قراءه منهجيه للتراث الفكري للمفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد

tampon

قراءه منهجيه للتراث الفكري للمفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد
د. صبري محمد خليل /أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد:هذه الدراسة هي قراءه منهجيه للتراث الفكري للمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد ، وهى قراءه تستند إلى موقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق لهذا التراث الفكري ، إلى موقف تقويمي (نقدي) من هذا التراث الفكري على المستويين الديني والفلسفي- باعتبار انه يمكن تصنيفه كفلسفة دينيه معاصره – ومضمون هذا الموقف التقويمي (النقدي) – على المستوى الديني – تناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم هذا التراث الفكري تتسق مع هذه الأصول،فان بعضها الآخر يتناقض معها ، أما الموقف التقويمي (النقدي) من هذا التراث الفكري – على المستوى الفلسفي – فينقسم إلى: أولا: نقد داخلي مضمونه تناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث اتساقها أو تناقضها مع بعضها البعض، وهنا تخلص هذه القراء إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم ،كما انه هناك تناقض بين بعضها الآخر،وثانيا: نقد خارجي مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث صدقها الواقعي، وأوجه الصواب والخطأ فيها.
أولا: المستوى الديني للتراث الفكري لمحمد ابو القاسم حاج حمد:
تمهيد: كما سبق ذكره فان مضمون الموقف التقويمي (النقدي) من التراث الفكري لمحمد ابو القاسم حاج حمد ، على المستوى الديني ، هو تناول مفاهيم هذا التراث الفكري ، من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم هذا التراث الفكري تتسق مع هذه الأصول، فان بعضها الآخر يتناقض معها ، ومن المفاهيم التي تتناقض مع الأصول:
الجهاد: يرى أبو القاسم حاج حمد أن الجهاد ـ بمفهومه المعروف ـ ليس من الإسلام، بل هو قرين الدعوة في مرحلة الرسول (صلى الله عليه وسلم). إذ أن الرسول( صلى الله عليه وسلم ) لم يؤسس لدولة، بل أقام دعوة اعتمدت على النصر الإلهي المباشر ـ بدر والخندق ـ وكل ما تم من بعد وفاته، مجرد توسع (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص92)، وكل الفتوحات، خارج دائرة الأمة الوسط، هي من نوع التوسع، ولا علاقة لها بالجهاد، ولا بالأمة الوسط. وقد نتجت كافة المشكلات من بعدُ مع هذا التوسع غير الديني” (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص324)، وهذا التقييد الزمانى والمكاني للجهاد يتعارض مع إطلاق النصوص القطعية لحكم الجهاد رمانيا ومكانيا (بمعنى تقريرها انه واجب في كل زمان ومكان)، ومن هذه النصوص قوله (صلى الله عليه وسلم)الحديث (الجهاد ماضي إلى يوم القيامة)، لذلك أجمع الفقهاء على أن الجهاد فرض عين إذا دخل العدو ارض الإسلام، اما تقييد هذه النصوص لحكم الجهاد فهو من جهة الشروط ، فقدقررت الشريعة الاسلاميه ضوابط وشروط محدده للجهاد، وقد أشار العلماء إلى هذه الضوابط والشروط الشرعية ومنها:
النية: من شروط الجهاد النية ، فعنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”
إذن الوالدين : ومن شروط الجهاد الحصول على إذن الوالدين ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَقُولُ(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ).، يقول الإمام الشوكاني ( يجب استئذان الأبوين في الجهاد وبذلك قال الجمهور ، وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع منه الأبوان أو أحدهما، لأن برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن ).
الإعداد للقوه : ومن شروط الجهاد الإعداد للقوة ، قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ )(لأنفال60: ).
الجهاد مع جماعة المسلمين: ومن شروط الجهاد انه يكون مع جماعه المسلمين، وليس مع آحاد الناس أو جماعه من المسلمين، قال تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا )( التوبة (38:، ويترتب على هذا أن الجهاد إنما يكون مع الإمام ، يقول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، يقول الإمام أحمد بن حنبل )والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك)، ويقول أبو جعفر الطحاوي )والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برِّهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء و لا ينقضهما)، ويقول ابن قدامه (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك) ، ويقول ابن تيمية (ويرون – اى أهل السنة والجماعة- إقامة الحج والجهاد والجُمع مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً).
لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها: من ضوابط الجهاد انه لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها ،عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ.
حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: ومن ضوابط الجهاد عدم جواز قتل المعاهدين والمستأمنين ، قال الرسول(صلى الله عليه وسلم)(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري في صحيحة( .
عدم جواز نقض العهود والمواثيق : ومن ضوابط الجهاد عدم نقض جواز العهود والمواثيق التي يعقدها المسلمون، قال تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) ، ولذا قرر الفقهاء أن الإمام إذا عاهد قومًا، أو أَمَّنَهُم لزم من تحت يده أن يلتزموا بما صدر من الإمام من عهد وميثاق، ويحرم عليهم أن ينقضوا ذلك العهد، يقول الإمام ابن قدامة (وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ( المغني (9242) ، فإذا خِيفَ أن يقاتل العدو المسلمين في وقت العهد والميثاق فإنه حينئذ يُبَلَّغُ بانتهائه، كما قال تعالى(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ )( الأنفال : 58 )، و لذا حرمت الشريعة الخيانة ، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ ).
عدم جواز قتل المدنيين: ومن ضوابط الجهاد عدم جواز قتل المدنيين كالنساء والولدان و الشيوخ و الأجراء و الرهبان ، روى عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : ( انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن )، ووجد النبي )صلى الله عليه وسلم ( في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فقال: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فِيمَنْ يُقَاتِلُ) أخرجه أحمد (3/488، رقم (16035 )، و جاء في وصيه ابوبكر الصديق )رضي الله عنه) للجيوش والسرايا(لا يقتلوا وليدًا، ولا شيخًا فانيًا، ولا امرأة، ولا معتزلا في صومعة، وهم في هذا مقتدون بالنبي -صلى الله عليه وسلم فإنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا(، وبناءا على هذه النصوص فان المذهب القائل بجواز قتل المدنيين يتعارض مع الشريعة الاسلاميه تعارضا مطلقا.
الجهاد وعلاقة المسلمين بغير المسلمين: لم يوجب الإسلام قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).
مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً والرد عليه : غيران هناك مذهب قال به بعض الكتاب الإسلاميين المعاصرين( كسيد قطب ) ، استنادا إلى أقوال بعض الفقهاء، ومضمون هذا المذهب هو أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً)، وغزو العالم لنشر الدعوة ، غير ان كثير من العلماء يرون أن هؤلاء الفقهاء بنوا موقفهم هذا على أساس أن واقع العالم في زمانهم (واقع الدولة غير ثابتة الحدود ) لم يكن يسمح – إلا قليلا- بان تكون علاقة المسلمين مع غيرهم هي علاقة سلم ما لم تتوافر شروط الجهاد، أو علاقة حرب في حاله توافر شروط الجهاد ، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم (…ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم، وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت) (محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام “الدار القومية، القاهرة، 1384م، ص78-79) ، ويدل على هذا أن هناك علماء خالفوا ما قرره هؤلاء الفقهاء، حيث نجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر(وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصودة أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة ” كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم” فلا يقتل عند جمهور العلماء ، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب ، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وفي السنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازية، قد وقف الناس عليها، فقال “ما كانت هذه لتقاتل”، وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً “، وفيها أيضاً عنه (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة”. وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى “والفتنة أشد من القتل”، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله ، لم يكن كفره إلا على نفسه).
ايه السيف: و قد اسند أصحاب هذا المذهب إلى القول بأن آية السيف ناسخة لكل الآيات التي تدعو للسلم ، والمقصود بها الآيات: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 5). و( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29). غير أن هذه الآيات لا تفيد قتال غير المسلمين إطلاقاً، وبالتالي تنسخ الآيات الداعية للسلم، بل هي مقيدة بالحالات التي أباح الإسلام فيها قتال غير المسلمين (إخراج المسلمين من ديارهم ،أو إكراههم على الردة على دينهم) ، يقول الشيخ محمد الغزالي (يشيع بين المفسرين أن آية السيف نسخت ما جاء قبلها، وعند التحقيق لا يوجد ما يسمى آية السيف، وإنما هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام أو في مقاتلتهم ،أحياناً لأسباب لا يختلف المشرعون قديماً وحديثاً على وجاهتها ، وعلى أنها لا تنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات)، ويرى الشيخ رشيد رضا : أن آية السيف تتراوح الآية الخامسة من سورة التوبة الداعية إلى قتال المشركين كافة كيفما يقاتلون المسلمين كافة، وإنها غير ناسخة لغيرها من الآيات ، ويستشهد بما قاله السيوطي من أن أياً من الآيتين ليس ناسخاً لغيرها من الآيات التي تتناول علاقة المسلمين بالمشركين ، ولكن لكل منها حكماً يسري في ظرف معين، ويرى أن الدعوة إلى مقاتلة المشركين هو رد على مبادأة المشركين القتال، وأن المقصود بالآيتين مشركي جزيرة العرب وليس مشركين الأرض، أما الآية 29 الخاصة بأهل الكتاب فإن نزولها جاء تمهيداً للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام ، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ فضلاً عن أن المقصود بها ليس أهل الكتاب ولكن فريقاً منهم له شروط أربعة معينة ذكرتها الآية الكريمة.
