الرعاية الصحية من منظور فلسفي مقارن

Résultat de recherche d'images pour "‫الرعاية الصحية‬‎"

الرعاية الصحية من منظور فلسفي مقارن
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
أولا: تعريف الرعاية الصحية : هي الخدمات الصحية الشاملة الاساسيه ، التي توفرها الدولة لمواطنيها ، سواء عبر القطاع “الصحي” العام أو الخاص، بهدف الحفاظ على صحة كل افرد المجتمع ، و تشكل محور ونواه النظام الصحي . وللرعاية الصحية مقومات ثلاثة هي ( الوقاية والعلاج والتأهيل) . ومن عناصر الرعاية الصحية “الأولية” : التوعية الصحية / الإصحاح الأساسي للبيئة/ توفير الأغذية وتعزيز التغذية الجيدة/ خدمات أمومة وطفولة شاملة/ التطعيم والتحصين ضد الأمراض المعدية/ مكافحة الأمراض السارية (المعدية والمتوطنة)/ علاج الأمراض الشائعة في المجتمع / توفير الأدوية الأساسية. وتتضمن فلسفة وأسس الرعاية الصحية الاوليه: عدالة التوزيع / التعاون بين الأجهزة ذات العلاقة /مشاركة المجتمع / استعمال وسائل وتقنيات”طبية” صالحة عملياً وسليمة علمياً ومقبولة اجتماعياً ( ويكيبيديا: الموسوعة الحرة /منتدى الجودة الشاملة منطقة جازان :إدارة المراكز الصحية الأولية)
ثانيا: فلسفه الرعاية الصحية الغربية: تضمنت فلسفه الرعاية الصحية الغربية العديد من النظريات ومنها:
النظرية الراسماليه: لا يمكن الحديث عن موقف الراسماليه – بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد – من الرعاية الصحية ،إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي لكليهما ، فعلى المستوى النظري نجد أن الراسماليه تستند- كنظام اقتصادي ليبرالي –إلى فكره القانون الطبيعي ” القائمة على أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما ، من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة، اى دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع “، وطبقا لهذا فان الموقف الراسمالى من الرعاية الصحية – على المستوى النظري- هو وجوب خضوع الرعاية الصحية لقوانين السوق ” العرض والطلب، المنافسة الحرة ، الربح والخسارة… “، ورفض اى برامج للرعاية الصحية الحكومية ، باعتبارها شكل من أشكال تدخل الدولة المرفوض في هذه النظرية . أما على المستوى التطبيقي فقد اثبت واقع المجتمعات الراسماليه ذاته خطاْ هذا الموقف الراسمالى ،إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة – ومن أشكاله برامج الرعاية الصحية الحكومية – مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل، ذلك أن المنافسة الحرة في النظام الاقتصادي الراسمالى في المجتمعات الغربية قضت على حرية المنافسة لتنتهي إلى الاحتكار ، اى أن التجربة أثبتت أن ترك كل فرد يفعل ما يشاء سينتهي إلى أن لا يستطيع الاغلبيه فعل ما يريدون. و بعد انهيار الكتلة الشرقية، وظهور نظام عالمي جديد أحادى القطب ، ظهرت بعض الدعوات التي تلتزم الموقف النظري الراسمالى- الليبرالي – السلبي من التدخل الدوله ، إلا أن هذه الدعوات شكلت الأساس الايدولوجى للازمات الاقتصادية العالمية الاخيره التي تعصف بالنظام الاقتصادي الراسمالى العالمي ، مما أدى إلى تجدد الدعوات إلى ضرورة تدخل الدولة، ومن أشكاله برامج الرعاية الصحية الحكومية.
تقويم : وهكذا يتضح لنا أن هناك تناقض بين الموقفين النظري والعملي للنظرية الراسماليه من دور الدوله في الرعاية الصحية، فالموقف الأول يرفض اى برامج للرعاية الصحية الحكومية ، باعتبارها شكل من أشكال تدخل الدولة المرفوض في هذه النظرية بينما الموقف الثاني يدعو إلى ضرورة تدخل الدولة، ومن أشكاله برامج الرعاية الصحية الحكومية.
النظرية الماركسية :الموقف الماركسي من الرعاية الصحية ينطلق من الفلسفة الاقتصادية الماركسية ،التي تستند إلى المنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية ،التي هي محصله تطبيقه على التاريخ،والتي مضمونها أن البنية الفوقية “الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية “مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية “أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين : أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج ” ،وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج. وهذا التطور يتم عبر أطوار هي:الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية ، وفيها يجب الإلغاء الشامل للملكية الخاصة لكل أدوات الإنتاج .وبناءا على ما سبق فان الموقف الماركسي- من الرعاية الصحية قائم – على الأقل على المستوى النظري – على الإشراف الحكومي المباشر والشامل للرعاية الرعاية الصحية بكافه مجالاتها وقطاعاتها .
