هارون الرشيد في المخيلة الشعبية العربية: تقييم موضوعي لسيره هارون الرشيد

Résultat de recherche d'images pour "‫هارون الرشيد في المخيلة الشعبية العربية‬‎"

هارون الرشيد في المخيلة الشعبية العربية: تقييم موضوعي لسيره هارون الرشيد
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
صورتان متناقضتان: لهارون الرشيد الخليفة العباسي الخامس صورتين متناقضتين:
الصورة الأولى: صوره السكير الماجن ، المنصرف بمغامراته الشخصية عن اداره شئون الدولة ، المبذر الذي يتصرف في أموال الدولة حسب هواه .
هارون الرشيد في كتاب “ألف ليله وليله “: وقد ساهم في تكوين هذه الصورة عن هارون الرشيد كتاب ” إلف ليله وليله” الذي يقدمه في صورة الأمير الضجر، الذي يطلب السلوى فيأتيه وزيره جعفر البرمكي ببعض رواة العصر وسمّاره، يروون له أغرب ما سمعوا أو شهدوا من القصص والأخبار، أو يدفعه الأرق إلى التماس السلوى بالطواف ليلاً في بغداد ، متنكرا في زى التجار مع بعض رفاق سمره ، مثل وزيره جعفر وسيافه مسرور ومغنيه إسحاق ، فتسوقهم المقادير إلى بقعة أو منزل يقعون فيه على أغرب المشاهد، ويسمعون أغرب القصص والروايات.. وهناك العديد من قصص ألف ليله وليله بطلها هارون الرشيد منها قصة “ قوت القلوب” ، ومنها قصة هارون الرشيد مع خليفة الصياد. وبعض عناصر الصورة التي يقدمها لنا كتاب “ألف ليله وليله ” حقيقية تؤيدها المصادر التاريخية ، وبعضها الآخر خيالي يتعارض مع الحقائق التاريخية .
رفض بعض المؤرخين المسلمين لهذه الصورة: وقد رفض هذه الصورة عن هارون الرشيد بعض المؤرخين المسلمين منهم ابن خلدون الذي يقول في معرض الرد عليها (…وأين هذا من حاله ،وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة ، وما كان عليه من صحبة العلماء والأولياء ، ومحاورته للفضيل بن عياض ، وابن السماك ، والعمري ، ومكاتبته لسفيان الثوري ، وبكاؤه من مواعظهم ، ودعاؤه بمكة في طوافه ، وما كان عليه من المحافظة على أوقات الصلاة ، وشهود صلاة الصبح لأول وقتها …)، ويرى معارضي هذه الصورة إنها غير حقيقية ، شكلها عنه عن قصد بعض أعدائه، ومنهم بعض الشيعة والشعوبيون الفرس المبغضون للعرب ، الذين فقدوا نفوذهم بعد نكبة البرامكة، وعن غير قصد بعض القصاص والمجان ….
الصورة الثانية: صوره المتدين الورع التقى ، الذي يصلى في اليوم مائه ركعة ، و يغزو سنة ويحج سنة ، ويحب العلم ويوقر العلماء، ويبكى من مواعظ الصالحين .
هارون الرشيد عند بعض العلماء: ومثال لهذه الصورة ما نقله عنه بعض العلماء : يقول الذهبي ( كان من أنبل الخلفاء , وأحشم الملوك , ذا حجٍ وجهاد , وغزو وشجاعة ورأى )، ويقول السيوطي (كان أمير الخلفاء وأجلّ ملوك الدنيا , وكان كثير الغزو والحج … وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء فى الدين والكلام في معارضة النص ) ، ويقول ابن كثير (كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوا وحجا بنفسه) ، ويقول ابن العماد الحنبلي (قال ابن الفرات : كان الرشيد يتواضع لأهل العلم والدين , ويكثر من محاضرة العلماء والصالحين).

