البرمجة اللغوية العصبية:فلسفتها وتطبيقاتها والمواقف المتعددة منها

البرمجة اللغوية العصبية:فلسفتها وتطبيقاتها والمواقف المتعددة منها
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تعريف البرمجة اللغوية العصبية : ” Programming Neuro-Linguistic ” (NLP):
تعدد تعريفات البرمجة اللغوية العصبية : تعددت تعريفات البرمجة اللغوية العصبية، ومن هذه التعريفات : ا/ الكشف عن تكنولوجيا الإنجاز لدى البشر ، من خلال دراسة العوامل التي تحقق النتائج المطلوبة، ب/ إحدى نظريات علم النفس في صيغته التقليدية ، التي أدخلت عليها بعض التقنيات والآليات الحديثة، التي تساعد في حل المشاكل بطريقة عملية ، ج/ دراسة السلوك الذي يستند إلى مجموعة من التقنيات ، التي تساعد الفرد على التفوق والتميز، د/ أسلوب علمي لإحداث التكامل بين طرق التفكير الإنساني والبناء اللغوي والقوي الوجدانية، و تحفيزها لخلق قوى دافعة تقود الإنسان بصورة دائمة نحو التغير الأفضل ، ه/علم يمدنا بطرق وأدوات التغيير الإيجابي في التفكير والسلوك والشعور ، وفق قوانين تجريبية يمكن أن تُختبر وتقاس…( مجلة البرمجة اللغوية العصبية ) ، و/ مجموعة طرق وأساليب تعتمد على مبادئ نفسية ، تهدف لحل بعض الأزمات النفسية ، ومساعدة الأشخاص على تحقيق نجاحات وإنجازات أفضل في حياتهم (ويكيبيديا الموسوعة الحرة) ، ى/ علم وفن برمجة العقل بالطريقة التي نرغب بها، لكي تقودنا للنتائج المرغوبة .
من القصور إلى الشمول: ومرجع هذا التعدد في تعريفات البرمجة اللغوية العصبية تركيز على تعريف على بعض عناصرها- و تجاهله لعناصرها الأخرى – (فعلى سبيل المثال تركز التعريفات السابقة – على التوالي – على عناصر: تكنولوجيا الانجاز، حل المشاكل بطريفة عمليه،التفوق والتميز،التكامل بين التفكير والبناء اللغوي والوجدان،التغيير الايجابي، تحقيق نجاحات وانجازات، برمجه العقل..) ،لذا اتصفت هذه التعريفات بالقصور، الذي يحول دون أن يكون اى منها –على حدي- تعريف صحيح للبرمجة اللغوية العصبية ، والتعريف الصحيح لها هو الذي يتصف بالشمول ، من خلال تضمنه لكل عناصرها- أو على الأقل اغلب -عناصرها الاساسيه .
أسماء أخرى للبرمجة اللغوية العصبية: وقد أطلق على البرمجة اللغوية العصبية أسماء أخرى منها : هندسة الحياة ، هندسة التطوير البشري، تكنولوجيا التفوق البشري، الهندسة النفسية ، هندسة العقول، علم النمذجة اللغوية، برمجة الأعصاب لغويا ً، البرمجة النفسية اللغوية…
تعريف منهجي للبرمجة اللغوية العصبية : أما التعريف الذي نرجحه فهو تعريفها بأنها: فن (أساليب وطرق “تقنيات”) وعلم (قوانين موضوعيه) ، تطوير إمكانيات ومقدرات ومهارات الإنسان، وقدرته على حل مشاكله، من خلال تفعيل أنماط تفكيره وسلوكه ووجدانه وبنيته اللغوية اللفظية”اللغة المنطوقة والمكتوبة ..” و غير اللفظية ” لغة الجسد”، و تنظيم العلاقة بينها، من خلال جعلها علاقة تكامل وليست علاقة تناقض .
