قراءه نقدية للفكر الجمهوري :دراسة نقدية في مفاهيمه النظرية ومواقفه العملية

قراءه نقدية للفكر الجمهوري :دراسة نقدية في مفاهيمه النظرية ومواقفه العملية
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد (ملخص الدراسة) : هذه الدراسة هي قراءه نقدية للفكر الجمهوري ، تعرف الفكر الجمهوري بأنه مذهب فى التصوف الفلسفي المعاصر- على المستوى النظري- وما يلزم من هذا المذهب من نتائج تطبيقيه “مواقف سياسيه،اقتصاديه ،اجتماعيه…”- على المستوى العملي- واستنادا إلى هذا التعريف فإن الدر اسه تتخذ موقف نقدي من هذا الفكر على المستويين النظري” المتضمن لبعدين: ديني وفلسفي ” والعملي ، ومضمون هذا الموقف النقدي – على المستوى الأول ” النظري ” طبقا لبعده الديني– تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، التى مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم الفكر الجمهوري تتسق مع هذه الأصول،فان بعضها الآخر يتناقض معها (وأهمها مفهوم وحده الوجود وما يلزم منه “من امكانيه الاتحاد بالذات الالهيه، وسقوط التكاليف “…)، أما الموقف النقدي من الفكر الجمهوري – على المستوى النظرى طبقا لبعده الفلسفي – فينقسم إلى: أولا: نقد داخلي مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث اتساقها أو تناقضها مع بعضها البعض، وهنا تخلص هذه القراء إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم (وحده الوجود، وحده الأديان…)،كما انه هناك تناقض بين بعضها الآخر( بين الفردية المطلقة والجماعية المطلقة، وبين الليبرالية والماركسية، وبين الذاتية والموضوعية…)، وثانيا: نقد خارجي مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث صدقها الواقعي، وأوجه الصواب والخطأ فيها، وهنا تخلص هذه القراءة إلى أن أهم أوجه النقد الخارجي هي أن الفكر الحمهورى باعتباره شكل من أشكال الفلسفة المثالية الموضوعية ، التي تقول بالاولويه المطلقة للفكر أو الروح على المادة، ،انتهى إلى إلغاء أو التقليل من دور الإنسان في التطور الاجتماعي بقوله بالجبر، كما انتهى الى التركيز على العوامل الفكرية والروحية،مع إلغاء أو التقليل من دور العوامل المادية(كالاقتصاد)، والاجتماعية (كوحدات التكوين الاجتماعي المتعددة”كالعشيرة والقبيلة والشعب والامه، وعلاقات الانتماء إليها ” كعلاقة الانتماء القومية..). أما مضمون هذا الموقف النقدي من الفكر الجمهوري– على المستوى الثاني ” العملي” فيتمثل في بيان ما يلزم “موضوعيا” – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لمؤسس المذهب وأنصاره – من نتائج تطبيقيه من مواقف سياسيه،اقتصاديه ،اجتماعيه ، وهنا نخلص هذه الدراسة أن هذه المواقف يلزم منها الإبقاء على الواقع السوداني خاصة والعربي عامه ، والقائم على الاستبداد ” الداخلي “،والاستعمار القديم والجديد”الخارجي”، والتجزئة والتفتيت،والظلم الاجتماعي والتبعية الاقتصادية بدون تغيير،وأنها تتعارض مع أهداف وغايات الاراده الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه،والممثلة في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية. وأنها تخدم المشاريع الهادفة إلى إلغاء الإرادة الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه ومنها مشروع الشرق الأوسط “الامبريالي الصهيوني”.ثم تخلص الدراسة إلى ضرورة إجراء أنصار الفكر الجمهوري مراجعه شامله لهذا الفكر، تشمل مستواه النظري” وتضمن ضبط مفاهيمه النظرية بالضوابط الشرعية، ليتحول من مذهب في التصوف الفلسفي إلى مذهب في التصوف السني – وبهذا يلغى تناقضه الموضوعي مع التدين الشعبي السوداني- كما تشمل هذه المراجعة تصحيح مواقفه التطبيقية، لتتسق عن غايات الاراده الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه ممثله في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية .
محمود محمد طه (السيرة الذاتية والنشاط العام) : ولد بمدينه رفاعة عام 1909 . درس هندسة المساحة بكلية غُردون التذكارية وتخرج منها عام 1936م ، عمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية ، وتقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول. ترك العمل بالهندسة نهائيا وتفرغ للتأليف ونشر أفكاره عام 1966. انشأ 1945 مع مجموعه من رفاقه حزبًا سياسيًا أسموه (الحزب الجمهوري) للإشارة إلى مطالبتهم بقيام جمهورية سودانية مستقلة عن دولتي الحكم الثنائي،مقابل دعوه حزب الأمة إلى مملكة تحت التاج البريطاني ، ودعوه الحزب الاتحادي إلى الاتحاد مع مصر ، ولم يرد في أدبيات الحزب آنئذ أية إشارة لأفكار محمود محمد طه اللاحقة التي أطلق عليها اسم ” الفكرة الجمهورية” .قاد محمود محمد طه حركة احتجاجية في رفاعة في سبتمبر 1946 ، احتجاجا على اعتقال السلطات لامرأة أجرت الختان الفرعوني على طفلتها، فاعتقلته السلطات، وحكم عليه بالسجن لعامين. بدأ اعتكافه في السجن ، وواصله بعد خروجه من السجن حيث أعتزل الناس برفاعة منذ عام 1948 حتى أكتوبر 1951. ثم أصدر أول كتب الفكرة الجمهورية بعنوان “قل هذه سبيلي” ، وتضمن نقده للحضارة المادية الغربية ، ودعوته إلى مدنية جديدة يقيمها في السودان ، ثم تلفت نظر الإنسانية جمعاء،وفى عام1955 صدر كتاب “أسس دستور السودان” وذلك قبيل استقلال السودان حيث نادى فيه بقيام جمهورية رئاسية، فدرالية، ديمقراطية، واشتراكية.