فتوى أهل ماردين ومذهب اباحه قتال حكام المسلمين والرد عليه : هناك مذهب يقول باباحه قتال الحكام المسلمين ،ويعتبره شكل من أشكال الجهاد، وهو يستند في ذلك – ضمن ما يستند – إلى تفسير معين لفتوى الإمام ابن تيميه في أهل ماردين الشهيرة بـ” فتوى التتار”. غير أن هذا التفسير يتناقض مع مذهب ابن تيميه في عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم حيث يقول في الإمام ابن تيميه الفتاوى مثلا ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، ص 28 ).
مفهوم التترس ومذهب مذهب اباحه قتل المسلمين والرد عليه: و هناك مذهب يتخذ قاعدة التترس( اى جواز قتل المسلم إذا تترس به الكافر)، كأساس شرعي لتبرير بعض العمليات العسكرية التي يترتب عليها قتل المسلمين ، غير أن كثير من العلماء يرى أن هذا التبرير غير صحيح للاتي:
أولا: أن التترس لا يكون إلا في حاله الحرب( الاشتباك العسكري).
ثانيا:أن من أباح التترس جعل له شروط لا تنطبق على هذه العمليات،و هي أن تكون المصلحة منه:
1. ضرورية: اى لا يحصل الوصول إلي الكفار إلا بقتل الترس.
2. كليه: اى أن عدم قتل الترس يترتب عليه أن يستولى الكفار على كل الامه .
3. قطعية: اى أن تكون المصلحة حاصلة قطعا. ( القرطبي ، الجامع لأحكام الفران، ج16، ص285) .
هذا مع وجوب تقرر أن هناك من الفقهاء من حرم الترس كالإمام مالك، استنادا إلي الايه (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة دون علم.. ليدخل الله في رحمته من يشاء.. لو تزايلو لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما)، فالايه تفيد وجوب مراعاة الكافر في حرمه المسلم.
الموقف من السنة النبوية : يرى أبو القاسم حاج حمد أن الحديث النبوي، في مجموعه مختلق وموضوع. من هنا فهو يرى وجوب الاكتفاء بالقرآن، وهو بناء على هذا فهو يرى ان المسلمون قد اخطوا بتأسيسهم لعلم الحديث ، خصوصا بعد أن نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث. ويرى ان سبب كتابه المسلمين للحديث الحديث اليهود، والرغبة في تقليدهم، ليكون لنا تلمود كما لهم تلمود (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص99). وهذا الموقف يتعارض مع موقف السلف وعلماء أهل السنة من السنة كمصدر للتشريع.