نشأة البرمجة اللغوية العصبية : وقد نشأت البرمجة اللغوية العصبية في منتصف سبعينيات القرن الماضي الميلادي، على يد العالمين الأمريكيين : جون غريندر ” وهو عالم لغويات من أتباع المدرسة التوليدية التحويلية التي أسسها اللغوي والسياسي الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي”، وريتشارد باندلر ” وهو عالم رياضيات وخبير في الحاسوبيات ودارس لعلم النفس”، الذين قررا وضع أصول البرمجة اللغوية العصبية كعلم جديد ، بتشجيع من المفكر الإنجليزي جريجوري باتيسون، وأسهم معهم في وضع هذه البحوث كل من جودث ديوليزيلر و لزلي كامرون باندلر، وقد أسس جريندر و باندلر أعمالهما على أبحاث قام بها علماء آخرون، أشهرهم العالمان الأمريكي نعوم شومسكي، والبولندي ألفريد كورزبسكي، وذلك لنمذجة مهارة كل من ملتون إركسون “طبيب التنويم المغناطيسي” ، وفرجينيا ساتير و فرتز برلز “مؤسس المدرسة السلوكية ” ، وقد استخرجوا 13 أسلوبا لملتون و7 أساليب لفرجينيا ، ومن هذه المهارات استطاعوا تحديد الوسائل الناجحة المتكررة ، من النماذج السلوكية للذين تعودوا الحصول على النجاح ، وهي النماذج التي سميت فيما بعد بالنماذج اللغوية العصبية ، والتي تكون منها هذا العلم.
العلاقة بين علم النفس والبرمجة اللغوية العصبية:وهناك ارتباط وثيق بين البرمجة اللغوية العصبية وعلم النفس ، وتتمثل هذه العلاقة”الوثيقة” في كون البرمجة اللغوية العصبية هي احد تطبيقات علم النفس”-بالاضافه إلى علوم أخرى كعلم اللغة..”، أما الفارق بينهما هو أن الأصل في البرمجة اللغوية العصبية أنها فن( مجموعه من الأساليب والطرق “التقنيات”)،”رغم كونها علم أيضا ” ، أما الأصل في علم النفس انه علم”رغم أن له تطبيقات متعددة “ومنها البرمجة اللغوية العصبية كما ذكرنا علاه”
الافتراضات الأساسية في البرمجة اللغوية العصبية: وتتأسس على جمله من الافتراضات الاساسيه وهى: الخارطة ليست هي الواقع / العقل والجسم منظومة واحدة/ إذا كنت تفعل دائما ما اعتدت على فعله, فانك تحصل دائما على ما اعتدت الحصول عليه/ لا يوجد فشل بل نتائج/الخيار أفضل من اللاخيار/ أنت لست سلوكك/ إذا لم تحصل على نتيجة مما تفعله, فافعل شيئا آخر/ لكل سلوك قصد ايجابي/ يمتلك كل إنسان الموارد التي يحتاجها / يستجيب الإنسان لخارطة الواقع التي في ذهنه وليس للواقع نفسه/أذا كان شئ ما ممكنا في هذا العالم فانه ممكن لي/ ليس هناك مشكلة ليس لها حل /مأساة الحياة لا تكمن في عدم وصولك للهدف, ولكنها تكمن في أن لا يكون لك هدف تحاول الوصول اليه/ الوسيلة الوحيدة للنجاح هي الاستمرار بالقوة حتى النهاية/الشخص الناجح هو الذي يستطيع أن يصنع أساس ثابت من الحجارة التي يلقيها الآخرون عليه.. ( موقع المعرفة)
فلسفه البرمجة اللغوية العصبية في الغرب: وقد اختلف الباحثين حول الأساس الفلسفي للبرمجة اللغوية العصبية في الغرب،اى الفلسفة التي تستند إليها:
الوجودية : فيرى بعض الباحثين أنها تستند إلى الفلسفة الوجودية التي تقول باولويه الوجود”الانسانى” على الماهية،اى أن كل الكائنات يسبق ماهيتها “خصائصها” وجودها ، (فماهية “خصائص” المنضدة تسبق وجوده”المادي المتعين”،لان النجار يتصور هذه الماهية”الخصائص” في ذهنه أولا ثم يصنعها ثانيا)،لذا فن كل الكائنات ليست حرة ، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، اى انه يوجد ولا ثم يختار ماهيته “صفاته”،لذا فهو الكائن الوحيد الحر،وينقسم الوجودية – فيما يصل بقضية الالوهيه- إلى وجوديه مؤمنه ووجوديه ملحدة،فالوجودية إذا فلسفه حاولت التأكيد على الوجود الانسانى، في مواجهه الفلسفات المادية والمثالية “الموضوعية،ولكنها تطرفت في هذا التأكيد فسقطت في هوة نزعه ذاتيه مطلقه ، تلغى اى بعد موضوعي للإنسان. ويتمثل اثر الفلسفة الوجودية على البرمجة اللغوية العصبية في كثير من مفاهيمها التي تنطلق من التأكيد على أهميه الوجود الانسانى “الذاتي”مثل مفاهيم : أن تغيير العالم يبدأ من الذات ، الخارطة ليست هي الواقع يستجيب الإنسان لخارطة الواقع التي في ذهنه وليس للواقع نفسه