تقويم : إن تجربه النظم الاشتراكية- الماركسية وغير الماركسية – في مجال الرعاية الصحية لم تثبت فشل تدخل الدولة في حل مشكله الرعاية الصحية- كما يرى المفهوم الليبرالي الراسمالى – وإنما أثبتت أن تدخل الدولة لابد أن تلازمه جمله من الشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسياسية ، لكي ينجح في حل مشكله الرعاية الصحية ومنها: أولا: الديموقراطيه وما يصاحبها من شفافية، وتطهير القطاع العام من بيروقراطيه وفساد ،ثانيا: التمييز بين: ا/ الملكية الفردية ، بما هي حق تصرف الفرد بالمال المقيد بمصلحه المجتمع،والتي يجب الإقرار بها- بما يعنى الإقرار بخضوع بعض قطاعات الرعايه الصحية للقطاع الخاص، بشرط آن يكون خاضع لرقابه الدوله ، لضمان عدم التعارض مع مصلحه المجتمع ، ب/ الملكية الخاصة ، والتي مضمونها حق التصرف المطلق في المال، دون اعتبار لمصلحه المجتمع ،والتي يجب رفضها- بما يعنى رفض خضوع الرعايه الصحية لقوانين السوق،دون اى رقابه أو تدخل للدولة، وبالتالي تحويلها إلى سلعه يتحكم بها قله ، تستهدف الربح ، ولو على حساب مصلحه المجتمع،، كما فى النظرية الراسماليه.
نظرية المرض كظاهرة بيولوجيه – اجتماعيه ( تالكوت بارسنز ) : يرى تالكوت بارسنز أن المرض ليس ظاهرة بيولوجية فحسب ، بل انه ظاهرة اجتماعية أيضا ، فالمجتمع الإنساني لا يتطور تطوراً طبيعياً ، ما لم يقم الأفراد جميعاً بأداء أدوارهم الاجتماعية في كل الاوقات . فإذا تعرض احدهم لمرض من الأمراض أصبح دوره الاجتماعي شاغراً، لأنه لا يستطيع القيام بتأدية ذلك الدور المناط به اجتماعياً . والنتيجة ، إما أن يحال ذلك الدور إلى فرد سليم من الناحية الصحية ، وإما أن يبقى شاغراً دون شاغل يشغله . وهذا التبدل في الأدوار الاجتماعية يسلط ضغطاً ويولد إرباكا ضد الحركة الطبيعية للنظام الاجتماعي . وبما أن المرض عامل اجتماعي سلبي على الإنسان ، فان نزوله بعضو من أعضاء النظام الاجتماعي يضع ذلك المجتمع وجهاً لوجه أمام مسؤولياته في التعامل مع ذلك المريض . ولذلك فان الجهة التي تحدد المرض يجب ان تتمتع بشرعية قانونية يقرها النظام الاجتماعي ، حتى تستطيع تعويض الخسارة الاجتماعية التي يجلبها المرض على الفرد والعائلة والنظام الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام…( تالكوت بارسنز / بحوث في النظرية الاجتماعية/ نيويورك /المطبعة الحرة ، 1954 م).
تقويم : تركز النظرية على الأمراض التي يمكن علاجها في فتره زمنيه قصيرة ،و لكنها تتجاهل- أو تقلل من قيمه – الأمراض المزمنة . كما أن النظرية تركز على الطب العلاجي وتتجاهل- او تقلل من قيمه – دور الطب الوقائي.
نظريه الصراع الاجتماعي : ترى أن الرعايه الصحية مصدراً من مصادر القوة الاجتماعية التي اهتم بها الرأسمالي و النظام الراسمالى، ولما كان المجتمع الرأسمالي مبنياً على المنافسة الاقتصادية ، فان المنافسة للسيطرة على النظام الصحي تحمل معها كل معاني المنافسة الاقتصادية ، لان النظام الصحي يدر على الطبقة الرأسمالية مقداراً هائلاً من الثروة ؛ ناهيك عن اندماج قادة النظام الصحي في العملية الرأسمالية ، وخصوصاً عمليات الاستثمار وما يصحبها من قدرة على تحويل القوة الاقتصادية الى قوة سياسية . وإذا كان توزيع الثروة في المجتمع الرأسمالي محصوراً في الطبقة الرأسمالية القوية ، فان النظام الصحي ـ بكل ما يجلبه من خيرات سيكون حتماً ـ في قبضة اليد الرأسمالية ؛ لان هذا النظام الصحي يمثل الطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي… (هاورد ويتكن/ المرض الثاني : تناقضات العناية الصحية الرأسمالية . شيكاغو : مطبعة جامعة شيكاغو ، 1986 م). (الدكتور زهير الأعرجي/ كتاب النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم )
تقويم : هذه النظرية تركز على التأثير السلبي للنظام الراسمالى على النظام الصحي “تحويله إلى سلعه يتحكم بها الطبقة الراسماليه “، ولكن النظرية تتجاهل أن المجتمعات الغربية – وتحت ضغط الحركات النقابية والعمالية والحركات السياسية الاشتراكية- وضعت برامج للرعاية الصحية الحكومية ،غير الخاضعة لسيطرة الرأسماليين.
