نحو مذهب اسلامى في التغيير السلمي

نحو مذهب اسلامى في التغيير السلمي
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد (ملخص الدراسة) : تهدف هذه الدراسة إلى التأسيس لمذهب اسلامى في التغيير السلمي ، اى مذهب في التغيير السلمي المجتمعي والسياسي له ثلاثة مقومات : أولا : انه ينطلق- على المستوى النظري- من مفاهيم وقيم وقواعد إسلاميه كليه ، تؤسس للتغيير السلمي المجتمعي والسياسي . ثانيا : انه يقوم على الضبط الشرعي – وليس المنع المطلق- لأساليب التغيير السلمي المستحدثة(كالتظاهر”السلمي”والعصيان المدني والإضراب…)، اى اباحه هذه الأساليب واستخداماتها بشرط اتساقها مع الضوابط الشرعية للتغيير،وليس منع كل هذه الأساليب والاستخدامات. ثالثا:انه يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين لمذاهب التغيير السلمي الغربية ، إلى موقف نقدي منها ، يقبل ما يتسق من مفاهيم وقيم قواعد هذه المذاهب، مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ويرفض ما يتناقض منها معهما .
أولا: المنطلقات النظرية للمذهب الاسلامى في التغيير السلمي:كما ذكرنا أعلاه فان المذهب الاسلامى للتغيير السلمي ينطلق-على المستوى النظري- من مفاهيم وقيم وقواعد إسلاميه كليه ، تؤسس للتغيير السلمي المجتمعي والسياسي – فهي بذلك بمثابة منطلقات نظريه له – ومن هذه المفاهيم والقيم والقواعد الكلية:
قصه ابني ادم في القرن الكريم: تؤسس قصه ابني ادم في القران الكريم للتغيير السلمي ” اللاعنفى” ، من خلال إدانتها للعنف في اجلي مظاهره “القتل “، قال تعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ *لئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ *إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، ورد في تفسير ابن كثير( قَوْله” لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ” يَقُول لَهُ أَخُوهُ الرَّجُل الصَّالِح الَّذِي تَقَبَّلَ اللَّه قُرْبَانه لِتَقْوَاهُ حِين تَوَاعَدَهُ أَخُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى غَيْر مَا ذَنْب مِنْهُ إِلَيْهِ ” لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك ” أَيْ لَا أُقَابِلك عَلَى صَنِيعك الْفَاسِد بِمِثْلِهِ فَأَكُون أَنَا وَأَنْتَ سَوَاء فِي الْخَطِيئَة” … قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : وَاَيْم اللَّه إِنْ كَانَ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّج يَعْنِي الْوَرَع وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ” إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفِهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار … وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد …. أَنَّ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ عِنْد فِتْنَة عُثْمَان : أَشْهَد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي قَالَ : أَفَرَأَيْت إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَده إِلَيَّ لِيَقْتُلنِي ؟ فَقَالَ كُنْ كَابْنِ آدَم ” ).
المرحلة المكية “مرحله الدعوة” في منهج التغيير الاسلامى: كما يؤسس منهج التغيير الاسلامى للتغيير السلمي من خلال تقريره أوليه مرحله الدعوة (التي تقابل في السيرة النبوية المرحلة المكية التي استمرت 13 عاما )، على مرحله الدولة (التي تقابل في السيرة النبوية المرحلة المدنية )، فضلا عن أن الاخيره تأسست بطرق سلميه وقامت على الرضا الشعبي (الهجرة النبوية).
فتح مكة سلما لا حربا: كما يؤسس للتغيير السلمي ما هو ثابت في السيرة النبويه – وبتقرير القران الكريم- أن فتح مكله تم سلما لا حربا ،قال تعالى(ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة دون علم.. ليدخل الله في رحمته من يشاء.. لو تزايلو لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما)، فضلا عن عفو الرسول (صلى الله عليه وسلم )عن كفار مكة الذين أذوه واذو المسلمين (اذهبوا فانتم الطلقاء)
الحث على اعتزال الفتن : كما يؤسس للتغير السلمي النصوص التي تحث على اعتزال الفتن ومنها: عن أبي هريرة رضِي الله عنه قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
(ستكون فِتَنٌ، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، ومَن يُشرِف لها تَستَشرِفْه، ومَن وجد ملجَأً أو مَعاذًا فليَعُذْ به )(متفق عليه) ، و عن أبي سَعِيدٍ رضِي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (يوشِك أن يكون خيرَ مال المسلم غنمٌ يَتبَع بها شَعَفَ الجِبال ومَواقِع القطر، يَفِرُّ بدينه من الفِتَن )( رواه البخاري، وبوَّب عليه بقوله : “باب من الدين الفرار من الفتن) ، وعن أبي موسى : عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في الفتنة:كسروا فيها قسيكم، وقطعوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم وكونوا كابن آدم)(رواه الترمذي).