وعد الاخره : يرى ابو القسم حاج حمد أن المقصود بوعد الاخره في الايه (فإذا وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تدبيراً)، اغتصاب الصهاينة لفلسطين عام 1948(إبستومولوجيا المعرفة الكونية ،ص144). وهوتفسير خاطئ لان كل المفسرين قالوا ان المقصود بوعد الاخره مرحله الإفساد الأخرى اى الثانية ، يقول ابن كثير (وَقَوْله ” فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة ” أَيْ الْكَرَّة الْآخِرَة أَيْ إِذَا أَفْسَدْتُمْ الْكَرَّة الثَّانِيَة وَجَاءَ أَعْدَاؤُكُمْ لِيَسُوءُوا وُجُوهكُمْ ” أَيْ يُهِينُوكُمْ وَيَقْهَرُوكُمْ ” وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِد ” أَيْ بَيْت الْمَقْدِس “)، و هذا التفسير الخاطئ يقوم على ان المراد بأولى المرتين فتح عمر بن الخطاب( رضي الله عنه ) القدس، وان أخراهما لم يأت وعدها بعد، غير ان هذا التفسير مخالف لما ذهب إليه الأئمة والتابعين وكبار المفسرين، ومراجع التاريخ الإسلامي تدل على ان عمر بن الخطاب دخل القدس سلما لا حربا،وان هيكل اليهود المقدس كان مدكوكا كما عند ابن الأثير والطبري وابن كثير في فتح القدس.وأورد الحسن بن احمد ألمهلبي (ولما وصلت هيلانة إلى القدس بنت كنيسة القيامة على القبر الذي زعم النصارى أن عيسى قد دفن به، وضربت بيت المقدس إلى الأرض،وأمرت أن تلقي في موضعه قمامات وزبيلة، وبقى الحال على ذلك حتى قدم عمر وفتح القدس فدله بعضهم على موضع الهيكل، فنظفه عمر من الزبايل و بني به مسجدا).أما الاستدلال على صحة هذا التأويل بان قوله تعالى “عبادا لنا” لا تنطبق إلا على المؤمنين، وهؤلاء وثنيين فغير صحيح، اذ ورد إطلاق اللفظ على المؤمن والكافر كما في قوله تعالى “ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: أأنتم أضللتم عبدي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كنا نتخذ من دونك من أولياء”، وقوله تعالى “إن تعذبهم فهم عبيدك”، وقوله تعالى “ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض”. فالاشاره إلى اغتصاب فلسطين وتحريرها في عصرنا متضمن في قوله تعالى(وان عدتم عدنا) وليس في قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة ) .
معجزات الرسول : ينكر أبو القاسم حاج حمد معجزات الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ، ما عدا معجزة القرآن الكريم.وهو ما يتعارض مع إثبات السلف وعلماء أهل السنة لمعجزاته (صلى الله عليه وسلم )الكبرى (القران الكريم ) والصغرى.
العقوبة بين النص والاجتهاد: يدعو أبو القاسم حاج حمد إلى الاجتهاد في العقوبات ، دون تمييز بين العقوبات المقدرة، والتي تتضمن عقوبات الحد والقصاص، والتي الأصل فيها النص. و العقوبات غير المقدرة وهى عقوبات التعزير، والتي الأصل فيها الاجتهاد .
مفهوم إسلاميه المعرفة : يبنى أبو القاسم حاج حمد مفهوم إسلاميه المعرفة ، حيث يقول مثلا(إسلامية المعرفة عنوان مركب من إسلامية ومعرفة… فتركيب المعرفة على الإسلامية، يحمل تخصيصاً وتحديداً، بوصف هذه المعرفة الإسلامية مفارقة لغيرها، على مستوى المناهج الأخرى)( إبستومولوجيا المعرفة الكونية ،ص197) ، غير أن هذا المفهوم عنده ظل يتراوح بين مذهبين في تفسير الآيات الكونية والعلمية :
المذهب الأول:رد الأصل إلى الفرع: اى المذهب إلى يعتبر الآيات العلمية و الكونية بمثابة غايات للنص القرآني لا وسائل له ،وذلك من خلال شروعه في استخراج النظريات العلمية من هذه الآيات لا من الكون نفسه، دون تمييز بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة . هذا المذهب يجعل العلم الأصل (المطلق) والقرآن الفرع (المحدود) وذلك بتأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية معينة. فضلاً عن أن النظريات العلمية (كشكل من أشكال المعرفة الإنسانية) محدودة نسبية لذا تحتمل الصواب والخطأ وبالتالي فإن اعتبارها من القرآن يؤدي إلي نسبة هذا الخطأ إليه ، وقد وجه الشاطبى النقد لبعض أنصار هذا المذهب في عصره(جاءت الشريعة على معهود العرب وما تعرفه من علوم ولم تخرج مما ألفوه وان كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القران الحد فأضافوا إليه كل علم يذكره المتقدمين والمتأخرين… وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا اعرف بالقران وعلومه وما أودع فيه ولم يبلغنا أن تكلم منهم احد من شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم من أحكام التكاليف وأحكام الاخره…).
المذهب الثاني:رد الفرع إلى الأصل: أن الفهم الصحيح للآيات العلمية والكونية ينتهي بنا إلي التمييز بين آيات الأصول التي تتضمن أسس المنهج العلمي والدعوة إلى استعماله والآيات الكونية القطعية الدلالة التي هي بمثابة أمثله مضروبة للناس لاستعمال هذا المنهج العلمي للكشف عن السنن الالهيه في الطبيعة والإنسان.وآيات الفروع التي تتضمن الآيات الكونية ظنية الدلالة(تحتمل التأويل) والتي يمكن تفسيرها بما ينتهي إليه البحث العلمي من نظريات أثبت صحتها بالتجربة والاختبار مع تقرير أن هذا التفسير اجتهاد انسانى محدود ، يحتمل الصواب والخطأ ،وطبقا لهذا تصبح هذه النظريات العلمية هي جزء من هذا التفسير لا جزء من النص القرانى.
