل مكون من:الأفكار المكونة للمثل أو التي صيغ منها المثل: و هي أفكار قد تكون خياليه. الأفكار التي يهدف إلي بيانها المثل: وهى معادل موضوعي للواقع المعين، فهي أما تعبير عن حلول لمشاكل طرحها للواقع المعين، أو تعبير عن القيم الحضارية لمجتمع معين..والمثل او ألحكمه الشعبية هو شكل من أشكال التفكير الفلسفي – الشعبي .
الحكمة الشعبية عند الشيخ فرح ود تكتوك: ويتنسب للشيخ فرح ود تكتوك كثير من الحكم الشعبية السودانية ومنها :
• ” أكان الصح ما نجاك الكضب ما بنجيك” اى إذا لم ينجيك الصدق فان الكذب لن ينجيك وقصتها : أن رجل مطرود متبوع استنجد بالشيخ ،فنصحه بأن يختبئ تحت كومة من التبن ،وعندما وصل الذين كانوا في أثره سألوا الشيخ ان كان قد رآه، فأشار إلى كومة التبن فسخروا منه واستمروا في المطاردة ، وخرج الرجل من تحت التبن، وسال الشيخ : لماذا أشرت لهم إلى مكان اختبائي، فقال هذه المقولة.
• “كُل يا كمي قبال فمي” :وقصتها أن الشيخ دعي إلى وليمة في دار أحد الأعيان ، فلما وصل الدار منعه الحراس من الدخول لمظهره المتواضع، ظناً منهم انه متسولاً، فرجع الشيخ إلى داره وأحسن لباسه وعاد ففتحت له الأبواب واحسنوا ضيافته، فلما حضر الطعام مد الشيخ طرف قميصه من اليد (الكم) وصاح: كل يا كمى… كل يا كمى، فسأله الناس عن ذلك فروى لهم القصة.
• ( خربانة آم بنايةً قش ): وقصتها أن أحد الشباب أراد أن يختبر صبر الشيخ فتربص به، وبينما الشيخ يشييد راكوبة (مجلس من الأخشاب والبروش” نوع من السجاد المحلي المصنوع من الأشجار”) انتظره الشاب حتي انهي عمله ثم شرع في هدم ذلك البناء امام الشيخ، فلم يفعل الشيخ شيئاً له بل ساعده على الهدم، وردد المقولة قاصداً بذلك ان الدنيا كلها إلى خراب وزوال ولا تستحق الغضب.
• (الدنيا كان جادت بي خيط عنكبوت تنقاد* وإن عاكست تقطع سلاسل الحداد).
• (الدنيا وكت ترشك *ما تصدقها تغشك .. يوم تصد منك تكشك* بي مناجلها تحشك..)
• (السكين أمان من السلب .. )
• (الفطور مسمار القلب).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s