التقييم الموضوعي وإلغاء التناقض : إن إلغاء التناقض بين صورتي هارون الرشيد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تقييم موضوعي لسيرته وهو ما يتحقق من خلال :
أولا: الانتقال من موقفي الرفض والقبول المطلقين إلى الموقف النقدي ” التقويمي” : إن الموقف الصحيح من اى تجربه إنسانيه – يتجاوز موقفي القبول المطلق ” الذي ينكر السلبيات ” و الرفض المطلق”الذي ينكر الايجابيات”، إلى موقف نقدى (تقويمي) قائم على الإقرار بالايجابيات(أوجه الصواب) والسلبيات(أوجه الخطأ) ،بهدف اخذ الايجابيات ورفض السلبيات، وقد اقر المنهج الاسلامى الموقف النقدي “التقويمي” بعد تقييده بالضوابط الشرعية : قال تعالى ( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ (الزمر:17-18)،ورد فى تفسير الطبري ( يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل مِنْ الْقَائِلِينَ , فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ , وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيد اللَّه , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي لَا يَدُلّ عَلَى رَشَاد , وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل)، وقال تعالى ( ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ( الأعراف : 85)، وقال تعالى ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(النساء :114). وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، لذا فان الموقف النقدي التقويمي هو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من كثير من المجالات المعرفية كموقف الإمام ابن تيمية من التصوف حيث يقول (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت “الصوفية والتصوف” وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة … وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .
ثانيا :مراعاة الظروف الزمانيه والمكانية:كما أن الموقف الصحيح من اى تجربه إنسانيه لابد ان يضع فى اعتباره الظروف الزمانيه والمكانية التي أحاطت بهذه التجربة ،وبالتالي لا يمكن محاكمه تجربه معينه طبقا لظروف زمانيه ومكانيه لاحقه. وهذا الأمر اقره المنهج الاسلامى كما هو ماثل في اعتبار الاصوليين أن العرف مصدر من مصادر التشريع الاسلامى التبعية ، وفى تقرير العلماء أن من شروط الإفتاء مراعاة الواقع.
ثالثا:الانتقال من المعايير الذاتية إلى المعايير الموضوعية: كما أن الموقف الصحيح من اى تجربه إنسانيه – لا يستند إلى المعايير الذاتية كالانفعالات والعواطف ، بل يستند إلى المعايير الموضوعية كالحقيقة الواقعية والتاريخية ومالا يناقض المنطق والعقل .وقد حذر المنهج الاسلامى من الاستناد إلى المعايير الذاتية كالكراهية ( الشنآن بالتعبير القرانى ) ، ودعي إلى الاستناد إلى المعايير الموضوعية (كالعدل) في قوله تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
السيرة الذاتية لهارون الرشيد طبقا للمصادر التاريخية الموثوقه :
هو أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن عباس الهاشمي العباسي، ولد بالري حين كان أبوه أميرا عليها عام 148 ، وحين تولى والده الخلافة عام 158 هـ بعد وفاه أبو جعفر المنصور عينه قائدا في الجيش ،ثم وليا ثانيا للعهد. تولى هارون الرشيد الخلافة بعد وفاة أخيه الهادي عام 170هـ، وكان عهده عهد قوه وازدهار للدولة العباسية ، فشهد عهده فرض سلطه ألدوله على سائر الدولة العباسية التي كانت إمبراطوريه مترامية الأطراف، متعددة الشعوب والأديان كما شهد عصره نهضة حضاريه تضمنت: نهضة معمارية :فبنيت المساجد، والقصور وحفرت الترع والأنهار، نهضة علمية تضمنت إنشاء “بيت الحكمة” وهو أشبه بمكتبة ضخمة جمعت فيها العديد من الكتب من مختلف البلدان كالهند وفارس وغيرها فكانت تضم قاعات للكتب وأخرى للمحاضرات وغيرها للناسخين والمترجمين. كما توطدت في عهده علاقة الدولة العربية الاسلاميه بالعديد من الدول.كما شهد عهده العديد من الفتوحات، وأهمها فتح مدينة هرقلة، الواصلة ما بين بحر الروم وبحر القلزم .كما خاض هارون الرشيد العديد من الحروب مع الروم سواء قبل توليه الخلافة أو بعدها ، كللت كلها بالنصر، مما أدى إلى تأمين الدولة من هجماتهم ، واضطرارهم إلى طلب عقد هدنة ، فعقدت ملكه الروم ” إيريني” صلحاً مع هارون الرشيد ، مقابل دفع جزية سنوية للدولة العباسية. توفى هارون الرشيد خلال إحدى غزواته بخراسان عام 193، ولم يتجاوز عمره 45 عاما .