ثالثا: الرعاية الصحية في فلسفه الطب الاسلامى:
ا/ المواقف المتعددة من مفهوم “الطب الاسلامى”في علاقته بقضية تأصيل العلوم: هناك ثلاثة مواقف من مفهوم “الطب الاسلامى ” – من جهة صلته بمشكلة تأصيل العلوم – وهي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة، اى مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري”المتضمن للتقدم العلمي” في المجتمعات المسلمة ؟
الموقف الأول: القبول المطلق (التقليد): وهو موقف يفسر مفهوم” الطب الاسلامى”- في علاقته بقضية تأصيل العلوم -بما يفيد الاكتفاء بما جاء به الوحي من نصوص قطعية عن الظواهر الصحية والطبية السلبية “كالأمراض” والايجابية “كأساليب الوقاية من الإمراض آو أساليب علاجها” (الجزئية، العينية) ، واجتهادات العلماء المسلمين، في فهم ما جاء في الوحي من نصوص ظنية، أو دراسة هذه الظواهر طبقاً للنصوص القطعية ، مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات المعاصرة في مجال الطب ، دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت مجال فلسفه الطب، أو تلك التي تنطوي تحت مجال علم الطب هذا الموقف ينطلق من موقف معين من مشكله الاصاله والمعاصرة، مضمونه أن تحقيق التقدم الحضاري ،”المتضمن للتقدم العلمي” للمجتمعات المسلمة ،يكون بالعودة إلى الماضي، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة وإسهاماتها العلميه – بما فيها إسهاماتها في مجال علم الطب- وبمنظور علم أصول الفقه يقوم هذا الموقف على الوقوف عند أصول الدين وفروعه،اى دون تمييز بينهما. كما أن هذا الموقف يقوم يحاول الكشف عن الظواهر الصحية والطبية السلبية والايجابية (الجزئية، العينية) وقوانين حركتها لا في الإنسان ولكن في القرآن، وبالتالي إحالة القرآن من كتاب لهداية الناس لما فيه صلاحهم في كل زمان ومكان ،إلى كتاب في العلوم الصحية والطبيه ، دون الانتباه إلى أن النظريات العلمية الطبية ،التي تجئ كمحصلة للبحث أو الكشف عن الظواهر الطبية الجزئية العينية ، هي محدودة نسبية تحتمل الصواب والخطأ ، ومعيارها التجربة والاختبار العلميين، بينما القرآن مطلق لا يحتمل الصواب والخطأ ومعياره الإيمان.والواقع أن أقصى ما يقدمه هذا الموقف في مجال علم الطب هو محاولة تأويل النص القرآني- دون تمييز بين كونه نص قطعي أو ظني الدلالة، ليتفق مع نظريات علمية طبية معينه ، ليجعل بذلك العلم ونظرياته الأصل ، والقرآن الفرع .
الموقف الثاني: الرفض المطلق (التغريب): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق لمفهوم “الطب الاسلامى ” ، وعمليه تأصيل العلوم ، فهو ينفى وجود طب اسلامى باى كيفيه من الكيفيات ، وهذا الموقف يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال الطب، دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت إطار فلسفه الطب ، وتلك التي تنطوي تحت إطار علم الطب. وهذا الموقف ينطلق من موقف ينطلق من موقف معين من مشكله الاصاله والمعاصرة، مضمونه أن تحقيق التقدم الحضاري “المتضمن للتقدم العلمي” للمجتمعات المسلمة، لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور، وتبني قيم المجتمعات الغربية ، في منظور علم أصول الفقه يقوم هذا الموقف على تبني مفاهيم موقيم وقواعد كليه لحضارة أخرى وان تناقضت مع أصول الدين “وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض”.
الموقف الثالث: الموقف التقويمي “النقدي”(التجديد): وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين ثلاثة مجالات للطب :
أولا: فلسفه الطب : التي تتضمن المفاهيم “الكلية المجردة ” التي تسبق- وفى ذات الوقت يستند اليها – البحث العلمي في الظواهر الصحية والطبيه السلبية والايجابية (الجزئية العينية ) .