البراجماتيه:ويرى باحثون آخرون أن البرمجة اللغوية العصبية تستند إلى الفلسفة البراجماتيه ، وهى فلسفه امريكيه معاصره ، يمكن اعتبرها امتداد لفلسفه المنفعة البريطانية ،واسمها مشتق من مصطلح” براجما” اليوناني الذي يعنى العمل النافع ،هذه الفلسفة قائمه معرفيا على أن قيمه اى فكره تكمن في نتائجها العملية النافعة،فهي تجعل المنفعة هي معيار المعرفة والقيم .وإذا كانت هذه الفلسفة حاولت التأكيد على أهميه الجانب العملي الذي أهملته المذهب الفلسفية بتركيزها على الجانب النظري،كما حاولت أبراز أهميه معيار المنفعة إلا أنها جعلت المنفعة المعيار الوحيد لمعرفه والقيم – وليس احد معايير المعرفة والقيم،وانتهت إلى أن المنفعة تبرر الحقيقة، بينما العكس صحيح اى أن الحقيقة هي التي تبرر المنفعة- اى أن الحقيقة شرط المنفعة- . ويتمثل اثر الفلسفة البراجماتيه على البرمجة اللغوية العصبية في كثير من مفاهيمها التي تنطلق من ربط التفكير بنتائجه العملية، والتأكيد على الطابع الغائي للسلوك الانسانى ومن هذه المفاهيم: لكل سلوك قصد ايجابي، ليس هناك مشكلة ليس لها حل ، مأساة الحياة لا تكمن في عدم وصولك للهدف, ولكنها تكمن في أن لا يكون لك هدف تحاول الوصول إليه.
الفلسفات الروحية (المثالية الموضوعية) والفلسفات الدينية الشرقية:كما يرى باحثون آخرون أن البرمجة العصبية تستند إلى بعض النزعات الروحية الغربية المعاصرة، التي تستند إلى أساس فلسفي مثالي موضوعي،اى أساس فلسفي يحصر الوجود “الحقيقي” في الوجود الروحي المطلق ، وينفيه عن الوجود المادي،وخذه النزعات الروحية نستلهم بعض الفلسفات الدينية الشرفية القديمة، التي تستند الى مفهوم وحده الوجود بشكليه الروحي والمادي.ويتمثل اثر هذه النزعات الروحية على البرمجة اللغوية العصبية في بعض مفاهيمها التي تتحدث عن غايات روحيه للوجود الانسانى،واالتى تقلل من اثر المادة والوجود المادي على الفعل الانسانى.
تطبيقات البرمجة اللغوية العصبية: وللبرمجة اللغوية العصبية الكثير من التطبيقات ومنها : تطوير الشخصية/ تطوير الأداء التربية والتعليم والتدريب/ الإدارة والتجارة والأعمال / تطوير الأداء اكتساب المهارات الطفيفة/ تنمية الحوافز للعمل والإنتاج/ تطوير التفكير الإبداعي/ رفع مستوى الأداء الرياضي والفني والمهني/ رفع كفاية الطلبة والباحثين / سرعة التعلم والتذكر/ إتقان تهجي الكلمات والإملاء/ شحذ القدرة على التفكير/ تحسين السلوك /التخطيط الاستراتيجي/ صناعة القرار / مهارات التفاوض/ مهارات البيع والتسويق/ الإبداع وحل المشكلات / إدارة الوقت…
البرمجة اللغوية العصبية في الغرب بين الرفض والقبول: ورغم شيوع البرمجة اللغوية العصبية -وغيرها من تقنيات تطوير الذات – في الغرب ، إلا انه تعرض للانتقاد من بعض الباحثين الغربيين باعتبار انه ليس علما بالمعنى الدقيق للكلمة، نتيجة لافتقاره للموضوعية،اى باعتباره علم زائف .والواقع من الأمر أن البرمجة اللغوية العصبية – وغيرها من تقنيات تطوير الذات- هي فن(تكنيك) أكثر منه علم ، فضلا عن أن المختصين فيها تناولوا في أحيان كثيرة افتراضاتها وتطبيقاتها من منظور شخصي يستند إلى الخبرة الذاتية ،وهنا نشير إلى انه رغم صحة الأصول الفكرية للبرمجة اللغوية العصبية -وغيرها من تقنيات تطوير الذات – ممثله في قاعدة أن تغيير العالم يبدأ من الذات ، إلا أن العديد من المختصين الغربيين في البرمجة اللغوية العصبية -وغيرها من تقنيات تطوير الذات – ، قد تطرفوا في التأكيد على الذاتية، لدرجه إلغاء الموضوعية- تحت تأثير الفلسفة الليبرالية- و يترتب على ذلك إنكارهم دور الظروف كعامل معوق أو مساعد في حركه التطور الاجتماعي .
