نحو فهم صحيح لقاعدة الإيتاء والنزع الالهى للملك

نحو فهم صحيح لقاعدة “الإيتاء والنزع الالهى للملك
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تعريف قاعدة الإيتاء والنزع الالهى للملك:وردت الاشاره إلى قاعدة (الإيتاء والنزع الالهى للملك) في قوله تعالى ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(العمران:26)،وهذه القاعدة تتضمن الاتى :
أولا:إيتاء ونزع الملك من خصائص الربوبيه:تنسب الايه إيتاء الملك ونزعه إلى مالك الملك (الله تعالى ) ، فهي تقرر ان إيتاء الملك ونزعه من خصائص الربوبيه ” اى الفعل المطلق الذي ينفرد به الله تعالى” ،وتأكيدا لذلك جاء تذييل الايه بقوله تعالى “انك على كل شي قدير “، والقدره هي صغه ربوبيه ، اى ان مضمونها دال على الفعل المطلق الذي ينفرد به الله تعالى. ورد فى تفسير ابن كثير( ” قُلْ اللَّهُمَّ مَالِك الْمُلْك ” الْآيَة أَيْ أَنْتَ الْمُتَصَرِّف فِي خَلْقك الْفَعَّال لِمَا تُرِيد كَمَا رَدَّ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَحْكُم عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ حَيْثُ قَالَ ” وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآن عَلَى رَجُل مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم ” قَالَ اللَّه رَدًّا عَلَيْهِمْ ” أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَة رَبّك ” الْآيَة أَيْ نَحْنُ نَتَصَرَّف فِيمَا خَلَقْنَا كَمَا نُرِيد بِلَا مُمَانِع وَلَا مُدَافِع وَلَنَا الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْحُجَّة التَّامَّة فِي ذَلِكَ وَهَكَذَا يُعْطِي النُّبُوَّة لِمَنْ يُرِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى ” اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَته ” وَقَالَ تَعَالَى ” اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض “)
ثانيا: الملك اشمل من السلطة السياسية للحاكم:غير أن الملك الوارد في الايه غير مقصور على السلطة السياسية للحاكم ، بل هو يشمل :
ا/السلطة” الروحية ، القيميه، الحضارية…”للامه (الاستخلاف العام للامه):كما تشير الايه إلى السلطة” الروحية، القيميه،الحضارية…”للامه ، اى الاستخلاف العام للامه الذي وردت الاشاره الايه في العديد من الايات كقوله تعالى “وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض”، ورد في تفسير الطبري (وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبّه أَنْ يَجْعَل مُلْك فَارِس وَالرُّوم لِأُمَّتِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5340 – حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة ; وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَجْعَل لَهُ مُلْك فَارِس وَالرُّوم فِي أُمَّته , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : “قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء”) ،وورد في تفسير القرطبي( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَنَس بْن مَالِك : لَمَّا اِفْتَتَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة وَوَعَدَ أُمَّته مُلْك فَارِس وَالرُّوم قَالَ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُود : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مِنْ أَيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْك فَارِس وَالرُّوم هُمْ أَعَزّ وَأَمْنَع مِنْ ذَلِكَ , أَلَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّة وَالْمَدِينَة حَتَّى طَمِعَ فِي مُلْك فَارِس وَالرُّوم ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة) ..وورد أبضا في تفسير القرطبي(قَالَ قَتَادَة : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعْطِيَ أُمَّته مُلْك فَارِس فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة).