نظريه التطور العضوي: يتفق أبو القاسم حاج حمد مع نظريه التطور العضوي (الدارونيه) في القول بوجود مسافة زمنية بين الطين والخلق البشرى، وهو يستشهد هنا بقوله تعالى( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً) (الأنعام/2) (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص264-266)، واعتراضه الوحيد على نظريه التطور العضوي هو على حصرها الأجل بالمرحلة القردية.
نقد نظريه التطور العضوي: وموقفه يتجاهل النقد الذي وجه للنظرية من جهتى العلم والدين .
أولا:العلم: لم يكن داروين أول من قال بالتطور العضوي ، فقد كان هذا المفهوم موجودا في التراث الفلسفي الغربي (الاغريقى)، حيث قال به بعض الفلاسفة اليونانيين ومنهم اناكمندريس الذي افترض أن جميع الإحياء كانت أشبه بالأسماك ، وان الإنسان تطور عن نوع من الأسماك ، لكن داروين نقل هذا المفهوم من مجال الفلسفة إلى مجال العلم عندما التزم بالمنهج العلمي في تناوله للمفهوم، غير أن انتماء المفهوم للعلم لا يعنى بأنه صحيح بالضرورة ، حيث أن ما هو علمي هو محصله تطبيق المنهج العلمي على الظاهرة المعينة ، لكن ما هو علمي قد يكون صحيحا إذا وافق الواقع والسنن والقوانين التي تضبط حركته، وقد يكون خطاْ أذا خالف هذا الواقع والسنن والقوانين التي تضبط حركته، وهنا نشير إلى أن نظريه التطور العضوي هي نظريه علميه (بمعنى أنها محصله تطبيق المنهج العلمي في ظاهره الصلة بين الأنواع)، لكنها تنطوي على قدر كبير من الخطأ لعده أسباب أهمها :أولا: أنها تتناقض مع قوانين علم الوراثة، التي تثبت أن لكل كائن حي خريطة وراثية مختلفة عن الخريطة الوراثية للكائنات الأخرى،ثانيا : أن الطبيعة حتى في عالم الأحياء تتحول ولا تتطور ، وكما يقول د. عصمت سيف الدولة ( لقد كان المؤشر لانتباه داروين ملاحظته الفلاحين يقومون بتهجين حيواناتهم ليستولدوها سلالات جديدة أفضل، جديدة بمعنى أنها ما كانت لتولد بدون تهجين ،وأفضل بمعنى أنها أكثر مناسبة لما يريد الفلاحون ،كان أولائك الناس يطورون الواقع طبقا لقانونهم (الجدل)، بالتحكم في قوانين الحيوان(الوراثة)، فلما لاحظ داروين خلال رحلته اختلاف الأنواع فى عالم الحيوان، عمم ملحوظته الأول وظن أن ثمة انتخابا بين الأنواع تختاره الطبيعة، والواقع انه لم يلاحظ إلا كيف تؤثر الأنواع في الطبيعة وتتأثر بها ، فتغيير خصائصها بدون انتخاب أو اختيار، إنها تتلاءم مع بيئتها سلبيا فتتغير، ولا تغير بيئتها ايجابيا لتلائمها كما يفعل الإنسان، أما ما ظنه صله بين الأنواع ولم يعرف كيف تحدث ، فذلك ما عرفه مندل الذي كان معاصرا لداروين وان لم يكن حينئذ معروفا ،ولم يعرف إلا عندما اعترف العالم والعلم بعد ذلك بوقت غير قصير، بما كان قد اكتشفه من قوانين الوراثة ،ولم تعد الداروينيه – أو الداروينيه الحديثة كما يسمونها – إلا محصله دراسة فاعليه قوانين الوراثة في الأنواع ، وفيما بينها في نطاق قوانين التأثير المتبادل والحركة والتغير، التي تحكم العلاقة بين الأنواع وبيئتها، وقوانين الوراثة ذات دلا له مذهله على اتساق قوانين الطبيعة وخلوها من التناقض ، وهكذا نعرف أن الطبيعة حتى في عالم الأحياء تتحول ولا تتطور …) (النظرية / ج1 / ص120-121).غير انه يجب تقرير أن نظريه التطور العضوي رغم أنها تنتمي إلى مجال العلم، إلا أنها تنتمي إلى فروع التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم(اى المفاهيم الكلية المجردة السابقة على البحث العلم في الظاهرة المعينة)،أكثر من انتمائها إلى فروعه التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي(اى الظواهر الجزئية العينية والقوانين التي تضبط حركتها)، لأنها لا تبحث في نوع معين في زمان ومكان معينين ، بل تبحث في الصلة بين كل الأنواع في كل زمان ومكان، فهي تعميم في الزمان والمكان، هذا فضلا عن أنها افتراض وليست قانون علمي تثبت التحقق من صحته بالتجربة والاختبار العلميين.