توطين وتأصيل البرمجة اللغوية العصبية: وقد قام عدد من الكتاب والباحثين بمحاولات عديدة لتوطين وتأصيل البرمجة اللغوية العصبية -وغيرها من تقنيات تطوير الذات – في المجتمعات العربية والاسلاميه …
المواقف المتعددة من البرمجة اللغوية العصبية :غير نجاح محاولات توطين وتأصيل البرمجة اللغوية العصبية – وغيرها من تقنيات تطوير الذات – يتوقف على تجاوز موقفي القبول المطلق أو الرفض المطلق للبرمجة اللغوية العصبية – وغيرها من تقنيات تطوير الذات – إلى موقف نقدي منها ، يقبل ما وافق فيها أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ويرفض ما خالفهما-على المستوى العقدي /النظري- ،ويقبل ايجابياتها ويرفض سلبياتها-على المستوى العملي- وفيما يلي نعرض بشيء من التفصيل لهذه المواقف المتعددة:
أولا: القبول المطلق (التغريب): هو موقف يقوم على القبول المطلق للبرمجة اللغوية العصبية – وغيرها من تقنيات تطوير الذات – ، اى قبول كافه مفاهيمها “افتراضاتها” النظرية وتطبيقاتها العملية ، دون تمييز بين ما هو ايجابي وسلبي من هذه المفاهيم والتطبيقات ، فهو موقف يقوم – حضاريا- على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور، وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبالتالي فهو موقف يستند إلى التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي جاء بها الإسلام بمفاهيم وقيم وقواعد أخرى، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على تبنى مفاهيم وقيم وقواعد حضارة أخرى ، وان تناقضت مع أصول الدين النصية الثابتة – وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف هذا التناقض-
ثانيا:الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للبرمجة اللغوية العصبية – وغيرها من تقنيات تطوير الذات –، اى رفض كافه مفاهيمها وتطبيقاتها ، دون تمييز بين ما هو ايجابي وسلبي من هذه المفاهيم والتطبيقات ، وهو موقف يقوم – حضاريا- على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يكون بالعزلة عن المجتمعات المعاصرة وإسهاماتها الحضارية ، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه، فهو لا يميز بين أصول الدين النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة …
عدم تعبيره عن الموقف الاسلامى الصحيح من الفكر والتجارب الانسانيه: هذا الموقف لا يعبر عن الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم “النظرية “والتجارب “العملية ” الانسانيه ، فقد ذمه القران الكريم فى معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين، القائم على رفضهم المطلق للعقيدة الصحيحة وأنماط السلوك القويمة التي جاء بها الأنبياء، والذي يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسدة وأنماط السلوك القبيحة المتوارثة من الآباء ،وبالتالي قال تعالى﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (المائدة:104) ،وقال تعالى ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ (الأعراف:28) ، وشبه هذا صاحب هذا الموقف بالأعمى لأنه يرفض ويقبل بدون دليل ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ (الإسراء:72]، ويرتبط هذا الموقف ارتباطا عضويا بالتقليد ،الذي مضمونه قبول قول القائل بدون دليل ، والذي يرفضه الإسلام، والذي نهى عنه الائمه :يقول الإمام أبو حنيفة(حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)( ابن عبد البر، في فضائل ألائمه والفقهاء، ص145 )، ويقول الإمام احمد بن حنبل ( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302)
ثالثا: الموقف النقدي (التجديد): وهو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق، إلى موقف نقدي من البرمجة اللغوية العصبية – وغيرها من تقنيات تطوير الذات –يقوم على التمييز بين المفاهيم والتطبيقات المتعددة لها ، وقبول ما هو ايجابي من هذه المفاهيم والتطبيقات ، ورفض ما هو سلبي منها.