وفى نوفمبر من نفس العام تم انقلاب الفريق عبود وقد تم حل جميع الأحزاب السياسية. كتب محمود خطابا لحكومة الرئيس إبراهيم عبود أرفق معه كتاب أسس دستور السودان وطالب فيه بتطبيق مقترح الجمهوريين بإقامة حكومة ديمقراطية، اشتراكية وفدرالية وقد تم تجاهل ذلك الطلب، واصل نشر أفكاره في المنتديات العامة . وخلال عامي 1966-1967 صدرت ثلاث من الكتب الأساسية للفكره الجمهورية هي : “طريق محمد” و”رسالة الصلاة” و”الرسالة الثانية من الإسلام”. وفي 18 نوفمبر 1968م حوكم محمود محمد طه بتهمة الردة أمام محكمة الاستئناف العليا الشرعية. رفض محمود الامتثال لأمر الحضور للمحكمة التي حكمت عليه غيابيا بالردة عن الإسلام .أيد الجمهوريين النظام المايوى فتره من الزمن، إلا انه حدث صدام بينهم بدا بعد أن تحالف النظام مع جماعه الإخوان المسلمين بقياده د. حسن الترابي، فاعترض الجمهوريين على هذا التحالف واخرجوا كتاب “الهوس الديني يثير الفتنة ليصل إلى السلطة” ، وعلى أثره أعتقل محمود محمد طه ومعه ما يقرب الخمسين من الجمهوريين لمدة ثمانية عشر شهرا. في نفس هذا العام صدرت ما يعرف ب ” قوانين سبتمبر” فعارضها محمود محمد طه والجمهوريون من داخل وخارج المعتقلات. وفي 25 ديسمبر 1984 أصدر الجمهوريون منشور “هذا أو الطوفان” في معارضه هذه القوانين ،فأعتقل أربعة من الجمهوريين ثم اعتقل محمود محمد طه 5 يناير 1985 ، وقدموا للمحاكمة يوم 7 يناير 1985 أمام المحكمة الجنائية رقم 4 بأم درمان،كان محمود محمد طه قد أعلن عدم تعاونه مع المحكمة ، أدانت المحكمة محمود محمد ورفاقه الأربعة فصدر الحكم بالإعدام ضده وضد الجمهوريين الأربعة بالإعدام شنقاً حتى الموت على أن يكون لهم الحق في التوبة والرجوع عن دعوتهم إلى ما قبل تنفيذ الحكم . أيد الرئيس نميرى الحكم ونفذ في صباح الجمعة 18 يناير 1985. في 25 فبراير 1986- اى بعد سقوط النظام المايوى عقب انتفاضه ابريل – تقدمت أسماء محمود محمد طه بطعن دستوري طالبت فيها بإعلان بطلان إجراءات محاكمة المواطن محمود محمد طه (والد المدعية) ، و قررت المحكمة إعلان بطلان الحكم الصادر في حق المواطنين: محمود محمد طه والمدعي الثاني في هذه الدعوى من المحكمة الجنائية ومحكمة الاستئناف. بعد إعدام محمود محمد طه توقف النشاط العام للجمهوريين كتنظيم موحد ،وان استمر النشاط العام لبعض الجمهوريين ، كافراد أو جماعات صغيرة، بدون وحده تنظيميه أو فكريه.
من مؤلفاته :الرسالة الثانية من الإسلام / رسالة الصلاة / طريق محمد/ مشكلة الشرق الأوسط/ تطوير شريعة الأحوال الشخصية/ لا اله الا الله /من دقائق حقائق الدين/ القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري/ أسس دستور السودان /الإسلام/ الدستور الإسلامي نعم ولا / الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين / أسئلة وأجوبة – الكتاب الأول و الثاني / الثورة الثقافية / تعلموا كيف تصلون/ رسائل ومقالات – الكتاب الأول و الثاني / لله نور السموات والأرض/ الماركسية فى الميزان/ أضواء على شريعة الأحوال الشخصية / الإسلام والفنون / الدعوة الإسلامية الجديدة/ الدين والتنمية الاجتماعية
القراءة النقدية للفكر الجمهوري:
أولا: المستوى النظري:
ا/ البعد الديني: كما سبق ذكره فان مضمون الموقف النقدي من الفكر الجمهوري ، على المستوى النظري طبقا لبعده الديني ، هو تناول مفاهيم هذا الفكر ، من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، المتمثلة في القواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم الفكر الجمهوري تتسق مع هذه الأصول، فان بعضها الآخر يتناقض معها ، ومن المفاهيم التي تتناقض مع الأصول:
مفهوم وحده الوجود: تشير الكثير من نصوص الفكر الجمهوري ، إلى استناده إلى مفهوم وحده الوجود، القائم على أن للخالق وحده وجود حقيقي، أما المخلوقات فوجودها وهمي، ،والذي يترتب عليه وحده الخالق والمخلوق، يقول محمود محمد طه (ويومئذ لا يكون العبد مسيَّراً، إنما هو مخيَّر قد أطاع الله حتى أطاعه الله معارضة لفعله، فيكون حياً حياة الله، وقادراً قدرة الله، ومريداً إرادة الله ويكون الله)(الرسالة الثانية: ص90 )،ويقول( فالله تعالى إنما يعرف بخلقه، وخلقه ليسوا غيره، وإنما هم هو في تنزل، هم فعله ليس غيره ،وقمة الخلق وأكملهم في الولاية هو الله وهو الإنسان الكامل وهو صاحب مقام الاسم الأعظم “الله”,فالله اسم علم على الإنسان الكامل) (أدب السالك في طريق محمد/ ص8)، ويقول (هذا استطراد قصير أردت به إلى تقرير حقيقة علمية دقيقة يقوم عليها التوحيد، وهي أن الخلق ليسوا غير الخالق، ولا هم إياه، وإنما هم وجه الحكمة العملية، عليه دلائل وإليه رموز) (أسئلة وأجوبة/ ج2 / ص44)، غير أن هذا المفهوم يتناقض – في ذاته وفى ما يلزم منطقيا منه – مع التصور الاسلامى الصحيح للعلاقة بين الوجود الالهى