المجال الاصلى للطب الاسلامى: وهذا الموقف يرى أن هذا المجال هو المجال الاصلى – الرئيسي –للطب الاسلامى – وكذا عمليه تأصيل علم الطب –وطبقا لهذا المجال فان الطب الاسلامى – أو بالأحرى فلسفه الطب الاسلامى – هو نشاط معرفي عقلي، يبحث في مسلمات نظرية كلية ، سابقة على البحث العلمي في الظواهر الصحية والطبيه (الجزئية العينية)، يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن هذه الظواهر، ضوابط موضوعية مطلقة له، كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن هذه الظواهر ،أو دراساتهم المتعلقة بهذه الظواهر الجزئية العينية، نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي.ويشمل هذا المجال: الفلسفة الاسلاميه في الوجود الانسانى ، وموقف الإسلام كدين من الصحة والطب ،وفلسفته في الرعاية الصحية ،والقيم الاخلاقيه الطبية الاسلاميه … وهذا الموقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق، لإسهامات المجتمعات المعاصرة في مجال فلسفه الطب، إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية ، والرد والرفض لما يناقضها
ثانيا:علم الطب: الذي يتضمن الدارسة العلمية- التجريبيه – النظرية للظواهر الصحية والطبيه (الجزئية العينية ).وهذا الموقف يرى أن الأصل في هذا المجال هو البحث في الإنسان وليس في القران،اى دراسة الظواهر الصحية والطبية (الجزئية العينية ) دراسة علميه- تجريبيه – .
وقد تضمنت بعض الآيات ألقرانيه والأحاديث النبوية القطعية الدلالة(التي لا تحتمل التأويل) تفسيرات معينه لبعض الظواهر الصحية والطبية ، والتي اثبت علم الطب صحتها لاحقا، وهذه النصوص هي بمثابة أدله لإثبات إعجاز القران والحديث ،واثبات لاتساق- عدم تناقض – الوحي مع الكون والسنن الالهيه التي تضبط حركته ، نسبه لوحده مصدرهما (وهو الله تعالى )، وفى نفس الوقت فان هذه النصوص هي بمثابة أمثلة مضروبة للناس من أجل حثهم على البحث العلمي في السنن الإلهية التي تضبط الواقع الطبيعي والإنساني لا الاكتفاء بما في القرآن.هذا الموقف لا يقول بالقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم الطب، بل يرى أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين ،فما تحقق من صحته وجب قبوله ،وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار. وهنا نستدل بتقرير علماء أهل السنة جواز الأخذ من الكافر في الأمور الدنيوية المتضمنة لعلم الطب ، بشرط عدم تناقضها مع الدين، يقول ابن تيمية ( “فإن ذِكْر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء؛ ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيبر) ( مجموع فتاوى ابن تيمية /العقيدة / كتاب مفصل اعتقاد السلف / مسألة مذهب السلف والمتأخرين في الاعتقاد والأصح منهما )، ويقول ابن القيم ( في استئجار النبي – صلى الله عليه وسلم – ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة – رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (البدائع).
ثالثا: فن الطب : الذي يتضمن الأساليب الصحية والطبيه العملية- التطبيقية “المتضمنة للخبرة الطبية” .والطب الاسلامى يشمل- في هذا المجال-الأساليب الصحية والطبيه ،التي استخدمها الأطباء المسلمين- سواء كانت من ابتكارهم أم من إسهامات المجتمعات المعاصرة لهم – وهى نقطه بداية – وليست نقطه نهاية- لاى اجتهاد فى هذا المجال.هذا الموقف يقول بأخذ وقبول ما وافق الدين وواقع المجامعات المسلمة من إسهامات المجتمعات المعاصرة فى هذا المجال ورد ورفض ما خالفهما .
الموقف من مشكله الاصاله والمعاصرة : هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري “المتضمن للتقدم العلمي” يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام-التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة – سواء كانت من إجتهاد المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.
ب/ الأسس الفلسفية للطب الاسلامى:
الاستخلاف والأساس “الانسانى – الروحي” للطب الاسلامى : يمثل الاستخلاف المفهوم المحوري في الأساس الفلسفي للطب الاسلامى ، لأنه يمثل – كعلاقة – الحكمة “الفلسفة” الإسلامية ، التي تحاول تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف الثلاثة : المستخلف” الله تعالى” والمستخلف”الإنسان” والمستخلف فيه “الكون” ، كما انه يمثل – كمفهوم- احد المفاهيم الكلية التي تستند إليها هذا الحكمة ” الفلسفة ” الاسلاميه- بالاضافه إلى مفهومي التوحيد والتسخير- والاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26،ص199). وإذا كانت الوكالة نوعان: عامه وخاصة فان الاستخلاف ورد في القران بما يقابل هذين النوعين، فقد ورد بمعنى الوكالة العامة ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ،وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني الذى أشارت إليه العديد من النصوص كقوله تعالى﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾. كما الاستخلاف ورد بمعنى الوكالة الخاصة، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الكريم الوجود بمملكه ملكها الله تعالى ، والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض،تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى (ألخلافه النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه… وإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص156 )، ومضمون الأخير إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيته الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( روح المعنى،ص223)، وقد أشارت العديد من النصوص إلى هذا النوع من الاستخلاف بقسميه الخاص المقصور على الأنبياء، والعام الشامل للجماعة : قال تعالى ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره﴾.وهذه الفلسفة الاسلاميه ذات طبيعة إنسانيه – روحيه ، تنتهي إلى التأكيد قيمه الوجود الانسانى،وإثبات هذا الوجود بأبعاده المتعددة :المادية والروحية ،كوجود محدود تكليفيا بالسنن الالهيه ” الكلية والنوعية “، التي تضبط حركه الوجود” الشهادى “الشامل للوجود الطبيعي ” المسخر، و الانسانى “المستخلف”، فهي تجعل العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى بأبعاده المتعددة علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة إلغاء وتناقض ” كما في الفلسفات الانسانيه الغربية.