ب/السلطة الدينية التي ينفرد بها الرسول (صلى الله عليه وسلم): اى النبوة ، فالايه تشير إلى نزع ألنبوه من بني اسرئيل وإيتاءها للعرب (النبي العربي القرشي المكي محمد (صلى الله عليه وسلم )،ورد في تفسير ابن كثير (يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى ” قُلْ ” يَا مُحَمَّد مُعَظِّمَا لِرَبِّك وَشَاكِرًا لَهُ وَمُفَوِّضًا إِلَيْهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ ” اللَّهُمَّ مَالِك الْمُلْك ” أَيْ لَك الْمُلْك كُلّه ” تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء وَتُعِزّ مَنْ تَشَاء وَتُذِلّ مَنْ تَشَاء ” أَيْ أَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنْتَ الْمَانِع وَأَنْتَ الَّذِي مَا شِئْت كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة تَنْبِيه وَإِرْشَاد إِلَى شُكْرِ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الْأُمَّة لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى حَوَّلَ النُّبُوَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل إِلَى النَّبِيّ الْعَرَبِيّ الْقُرَشِيّ الْأُمِّيّ الْمَكِّيّ خَاتَم الْأَنْبِيَاء عَلَى الْإِطْلَاق وَرَسُول اللَّه إِلَى جَمِيع الثَّقَلَيْنِ الْإِنْس وَالْجِنّ الَّذِي جَمَعَ اللَّه فِيهِ مَحَاسِن مَنْ كَانَ قَبْله وَخَصَّهُ بِخَصَائِصَ لَمْ يُعْطِهَا نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَلَا رَسُولًا مِنْ الرُّسُل فِي الْعِلْم بِاَللَّهِ وَشَرِيعَته وَاطِّلَاعه عَلَى الْغُيُوب الْمَاضِيَة وَالْآتِيَة وَكَشْفِهِ لَهُ عَنْ حَقَائِق الْآخِرَة وَنَشْرِ أُمَّته فِي الْآفَاق فِي مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا وَإِظْهَار دِينه وَشَرْعِهِ عَلَى سَائِر الْأَدْيَان وَالشَّرَائِع فَصَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْم الدِّين مَا تَعَاقَبَ اللَّيْل وَالنَّهَار)،وورد في تفسير الطبري( وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَعْنَى الْمُلْك فِي هَذَا الْمَوْضِع النُّبُوَّة . ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ : 5341 – حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء } قَالَ : النُّبُوَّة ).
ثالثا: لا سلطه مطلقه لسوى الله تعالى: كما تشير الايه إلى انه لا سلطه مطلقه لسوي الله تعالى، وكل سلطه لسواه فهي – في حقيقة الأمر- سلطه محدودة ، و قد قررت الايه هذه السلطة المطلقة التي ينفرد بها الله تعالى ، من خلال استخدام تعبير “مالك الملك ” ، ومن خلال تقرير ان هذه السلطة المطلقة هي مصدر كل سلطه “إيتاء ونزع الملك” ، وقد عبر الفكر السياسي الحديث والمعاصر عن هذه السلطة المطلقة التي هي مصدر السلطة المحدودة بالزمان والمكان بمصطلح ” السيادة ” ، بينما عبر عنها القران الكريم بمصطلح ” ألحاكميه ” ﴿ … إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ( يوسف: 40).،أما السلطة المحدودة ” المقيدة ” فعبر عنها المنظور السياسي الإسلامي بمصطلح ( الأمر) ، كما في قوله تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ… ﴾ ( النساء: 59).
تصحيح الفهم الخاطئ للقاعدة: استنادا إلى التعريف السابق لقاعدة الإيتاء والنزع الالهى للملك،والمستند إلى كتب التفسير المعتمدة عند أهل ألسنه، نقوم فيما يلي بتصحيح الفهم الخاطئ لهذه القاعدة،والذي يأخذ أشكال متعددة:
أولا: لا يجوز اتخاذ قاعدة”الإيتاء والنزع الالهى للملك” كدليل على تقرير الإسلام للجبر: هناك من يستدل بقاعدة”الإيتاء والنزع الالهى للملك” للقول بتقرير الإسلام للجبر- في المجال السياسي على وجه الخصوص ، وغيره من المجالات على وجه العموم- اى أنه لا تتوافر للناس المقدره على تعيين أو مراقبه أو عزل الحاكم إذا جار ، لان عزله وتعيينه جزء من القدرة الالهيه والقضاء والقدر.وفيما يلى نوضح أوجه الخطأ في هذا الاستدلال:
الإسلام يرفض الجبر:أول أوجه الخطأ في هذا الاستدلال أن مذهب أهل السنة بتفريعاته العقدية “الكلامية”المتعددة (الاشاعره، الماتريديه ، الطحاويه ، أهل الظاهر، الحنابله)– والذي يمثل الفهم الصحيح للإسلام – وسط بين مذهب الجبرية:الذي تطرف في إثبات القدرة الالهيه لدرجه الغاء قدرة الإنسان على الفعل والاختيار ،ومذهب القدرية الذي تطرف في أثبات الفعل والإرادة إلى الإنسان، لدرجه إلغاء – أو تقييد- العلم والقدره الالهيين ، ويقول بان ألقدره الالهيه المطلقة (الخلق)تحدد – ولا تلغى – ألقدره الانسانيه المحدودة (الكسب)،ويقول الإمام ابن تيمية ( وهم- اى أهل السنة – في باب خلق الله وأمره ” وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء ، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل ، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا ” لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ” ، فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير ، يقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده ، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات ، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ، ولا يسمونه مجبورا ؛ إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره ، والله – سبحانه – جعل العبد مختارا لما يفعله ، فهو مختار مريد ، والله خالقه وخالق اختياره ، وهذا ليس له نظير ، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ) ويقول الامام ابن القيم ( فإن قيل : فما تقولون أنتم في هذا المقام ؟ قلنا : لا نقول بواحد من القولين ، نقول : هي أفعال العباد حقيقة ومفعولة للرب ، فالفعل عندنا غير المفعول ، وهو إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره ، فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته
القضاء والقدر لا يلزم منه الجبر: وثاني أوجه الخطأ في هذا الاستدلال هو أن عقيدة القضاء والقدر والتي هي جزء من العقيدة الاسلاميه لا يلزم منها الجبر، فالقضاء والقدر يتعلقان بظهور فعل الله تعالى المطلق (الربوبية ) في عالم الشهادة من جهة الإيجاد ، اى ظهور صفه الخلق فيه .فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهة الإلزام (الحتمية)، اى وجوب نفاذ فعله المطلق ،يقول تعالى ﴿ وكان على ربك حتما مقضيا ﴾ ..أما القدر فيدل على فعل الله تعالى المطلق من جهة التحقق ، ولكن القران الكريم يقرر ان الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق في عالم الشهاده، إلا عند ما يوفر أسباب ( شروط) تحققه ، وهو معنى القدر في الاستعمال القرانى كما في قوله تعالى﴿إنا كل شئ خلقناه بقدر ﴾ (القمر : 49).. وعلى هذا فان كون فعله المطلق تعالى لازم النفاذ (القضاء)، أو تحققه في عالم الشهادة( القدر ) لا يترتب على ان الإنسان مجبور على فعله . ويرى كثير من العلماء أن القضاء والقدر يتضمن العلم والإرادة الالهيين وكلاهما لا يلزم منهما الجبر اى الغاء قدره الإنسان على الاختيار والفعل:
أولا: الإرادة الالهيه: وهى على نوعين :الأول: الإرادة التكليفية : وتظهر في القواعد الأمر والناهية التي أوجب الله تعالى على الإنسان التزامها في شرعه كما فى قوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) ، وهى بالتالي لا يلزم منها الجبر. النوع الثاني: الإرادة التكوينية : وتظهر في السنن الالهيه “الكلية والنوعية “، التي تحكم حركة الوجود بما فيه الفعل الانسانى، وهى أيضا لا يترتب عليها إجبار الإنسان على فعله،إنما يتوقف نجاح الفعل أو فشله على احترام حتميتها، والتى مضمونها السببيه” تحقق المسبب بالتزام السبب ،وتخلفه وبتخلف السبب ”
التميز بين الإرادة والرضا :وتأكيدا لان الإرادة الإلهية لا يلزم عنها إجبار الإنسان على فعله، كان التمييز القرانى بين الإرادة والرضا ، فالله تعالى أودع في الإنسان القدرة على التزام إرادة الله التكوينية والتكليفية، فينال بذلك رضا الله ،قال تعالى(رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) ،كما أودع فيه القدرة على مخالفة إرادته فيوجب ذلك غضب الله ( الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم )، و.يترتب على ما سبق ان كون المعاصي تتم بإرادة الله- لان كل شئ إنما يتم بارادتة – لا يعنى ان الله اجبر الناس عليها ، فهي لا تتم برضاه .
لا يجوز نسبة المعاصي لله تعالى : وعلى هذا لا يجوز نسبة المعاصي إلى الله تعالى، لان هذا يعنى انه اجبر الإنسان على فعلها ،قال تعالى﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك )( النساء: 79) وقال تعالى﴿ او كلما إصابتكم مصيبة قد أصبتم مثلها قلتم أنى لنا هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾ ( آل عمران: 165) .
ثانيا: العلم الالهى: ومن صفاته تعالى العلم، وعلمه تعالى مطلق كسائر صفاته ، قال تعالى ﴿ الم تعلم أن الله يعلم ما في السموات والأرض انأ ذلك في كتاب انأ ذلك على الله يسير ﴾، وعلى هذا فان كل فعل يقوم به الإنسان في علم الله المطلق ،غير أن علم الله المطلق بالفعل الانسانى لا يعنى إجبار الإنسان عليه ، إذ أن الله تعالى يعلم أن الإنسان سيقوم بالفعل المعين، بما أودع فيه من حرية الإرادة، وعلى مقتضى الأسباب التي وضعها تعالى لحدوث الفعل.
من العرض السابق نخلص إلى ان كون إيتاء الملك ونزعه جزء من القضاء والقدر، لا يعنى الغاء قدره الناس تعيين ومراقبه وعزل الحاكم اذا جار.