والوجود الكوني الطبيعي، والمستند إلى مفهومي التنزيه و التوحيد، فمضمون مفهوم التنزيه أن وجوده تعالى غير محدود بالحركة خلال الزمان، أو الوجود في المكان، ولا تتوافر للإنسان امكانيه إدراكه بحواسه وعقله، وبالتالي يترتب عليه عدم جواز الخلط والدمج بين الوجوديين الالهى والطبيعي بخلاف هذا المفهوم، كما أن مضمون مفهوم التوحيد إفراد الوجود المطلق -وليس إفراد الوجود- لله تعالى، هذا الوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به وبتعبير الغزالي( فهو القيوم لان قوامه بذاته ،وقوام كل شيء به،وليس ذلك إلا الله تعالى)( الغزالي ، المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص 8)، وبالتالي فانه طبقا لمفهوم التوحيد فان لله تعالى وجود حقيقي مطلق وللكون وجود حقيقي محدود ، يقول البغدادي( ومن الأصول التي اجمع عليها أهل السنة هو إثباتهم للحقائق والعلوم)( عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص311)، بخلاف مفهوم وحده الوجود الذى يرى أن الوجود الالهى وحده هو الوجود الحقيقي، أما الوجود الكوني الطبيعي فهو مجرد تجلى للوجود الالهى ،وليس له اى وجود حقيقي ،ومصدر اعتقادنا بوجوده خداع الحواس، وهنا نشير إلى أن بعض المتعاطفين مع الفكر الجمهوري يرفضون ربطه بمفهوم وحده الوجود في صيغته الاجنبيه كما في الفلسفات الدينية الشرقية القديمة والفلسفة المثالية الموضوعية الغربية، ويؤولون هذه النصوص لتفيد معنى مضمونه التأسيس لفلسفه روحيه، يمكن اعتبارها صيغه معدله لمفهوم وحده الوجود، لا ترتب على الإقرار بالوجود الالهى والروحي، نفى الوجود المادي (كليا)، كما في مفهوم وحده الوجود في صيغته الاجنبيه ، غير أن هذا التأويل لا يمكنه لن ينفى : أولا: أن هذا الصيغة هي شكل من أشكال مذهب الوحدة، ثانيا: أن هذه الصيغة تنفى المادة جزئيا، ثالثا: أن الصيغتين لا تعبران عن التصور الاسلامى، الذى يتجاوز كل من مذهبي الوحدة (وحده الوجود بصيغه المختلفة) والتعدد (تعدد الالهه)،إلى مذهب قائم على الجمع بين الوحدة والتعدد ، كما هو ماثل في مفهوم التوحيد الذي يقول بوحدة الخالق وتعدد المخلوقات، وان لكل من الخالق والمخلوق وجود حقيقي، لكن وجود الأول مطلق ووجود الثاني محدود، كما انه لا يرتب على الإقرار بالوجود الالهى والروحي،إنكار الوجود المادي(جزئيا أو كليا)، وبالتالي ينظر إلى الإنسان كوحدة نوعيه من الروح و المادة، ويوازن بين حاجات الإنسان الروحية والمادية (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا) .
امكانيه الاتحاد بالذات الالهيه: تشير العديد من نصوص الفكر الجمهوري إلى انه يقول بامكانيه الاتحاد بالذات الالهيه، يقول محمود محمد طه (فهو حين يدخل من مدخل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، يجاهد ليرقى بإتقان هذا التقليد حتى يرقى بشهادة التوحيد إلى مرتبة يتخلى فيها عن الشهادة، ولا يرى إلا أن الشاهد هو المشهود، وعندئذ يقف على الأعتاب ويخاطب كفاحاً بغير حجاب) (الرسالة الثانية/ ص 164ـ165 )، والقول بامكانيه الاتحاد بالذات الالهيه هو من لوازم مفهوم وحده الوجود، لكنه يتناقض مع مفهومي التنزيه وختم النبوة.
سقوط التكاليف: وقد وردت العديد من نصوص الفكر الجمهوري بدلاله عامه يمكن أن يفهم منها انه يقول بسقوط التكاليف، فعلى سبيل المثال يرى محمود محمد طه (أن للصلاة المعنى قريب: هي الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة، ومعنى بعيد: هي الصلة مع الله بلا واسطة، و هي صلاة الأصالة )(كتاب الصلاة/ ص70) ويقول (فهو حين يدخل من مدخل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يجاهد ليرقى بإتقان هذا التقليد حتى يرقى بشهادة التوحيد إلى مرتبة يتخلى فيها عن الشهادة، ولا يرى إلا أن الشاهد هو المشهود) (الرسالة الثانية/ ص 164ـ165 )، والقول بسقوط التكاليف هو من لوازم مفهوم وحده الوجود، لكنه يتناقض مع أصول الدين.
مفهوم التجلي :التجلي لغة: الظهور(لسان العرب) أما اصطلاحا: فان التجلي شرعا ظهور ذاته تعالى،وهو ظهور محدود في الدنيا كما قوله تعالى (…فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) (الأعراف: 143)،وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، فهي ظهور لذات الفعل الالهى المطلق (الربوبية)،وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء، فالوحي هو ظهور لذات العلم الالهى المطلق، كما انه ظهور مطلق في الاخره ، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة استنادا إلى العديد من النصوص كقوله تعالى (وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، إلى ربِّها ناظرة)، أما التجلي في مذهب وحدة الوجود فهو ظهور ذاتي مطلق في الحياة الدنيا لغير الأنبياء، و يترتب عليه القول بالوحدة بين الذات الانسانيه والذات الالهيه، وهو ما يتعارض مع المعنى الشرعي للتجلي السابق ذكره، وقد استخدم الفكر الجمهوري مصطلح التجلي بمعناه اللغوي(مطلق الظهور) والذي يحتمل مفهوميه الشرعي المستند إلى مفهومي التوحيد والتنزيه ، والبدعى والمستند إلى مفهوم وحده الوجود .