الحث على الرفق والنهى عن العنف: كما يؤسس للتغيير السلمي النصوص التي على الرفق والنهى عن العنف كما في قول الرسول( صلى الله عليه وسلم ) (ان الله عز وجل رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)(صحيح مسلم)، وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) (مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ) ،وفي رواية (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ? ولا ينزع من شيء إلا شانه )(صحيح مسلم).
قاعدة “عدم جواز الخروج على السلطان الجائر “طبقا للفهم الصحيح لها :كما يؤسس للتغيير السلمي قاعدة “عدم جواز الخروج على السلطان الجائر “، طبقا للفهم الصحيح لها ، والذي مضمونه أن أهل السنة لم ينكروا- عند تقريرهم لهذه القاعدة – حق الجماعة في عزل الحاكم إذا جار – لأنه من القواعد ألسياسيه الاصليه – بل قرروا : أولا:عدم جواز عزله في ظروف زمانية ومكانية معينه ، من هذه الظروف الزمانيه والمكانية أن نموذج الدولة السائدة في عصر علماء أهل السنة ، الذين قرروا قاعدة عدم جوز الخروج على السلطان الجائر كان محتوما عليها أن تكون مقاتلة غزوا و دفاعا ، بالتالي فان القيادة القوية ضرورية لبقاء الدولة، فإذا ضعفت القيادة أدي ذلك إلى توقف الدولة عن القتال، وبالتالي الفتك بها وتمزقها ، وعلي هذا فانه في حاله عدم وجود القيادة التي تتوافر فيها الشروط الشرعية، ووجود القيادة القوية التي لم تتوافر لها الشرعية، فانه يجب استمرارها بحكم الضرورة – وليس إقرارا بشرعيتها – حتى لا تتمزق الدولة . وهناك أيضا ظروف مماثله لها ، وهى انه في أوقات الخطر الذي يتهدد الامه كلها، يجب تأجيل الدفع الاجتماعي ( خلع الحاكم الظالم) – وليس إلغائه- وتحالف كل قوي الأمة لمواجهة العدو – وليس إلغاء هذه القوي- .ثانيا: عدم جواز عزله طبقا لكيفية معينه – هي أسلوب التغيير المسلح – وليس طبقا لكل الكيفيات – فرفضهم لا ينصب على أساليب التغيير السلمي- وبالضرورة لا يتصل بأساليب التغيير السلمي التي قررتها النصوص كالتقويم و النصح
الخروج المجمع على تحريمه عند أهل السنة هو أسلوب التغيير المسلح “الخروج بالسيف “: فالكيفية التي اجمع علماء أهل السنة على تحريمها في كل زمان ومكان هي أسلوب التغيير المسلح، ، ويترتب على هذا ان الخروج المجمع على تحريمه عند أهل السنة هو أسلوب التغيير المسلح ” اى الخروج بالسيف” ، واستقراء النصوص الواردة في تحريم أهل السنة الخروج يوضح هذا المعنى – أن المقصود بمصطلح الخروج ” أسلوب التغيير المسلح – حيث تربط هذه النصوص بين مصطلحي “الخروج “و”السيف” يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقه ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم: 12 /432 – 433)، وينقل الإمام ابن تيمية من مذهب أهل السنة ( أنهم لا يرون الخروج علي الأئمة وقتالهم بالسيف، وان كان فيهم ظلم، لان الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال، فيدفع أعظم الفاسدين بالتزام الادني).