تقرير حق الجماعه فى تعيين وعزل والحاكم : ويدل على توافر هذه القدرة للناس”اى تعيين وعزل الحاكم الحاكم “تقرير أهل السنه ان الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 )،ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) .
ثانيا: لا يجوز اتخاذ قاعدة”الإيتاء والنزع الالهى للملك” كدليل على ثيوقراطيه الدولة في المنظور السياسي الإسلامي: هناك من يستدل بقاعدة”الإيتاء والنزع الالهى للملك” للقول بان الدولة في المنظور السياسي الاسلامى هي دوله ثيوقراطيه، والأصل اللغوي لمصطلح الثيوقراطيه مشتق من الكلمة اليونانية ( Theokratia) وتعني الحكم الالهى ،أما اصطلاحا فان الثيوقراطيه هي مذهب يسند إلى الحاكم سلطه دينيه “روحيه” : مطلقه”مظهرها الاساسى سلطه التحليل والتحريم بدون نص”، ومقيده “من مظاهرها انفراده بسلطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ، ويترتب على هذا أحقيته في الانفراد بالسلطة السياسية”الزمنية” .وفيما يلي نوضح أوجه الخطأ في هذا القول من خلال:
استناد الثيوقراطيه على الجبر: أول أوجه الخطأ في هذا الاستدلال ان الثيوقراطيه تستند إلى مفهوم الجبر اى الغاء قدره الإنسان على الاختيار والفعل، وقد سبق بيان تعارض الإسلام مع الجبر.
تعارض الثيوقراطيه مع الإسلام: ثاني أوجه الخطأ في هذا الاستدلال هو ان الثيوقراطيه تتعارض مع المنظور السياسي الإسلامي،وفيما يلي نوضح اوجه هذا التعارض :
ا/ ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه ” التحليل و التحريم بدون نص قطعي ” : أول صفه للثيوقراطيه هي أنها تسند إلى الحكام سلطه دينيه مطلقه” مظهرها الاساسى التحليل والتحريم بدون نص يقيني الورد قطعي الدلالة |”، وهو ما نهت عنه النصوص ، قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ.)(النحل:116).
ب/ الحكام لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر “:ثاني صفه للثيوقراطيه ان الحكام ينفردون بسلطة دينيه مقيده” من مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر “، وهو ما يتعرض مع كون هذه السلطة الدينية المقيدة مخوله – في الإسلام – بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها جماعه الحاكم ونوابه – فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)،
الحكام لا ينفردون بالسلطة السياسية : ثالث صفه للثيوقراطيه أن الحكام ينفردون بالسلطة السياسية ،وهو ما يتعارض مع كون المنظور السياسي الإسلامي يسند السلطة السياسية – التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- إلى الجماعة- بموجب الاستخلاف العام – قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، ي، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 )،ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) . ويقول الإمام ابن حزم ( فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- فإذا زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك وأقيم عليه الحق والحق ، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه ، خُلع وولي غيره ).

ج/ طاعة الحكام مقيده وليست مطلقه: ومن صفات الثيوقراطيه وجوب طاعة الإمام طاعة مطلقه ،وهو ما يتعارض مع تحريم النصوص للطاعة المطلقة للحكام او غيرهم ، وإيجابها للطاعة المقيدة – المشروطة – اى الطاعة بالمعروف ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما الطاعة في المعروف لا طاعة في معصية)، قال الماوردي ( إذا تكاملت فيه شروط العادلة ، تجوز بها شهادته وتصبح ولايته ، فإذا انخرم منها وصف منع هذه الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم)، .وقال الإمام ابن حزم ( فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- فإذا زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك وأقيم عليه الحق والحق ، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه ، خُلع وولي غيره ).
المنظور السياسي الاسلامى يتجاوز الثيوقراطيه والعلمانية من خلال تقرير مدنيه السلطة ودينيه التشريع: ثالث أوجه الخطأ في هذا الاستدلال ان الحل الإسلامي لمشكله العلاقة بين الدين والدوله يقوم على أن علاقة الدين بالدولة هي علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة….كما أنها علاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير، بناء على ما سبق فان المنظور السياسي الاسلامى يقوم على دينيه التشريع ” على مستوى أصوله ” (وليس السلطة كما في الثيوقراطيه) ، باعتبار أن قواعد الشريعة الاصوليه هي المصدر الرئيسي للتشريع ،وفى ذات الوقت يقوم المنظور السياسي الاسلامى على مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) ، ومن أدله مدنيه السلطة في المنظور السياسي الاسلامى : ا/ ان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار، يقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ) ،ب/ تقرير كثير من العلماء عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية استنادا إلى العديد من النصوص ومنها حديث تأبير النخل ( قدم النبي “صلى الله عليه وسلم “المدينة، فإذا هم يأبرون النخل –يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) (صحيح مسلم)، يقول الإمام ابن حزم (فهذا بيان جلي – مـع صحة سنده – في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين”. ثم قال: “وإننا أبصر منه بأمـور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل وهو أعلم منا بأمر الله تعالى، وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي…).،ج/ تقرير أهل السنة أن الامامه فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله، يقول التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق … ) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271)، د/ تقرير أهل السنة أن السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه الجماعة، ولو لم يرد فيه نص، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) .