نظريه وحده الأديان : وتشير العديد من نصوص الفكر الجمهوري إلى انه يستند في تفسيره للعلاقة بين الأديان إلى نظريه وحده الأديان، ومن هذه النصوص قول محمود محمد طه ( بدأ ظهور هذه الفكرة الواحدة في الوثنيات البدائية المتفرقة ، ثم أخذت تتقلب في مراقي التطور حتى ظهرت الوثنيات المتقدمة، وأطرد بها التقدم حتى ظهرت صور ديانات التوحيد الكتابية ،بظهور اليهودية والنصرانية ثم توج ذلك ببعث محمد !وبإنزال القرآن الكريم،وهذه الفكرة الواحدة ذات شكل هرمي ، قاعدته أحط الوثنيات التعدديات وأكثرها تعديداً ،وقمته عند الله حيث الوحدة المطلقة ، والاختلاف كما هو واضح بين القاعدة والقمة اختلاف مقدار وليس اختلاف نوع ) ، غير أن هذه النظرية تتناقض مع أصول الدين لأنها ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي، وبالتالي تجعل علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق، مما يؤدى إلي انتفاء الموضوعية،خلافا لمفهوم وحده مصدر الاديان السماوية، الذي يعبر عن التصور الاسلامى للأديان، والذي مضمونه ان الله تعالى هو مصدر كل الأديان السماوية ، وان الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وانه ليس نفي أو إلغاء لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها، فهو أكثر اكتمالا باعتباره أخر وارقي مراحل الوحي فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغني ولكن لا يلغيه،كما فى قوله تعالى﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، ﴾ ( المائدة:48) .
الكشف والتلقي المباشر: ويقول محمود محمد طه بالتلقي من الله مباشرة بلا واسطة ( حيث يقول في رد على سؤال في كتابه “أسئلة وأجوبة” الصادر في 1971 “وأنت تسأل: “كيف أعرف شريعتي التي أوتاها من الله بدون واسطة؟” والجواب: إنك لن تعرف، قبل أن تبلغ مشارف الفردية، بتفريد التوحيد.”،وبناء على هذا فان المقصود بالفكر عند محمود محمد طه الكشف القائم على التلفى المباشر وليس العقل كما يرى بعض أنصاره
نظريه التطور العضوي: ويتبنى الفكر الجمهوري نظريه التطور العضوي، وهذا التبنى يتجاهل النقد الذي وجه للنظرية من جهتى العلم والدين .
أولا:العلم: لم يكن داروين أول من قال بالتطور العضوي ، فقد كان هذا المفهوم موجودا في التراث الفلسفي الغربي (الاغريقى)، حيث قال به بعض الفلاسفة اليونانيين ومنهم اناكمندريس ، لكن داروين نقل هذا المفهوم من مجال الفلسفة إلى مجال العلم ،عندما التزم بالمنهج العلمي في تناوله للمفهوم، غير أن انتماء المفهوم للعلم لا يعنى بأنه صحيح بالضرورة ، حيث أن ما هو علمي هو محصله تطبيق المنهج العلمي على الظاهرة المعينة ، لكن ما هو علمي قد يكون صحيحا إذا وافق الواقع والسنن والقوانين التي تضبط حركته، وقد يكون خطاْ أذا خالف هذا الواقع والسنن والقوانين التي تضبط حركته، وهنا نشير إلى أن نظريه التطور العضوي هي نظريه علميه (بمعنى أنها محصله تطبيق المنهج العلمي في ظاهره الصلة بين الأنواع)، لكنها تنطوي على قدر كبير من الخطأ لعده أسباب أهمها :أولا: أنها تتناقض مع قوانين علم الوراثة، التي تثبت أن لكل كائن حي خريطة وراثية مختلفة عن الخريطة الوراثية للكائنات الأخرى،ثانيا : أن الطبيعة حتى في عالم الأحياء تتحول ولا تتطور.غير انه يجب تقرير أن نظريه التطور العضوي رغم أنها تنتمي إلى مجال العلم، إلا أنها تنتمي إلى فروع التي تنطوي تحت مجال فلسفه العلم(اى المفاهيم الكلية المجردة السابقة على البحث العلم في الظاهرة المعينة)،أكثر من انتمائها إلى فروعه التي تنطوي تحت مجال العلم التجريبي(اى الظواهر الجزئية العينية والقوانين التي تضبط حركتها)، لأنها لا تبحث في نوع معين في زمان ومكان معينين ، بل تبحث في الصلة بين كل الأنواع في كل زمان ومكان، فهي تعميم في الزمان والمكان، هذا فضلا عن أنها افتراض وليست قانون علمي تثبت التحقق من صحته بالتجربة والاختبار العلميين.
ثانيا: الدين: اولا :انه هذه النظريه تخالف مفهوم الخلق الذي أشارت إليه العديد من النصوص كقوله تعالى(لَقَد خَلَقنَا الإنسَانَ فِي أحسَنِ تَقوِيمٍ.)(التين:4)،وقوله تعالى (الّذِي خَلَقَك فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ)(الانفطار:7)،وقوله تعالي(وَلَقَد خَلَقنَاكُم ثُمّ صَوّرنَاكُم ثُمّ قُلنَا لِلمَلَائِكَةِ اسجُدوا لأدم.) (الأعراف: 11)، ثانيا: إن نظريه التطور العضوي هي شكل من أشكال المفهوم المادي للتطور ، وكلاهما يتناقضان مع المنظور الاسلامى للوجود ومنهج المعرفة الاسلامى ، حيث يلزم منهما منطقيا نفى وجود فاعل مطلق اوجد الكائنات الحية المختلفة،أو نفى فاعليه هذا الفاعل المطلق،بصرف النظر عن الاعتقاد الذاتي لمن يعتقد بصحة هذه النظرية وهذا المفهوم) .