ثانيا: الدين: إن نظريه التطور العضوي هي شكل من أشكال المفهوم المادي للتطور ، وكلاهما – فيما نرى – يتناقضان مع المنظور الاسلامى للوجود ومنهج المعرفة الاسلامى ، حيث يلزم منهما منطقيا نفى وجود فاعل مطلق اوجد الكائنات الحية المختلفة،أو نفى فاعليه هذا الفاعل المطلق،بصرف النظر عن الاعتقاد الذاتي لمن يعتقد بصحة هذه النظرية وهذا المفهوم ، وهنا يجب الاشاره إلى أن هناك بعض الكتاب الإسلاميين المحدثين المعاصرين ،الذين اعتقدوا بصحة هذه النظرية كليا أو جزئيا ، وحاولوا إثبات صحتها بالاستدلال ببعض النصوص،( ومنهم : الشيخ طنطاوي جوهري “تفسير الجواهر” ، و الأستاذ عبد الكريم الخطيب “التفسير القرآني للقرآن” ،والدكتور علي عبد الواحد وافي ، د. حسن حامد عطية ” قضية الخلق ” والدكتور عبد الصبور شاهين ” أبي ادم : قصة الخلق بين الحقيقة والأسطورة”…). لكن هؤلاء الكتاب لم ينتبهوا إلى هذا التناقض بين ما يلزم منطقيا من هذه النظرية والإسلام كمنظور للوجود ومنهج،كما أن هناك الكثير من أوجه الخطأ في استدلالاتهم، ومن هذه الاستدلالات الخاطئة أن بعضهم اعتبر أن افتراض وجود سلف لأدم (عليه السلام ) من الكائنات الحية والتي انحدر منها ، هو الاجابه المطلوبة على السؤال: كيف عرفت الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض ويسفك الدماء ، غير أن هذه الاجابه مرجوحة ، حيث أن الإجابات الراجحة عند العلماء هي : أولا: أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم ، وإن كان ذلك لم يذكر في السياق ( ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة )، ثانيا: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم على الأرض ، وهم الجن وليسوا كائنات حيه ( ابن عباس وأبي العالية ومقاتل) ، ثالثا: أنهم فهموا ذلك من الطبيعة البشرية ( ابن تيمية في منهاج السنة)، رابعا: أنهم فهموا من قوله تعالى ( خليفة ) أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ، ويردعهم عن المحارم والمآثم ( القرطبي في الجامع لأحكام القرآن) ، هذا فضلا عن أن هذه الاستدلالات – في مجملها – تقوم على أساس خاطئ هو جعل العلم هو الأصل (المطلق) والقرآن هو الفرع (المحدود) ،وذلك بتأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية التطور العضوي،في حين أن هذه النظرية –وغيرها من النظريات العلمية – هي شكل من أشكال المعرفة الإنسانية المحدودة النسبية ، والتي تحتمل الصواب والخطأ ،وبالتالي فإن اعتبارها من القرآن يؤدي إلي نسبة هذا الخطأ إليه. وعلى سبيل المثال فان هناك من يستدل بالايه ( مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) (نوح : 14-13) باعتبار أنها تشير إلى مراحل خلق الإنسان كنوع ، بينما الايه تشير إلى مراحل تخلق الجنين في رحم امه، يقول الإمام الطبري في تفسير الايه ( وقد خلقكم حالاً بعد حال طورا نُطْفة وطورا عَلَقة وطورا مضغة ).