الاتساق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه: هذا الموقف يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه،وقد أشارت إليه الكثير من النصوص : قال تعالى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ (الزمر:17-18) ، ورد فى تفسير الطبرى( يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل مِنْ الْقَائِلِينَ , فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ , وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيد اللَّه , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي لَا يَدُلّ عَلَى رَشَاد , وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل)،وقال تعالى ( ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ( الأعراف : 85)، وقال تعالى( لاخَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(النساء :114). وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفية ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت “الصوفية والتصوف” وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة … وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .
الاستفادة من الإسهامات الحضارية للأمم الأخرى : كما أن هذا الموقف يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للإسهامات الحضارية للأمم الأخرى، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما ، وهو الموقف الذي يتسق مع جوهر موقف الإسلام من المجمعات الأخرى وإسهاماتها ، فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد في عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره – عليه الصلاة والسلام – لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب).
التمييز بين المستويات الفلسفية والعلمية والفنية “التقنية” للبرمجة اللغوية العصبية : كما أن هذا الموقف يميز بين المستويات الفلسفية والعلمية والفنية “التقنية” للبرمجة اللغوية العصبية، فلسفه البرمجة اللغوية العصبية : ففيما يتعلق بالمستوى الأول فان فلسفه البرمجة اللغوية العصبية هي المفاهيم الكلية المجردة السابقة على البحث في البرمجة اللغوية العصبية كعلم وفن ، و في ذات الوقت يستند إليها هذا البحث، والموقف الصحيح منها هو قبول ما وافق أصول الدين ، من هذه المفاهيم الكلية ، ورفض ما خالفها ، وهنا نشير إلى انه إذا كانت بعض هذه المفاهيم الكلية تناقض مع أصول الدين ، فان بعضها الآخر- الذي يشكل الأساس الفكري للبرمجة اللغوية العصبية- وغيرها من تقنيات تطوير الذات – يوافق أصول الدين، فعلى سبيل المثال لا الحصر فان مفهوم ( الانطلاق من أن الإنسان هو العامل الحاسم في التطور الاجتماعي )، يتسق مع مفاهيم استخلاف الإنسان وتسخير الطبيعة في المنهج الاسلامى، كما أن مفهوم ( أن تغيير العالم يبدأ من الذات )، يتسق مع تقرير المنهج الاسلامى اسبقيه التغيير الذاتي على التغيير الموضوعي كما في قوله تعالى (إن الله لا يغبر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
علم البرمجة اللغوية العصبية :أما فيما يتعلق بالمستوى الثاني فان علم البرمجة اللغوية العصبية هو الكشف عن القوانين الموضوعية التي تضبط الظواهر الجزئية العينية،التي تشكل موضوع البرمجة اللغوية العصبية- والموقف الصحيح منه هو قبول ما ثبت صحته طبقا لمعيار التجربة والاختبار العلميين،ورفض ما ثبت خطاه طبقا لذات المعيار.
فن البرمجة اللغوية العصبية: أما فيما يتعلق بالمستوى الثلث فان فن البرمجة اللغوية هو الأساليب والطرق ألعمليه “الوضعية” للبرمجة اللغوية العصبية،والموقف الصحيح منه هو قبول مالا يتناقض مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورفض ما تناقض معهما.

فكرة واحدة على ”البرمجة اللغوية العصبية:فلسفتها وتطبيقاتها والمواقف المتعددة منها

  1. اقرئكم السلام من رحاب الحرم المكي الشريف

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    د. صبري

    اشكرك على هذا الإثراء المعرفي جعله في موازين حسناتك

    لدية استفسار و قد ارفقته على بريدك اتمنى الرد عليه في اقرب فرصة ان امكن ذلك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s