الفكر الاجتماعي “الفردية المطلقة”: والفكر الجمهوري يتبنى فكر اجتماعي يقول بالفردية المطلقة، كما هو ماثل في تقريره للحرية الفردية المطلقة، وفى ذات الوقت يقول بالجماعية المطلقة، كما هو ماثل في تبنيه للشيوعية كما تشير العديد من نصوصه ومنها ( إن الشيوعية تختلف عن الاشتراكية اختلاف مقدار، فكأن الاشتراكية إنما هي طور مرحلي نحو الشيوعية، ولقد عاش المعصومُ الشيوعية في قمتها) (الرسالة الثانية/ ص 147)، هذا الفكر الاجتماعي فضلا عن تضمنه تناقض مضمونه الجمع بين الفردية المطلقة والجماعية المطلقة،فانه يتعارض مع الفكر الاجتماعي الاسلامى، الذى يرفض النزعة الفردية المطلقة التي تؤكد على الفرد لتلغى الجماعة،كما في قوله صلى الله عليه وسلم) ( إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، كما يرفض النزعة الجماعية المطلقة التي تؤكد على الجماعة لتلغى الفرد كما في قوله (صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم امعة، يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت، وان اساؤا أسأت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أحسنتم ، وان أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم)،ويقوم على التوازن بين الفرد والجماعة من خلال التأكيد على أن الجماعة بالنسبة للفرد كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه(مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد،إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
الأصول والفروع:ويعرف الفكر الجمهوري الأصول بأنها القران المكي ، و الفروع بأنها القران المدني، وهو ما يخالف تعريف الأصول والفروع ، الذي اجمع عليه علماء الإسلام، وهو أن الأصول هي الأحكام والمفاهيم التي مصدرها النصوص اليقينية الورود ( من عند الله تعالى أو الرسول (صلى الله عليه وسلم)) ، القطعية الدلالة ( لا تحتمل التأويل) ، والتي لا يجوز الاجتهاد فيها ،و الفروع هي الأحكام والمفاهيم التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة ، والتي يجوز فيها الاجتهاد،وبناء على هذا التعريف المخالف لإجماع العلماء أنكر الفكر الجمهوري كثير من الأصول كالجهاد والزكاة ….
المراه: يقوم الفكر الجمهوري على افتراض أن القران المكي يعطى النساء فرصه المساواة مع الرجال في آيات مثل قوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)،لكنه منسوخ بالقران المدني الذي لا توجد به مساواة بين النساء والرجال ، وهو يستدل على ذلك بقواعد وردت في القران كالقوامة في فوله تعالى(الرجال قوامون علي النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم واباحه ضرب الزوجة في قوله تعالى( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن)، وهكذا فان الفكر الجمهوري يتفق مع المذهب القائم على افتراض أن الإسلام ينفى المساواة بين المراْه والرجل ، استنادا إلى فهمه لبعض المقررات القرانيه والشرعية كنفي أن يكون الذكر كالأنثى(وليس الذكر كالأنثى) ، واثبات حكام خاصة بالمراه ،فضلا عن فهم عير صحيح لبعض القواعد الوا رده في القران لكن الفكر الجمهوري يقصر هذا النفي على القران المدني دون المكي، وهذا الافتراض الذي يستند اليه كلاهما غير صحيح، حيث أن نفى القران الكريم أن يكون الذكر كالأنثى هو نفى للمثلية، اى نفى أن تكون المراْه مثل الرجل في التكوين والإمكانيات و المقدرات الذاتية ، وليس نفى للمساواة التي تتعلق – في الشريعة الاسلاميه- بالمساواة في الحقوق والواجبات ، دون نفى تفاوت المراه والرجل في التكوين والمقدرات والإمكانيات الذاتية ، وبالتالي فان إقرار الشريعة الاسلاميه لجمله من الأحكام الخاصة بالمراه ، هو من باب مراعاة هذا التفاوت وليس من باب نفى المساواة – اى من باب ما يطلق عليه حديثا ” التمييز الايجابي فالإسلام –سواء في القران المدني أو المكي – يقوم على إقرار المساواة بين المراْه والرجل، طبقا للمفهوم الاسلامى للمساواة، والذي مضمونه ان تحكم العلاقة بين والرجل في المجتمع، قواعد عامه مجرده ، سابقه على نشاْه تلك العلاقات ، وهو ما يتحقق في الشريعة بما هي وضع الهي مطلق. ومن الادله على تقرير الإسلام للمساواة بين الرجل والمراه على الوجه السابق بيانه : ا/ تقرير النصوص أن المراه مساوية للرجل في الانسانيه، كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ، وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (إنما النساء شقائق الرجال)(أخرجه احمد في مسنده) . ب/ تقرير النصوص أن المراه مساوية للرجل في الحقوق والواجبات ( ولهن مثل الذي لهن بالمعروف.) ج/ تقرير النصوص أن المراْه مساوية للرجل في أصل التكليف (لشمول الخطاب التكليفى للمرآة والرجل ) كما فى قوله تعالى (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ و الصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)[سورة الأحزاب] د/ تقرير النصوص ان المراه مساواة للرجل في العقوبات كما فى قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[سورة المائدة] ، وقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ). ه/ تقرير النصوص ان المراْه مساوية للرجل في المسئولية كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمراْه راعيه في بيت زوجها وهى مسئوله عن رعيتها…) .يقوم الاسلام على رفض المثلية ، التي تعنى ان تكون المراْه مثل الرجل فى التكوين والإمكانيات و المقدرات الذاتية، وهو ما نفاه القران ( و ليس الذكر كالأنثى)، حيث ان التفاوت فى المقدرات الذاتية سنه إلهيه تشمل الناس كلهم ، وهو جزء من مفهوم ألدرجيه الذي يقرر تفاوت الناس فى المقدرات والإمكانيات الذاتية دون أن يلغى ذلك المساواة بينهم. واستنادا إلى المفهوم الاسلامى للمساواة نتناول بعض الأحكام الشرعية التي يتخذها كل من مذهب نفى المساواه المطلق والمقيد” الفكر الجمهورى ” كادله على نفى المساواة بين المراْه والرجل فى الإسلام :
القوامة: من هذه الأحكام قوامه الرجال على النساء لقوله تعالى( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) (النساء:34). وهذا الحكم يستند إلى أن الإسلام يرى أن من السنن الالهيه التي تضبط حركه اى مجتمع ، انه لا وجود لاى جماعه إنسانيه بدون سلطه تنظم حركتها ، وقد اسند الإسلام السلطة في الاسره كجماعه إنسانيه للرجل(الرجال قوامون على النساء) استنادا إلى إمكانيات ومقدرات ذاتيه تتوافر في الرجل( بما فضل الله بعضهم على بعض) واستنادا إلى التكليف بالإنفاق ( وبما أنفقوا ). غير أن إسناد السلطة لشخص معين ، لا يعنى بالضرورة أنها سلطه استبداديه، قائمه على الانفراد بالراى او العلم او العمل لحل المشكلات المشتركة ، فقد تكون سلطه قائمه على الشورى اى تبادل الراى والعلم والعمل لحل هذه المشكلات وهى القوامة ألمقصوده ، بدليل سياقات أخرى ورد فيها لفظ قوامه كما في قوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) حيث قرنت الايه القوامة بالعدل. وهنا نشير إلى أن الإمام ابن حزم فسر القوامه الواردة فى الايه بأنها ( قوامة لا علاقة لها بالحقوق والطبيعة الإنسانية، أو القدرة على تصريف الأمور، ولو كانت قوامته “أي الرجل” بهذا المعنى للزم أن يكون كل رجل أفضل من كل امرأة، وهذا لا يستقيم في لغة العقل)(المحلى، دار الآفاق الجديدة، ج، 9ص490.).