رفض علماء أهل السنة لا ينصب على أساليب التغيير السلمي: فرفض علماء أهل السنة إذا ينصب على أسلوب التغيير المسلح ، ولا ينصب على أساليب التغيير السلمي، ومن أدله ذلك : ا/ أن استقراء النصوص الواردة في تحريم أهل السنة الخروج على السلطان الجائر ، يدل على أن المقصود بمصطلح الخروج ” أسلوب التغيير المسلح ” حيث تربط هذه النصوص بين مصطلحي “الخروج “و”السيف” و”القتال”.ب/ استثناء بعض هذه النصوص التغيير السلمي ، من حكم عدم جواز خلع السلطان الجائر ، يقول الإمام الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد انه ( يجب خلع السلطان الجائر إن قدر بلا تهيج قتال، وان لم يكن ذلك ممكنا إلا بتحريك قتال وجبت طاعة ،وحكم بامامتة)، فقول الإمام الغزالي (إن قدر بلا تهيج قتال) يشير إلى التغيير السلمي المستثنى من حكم عدم جواز خلع الجائر. ج/ إقرار النصوص لبعض أساليب التغيير السلمي كالنصح والتقويم.
وضع شروط وضوابط للجهاد: وتقرير الشريعة الاسلاميه لفريضة الجهاد لا يعنى أن الإسلام كدين يرفض التغيير السلمي ، لان منهج التغيير الاسلامى يقر بالتغيير السلمي كأسلوب اساسى -رئيسي للتغيير،وليس كأسلوب وحيد لتغيير كما في بعض مذاهب التغيير السلمي الغربية- فهو إذا لا ينفى استخدام القوه مطلقا – كما في هذه المذاهب –ولكنه ينفى استخدام القوه خارج إطار الشرعية الدينية والقانونية والاخلاقيه.كما أن الشريعة الاسلاميه وضعت ضوابط وشروط معينه للجهاد ومنها:اولا:شمول مفهوم الجهاد : ان مفهوم الجهاد غير مقصور على القتال ، بل بشمل (من جهة الوصف) الجهاد بالقلب والنفس واللسان والأموال… عَنْ أَنَسٍ (رضي الله عنه) أَنَّ اَلنَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم ) قَالَ(“جَاهِدُوا اَلْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ, وَأَنْفُسِكُمْ, وَأَلْسِنَتِكُمْ) ( رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ) ، كما يشمل (من جهه النوع) جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين… عن فضالة بن عبيد (رضي الله عنه) قال : رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع )ألا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب )..ثانيا: النية: من شروط الجهاد النية ، فعنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” .ثالثا:إذن الوالدين : ومن شروط الجهاد الحصول على إذن الوالدين ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَقُولُ(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ).، يقول الإمام الشوكاني ( يجب استئذان الأبوين في الجهاد وبذلك قال الجمهور ، وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع منه الأبوان أو أحدهما، لأن برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن ).رابعا:الجهاد مع جماعة المسلمين وامامهم : ومن شروط الجهاد انه يكون مع جماعه المسلمين، وليس مع آحاد الناس أو جماعه من المسلمين، قال تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا )( التوبة :38) ، ويترتب على هذا أن الجهاد إنما يكون مع الإمام ، يقول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، يقول الإمام أحمد بن حنبل (والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك)، ويقول أبو جعفر الطحاوي (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برِّهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء و لا ينقضهما)، ويقول ابن قدامه (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك) ، ويقول ابن تيمية (ويرون – اى أهل السنة والجماعة- إقامة الحج والجهاد والجُمع مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً).خامسا:لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها: من ضوابط الجهاد انه لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها ،عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ.سادسا:حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: ومن ضوابط الجهاد عدم جواز قتل المعاهدين والمستأمنين ، قال الرسول(صلى الله عليه وسلم)(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري في صحيحة|) .سابعا:عدم جواز نقض العهود والمواثيق : ومن ضوابط الجهاد عدم نقض جواز العهود والمواثيق التي يعقدها المسلمون، قال تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) ، ولذا قرر الفقهاء أن الإمام إذا عاهد قومًا، أو أَمَّنَهُم لزم من تحت يده أن يلتزموا بما صدر من الإمام من عهد وميثاق، ويحرم عليهم أن ينقضوا ذلك العهد، يقول الإمام ابن قدامة (وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ( المغني (9242) ، فإذا خِيفَ أن يقاتل العدو المسلمين في وقت العهد والميثاق فإنه حينئذ يُبَلَّغُ بانتهائه، كما قال تعالى(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ )( الأنفال : 58 )، و لذا حرمت الشريعة الخيانة ، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ ).ثانيا:عدم جواز قتل المدنيين: ومن ضوابط الجهاد عدم جواز قتل المدنيين كالنساء والولدان و الشيوخ و الأجراء و الرهبان ، روى عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : ( انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن )، ووجد النبي )صلى الله عليه وسلم ( في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فقال: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فِيمَنْ يُقَاتِلُ) أخرجه أحمد (3/488، رقم (16035 )، و جاء في وصيه ابوبكر الصديق )رضي الله عنه) للجيوش والسرايا(لا يقتلوا وليدًا، ولا شيخًا فانيًا، ولا امرأة، ولا معتزلا في صومعة، وهم في هذا مقتدون بالنبي -صلى الله عليه وسلم فإنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا(، وبناءا على هذه النصوص فان المذهب القائل بجواز قتل المدنيين يتعارض مع الشريعة الاسلاميه تعارضا مطلقا.تاسعا: الجهاد وعلاقة المسلمين بغير المسلمين: لم يوجب الإسلام قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).