التوازن بين الأبعاد المادية والروحية للإنسان : ففلسفه الطب الاسلامى تستند إلى فلسفه إسلاميه للوجود الانسانى، قائمه على أن الوجود الانسانى “المستخلف” ليس وجود بسيط ، بل هو وجود مركب من أبعاد ماديه”حسية شهاديه” وروحيه”غيبيه” متفاعلة ، وضرورة تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة ، فهى ترفض إشباع حاجاته المادية وتجاهل حاجاته الروحية، كما ترفض إشباع حاجاته الروحية وتجاهل حاجاته المادية ،وتدعو إلى إشباع حاجاته المادية والروحية معا قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]. وقال تعالى(قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [الأعراف:32]. وهنا يجب تقرير أن علماء الإسلام قد قالوا باولويه إشباع حاجات الإنسان المادية ، على إشباع حاجاته الروحية، اولويه ترتيب لا اولويه تفضيل ، يقول الإمـام الغزالي(صلاح الأبدان مقدم على صلاح الأديان).
الجمع بين الدين والدنيا: فهذه الفلسفة الاسلاميه للوجود الانسانى –التي تستند إليها فلسفه لطب الاسلامى – ترفض التركيز على الدنيا وتجاهل الدين ، كما يرفض التركيز على الدين وتجاهل الدنيا ، وتقوم على الجمع بين الدنيا والدين .
مذاهب في طبيعة الطب الاسلامى:إذا كانت فلسفه الطب الاسلامى قائمه على أن للإنسان بعدين ” روحي و مادي “،فان هناك مذهبين في تحديد طبيعة العلاقة بين هذين البعدين، و طبيعة العلاقة بين الإمراض والعلل والمرتبطة بهذين البعدين، وبالتالي تحديد طبيعة الطب الاسلامى .
المذهب الأول: مذهب الطب الاسلامى كطب بديل “الخلط بين البعدين الروحي والمادي” : المذهب الأول يقوم على الخلط بين البعد الغيبي الروحي للإنسان ،والأمراض والعلل المرتبطة به، والتي يكون علاجها بالقران.و البعد المادي (العضوي والسلوكي) للإنسان ، و الأمراض المرتبطة به (كالأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب والأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي)، والتي يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي…فهذا المذهب يرى أن الطب الاسلامى(الذي يقصره على العلاج بالقران)هو شكل من أشكال الطب البديل Alternative Medicine ) ،اى الذي يستخدم مكان علم الطب أي كبديل عنه.ويستند هذا المذهب إلى ورود عده آيات تصف القران بأنه شفاء
تقويم :أولا: هذا المذهب يركز على البعد الروحي للإنسان ويلغى بعده المادي ، وبالتالي فانه لا يعبر عن عن الموقف الحقيقي لفلسفه الطب الاسلامى ،من العلاقه بين البعدين المادي والروحي للإنسان ،والقائم على ضرورة تحقيق التوازن بينهما .ثانيا:كما أن الآيات التي يستدل بها هذا المذهب تدل على أن القران علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد الروحي الغيبي للإنسان والمرتبط بعلاقته بالله تعالى ،ولكن لا تدل على أنه علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد المادي(العضوي والسلوكي) له،وهو الأمر الذي تشير إليه كتب التفاسير،فعلى سبيل يقول ابن كثير في تفسير الايه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا )(الإسراء:82) (… أَيْ يُذْهِب مَا فِي الْقُلُوب مِنْ أَمْرَاض مِنْ شَكّ وَنِفَاق وَشِرْك وَزَيْغ وَمَيْل فَالْقُرْآن يَشْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلّه وَهُوَ أَيْضًا رَحْمَة يَحْصُل فِيهَا الْإِيمَان وَالْحِكْمَة وَطَلَب الْخَيْر وَالرَّغْبَة فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ … ).ثالثا:كما أن الرسول(صلى الله عليه وسلم ) حث على التداوى، وهذا ما يعنى انه صلى الله عليه وسلم لم يقصر العلاج على العلاج بالقران الكريم.