طاعة الزوج مقيده وليست مطلقه : وهنا نشير إلى أن النصوص أوجبت طاعة المراه لزوجها، لكن هذه الطاعة مقيده بالشريعة وأوامرها ونواهيها، وليست مطلقه لقول الرسول (صلى اله عليه وسلم )(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فالطاعة المطلقة لا تكون في الإسلام إلا لله تعالى وحده،ولا تكون لسواه (سواء كان أب أو زوج أو حاكم … )
الميراث: ومن هذه الأحكام جعل نصيب المراْه من الميراث نصف نصيب الرجل كما في قوله تعالى (فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)[النساء: 176 . والحكم هنا لا يشمل كل حالات ميراث المرأة – كما يظن الكثيرين – بل هو مقصور على حاله الابن مع الابن عند وراثتهم للأب، ففي حالات أخرى تكون المراْه مساوية للرجل في الميراث ومنها:ا/ إذا كانت المراْه أختا للام مع أخيها، ب/ وإذا كانت أما فهي ترث وزوجها ولدا… وهذا يعنى أن هذا ليس نفيا للمساواة- كما يظن البعض – بل الحكم مبنى على أن الشريعة الاسلاميه جعلت نفقه المراْه “سواء كانت ابنه أو زوجه أو أم…” على الرجل. لذا قررت النصوص أن المراه مساوية للرجل في كون لها نصيب مفروض من الميراث كما أن للرجل نصيب من الميراث (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً)[سورة النساء] .
شهادة المراْه: ومن هذه الأحكام اشتراط الشريعة شهادة رجل أو امرأتين كما في الايه الكريمة، وهذا الاشتراط لا يشمل كل حالات شهادة المراه – كما يظن الكثيرين – بل يتعلق بشهادتها في القضايا المالية ، فهناك هناك حالات تكفى فيها شهادة مراْه واحده كما في الولادة. وهذا يعنى أن هذا الاشتراط لا يرجع إلى نفى الشريعة للمساواة بين الرجل والمراْه- كما يطن البعض- بل يرجع إلى زيادة منها فى التوثيق وحفظا للحقوق ،على قله خبره المراْه بالقضايا المالية، كما اشترطت أربعه شهود من الرجال فى إثبات جريمة الزنا لخطورتها، يقول الشيخ مصطفى السباعي( من الواضح أن هذا التفاوت لا علاقة له بالانسانيه ولا بالكرامة ولا بالاهليه… وان شهاده المراْه فى حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادرا… والحقوق لابد من التثبت فيها… فليست مسالة كرامه أو أهانه أو أهليه وعدمها وإنما مسالة تثبت في الأحكام والاحتياط في القضاء فيها)( المراْه بين الفقه والقانون ،ص31-32) ويقول المستشار سالم البهنساوى (وهذا النقصان ليس له اثر فى الفقه الاسلامى إلا في الشهادة على الأموال وذلك حفظا للحقوق كما هو الحال فى اشتراط اربع شهود من الرجال لاقامه حد الزنا وشهادة المراْه وحدها فى الولادة)(السنة المفترى عليها،ص232).
تعدد الزوجات: ومن هذه الأحكام اباحه الشريعة الاسلاميه لتعدد الزوجات كما فى قوله تعالى (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ …). غير انه يجب تقرير ان الفهم الصحيح لهذا الحكم الشرعي يقضى الالتزام بجمله من الضوابط منها: أولا: الأصل التفرد لا التعدد: اختلف العلماء فى أيهما الأصل فى الزواج ، فقال بعض العلماء ان الأصل هو التعدُّد ، غير جمهور من العلماء يرون ان الأصل في الإسلام التفرد لا التعدد، اى أن التعدُّد الاستثناء وليس القاعدة بادله منها: 1/ قوله تعالى (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، 2/ ورود الحكم بالاباحه مقرونا بشرط معين هو الخوف من عدم القسط في اليتامى كما فى قوله تعالى(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ )، 3/ تذييل الآية التي تبيح التعدُّد بقوله تعالى{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء: 3) ،4/ قوله تعالى {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129) ثم قوله صلى الله عليه وسلم (مَن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل)، 5/كون التعدد مباح وليس واجب … ثانيا: ان حكم التعدد الاصلى هو الاباحه “الجواز”(ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ) – وليس الوجوب(ما يعاقب تاركه) أو الندب”الاستحباب” (ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه – إلاّ إذا اعتراه ما يغيّر حكمه من الإباحة إلى غيرها؛ إما الاستحباب أو الوجوب أو الكراهة او التحريم. فيكون مستحبًّا إذا كان فعله يؤدي إلى أمر مستحب كرعاية أرامل المسلمين، و يكون واجباً إذا كان عدمه يؤدّي إلى محرََّم ، ويكون مكروهاً إذا كان فعله يؤدِّي إلى مكروه، كطلاق الزوجة الأولى (هناك من الفقهاء من قالوا بكراهية الثاني والثالث والرابع منهم البهوتي( البهوتي، كشاف القناع 5/7 ،و يكون محرّماً إذا كان يعتريه ما يحرِّمه كأن يجمع بين المرأة وأختها، أو إذا غلب على الزوج الظن أنه لن يستطيع العدل بين زوجاته فيما يجب عليه العدل ، (سؤالات في تعدد الزوجات، الشيخ محمد بن سعد الشهراني ، تقدّيم الشيخ ابن جبرين، مؤسسة الريان،بيروت) . ثالثا: اباحه التعدد ليست مطلقه بل لها شروط وضوابط: ومنها:ا/ أن يعدل الرجل بين جميع زوجاته ويسوي بينهن في الحقوق بدليل تذييل الآية التي تبيح التعدُّد بقوله تعالى{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء: 3) ، ب/ أن توافر له القدرة على الإنفاق لقوله تعالى (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يعنيهم الله من فضله ) وقوله (صلى الله عليه وسلم )( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج )فربط الحديث بين الحث على الزواج و القدرة”ألبائه ” … رابعا: قد جعل الشرع من حقِّ المرأة أو وليِّها أن يشترط ألا يتزوَّج الرجل عليها، فلو شرطت المرأة ذلك صحَّ الشرط ولزم، وكان لها حقُّ فسخ الزواج إذا لم يفِ لها بالشرط، ولا يسقط حقُّها في الفسخ إلا إذا أسقطته ورضيت بمخالفته، على تفصيلٍ كبيرٍ في كتب الفقهاء.
