الفلسفة السياسية عند الفارابي : قراءه نقدية

الفلسفة السياسية  عند الفارابي : قراءه نقدية

د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

نظريته في الوجود  ومحاوله التوفيق بين نظريه الفيض والإسلام : أسس الفارابي فلسفته السياسية على نظريه في الوجود قائمه على محاوله التوفيق بين نظريه الفيض والإسلام من خلال :أولا إطلاق أسماء إسلاميه على مكوناتها”فالعقل الأول هو الله ،والعقول العشرة هي الملائكة العشرة ، والعقل الفعال هو جبريل او الروح القدس وهكذا…ثانيا :تعديل نظريه الفيض، وترجع محاوله التوفيق بين نظريه الفيض والإسلام عند الفارابي وغيره من الفلاسفة الإسلاميين،إلى أن الفلاسفة الإسلاميين اتخذوا الفلسفة اليونانية نقطه بداية ، لان المخاطب أساسا في الفلسفة الاسلاميه هو شعوب ضمتها الدولة الاسلاميه ولكنهم غير مسلمين ،وكانت تستخدم الفلسفة اليونانية للدفاع عن عقائدها الوثنية كعباده الكواكب” ،فأراد الفلاسفة الإسلاميين الانتقال بهم مما هو مسلم لدي هذه الشعوب”الفلسفة اليونانية ” الى ما هو مسلم لديهم”الدين الاسلامى “، دون أن ينتبهوا والى أن الأسس الفلسفية لبعض نظريات ومفاهيم الفلسفة اليونانية”كنظريه الفيض” تتعارض مع الدين الاسلامى ومفاهيمه “كمفهوم الخلق “. .

الجدل الصاعد والهابط: بناي على ما سبق فان فلسفه الفارابي السياسية لا تفهم إلا في إطار شكل من أشكال الجدل  الهابط “بالتعبير الافلاطونى ” المنطلق من العالم الإلهي المفارق ، ابتداء من العقل الأول (الله) إلى العقل العاشر (العقل الفعّال)، الذي تصدر عنه الهيولى المشتركة بين جميع الأجسام، والجدل الصاعد، المنطلق من العالم السفلي،”عالم الطبيعة والإنسان” ابتداءً من الهيولى واجتماع عناصر الطبيعة إلى العقل المستفاد، وانطلاقاً من الكائن الفرد ،وضرورة الاجتماع إلى رئيس المدينة الفاضلة .

استخدام الفارابي مصطلحات متعددة للتعبير عن الفلسفة السياسية: وقد استخدم لفارابي مصطلحات متعددة للتعبير عن الفلسفة السياسية  منها : الفلسفة السياسية، الفلسفة المدنية، العلم المدني، أو العلم الإنساني، ” كتاب تحصيل السعادة “، فلسفة مدنية، وعلم مدني” كتاب الملّة “.

 وجهي الفلسفة المدنية :والفلسفة المدنية عند الفارابي تحصل على وجهين : أحدهما به يحصل على الأفعال الجميلة ، والأخلاق التي تصدر عنها الأفعال الجميلة، وثانيهما معرفة الأمور التي بها تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن ، والقدرة على تحصيلها لهم، وهذه تسمى: الفلسفة السياسية وعلم السياسة .

غاية العلم المدني: وغاية العلم المدني عند الفارابي الخير، وهو يشمل علم سياسة المدينة الفاضلة والفاسدة، وهو من بعد وسيلة التمييز بين الغايات التي لأجلها تُفعل الأفعال في الحياة، والتي منها ما هي في الحقيقة سعادة، ومنها ما هو مظنون أنها سعادة، وإن التي هي في الحقيقة سعادة لا يمكن أن تكون في هذه الحياة، بل في حياة أخرى، الحياة الآخرة، والمظنون بها سعادة هي الثروة والكرامة واللذات، المجعول منها غايات في هذه الحياة فقط

المدينة الفاضلة:

ا/ رئيس المدينة الفاضلة يصل بأهلها إلى السعادة بالاتصال بالعقل الفعال: ويرى الفارابي أن على رئيس المدينة الفاضلة أن يصل بأهلها إلى درجة فائقة من السعادة، تقوم على الاتصال بالعقل الفعّال