المذهب الثانى:مذهب الطب الاسلامى كطب شامل ” الارتباط والتمييز بين البعدين الروحي والمادي”: أما المذهب الذي يعبر- فيما نرى – عن الموقف الحقيقي لفلسفه الطب الاسلامى ، من العلاقة بين البعدين الروحي والمادي للإنسان، والقائم على ضرورة تحقيق التوازن بينهما – فهو المذهب الثاني الذي يرى أن البعد الغيبي الروحي للإنسان لا يلغى البعد المادي، له ولكن يحده ، وان العلاقة بينهما علاقة وحده لا خلط وتمييز لا فصل.وانه يجب التمييز (لا الفصل) بين نوعين من الأمراض أو العلل: الأولى:ترتبط بالبعد العضوي (الأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب) والسلوكي (الأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي) للإنسان والسنن الإلهية التي تضبط حركته. وهنا يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي قال تعالى ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) …وفى تفسير ابن كثير( أي: إذا وقعت في مرض فإنه لايقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه).و قال صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء” البخاري.ورواه أيضا النسائي وابن ماجة مع الزيادة : “علمه من علمه وجهله من جهله” وأخرجه أيضا بهذه الزيادة ابن حبان والحاكم وصححاه. الثانية:تربط بالبعد الغيبي الروحي للإنسان،ويكون علاجها بمعرفة والتزام القواعد الموضوعية المطلقة التي مصدرها الوحي. وهنا يأتي العلاج بالقرآن…غير أن هذا لا يعني إلغاء العلاقة بين النوعين من العلل، فما هو روحي يحد ما هو مادي ولا يلغيه، وبالتالي فإن العلاج الروحي بالقران يحد العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب فيكمله ولكن لا يلغيه. وطبقا لهذا المذهب فان الطب الاسلامى هو شكل من أشكال الطب الشامل comprehensive Medicine الذي يجمع بين العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب،والعلاج الروحي الذي يقدمه القران،وان الأخير هو شكل من أشكال الطب المكمل Medicine Complementary اى الذي يُستخدم مع علم الطب أي يكمله .
النظرة الايجابية للصحة والطب: وفلسفه الطب الاسلامى تعارض المذاهب والفلسفات التي تنظر للصحة نظره سلبيه وتمنع العلاج وتحط من مكانه الطب، وتعتبر المرض ظاهره ايجابيه –أو على الأقل أمر واقع – يجب القبول بها ، لأنها تركز على البعد الروحي للإنسان وتتجاهل بعده المادي للإنسان، أو لأنها قائمه على أساس جبري يلغى حرية الاراده الانسانيه. فهي تنظر إلى الصحة نظره ايجابيه ، وتحث على العلاج ،وتعلى من مكانه الطب ، وتعتبر المرض ظاهر سلبيه يجب تغييرها – استنادا إلى جمع التصور الاسلامى للوجود بين البعدين الروحي والمادي للإنسان “بمفهوم الوسطية ” ،وانطلاقا من ان تقرير المنهج الاسلامى أن العلاقة بين الاراده الالهيه المطلقة، والاراده الانسانيه المحدودة، علاقة تحديد وتكامل وليس إلغاء وتناقض .اى ان الاراده الالهيه تحد الاراده الانسانيه –تكوينيا من خلال السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وتكليفيا من خلال مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية- كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ، ولكن لا يلغيه .قال تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) فالايه لا تنفى وجود مشيئة إنسانيه،و لكنها تجعل موافقتها للمشيئة الالهيه شرط لفاعليتها.
الصحة نعمه إلهيه: فقد أشارت النصوص إلى أن الصحة – التي عبرت عنها بمصطلح” المعافاة “- من اكبر النعم إلالهيه، التي تستوجب الشكر في الدنيا ، والسؤال عن كيفيه توظيفها في الاخره: روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( من أصبح معافى ، في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ). قال تعالى (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) قال بعض السلف الصالح في تفسير الايه” أي عن الصحة”، استنادا إلى الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال: ” أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له. ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد) ، . روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال للعباس( يا عباس يا عم رسول الله سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) . لذا حث النصوص على طلب الصحة “العافية ” ،يقول الرسول(صلى الله عليه وسلم) ” اسألوا الله العافية، فإنه ما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة ” .وإذا كانت فلسفه الطب الاسلامى قد قررت أن المرض هو ابتلاء الهي ، إلا إن مفهوم الابتلاء في فلسفه الطب الاسلامى غير مقصور على الظواهر السلبية- كما يتصور البعض- بل هو امتحان واختبار للاراده الانسانيه الحرة- ألمكلفه- وهو يكون بما هو سلبي “كالمرض… “. وما هو ايجابي”كالصحة…” قال تعالى” لنبلونكم بالخير والشر فتنه”.وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم )(عجبت لامر المؤمن كله خير ان أصابه خير شكر ، وان أصابه شر صبر)،لذا أقرت بعض النصوص تقديم الشكر على العافية ” الصحة” على الصبر على الابتلاء “المرض قال أبو الدرداء لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ” لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر” فقال الرسول(صلى الله عليه وسلم ) ” الله يحب معك العافية ، كما قررت بعض النصوص ان مصدر الابتلاء ليس بالضرورة غضب الهى على إنسان معين ، بل قد يكون مصدره حب الله تعالى لهذا الإنسان المعين، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (مما أحب الله قوما إلا ابتلاهم ،وعلى قدر الابتلاء يكون الجزاء، فمن رضي له الرضا ومن سخط له السخط ) ،ذلك ان المرض يكفر الذنوب ويرفع الدرجات إذا تلقاه المسلم من غير نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ” .