التغيير السلمي و نمطي التغيير “الإصلاح والثورة”: للتغيير نمطين ،النمط الأول هو التغيير الجزئي، التدريجي، السلمي ، والذي عبر عنه الفكر السياسي المعاصر بمصطلح ” الإصلاح” ، ولا خلاف حول كونه تغيير سلمى ، و بالتالي انه يمكن فيه استخدام أساليب التغيير السلمي . النمط الثاني هو التغيير الكلى الفجائي ،والذي عبر عنه الفكر السياسي المعاصر بمصطلح “الثورة” ، أما امكانيه إدراجه تحت إطار التغيير السلمي من عدمها، فيتوقف على الاجابه على السؤال هل العنف صفه جوهريه-لازمه- أم صفه عرضيه- غير لازمه- لهذا النمط من أنماط التغيير، ففي الحالة الاخيره فقط يمكن إدراجه تحت إطار التغيير السلمي ، وبالتالي استخدام أساليب التغيير السلمي فيه .
موقف منهج التغيير الاسلامى من نمطي التغيير(الإصلاح والثورة): وقد اعتبر منهج التغيير الاسلامى نمط التغيير الأول “الإصلاح” نمط التغيير الاساسى (الأصلي) ، لأنه تعبير عن اضطراد التغيير كسنه إلهيه ، كما انه تعبير عن المشاركة كسنة إلهية تضبط العلاقة بين الناس ،وقد عبر القران عنها بمصطلحات ايجابيه كالتأليف(واذكروا نعمه الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )(13: آل عمران) والتعاون( وتعاونوا على البر والتقوى )(2: المائدة)و الموالاة (المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(7: التوبة) . أما نمط التغيير الثاني “الثورة” ، فهو نمط تغيير ثانوي (فرعى) في منهج التغيير الاسلامى، لأنه يجئ كمحصله لمحاوله تعويق فاعليه سنه التغيير إلالهيه. ولأنه تعبير عن الصراع الذي يوجد عند تعطل فاعليه المشاركة كسنه إلهيه ، وقد عبر عنه القران فى كثير من المواضع بمصطلحات سالبه منها العداوة والبغضاء( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)(91: المائدة) والعدوان(ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (2: المائدة).
نمطي التغيير عند أهل السنة:اتساقا مع منهج التغيير الاسلامى اتفق أهل السنة على وجوب الأخذ بنمط التغيير الأول “الإصلاح” ، الذي أكدته النصوص، فقد وردت الاشاره إلى المصطلح في كثير من مواضع القران الكريم، بدلاله أكثر شمولا من دلالته فى الفكر السياسي الاسلامى المعاصر- لأنها لا تحصره في المجال السياسي فقط – كما في قوله تعالى (ان أريد إلا الإصلاح ما استطعت)(هود:88) ، ومن ادلته قوله (صلى الله عليه وسلم) ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، ليس بعد ذلك من الإيمان شيء) (صحيح مسلم رقم 78).ويأخذ الإصلاح كنمط للتغيير أشكال عده فى منهج التعيير الاسلامى منها التقويم الذى عبر عنه ابوبكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني)، ومن أشكال الإصلاح النصح الذي أشارت اليه العديد من النصوص كقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . أما حكم نمط التغيير الثاني “الثورة ” (الذي عبروا عنه بمصطلح “خلع السلطان الجائر”) ،فقد اختلف علماء أهل السنة في حكمه إلى مذهبين :
المذهب الأول (عدم الجواز) : يرى عدم جواز خلع السلطان الجائر، يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28 ) . تقويم:
أولا: أن هذا المذهب يرفض كيفيه معينه لعزل الحاكم هي عزله باستخدام القوه المسلحة – وبتعبير علماء المذهب “الخروج بالسيف ” – يقول الإمام الأشعري (ويرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح ، و أن لا يخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين: 323) .ورفض هذه الكيفية لعزل الحاكم غير مقصور على هذا المذهب ، بل هو محل اتفاق بين علماء أهل ألسنه بمذاهبهم المتعددة.