ب/ المدينة الفاضلة وسيله لهداية الناس السعادة : ويقرر الفارابي أن المدينة الفاضلة ليست مقصودة لذاتها ، لكنها ى وسيلة لهداية الناس إلى طريق السعادة ، من حيث أن أهلها يتعاونون على بلوغ أفضل الأشياء التي بها يكون وجود الإنسان الحقيقي وقوامه وعيشه وحفظ حياته.
الربط بين السياسة والأخلاق :  كما ربط  الفارابي بين الأخلاق والسياسة، لأن غاية السياسة المدنية السعي إلى توفير الكمال الأخلاقي للأفراد بمعونة القوانين والتربية

 ج/الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة: و في كتاب” آراء أهل المدينة الفاضلة ” وضع الفارابي فصل بعنوان “القول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون “، ذكر فيه أن كل واحد من الناس مفطور على أنه يحتاج في قوامه إلى أن يبلغ أفضل كمالاته،  لكن الإنسان لا ينال الكمال الذي لأجله جُعلت له الفطرة الطبيعية إلاّ بالاجتماعات  ، وهكذا يكون الاجتماع وسيلة لا غاية، فالغاية هي بلوغ الكمال الذي به تكون السعادة، والخير الأفضل والكمال الأقصى إنمّا يُنال أولاً بالمدنية، لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها، والمدينة التي يقصد بها بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تُنال بها السعادة الحقيقية هي المدينة الفاضلة، والاجتماع الذي به يُتعاون على نيل السعادة هو الأمة الفاضلة.

د/ مضادات المدينة الفاضلة : وتضاد المدن الفاضلة عند الفارابي مدناً كثيرة منها: المدينة الجاهلة ، والمدينة الفاسقة ، والمدينة المتبدلة، والمدينة الضالة… لكن تقسيم وتصنيف الفارابي للمدن الجاهلية يختلف في كتبه ورسائله، ففي “الفصول” يتحدث عن أهل الكرامة وأهل الخساسة الذين يُؤثرون اليسار والتمتع باللذات ، أمّا في “الملّة” فيقسم الرئاسة الجاهلية إلى رئاسة تلتمس إمّا الخير الضروري الذي هو الصحة والسلامة، وإمّا اليسار، وإمّا لذّة، وإمّا كرامة وجلالة، وإمّا غلبة، وفي كتاب” آراء أهل المدينة الفاضلة “تنقسم المدينة الجاهلة إلى مجموعة مدن منها: المدينة الضرورية، والبدالة، ومدينة الخسّة، ومدينة الكرامة، ومدينة التغلّب، ويتحدث في كتاب “السياسة المدنية” عن الاجتماعات الضرورية، واجتماع أهل النذالة، والاجتماع الخسيس، والاجتماع التغلّبي، واجتماع الحرية في المدينة الجماعية.

ه/المشترك في المدن المضادة للمدينة الفاضلة: وهذه المدن  على اختلافها في معرفة أو تحصيل السعادة الحقة، يجمعها شيء واحد مشترك بينها، هو المفهوم الفاسد عن السعادة الحقيقية، فهي إمّا أنها ترى السعادة في التمتع بالملذات، أو في امتلاك الثروات ، أو في إتباع الشهوات، وهذه أفعال جميعها يُظن بها تحصيل السعادة في الحياة الدنيا فقط .

تقويم عام  للفلسفة السياسية عند الفارابي:

الايجابيات :

الربط بين السياسة والدين الأخلاق:وهكذا فان للفلسفة ألسياسيه عند الفارابي ايجابيات تتضمن ربطه بين السياسة والأخلاق، وهو ما يتضح من خلال تقريره  “أن غاية السياسة المدنية السعي إلى توفير الكمال الأخلاقي للأفراد بمعونة القوانين والتربية”،ففلسفته السياسية إذا تتعارض مع الفلسفات السياسية التي تفصل بين السياسة والأخلاق (كالميكافيليه التي رفعت شعار “الغاية تبرر الو سيله “).ومن ايجابيات فلسفته السياسية أنها ربطت بين السياسة والدين، ولهذا الربط الكثير من المظاهر،ففلسفته السياسية إذا تتعارض مع الفلسفات السياسية التي تفصل بين السياسة والدين(كالليبرالية التي استندت إلى العلمانية )

السلبيات:

التطرف في الربط بين السياسة والدين (الخلط) والتأسيس للثيوقراطيه :غير أن للفلسفة السياسية عند الفارابي العديد من السلبيات منها تطرفه في الربط بين السياسة والدين لدرجه جعله العلاقة بينهما علاقة تطابق وخلط ، وهو ما يتضح من تبينه لشكل من أشكال الثيوقراطيه من أهم مظاهرها “اتصال رئيس المدينة الفاضلة بالعقل الفعال ” ، والثيوقراطيه تتعارض مع الإسلام  كدين، فالثيوقراطيه تسند إلى الحاكم سلطه دينيه مطلقه ” سلطه التحليل والتحريم بدون نص”، ومقيده “من مظاهرها انفراده بسلطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ، ويترتب على هذا أحقيته في الانفراد بالسلطة السياسية . وليس فى الإسلام سلطه دينيه مطلقه ” التحليل و التحريم بدون نص قطعي ” قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ)(النحل:116)،كما أن الحكام لا ينفردون في المنظور السياسي الاسلامى بسلطة دينيه مقيده” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر “ ، لان هذه السلطة الدينية المقيدة مخوله فيه – بموجب الاستخلاف العام – لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ ، كما أن الحكام لا ينفردون في المنظور السياسي الاسلامى  بالسلطة السياسية ،لأنه يسندها إلى الجماعة – بموجب الاستخلاف العام أيضا- قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 7 ). كما تتعارض  الثيوقراطيه مع مذهب أهل ألسنه بتفريعاته  الفقهية والكلامية المتعددة لانه يرى ان الامامه ليست أصل من أصول الدين بل فرع من فروعه ، وان العصمة بعد الرسول (ص) للجماعة وليست لفرد معين ، ولكن الثيوقراطيه تلتقي مع عدد من مفاهيم  المذهب الشيعي فى الامامه ومنها  :أن الامامه من أصول الدين و عصمه ألائمه…بناء على ما سبق فان الفلسفة السياسية عند الفارابي ورغم اتساقها  مع المنظور السياسي الاسلامى فى العديد من القضايا ، فإنها لا تتسق معه في قضيه العلاقة بين الدين والسياسة، لان المنظور السياسي الاسلامى يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه كما اشرنا أعلاه)، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة…. .وعلاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير.

القول بالاوليه المطلقة للروح على المادة والتأثر بالافلاطونيه:وفيما نرى فان مرجع عدم اتساق الفلسفة السياسية عند الفارابي مع المنظور السياسي الاسلامى في قضيه العلاقة بين الدين والسياسة، يرجع إلى أن محاوله الفارابي التوفيق بين الفلسفة اليونانية عامه والفلسفة الافلاطونيه خاصة انتهت إلى اقترابه من الاولويه المطلقة للروح على المادة،التي قالت بها الفلسفة الافلاطونيه،والتي تتطرف في إثبات الوجود الروحي، لدرجه إلغاء الوجود المادي ” ومن مظاهرها إنكار الوجود الحقيقي للعالم المحسوس”،وابتعاده – إلى حد ما- من التوازن بين المادة والروح،والذي يقول به المنظور الاسلامى للوجود – استنادا إلى مفهوم الوسطية الذي وردت الاشاره إليه في العديد من النصوص كما في قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾( الفرقان:67) ، فالمنظور الوجودي الاسلامى يقوم على أن هناك وجود غيبي مطلق، يحد- ولا يلغى- الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان، و يرفض التطرف في إثبات الوجود المادي – المحسوس ” الشهادى “، لدرجه نفى وجود عالم غيبي مطلق،مفارق لهذا الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان – كما في الفلسفات المادية في الفلسفة الغربية- كما يرفض التطرف في إثبات وجود غيبي مفارق،لدرجه إلغاء الوجود الشهادى ” المادي –المحسوس”- كما في الفلسفات المثالية في الفلسفة الغربية،كالفلسفة الافلاطونيه ، اتساقا مع هذا فان المنظور الاسلامى للوجود يقوم على التوازن بين الدنيا والاخره ، ويدعو إلى إشباع حاجات الإنسان المادية والروحية معا، قال تعالى ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )، و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ): (الدنيا مزرعة الآخرة)، فهو يرفض التطرف في التركيز على الدنيا لدرجه إلغاء الاخره ، ومن ثم الدعوة إلى إشباع حاجات الإنسان المادية ، وتجاهل حاجاته الروحيه، وهو ما عبر عنه القران الكريم بمصطلح “الإخلاد إلى الأرض” كما في قوله تعالى ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف: 176)، كما يرفض التطرف في التركيز على الاخره لدرجه إلغاء الدنيا ، ومن ثم الدعوة إلى إشباع حاجات الإنسان الروحيه وتجاهل حاجاته المادية ، وهو ما عبر عنه القران الكريم بمصطلح” الرهبنه” : قال تعالى(قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف:32]..

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s