تقرير العلماء ان الطب من اشرف المهن : ويتضح إعلاء فلسفه الطب الاسلامى من مكانه الطب من خلال تقرير العلماء المسلمين ان مهنة الطب من أشرف المهن . يقول ابن أبي أصيبعة في مقدمة كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ( صناعة الطب من أشرف الصنائع ، وأربح البضائع ، وقد ورد تفصيلها في الكتب الإلهية والأوامر الشرعية ، حتى جعل علم الأبدان قريناً لعلم الأديان … ) .
ج/الرعاية الصحية فى فلسفه الطب الاسلامى:
الحث على الالتزام بالرعاية الصحية: تتضمن فلسفه الطب الاسلامى الحث على الالتزام بالرعاية الصحية بمقوماتها الثلاثة ( الوقاية والعلاج والتأهيل ):
أولا: الوقاية”الطب الوقائي “: فقد أشارت العديد من النصوص إلى كثير من قواعد الوقاية الصحية ومنها:ا/الوقاية من الأمراض المعدية: فقد أشارت النصوص إلى قاعدة عدم مخالطه الصحيح للمريض المصاب بمرض معدي، للوقاية من الأمراض المعدية : ورد عن أبي هريرة(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله : “(صلى الله عليه وسلم)( لا يوردن ممرض على مصح)، ب/الحجر الصحي والوقاية من الاوبئه : كما أشارت النصوص إلى قاعدة الحجر الصحي للوقاية من الاوبئه : لما خرج عمر (رضي الله عنه) إلى الشام ووصل إلى سرع ، بلغه أن الوباء قد وقع بها، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله r قال: ” إذا “سمعتم به (أي الوباء الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه” فرجع عمر . ج/ الوقاية من الأمراض الوراثية:كما أشارت النصوص إلى بعض قواعد الوقاية الصحية من الأمراض الوراثية ومنها :الحث على الزواج بالاصحاء-على سبيل التفضيل لا الأمر والوجوب – كما في قوله (صلى الله عليه وسلم)( تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم ) ، والتحذير من زواج الأقارب- على وجه الكراهة لا التحريم – فعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال( غربوا النكاح). ه/الوقاية من بعض الأمراض بتجنب أسبابها : كما أشارت النصوص إلى بعض قواعد الوقاية الصحية ، التي تؤدى إلى الوقاية من بعض الأمراض بتجنب أسبابها ، ومنها :الالتزام بالنظافة التي تؤدى الى الوقاية من الأمراض التي يسببها التلوث :قال الرسول (صلى الله عليه وسلم )( (تخللوا فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة )
ثانيا: العلاج “الطب العلاجي “: كما حثت النصوص على العلاج من الأمراض ، والذي عبرت عنه بمصطلح “التداوى “: قال الرسول(صلى الله عليه وسلم )( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ) ، وفي مسند الإمام أحمد عن أسامه بن شريك قال ” كنت عند النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وجاءت الأعراب، فقالوا يا رسول الله أنتداوى ؟ فقال : نعم يا عباد الله، تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفا، غير داء واحد، فقالوا: ما هو؟ قال: الهرم ” ، وفي لفظ ” أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من عامه، وجهله من جهله “.
ثالثا: التأهيل(الطب التاهيلى) : كما أشارت العديد من النصوص إلى كثير من قواعد التأهيل ومنها: العلاج التعويضي : فقد أقرت النصوص للعلاج التعويضي ، في معرض إباحتها استخدام الذهب في ألجراحه التعويضية من باب الضرورات تبيح المحظورات “لانه محرم على الرجال.” كما أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) عرفجه بذلك (دكتور قنديل شاكر شبير / الإسلام وتعاليمه في الحفاظ على الصحة العامة للفرد والمجتمع)
الدولة مسئوله عن توفير الرعاية الصحية الاساسيه : اتساقا مع فلسفه الطب الاسلامى أكد علماء الإسلام على أن للدولة “الاسلاميه” وظائف دينيه ودنيويه متعددة ومتفاعلة ، يقول الماوردي (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا):
أولا: الوظيفة الدينية (حراسه الدين): الوظيفة الدينية للدولة الاسلاميه تتمثل فيما أطلق عليه علماء الإسلام حراسه الدين ، ومضمونه حفظ النظام القانوني الاسلامى وقوه الإلزام فيه ، وما يقتضيه هذا الإلزام من تشريع (تقنيين) واداره وقضاء تنفيذ وتنظيم للقوه … وضمان نفاذ قواعده.الجماعة (المجتمع).