ثانيا: أن هذا المذهب مبنى على سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع السلطان الجائر ، والمتمثلة في الفتنه والفوضى التى قد تلزم من خلعه، على المصلحة المتحققة من خلعه .يقول البزدوي ( إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم)( أصول الدين 190 ) ،ويقول النووي ( قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليهما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) (شرح صحيح مسلم 12\229 [31)
المذهب الثاني(الجواز) : يرى جواز خلع السلطان الجائر ، ويستدل بادله منها : قوله (صلى الله عليه وسلم) (ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ، قال ابن رجب معلق على هذا الحديث : ( وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد ). ومنها ما روى عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) انه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار( أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين )، فسكتوا فقال ذلك مرتين ، أو ثلاثا ، فقال بشر بن سعد‏” لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح ” ، فقال عمر”أنتم إذن أنتم إذن” ) ( كنز العمال لعلاء الدين بن الهندي 5 / 687)، يقول الإمام الجصاص (وكان مذهبه رحمه الله ” أي الإمام أبي حنيفة”مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن: 61 ). و ذكر ابن العربي من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن) . وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية ( من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة). ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي: 10 \ 311)..
مذهب الجمع بين جلب المصلحة ودرء المفسدة: والمذهب الذي نرجحه -والذي يجمع بين مضمون مذهبي أهل السنة – هو تقسيم الحكم على خلع السلطان الجائر إلى:
ا/ حكم أصلى: هو الإيجاب بدرجاته”من ندب أو وجوب” ، حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من خلعه ،ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك ، بالالتزام بالضوابط الشرعية للتغيير ومنها:ا/ توافر القدرة لقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ ، ب/ نبذ العنف والقوه إلا دفاعا عن النفس ، واستخدام الوسائل السلمية فى التغبير لدخول ذلك فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ ، ج/ وعدم اللجوء إلى التخريب لدخول ذلك فى عموم النهى عن الإفساد في الأرض﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾َ ، د/ عدم الاستعانة بغير المسلم على المسلم حربا لاتفاق الفقهاء على ذلك ، ه/الالتزام بوحدة الصف والبعد عن التفرق لقوله تعالى﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾…
ب/ حكم فرعى : هو المنع بدرجاته ” من كراهه أو تحريم” حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من خلعه ،ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك .
ثانيا: الموقف الصحيح من أساليب التغيير السلمي المستحدثة: كما ذكرنا أعلاه فان المذهب الاسلامى للتغيير السلمي يقوم على الضبط الشرعي – وليس المنع المطلق- لأساليب التغيير السلمي المستحدثة المستحدثة (كالتظاهر”السلمي”والعصيان المدني والإضراب…) ، اى اباحه هذه الأساليب واستخداماتها بشرط اتساقها مع الضوابط الشرعية للتغيير- وليس منع كل هذه الأساليب والاستخدامات – وفي يلي نعرض بشي من التفصيل لهذين الموقفين” الضبط الشرعي والمنع المطلق” :
الموقف الأول (المنع المطلق): يقوم على المنع المطلق لأساليب التغيير السلمي المستحدثة ، اى منع كافه أساليب التغيير السلمي المستحدثة وكافه استخداماتها ( سواء بالقول بان كل هذه الأساليب و كل استخداماتها محرمه أو مكروهه )، ويستند إلى أدله عديدة أهمها :ا/ آن كل هذه الأساليب مستحدثه ( لم تكن في العهد الأول، ولم يقم عليها دليل شرعي )، وهذا يعنى أنها كلها بدعه ، وهنا يستدل هذا المذهب بجمله من النصوص منها الحديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) (صحيح البخاري 2550). ب/أن كل هذه الأساليب تهدف إلى تغيير الحكام – وان بأسلوب سلمى – فهي تخالف النصوص التي توجب طاعة الحاكم كقوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (النساء : ٥٩).ج/ أن كل هذه الأساليب علنية ، فهي تتعارض مع وجوب سريه نصيحة الحكام ، استنادا إلى العديد من النصوص أهمها الحديث (من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له).