هارون الرشيد احد أبطال المخيلة الشعبية العربية : ورغم تضمن صوره هارون الرشيد ، في المخيلة الشعبية العربية ، لعناصر خياليه- بالاضافه إلى عناصرها الحقيقية- فانه يعتبر احد أبطال هذه المخيلة،الذين تتوحد معهم”نفسيا”، وتنتمي إليهم” معنويا وقيميا” ، وتستدعيهم لمواجهه المشاكل التي يطرحها واقعها، فتلهمها عزيمة و أراده مواجهه هذه المشاكل … ويرجع هذا إلى عده أسباب منها: انجازات هارون الرشيد التاريخية ،وظهوره في مرحله التقدم الحضاري للحضارة العربية الاسلاميه، وثناء العلماء عليه ، وتخليد الأدب الشعبي العربي ” كتاب ألف ليله وليله ” لسيرته – رغم تضمنه لعناصر خياليه -…..
وجوب ضبط صوره هارون الرشيد:استنادا إلى العرض السابق نخلص إلى ضرورة ضبط صوره هارون الرشيد ويتضمن هذا الضبط:
أولا: الضبط المعرفي :تحرير صوره هارون الرشيد من العناصر الخيالية ،التي تتناقض مع الحقائق التاريخية .
ثانيا:الضبط الشرعي:تصحيح الفهم الخاطئ للقضايا الدينية ، التي تتقاطع مع صوره هارون الرشيد وعصره، والذي يستند يضفون قدسيه الدين على بعض أنماط التفكير والسلوك المتوارثة السلبية، والتي تتعارض- فى الحقيقة – مع جوهر الدين ، و بعض جماعات التطرف والغلو فى الدين ، والذي تستخدمه بعض المراكز الغربية والصهيونية لتشويه صوره العرب والإسلام. ومن هذه القضايا:
الإسلام شرع للتحرر من الرق ولم يشرع للرق : ارتبطت صوره هارون الرشيد وعصره بالجواري والإماء والعبيد ، مما قد يوحى بان الإسلام كدين شرع للرق ، اى اقر به من باب المحافظة عليه، باعتباره ظاهره اجتماعيه ايجابيه ، وهو غير صحيح آذ أن الإسلام لم يشرع للرق، لأنه وجد قبل ظهوره ، فهو ظاهره اجتماعيه شاعت فى كل المجتمعات القبلية في كل أنحاء العالم – بما فيها المجتمع القبلي العربي الجاهلي – فالإسلام شرع للتحرر من الرق ، اى اقر به من باب العمل على تغييره بشكل تدريجي ،باعتباره ظاهره اجتماعيه سلبيه لا يمكن تغييرها بشكل فجائي .فقد تعامل الإسلام مع هذه الظاهرة على المستويين النظري والعملي ،فعلى المستوى الأول لغي الإسلام الأساس النظري الذي تستند إليه هذه الظاهرة الاجتماعيه السلبية بتقريره المساواة بين الناس، أما على المستوى التطبيقي فكان يهدف إلى الانتقال مما هو كائن “الرق كظاهرة اجتماعيه سلبيه شائعة ” إلى ما ينبغي أن يكون”تحقيق المساواة والقضاء على ظاهره الرق” (بالتدرج مما هو كائن،إلى ما هو ممكن ، إلى ما ينبغي أن يكون) وذلك استنادا إلى قاعدة تضييق المدخل(بحضر سبب الرق في احد الخيارات المتاحة للمسلمين تجاه مصير أسرى الحرب المشروعة للدولة والتي تتم طبقا للضوابط الاخلاقيه التي حددتها بجانب خيارات أخرى كالمن والفداء، ومنع الأسباب الأخرى كالعدوان القبلي أو الفردي…) وتوسيع المخرج ( بتقرير تحرير الرق ككفاره لكثير من الذنوب وكعباده وقربى لله تعالى…) ، لذا فان استمرار هذه الظاهرة الاجتماعية السلبية أو التوسع فيها في المجتمعات المسلمة –في العصر العباسي وغيره من العصور – لا يرجع إلى الإسلام كدين ، بل يرجع إلى أسباب متعددة ، منها التخلف الاجتماعي، الذي أصاب هذه المجتمعات ، نتيجة لعوامل تاريخية و سياسية واجتماعيه…واقتصاديه متفاعلة .