نحو فهم صحيح لموقف العلماء المسلمين من مفهوم التطور العضوي :وقد قرر بعض الباحثين أن بعض العلماء المسلمين كالقزوينى وابن مسكويه وابن خلدون سبقوا تشارلس داروين في اكتشاف التطور العضوي،غير أن تركيز هؤلاء الباحثين على إثبات الاسبقيه الزمنية للعلماء المسلمين على علماء الغرب، حال دون أن يتنبهوا إلى أن أقوال هؤلاء العلماء لا يمكن أن تندرج تحت إطار التطور العضوي – الطبيعي – المادي، لأنها لا تفيد معنى حدوث تطور(ذاتي) لنوع إلى آخر، وبدون تدخل فعل (موضوعي) ، ولكنها يمكن أن تندرج تحت إطار مفهوم التطوير الالهى ، لأنها تفيد معنى حدوث تطوير لهذه الأنواع ككل ، بواسطة فاعل مطلق، والدليل على ذلك أن هؤلاء العلماء يؤمنون- كمسلمين – بوجود عالم غيبي مطلق عن الزمان والمكان ، يحد – ولا يلغى – عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، كما يؤمنون بمفهوم الخلق القرانى، الذي يجمع بين الإيجاد من العدم “الأمر” والإيجاد من ماده سابقه وعلى مراحل “التسوية والتقدير والهدايه “، وهو الأمر الذي يتأكد من خلال استخدامهم للعديد من المصطلحات التي تتصل بعالم الغيب أو مفهوم الخلق.
زى المراه : يرى أبو القاسم حاج حمد أنه ليس على المرأة تغطية رأسها أو وجهها أو ذراعيها أو ساقيها. باعتبار أن آيات الحجاب تأمر بتغطية الجيوب التي يفسرها بأنها وسط المرأة لا غير (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص105). وهو ما يتعارض مع إجماع السلف وأهل السنة والمذاهب الاربعه على ضابط ستر سائر البدن عدا الوجه والكفين.
أولا: تفسير قوله تعالى وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)عند السلف والائمه والمفسرين :
قال ابن عباس وابن عمر وعائشة من الصحابة أنها الوجه والكفان …وهذا القول قد أختاره من أئمة المذاهب مالك والشافعي وأبي حنيفة ،ورواية عن أحمد، كما اختاره من المفسرين الطبري والجصاص والبغوي والزمخشري وبن عربي والفخر الرازي والقرطبي والخازن وأبو حيان والنيسبوري ، على سبيل المثال يقول الامام الطبري في تفسيره(وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الوجه والكفان، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل: لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، فإذا كان من جميعهم إجماعاً كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كذلك للرجال، لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوماً أنه مما استثناه الله تعالى، ذكره بقوله: إلا ما ظهر منها، لأن كل ذلك ظاهر منها. )
ثانيا: أاتفاق المــذاهـــب الأربعة على ضابط ستر سائر البدن عدا الوجه والكفين:
وقد اتفقت المذاهب الاربعه على وجوب ستر سائر البدن عدا الوجه والكفين:
أولا: المذهب الحنفي : ورد في تحفة الملوك ص 63 (وعورة الحرة البالغ جميع بدنها وشعرها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين)، وورد في فتاوى السغدي 1- 60 (وعورة المرأة جميع جسدها ما خلا الوجه والكفين).
ثانيا:المذهب المالكي : ورد في في الفواكه الدواني: ج 1/ ص130 (وأن عورة الحرة مع المسلمين الأجانب جميع جسدها إلا وجهها وكفيها ) ،وورد وفي حاشية العدوي: ج1/ ص215(وأما عورة الحرة مع الذكور المسلمين الأجانب فجميع جسدها إلا وجهها وكفيها ).
ثالثا: المذهب الشافعي : ورد في حلية العلماء :ج 2 /ص 53 (والحرة جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين وبه قال مالك وقال أبو حنيفة قدمها أيضا ليس بعورة ..)
رابعا:المذهب الحنبلي : ورد في الهداية للكلوذاني: ج1 /ص 28 (عورة المرأة الحرة جميع بدنها إلا الوجه، وفي الكفين روايتان) ، وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: 1/187 ( قال القاضي عياض في حديث جرير رضي الله عنه سألت رسول الله عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري “، قال العلماء رحمهم اله تعالى وفي هذا حجة في أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها ،وأنما ذلك سنة مستحب لها، وعلى الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال …. فأما على قولنا وعلى قول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة)
ثانيا :المستوى الفلسفي للتراث الفكري لابو القاسم حاج حمد
تمهيد: أما مضمون الموقف النقدي من التراث الفكري لابو القاسم حاج حمد على المستوى الفلسفي – فينقسم إلى:
أولا: نقد داخلي : مضمونه نتناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث اتساق أو تناقض مفاهيمه مع بعضه البعض، وهنا تخلص هذه القراء إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم ، كما أن هناك تناقض بين بعضها الأخر، ومن هذه المفاهيم المتناقضة مع بعضها:
العلاقة بين الدين والدولة: يرى أبو القاسم حاج حمد أن المفهوم السائد عن الإسلام بأنه (دين ودولة)هو مفهوم ثيوقراطي غير صحيح فالدولة الإسلامية ـ في نظره ـ علمانية سياسياً (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص109). ولكنه في موضع اخر يقرر أن الإسلام لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ، ص110).