نقد أدله الموقف:
ا/البدعة لا تكون إلا في أصول الدين : أن البدعة هي اضافه إلى الدين – ممثلا في أصوله النصية الثابتة وليست فروعه الاجتهادية المتغيرة – وبالتالي فان كون هذه الأساليب مستحدثه لا يعنى أنها بدعه، إلا في حاله القول بأنها جزء من الدين – وتحديدا أصوله- . كما أن أصل في الأشياء الاباحه لا المنع ، ما لم يرد دليل على التحريم ، يقول إمام الحرمين الجويني (فما لم يُعلم فيه تحريمٌ يجري على حكم الحِلِّ؛ والسبب فيه أنَّه لا يثبت لله حكمٌ على المكلفين غير مستند إلى دليل؛ فإذا انتفى دليل التحريم ثَمَّ، استحال الحكم به) (غياث الأمم في التياث الظلم، ص 301).
ب/ طاعة الحاكم مقيده وليست مطلقه: إن طاعة الحاكم في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه، بل مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) (فالأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”،وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع، وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) .
ج/ نصيحة الحكام سرية وعلنية: وإذا كان هذا الموقف يستند إلى القول بوجوب سريه نصيحة الحكام ، فان هناك مذهب أخر يقول بوجوب علنية نصيحة الحكام بأدلة منها الحديث المشهور (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)، وعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحديد المهور حاجّته امرأة قرشية قائلة له: كيف تحدد المهور والله يقول إذ أتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه” فقال عمر( أخطأ عمر وأصابت امرأة).والمذهب الذي نرججه هو الجمع بين سريه وعلانيه نصيحة الحكام ، نسبه لورود نصوص مطلقه من شرطي السرية و العلنية كقوله (صلى الله عليه وسلم)(لدين النصيحة ، قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم )، ورود نصوص تفيد سريه النصيحة، وأخرى تفيد علنيتها، هذا الجمع يتحقق من خلال التمييز بين مراحل النصيحة ومضمونها … فمن حيث مضمون النصيحة يجب التمييز بين الشأن الشخصي والشأن العام، فيفضل سريه النصيحة في الشأن الشخصي ، كما يفضل علنيتها في الشأن العام ، ويمكن الاستئناس في ذلك بتمييز الإمام ابن تيمية بين من اظهر المنكر و من استتر بذنبه عندما سُئلَ عن حديث:‏ ‏(‏لا غيبة لفاسق) فقال(‏…‏ فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك‏.‏ فهذا معنى قولهم‏:‏ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له‏.‏ بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا، ويهجره من عرف حاله حتى يتوب، ويذكر أمره على وجه النصيحة). والأصل في أساليب التغيير السلمي المستحدثة أنها تتعلق بالشأن العام” مجال السياسة والحكم” ، وبالتالي فإن علنيتها لا تلزم منها الحكم بالمنع ، إلا في حاله انحرافها عن أصلها ، وتناولها للشأن الشخصي بالسب والقذف وغير ذلك مما ورد النهى عنه.
د/ الحكم بالمنع اجتهادي وليس نصي: كما أن الحكم بالمنع هنا ليس نصي بل مبنى على قاعدة اجتهادية هي” سد الذرائع” ، اى المنع ترجيحا للمفسدة المترتبة على استخدام أساليب التغيير السلمي ، والمتمثلة في الفتنه والفوضى التي قد تلزم من استخدامها، على المصلحة المتحققة من استخدامها .