اباحه ضرب الزوجة: ومن هذه الأحكام اباحه الشريعة ضرب الزوجة لقوله تعالى(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) (النساء:34). غير ان لهذا الحكم ضوابط منها : ا/ الايه تقرر ان الضرب هو أخر خيار يمكن ان يلجاْ اليه الزوج حال نشوز الزوجة (بعد الوعظ والهجر) ، فهو استثناء وليس أصل للعلاقة بين الرجل وزوجته لقوله تعالى ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ). ب/ أن لهذا الحكم شروط منها: 1/ أن يكون الضرب غير مبرح بسواك أو بمنديل ملفوف لا بسوط ولا بعصي أو نحوه – فعن عطاء قال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح ؟ قال : السواك وشبهه يضربها به .( رواه ابن جرير 5/68 ) ، 2/ ويحرم ضرب الوجه والمقاتل، فعن جَابِرٍ -رضي الله عنه- قال : نهى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الضَّرْبِ في الْوَجْهِ .( رواه مسلم (2116) . ج/هذا الحكم هو من باب التدرج فى الانتقال مما هو كائن( الضرب كوسيلة وحيده للعقاب عند عرب الجاهلية) الى ما يبغى ان يكون(تفضيل استخدام خيارات أخرى للعقاب) بدليل تقرير الشريعة انه مع اباحه الضرب بشروطه إلا أن تركه أفضل : قال صلى الله عليه وسلم ( لقد طاف بآل محمد الليلة سبعون امرأة كلهن يشتكين الضرب وأيم الله لا تجدون أولئك خياركم ) (رواه النسائي في الكبرى : 9167 ، وصححه ابن حبان :4189)، قال الإمام الشافعي ( فجعل لهم الضرب وجعل لهم العفو وأخبر أن الخيار ترك الضرب)(الأم 5/112) ، وقال الحافظ ابن حجر( فيه دلالة على أن ضربهن مباح في الجملة ومحل ذلك أن يضربها تأديبا إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل )(فتح الباري 9/304 وانظر : عون المعبود 6/128). وعن عَائِشَةَ ( رضي الله عنه ) قالت : ما ضَرَبَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شيئا قَطُّ بيده ولا امْرَأَةً ولا خَادِمًا إلا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ (رواه مسلم :2328 )، قال النووي ( فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحا للأدب فتركه أفضل ) ( شرح صحيح مسلم 15/84). وقال القاري ( خصا بالذكر اهتماماً بشأنهما ولكثرة وقوع ضرب هذين والاحتياج إليه وضربهما وإن جاز بشرطه فالأولى تركه قالوا بخلاف الولد فإن الأولى تأديبه) ( مرقاة المفاتيح 10/ 488 ).
الجهاد: كما اعتبر الفكر الجمهوري أن الجهاد ليس أصلا في الإسلام ، ذلك ان الأصل فى الإسلا ممثلا فى القران المكى- الإسماح مع المخالفين في الرأي كما تدل عليه ايات مثل قوله اعلى “(لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)، لكن هذا الاسماح منسوخ فى القران المكى بالحث على الجهاد وايه السيف فىة القران المدنىكقوله تعالى( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أو (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) أو (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) ، وهذا التقييد الفهم يتعارض مع الفهم الصحيح لحكم الجهاد والقائم على الاتى :
ان الجهاد حكم مطلق من جهتى الزمان والمكان “واجب في كل زمان ومكان”، قال (صلى الله عليه وسلم)الحديث (الجهاد ماضي إلى يوم القيامة)، لذلك أجمع الفقهاء على أن الجهاد فرض عين إذا دخل العدو ارض الإسلام
ان الجهاد حكم مقيد من جهة الشروط ، فقدقررت الشريعة الاسلاميه ضوابط وشروط محدده للجهاد، وقد أشار العلماء إلى هذه الضوابط والشروط الشرعية ومنها:
النية/ إذن الوالدين /الإعداد للقوه /الجهاد مع جماعة المسلمين واميرهم /لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها/حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: / .عدم جواز نقض العهود والمواثيق /عدم جواز قتل المدنيين.
الجهاد وعلاقة المسلمين بغير المسلمين: لم يوجب الإسلام قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).
مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً والرد عليه : غيران هناك مذهب قال به بعض الكتاب الإسلاميين المعاصرين( كسيد قطب ) ، استنادا إلى أقوال بعض الفقهاء، ومضمون هذا المذهب هو أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً)، وغزو العالم لنشر الدعوة ، غير ان كثير من العلماء يرون أن هؤلاء الفقهاء بنوا موقفهم هذا على أساس أن واقع العالم في زمانهم (واقع الدولة غير ثابتة الحدود ) لم يكن يسمح – إلا قليلا- بان تكون علاقة المسلمين مع غيرهم هي علاقة سلم ما لم تتوافر شروط الجهاد، أو علاقة حرب في حاله توافر شروط الجهاد ، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم (…ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم، وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت) (محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام “الدار القومية، القاهرة، 1384م، ص78-79) .