النص القرانى بين الإطلاق والمحدودية: دعا أبو القاسم حاج حمد إلى اعتبار القرآن كتابا كونياً، قادرا على استيعاب المتغيرات العالمية وهضمها (إبستومولوجيا المعرفة الكونية ،ص24). لكنه في موضع آخر ينعى على الوضعية إغفالها إطلاقية النص القرآني، كأنه نص بشري محكوم بعلاقات التاريخ (المرجع السابق، ص39).
الاستشهاد بالسنة: ورغم أن أبو القاسم حاج حمد يرى ان السنة النبوية بمجملها مرفوضة، لكنه مع ذلك ما يستشهد بها، وبسيرة ابن هشام.
ثانيا: نقد خارجي: و مضمونه تناول مفاهيم هذا التراث الفكري من حيث صدقها الواقعي ،وأوجه الصواب والخطأ فيها .
مفهوم الوسطية : مفهوم الوسطية عند أبو القاسم حاج حمد مكاني جغرافي،بينما مفهوم الوسطية هو مفهوم معرفي قيمي.
تعريف المفهوم: الوسط لغة له عده معنى منها : ماله طرفان متساويا القدر(مفردات الراغب/ مادة وسط/ص869)،والعدل (القاموس المحيط /ص893)،وخيار كل شيء (ابن أبي الحديد /شرح النهج /ج17/ ص29)،والمعتدل من كل شيء( المعجم الوسيط /ج2 /ص1030 )
أما الوسط اصطلاحا فقد ورد أيضا بعده معاني منها : ما بين طرفي الشيء ومن ذلك قوله تعالى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238]،والتوسط بين الإفراط والتفريط ( ابن جرير الطبري :3 / 242)،والخيار الأجود (ابن كثير : 1 / 275)، واعتبار الشىء بين الجيد والرديء كما فى قوله تعالى { من أوسط ما تطعمون به أهليكم } (المائدة: 89 )… ومرجع تعدد نعريفات المفهوم هو تعدد الزوايا التى ينظر منها للمفهوم، وبالتالى فان العلاقه بين هذه التعريفات هى علاقه تكامل لا تناقض. والتعريف الذى نرجحه لمفهوم الوسطية منظور اليه من زاويه منهجيه، هو تعريفه بأنه الموقف القائم منهجيا على: رفض الوقوف إلي أحد الطرفين المتناقضين ” من جهة النفي “، وعلى الجمع والتأليف بينهما، من خلال محاوله إلغاء التناقض بين هذين الطرفين”من جهة الإثبات”. وهو تعريف يتسق مع التعريفين الأولين للمفهوم فى لغة وفى الاصطلاح.
أدله المفهوم : وقد وردت الاشاره إلى المفهوم فى العديد من النصوص كما فى قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾( الفرقان:67)،وقوله تعالى (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا ). وفى الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الأَوْسَطِ فَقَالَ:( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ) ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآَيَةَ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾،ونقل عن علي بن ابى طالب (رضي الله عنه) قوله: (عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل ) ( أبو عبيد / غريب الحديث).كما أشار العلماء إلى المفهوم يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) (مدارج السالكين :2/496( .
مفهوم الجدل :استخدم أبو القاسم حاج حمد مصطلح الجدل بدلاله خاصة تقارب معنى التأثير المتبادل، بينما دلاله المصطلح العامة المشتركة هي ( التطور من خلال صراع المتناقضات)، وهى الدلالة التي استخدمها كل من هيرقليتس وهيجل وماركس …
الوضعية : استخدم أبو القاسم حاج حمد مصطلح الوضعية كمصطلح نقيض لمصطلح (ديني) (شرعي)، فضلا عن إطلاقه وصف (وضعي ) على مجمل التراث الفلسفي والعلمي الغربي ، بينما الوضعية هي مدرسه فلسفيه غربيه معينه ، ذات مقولات فلسفيه محدده .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s