ثانيا : الوظائف الدنيوية (سياسة الدنيا): أما الوظائف الدنيوية للدولة الاسلاميه فهي متعددة ، ،وقد عبر علماء الإسلام عن جملتها بسياسة الدنيا، وتتضمن الوظيفة الاقتصاديه للدولة.والتى تنطلق من كون الدولة الإسلامية هي نائب ووكيل عن الجماعة المسلمة (المستخلفة أصلا من الله تعالى”مالك المال” في الانتفاع بالمال) في تحقيق مصلحتها، وبلغة علم الاقتصاد أن احد الغايات الأساسية للدولة الإسلامية هي إشباع الحاجات المادية والروحية المتجددة للجماعة كوكيل ونائب عنها .
وظيفة توفير الرعاية الصحية الاساسيه: وتتضمن الوظائف الدنيوية للدولة الاسلاميه ان تقوم الدولة الاسلاميه بتوفير الرعاية الصحية الاساسيه للجماعة وأدلة ذلك ما ورد في السيرة إن نفرا من عيينة قدموا على الرسول(ص) فاسلموا واستوباؤا المدينة و شكوا الم الطحال فأمر بهم الرسول(ص) إلى لقاحة وكان سرح المسلمين بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير ترعي هنالك فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا وكانوا استاذنوة أن يشربوا من ألبانها و ابوالها ( علي عادة القوم في التداوي في زمنهم) فأذن لهم وكان عمر يسأل عن واليه وأحواله مع رعيته وكان مما يسأل عنه عيادته المرض جميعا أحرارهم وعبيدهم فان أجاب رعية الوالي عن خصلة من الخصال بانتفائها من واليهم عزل الوالي لعدم قيامه بحق رعايته). ومر عمر عند مجزئيه الشام علي قوم من المجزومين ففرض لهم شيئا من بيت المال.
مقارنه مع بعض النظريات الغربية : مما سبق يتضح لنا أن فلسفه الطب الاسلامى اتخذت موقفا ايجابيا من الرعاية الصحية “فحث على الالتزام بالرعاية الصحية بمقوماتها الثلاثة”،ودور الدولة فيها” فجعلت من وظائف الدولة توفير الرعاية الصحية الاساسيه. فموقف فلسفه الطب الاسلامى إذا يتعارض مع الموقف السلبي للنظرية الراسماليه – في مستواها النظري- من دور الدولة في الرعاية الصحية- بما يعنى خضوع الرعاية الصحية لقوانين السوق، دون اى رقابه أو تدخل للدولة، وبالتالي تحويلها إلى سلعه يتحكم بها قله ، تستهدف الربح ، ولو على حساب مصلحه المجتمع ،وهو موقف يتناقض مع موقفها الايجابي من هذا الدور- في مستواها التطبيقي- ” عبر تقريرها لبرامج الرعاية الصحية الحكومية “. بناءا على هذا فان الدعوة إلى الالتزام بالنظرية الراسماليه لتطوير الرعاية الصحية في المجتمعات ألمسلمه “تحت شعارات خصخصة أو تحرير أو إصلاح مؤسسات الرعاية الصحية..هي دعوه فاشلة في تطوير الرعاية الصحية على المستويين الكمي والكيفي –على المستوى العملي- .كما إنها دعوه تتعارض- على المستوى النظري- – مع فلسفه الطب الاسلامى، فضلا عن تعارضها مع الموقف الفعلي للنظرية الراسماليه، كما هو مطبق فى المجتمعات الغربية “الراسماليه” ذاتها. كما أن موقف فلسفه الطب الاسلامى يلتقي مع الموقف الايجابي لنظريات الاشتراكية من دور الدولة في الرعاية الاجتماعية،رغم اختلافها مع النظرية الماركسية في حدود هذا الدور” فهي لا ترفض خضوع بعض قطاعات الرعاية الصحية للقطاع الخاص، بشرط آن يكون خاضع لرقابه الدولة ، لضمان عدم التعارض مع مصلحه المجتمع” ، خلافا لموقف النظرية الماركسية – فى مستواها النظري- والقائم على الإشراف الحكومي المباشر والشامل للرعاية الرعاية الصحية بكافه مجالاتها وقطاعاتها .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s