الوحدة العربية الاسلاميه في عصرنا فدراليه – كونفدراليه وليست إمبراطوريه : إذا كانت الدولة العربية الاسلاميه ، في ظل حكم الاسره العباسية، قد جسدت الوحدة العربية الاسلاميه، فإنها قد جسدتها في شكل الدولة الذي يتسق مع أطوار الاستخلاف الاجتماعي، التي بلغتها المجتمعات حينها – اى طور الأمم في طور التكوين – وهو الشكل ” الامبراطورى” الذي يتصف بالتالي التالي : 1 – الأرض غير ثابتة الحدود تتبع جيوشها فتقف حيث تقف وتمتد حيث تمتد 2- وهى تضم مئات من القبائل والشعوب والأمم 3 – وكانت السلطة فيها مركزيه (الخليفة) الذي له حق تعيين الولاة في الأقاليم . أما واقعنا فقائم على اكتمال تكوين الأمم ، وشكل الدولة القائم على 1- الدولة ذات الحدود الثابته 2- الشعب الواحد 3- السلطة البسيطة أو الاتحادية ،وانتهى حق الفتح وحل محله حق الأمم في تقرير مصيرها، وبالتالي فان شكل الدولة الذي يجسد الوحدة العربية الاسلاميه في عصرنا هو: الشكل الفيدرالي”الاتحادي” لتحقيق وحده شعوب الامه العربية والشكل الكونفدرالى “التعاهدى” لتحقيق وحده الأمم والشعوب المسلمة .كما لا يمكن تحقيق الوحدة العرببه الاسلاميه فى عصرنا بشكل فجائي وباستخدام القوه ، ولكن يمكن اتخاذ كل الخطوات الممكنة تجاهها ،بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي (عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل العربي والاسلامى المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاقيات الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ، إلغاء أو تخفيف القيود على حركه العمالة والتجارة …) .
الإسلام لم ينتشر بالسيف: وقد ارتبط عصر هارون والرشيد- والعصور سابقه ولاحقه له- بالفتوحات العسكرية للكثير من البلدان ، وهو الأمر الذي أدى ببعض المستشرقين إلى اتهام الإسلام بأنه انتشر بالسيف، وهو اتهام باطل،لان الإسلام لم يوجب قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) . أما المذهب القائل بأن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً)، وغزو العالم لنشر الدعوة فلا يعبر عن جوهر موقف الإسلام من غير المسلمين ، وهو مبنى على أخذ مذاهب بعض الفقهاء الذين بنوا اجتهادهم على واقعهم ، وهو واقع الدولة غير ثابتة الحدود متعددة الشعوب والقبائل دون مراعاة واقعنا، واقع اكتمال تكوين الأمم وانتهاء طور القبيلة، وما أفرزه من الدولة ثابتة الحدود والشعب الواحد، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم(…ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت وقد قرر الكثيرون منهم أن الصلح لا يقع إلا مؤقتاً إذ ما كان يرى إلا ما أيدته الوقائع المستمرة ) ، فاجتهاد هؤلاء الفقهاء ليس محل إجماع ،لأن هناك علماء خالفوا ما قرره هؤلاء الفقهاء، فنجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر (…وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ،ومقصودة أن يكون الدين كله لله /وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة- كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم- فلا يقتل عند جمهور العلماء :إلا أن يقاتل بقوله أو فعله. وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب ،لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)،وفي السنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازية قد وقف الناس عليها فقال (ما كانت هذه لتقاتل) … وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق ،كما قال تعالى “والفتنة أشد من القتل”، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم يكن كفره إلا على نفسه )
تعدد الزوجات في الإسلام مقيد بشروط وضوابط وليس مطلق : كما اتخذ البعض من تعدد زيجات هارون الرشيد وغيره من خلفاء الاسره العباسية وغيرها من الأسر الحاكمة– مع ثبوت اباحه الشريعة الاسلاميه لتعدد الزوجات – كدليل على أن الإسلام يبيح تعدد الزوجات بدون اى شروط أو ضوابط ، وهو ما يتعارض مع كون حكم اباحه تعدد الزوجات فى الشريعة الاسلاميه مقيد بجمله من الضوابط والشروط الشرعية التي أشارت إليها النصوص، وأكد عليها العلماء منها:
أولا: أن يعدل الرجل بين جميع زوجاته ويسوي بينهن في الحقوق قال الله تعالى: ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا )(النساء: 3 )، ثانيا: أن تتوافر القدرة على الإنفاق لقوله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج )، ثالثا: وقد جعل الشرع من حقِّ المرأة أو وليِّها أن يشترط ألا يتزوَّج الرجل عليها، رابعا: ان التعدد مباح وليس واجب،خامسا: أن الأصل في الإسلام التفرد لا التعدد، اى أن التعدُّد الاستثناء وليس القاعدة بادله منها: ا/ قوله تعالى (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا). ب/ ورود الحكم بالاباحه مقرونا بشرط معين هو الخوف من عدم القسط فى اليتامى كما في قوله تعالى(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ) . ج/ تذييل الآية التي تبيح التعدُّد بقوله تعالى(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء). د/ قوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) [النساء: 129) ، ثم قوله صلى الله عليه وسلم (مَن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل .
سلطه الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى مقيده وليست مطلقه : كما توحي صوره هارون الرشيد أن سلطه الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى مطلقه ، وهو إيحاء غير صحيح ، حين ان المنظور السياسي الإسلامي- على مستوى أصوله النصية الثابتة – يسند السلطة السياسية – التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- إلى الجماعة- بموجب الاستخلاف العام – قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (الأحكام السلطانية، ص 7 )، ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)،ويقول الإمام ابن حزم ( فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- فإذا زاغ عن شيء منهما، منع من ذلك وأقيم عليه الحق والحق ، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه ، خُلع وولي غيره ). كما توحي العلاقة التي ربطت هارون الرشيد بالعلماء، فضلا عن ثناء بعض العلماء عليه ، بأن علماء أهل السنة أضفوا شرعيه ” دينيه ” على نظام سياسي استبدادي”وراثي”، وهو إيحاء غير صحيح،مصدره أسباب متعددة ، ومنها فهم خاطئ لبعض القواعد السياسية التي قررها علماء أهل السنة ، استنادا إلى قواعد اجتهادية متغيره ، اى مصدرها نصوص ظنيه الورود والدلالة”ومثال لها قواعد: عدم جواز الخروج على السلطان الجائر وأماره الغلبة والصلاة خلف البر والفاجر ” فأهل السنة لم ينكروا- عند تقريرهم لهذه القواعد – حق الجماعة في عزل الحاكم إذا جار – لأنه من القواعد ألسياسيه الاصليه – بل قرروا عدم جواز عزله في ظروف زمانية ومكانية معينه- وليس في كل زمان ومكان-وطبقا لكيفية معينه – وليس طبقا لكل الكيفيات،استناد إلى قاعدة الضرورة، وبهدف الحفاظ على وجود المجتمع المسلم- والدولة الاسلاميه كممثل له ، فرفضهم ينصب على كيفيه معينه لعزل الحاكم هي استخدام القوه المسلحة “الخروج بتعبيرهم” لما يلزم من هذه الكيفية من فتن ، وبالتالى لا ينصب على أساليب التغيير السلمبه – وبالضرورة لا يتصل بأساليب التغيير السلمبه التي قررتها النصوص كالتقويم و النصح.
ليس للحاكم في المنظور الاقتصادي الاسلامى حق التصرف المطلق في المال العام: كما توحي صوره هارون الرشيد أن للحاكم في المنظور الاقتصادي الاسلامى حق التصرف المطلق فى المال العام ، وهو ايحاء غير صحيح ، لان هذا المنظور يسند ملكية المال (حق التصرف المطلق فى المال|) لله تعالى ﴿ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ المائدة: 17) ، وبالتالى فان إسنادها إلى سواه هو شرك في الربوبية ،اما المستخلف فى الانتفاع بالمال بالاصاله فهو الجماعة (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) ÷،ويترتب على هذا: ا/ ان للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار (روه احمد وأبو داود).ب/ أن انتفاع الجماعة بمصادر الثروة الرئيسية يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها – وليس باعتبارها مالك للمال او مستخلفه فى الانتفاع به – . قال عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ( لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة. ج/ أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد ، بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحه الجماعة، باعتبار ان الفرد مستخلف فى الانتفاع بالمال بالتبعية وليس بالاصاله.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s