ثالثا: لا يجوز الاستدلال بقاعدة الإيتاء والنزع الالهى للملك لتبرير الاستبداد: وهناك من يستدل بقاعدة لتبرير الاستبداد ،وفيما يلي نوضح أوجه الخطأ في هذا الاستدلال:
الحاكم لا ينفرد بالسلطة السياسية في المنظور السياسي الاسلامى : أول وجه الخطأ في هذا الاستدلال ان الاستبداد يتضمن انفراد الحكام ن بالسلطة السياسية دون الجماعه “الشعب”، وهو ما يتعارض مع كون المنظور السياسي الإسلامي يسند السلطة السياسية – التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- إلى الجماعة- بموجب الاستخلاف العام – قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، ي، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 )،ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) .
إسناد سلطه مطلقه لسوى الله تعالى شرك: سبق بيان ان الايه ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) تشير إلى انه لا سلطه مطلقه لسوي الله تعالى، وكل سلطه لسواه فهي – في حقيقة الأمر- سلطه محدودة ، و أنها قررت هذه السلطة المطلقة التي ينفرد بها الله تعالى ، من خلال استخدام تعبير “مالك الملك ” ، ومن خلال تقرير ان هذه السلطة المطلقة هي مصدر كل سلطه “إيتاء ونزع الملك” ، وان الفكر السياسي الغربي قد عبر عن هذه السلطة المطلقة التي هي مصدر السلطة المحدودة بالزمان والمكان بمصطلح “السيادة “، بينما عبر عنها المنظور السياسي الاسلامى بمصطلح “ألحاكميه “، قال تعالى﴿ … إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ( يوسف: 40).ومن هنا نخلص إلى ان قاعدة الإيتاء والنزع الالهى للملك لا تبرر الاستبداد،بل على النقيض هي رفض للاستبداد ، لان مضمون القاعدة إسناد السلطة المطلقة لله تعالى-على وجه الانفراد، بينما مضمون الاستبداد إسناد السلطة المطلقة لسوي الله تعالى (الحاكم )، لذا فهو شكل من أشكال الشرك الاعتقادى(الذي حكمه حكم الكفر) أو العملي (الذي حكمه حكم المعصية)،وقد أشار القران الكريم إلى نموذج للاستبداد كشكل من أشكال الشرك الاعتقادى في قوله تعالى فى وصف حال فرعون(فحشر فنادي فقال أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى)( النَّازِعَات) ، و تشير الايه إلى ان للاستبداد- كشرك اعتقادي- جزاء دنيوي (نكال الأولى)، ويتضمن نزع الملك كما تشير الايه “قلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ” – كما تشبر الايه الى ان للاستبداد جزاء أخرى (نكال الاخره) وهو عذاب القبر وعذاب النار كما تشير الايه ” النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )(غافر 46″ ، يقول القرطبى فى تفسير قوله تعالى (َفأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى)(… وَقِيلَ : نَكَال الْأُولَى : هُوَ أَنْ أُغْرِقَهُ , وَنَكَال الْآخِرَة : الْعَذَاب فِي الْآخِرَة )،ويقوا ابن كثير فى تفسير ذات الايه ( اَيْ اِنْتَقَمَ اللَّه مِنْهُ اِنْتِقَامًا جَعَلَهُ بِهِ عِبْرَة وَنَكَالًا لِأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُتَمَرِّدِينَ فِي الدُّنْيَا ” وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود ). والفارق بين الاستبداد كشرك اعتقادي والاستبداد كشرك عملي، لا يكمن فى كون للأول جزاء دنيوي خلافا للثاني- فهما يشتركان في الجزاء الدنيوى- الذي يتضمن نزع الملك- كما تشير الايه( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ )- لكن يكمن فى درجه الجزاء الاخروى،فجزاء الأول هو جزاء الكافر وجزاء الثاني هو جزاء العاصي .

\

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s