ه/ التناقض: كما أن هناك تناقض في هذا الموقف بين منعه بعض استخدامات هذه الأساليب(كالاحتجاج على بعض سياسات الحاكم الخاطئة ) وإباحته لاستخدامات أخرى لها (كتأييد الحاكم وسياساته )
الموقف الثاني(الضبط) : يقوم على الضبط الشرعي لأساليب التغيير السلمي المستحدثة، اى اباحه هذه الأساليب واستخداماتها بشرط اتساقها مع الضوابط الشرعية للتغيير ، بشكليها التكليفى (مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية)، والتكويني (السنن الالهيه “الكلية والنوعية “التي تضبط حركه الوجود “الشهادى ” الشامل للوجود الانسانى “المستخلف “، والطبيعي “المسخر”) ، فهذا الموقف يرى أن المنع لا ينصب على كافه أساليب التغيير السلمي المستحدثة واستخداماتها ، بل ينصب على الأساليب والاستخدامات ، التي تتناقض مع الضوابط الشرعية للتغيير.
أدله الموقف:
ا/ تغيير المنكر باللسان: أنه يمكن اعتبار أساليب التغيير السلمي المستحدثة واستخداماتها – في حاله اتساقها مع ضوابط الشرعية للتغيير- بمثابه تطبيق لمفهوم تغيير المنكر باللسان الذي أشارت إليه كثير من النصوص كقوله( صلى الله عليه وسلم) في الصحيحين ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)،
ب/ الجهاد باللسان: أنه يمكن اعتبار أساليب التغيير السلمي المستحدثة واستخداماتها – في حاله اتساقها مع ضوابط الشرعية للتغيير- بمثابه تطبيق لمفهوم الجهاد باللسان الذي أشارت إليه كثير من النصوص كقوله ( صلى الله عليه وسلم )(ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ، وقوله (صلى الله عليه وسلم) (سيد الشهداء حمزة ورجل خرج إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) (أخرجه الحاكم 3/ 195، وحسنه الألباني).
ج/ سوابق إسلاميه لأساليب التغيير السلمي : كما أن هناك سوابق إسلاميه لكثير من هذه أساليب التغيير السلمي كالتظاهر “السلمي” والوقفات الاحتجاجية وتقديم العرائض…ومنها : ما ورد في الحديث الصحيح ان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال( لقد طاف البارحة بآل محمد سبعون إمرأة كل إمراة تشتكي زوجها ثم قال : فلا تجدون أولئك خياركم)( ابن ماجه :2/366، والنسائي في الكبرى : 5/371، والحاكم :المستدرك 2/188). ومنها قول محمد بن حرب سئل الإمام أحمد عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه قال:( يأمره قلت فإن لم يقبل؟ قال: تجمّع عليه الجيران وتهوّل عليه ، لعل الناس يجتمعون ويشهرون به) (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ، صـ117) ، وكان ذوى الشكاوى من سكان ولايات الخلافة الإسلامية يذهبون إلى عاصمتها في عهد الخلفاء “المدينة المنورة ” ، ويعلنون شكواهم من حاكم ولايتهم أمام الخليفة فيتمّ استدعاء هذا الحاكم واستجوابه أمام الناس…
ثالثا: الموقف الاسلامى الصحيح من مذاهب التغيير السلمي الغربية: وكما سبق ذكره فان المذهب الاسلامى فئ التغيير السلمي يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين لمذاهب التغيير السلمي الغربية ، إلى موقف نقدي منها ، يقبل ما يتسق من مفاهيم وقيم قواعد هذه المذاهب، مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ويرفض ما يتناقض منها معهما إن الموقف الصحيح من مذاهب التغيير السلمي الغربية ، والذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم “النظرية” والتجارب “العملية ” الانسانيه ، هو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق لهذه المذاهب (والقائمين على عدم التمييز بين مفاهيمها وقيمها وقواعدها، التي تتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة والتي تتناقض معهما، و مفاهيمها وقيمها وقواعدها الايجابية والسلبية)، إلى موقف نقدي من هذه المذاهب (يميز بين مفاهيمها وقيمها وقواعدها، التي تتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة ،والتي تتناقض معهما، فيقبل ما يتسق من هذه المفاهيم والقيم القواعد، مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ويرفض ما يتناقض معهما .كما يميز بين مفاهيمها وقيمها وقواعدها الايجابية والسلبية ، فيقبل ما هو ايجابي من هذه المفاهيم والقيم والقواعد، ويرفض ما هو سلبي منها).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s