ايه السيف: و قد اسند أصحاب هذا المذهب إلى القول بأن آية السيف ناسخة لكل الآيات التي تدعو للسلم ، والمقصود بها الآيات: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 5). و( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29). غير أن هذه الآيات لا تفيد قتال غير المسلمين إطلاقاً، وبالتالي تنسخ الآيات الداعية للسلم، بل هي مقيدة بالحالات التي أباح الإسلام فيها قتال غير المسلمين (إخراج المسلمين من ديارهم ،أو إكراههم على الردة على دينهم) ، يقول الشيخ محمد الغزالي (يشيع بين المفسرين أن آية السيف نسخت ما جاء قبلها، وعند التحقيق لا يوجد ما يسمى آية السيف، وإنما هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام أو في مقاتلتهم ،أحياناً لأسباب لا يختلف المشرعون قديماً وحديثاً على وجاهتها ، وعلى أنها لا تنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات)، ويرى الشيخ رشيد رضا : أن آية السيف تتراوح الآية الخامسة من سورة التوبة الداعية إلى قتال المشركين كافة كيفما يقاتلون المسلمين كافة، وإنها غير ناسخة لغيرها من الآيات ، ويستشهد بما قاله السيوطي من أن أياً من الآيتين ليس ناسخاً لغيرها من الآيات التي تتناول علاقة المسلمين بالمشركين ، ولكن لكل منها حكماً يسري في ظرف معين، ويرى أن الدعوة إلى مقاتلة المشركين هو رد على مبادأة المشركين القتال، وأن المقصود بالآيتين مشركي جزيرة العرب وليس مشركين الأرض، أما الآية 29 الخاصة بأهل الكتاب فإن نزولها جاء تمهيداً للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام ، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ فضلاً عن أن المقصود بها ليس أهل الكتاب ولكن فريقاً منهم له شروط أربعة معينة ذكرتها الآية الكريمة.
اللاعنف: وهنا يجب الاشاره إلى أن الفكر الجمهوري يتبنى مذهب بقوم على اللاعنف والتغيير السلمي ، حيث يقوم على انه (عندما يجئ تشريع الإسلام، في أوجه- اى أصوله الممثلة في القران المكي – فإنه لا يقوم إلا على رفض العنف) وقد تأثر محمود محمد طه بحركه المقاومة السلمية للاستعمارالبريطانى للهند والتي تزعمها غاندي ، والتي يتمثل أساسها النظري في تطوير غاندي لمفهوم العصيان المدني (الذي تعرف عليه من بحث ثورو الكلاسيكي عن العصيان المدني)، استنادا إلى فلسفة ساتياگراها ” الطريق إلي الحقيقة ” السلمية. ومن أدله هذا التأثر دعوه محمود محمد طه إلى التحرر من الاستعمار من خلال العصيان المدني، ومنهج التغيير الاسلامى إذ يلتقي مع مذهب اللاعنف عند غاندى – ومحمود محمد طه- في تقرير التغيير السلمي كأسلوب للتغيير إلا انه يختلف عنه في انه لا يعتبره الأسلوب الوحيد للتغيير، فيبيح استخدام القوه لكن في إطار الشرعية القانونية والاخلاقيه، فيبيح استخدام القوه للدفاع عن النفس”حق الدفاع الشرعي عن النفس” ، كما يبيح الجهاد لكن طبقا لضوابط أخلاقيه وإنسانيه معينه .
الديموقراطيه و الاشتراكية من الأصول: رغم أن كل من الديموقراطيه والاشتراكية مفاهيم محدثه، أنتجتها تجارب بشرية تمت في أزمنه وأمكنه معينه ، إلا الفكر الجمهوري اعتبرهما من أصول الإسلام الممثل في القران المكي ،والذي يرى انه يتضمن آيات توجب الديموقراطيه كقوله تعالى(فذكِّر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )،كما يتضمن آيات توجب الاشتراكية-بل الشيوعية- كقوله تعالى (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو) حيث يرى أن هذه الايه هي ايه الذكاه الاصليه،ولكن الفكر الجمهوري يرى أن كل هذا منسوخ- مؤقتا – في فروع الإسلام- القران المكي-حيث يتضمن الأخير حكم الفرد الرشيد ولبس الديموقراطيه ويستدل على ذلك بتفسيره الخاص للأيه(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله كما يتضمن الراسماليه-رغم أن الراسماليه نظام اقتصادي ظهر في أوربا بعد العديد من القرون من ظهور الإسلام- والموقف الصحيح من الديموقراطيه والاشتراكية كمفاهيم إنسانيه تعبر عن تجارب بشريه هو تجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق إلى موقف نقدي مضمونه التمييز بين الدلالات المتعددة للمفهومين ، وقبول ما هو ايجابي من هذه الدلالات ورفض ما هو سلبي منها، فهذا الموقف يرى انه ليس ثمة تناقض “مطلق” بين الإسلام و مفهومي الديموقراطيه والاشتراكية،اى تناقض بين الإسلام وكل دلالات مفهومي الديموقراطيه والاشتراكية، وان كان من الممكن وجود تناقض “محدود” بينهما ، اى تناقض بين الإسلام وبعض دلالات المفهومين ، وهو ما يمكن إلغائه بأخذ الدلالات التي لا تتناقض مع الإسلام، ورد الدلالات التي تتناقض معه. اتساقا مع هذا فان هذا الموقف يرى أن الإسلام كدين – لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديموقراطيه التي مضمونها ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه ، وهو ما يتحقق من خلال الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، لان الفلسفة السياسية الاسلاميه قائمه على إسناد ألحاكميه ” السيادة / السلطة المطلقة ” لله تعالى واستخلاف الجماعة في إظهارها في الأرض، بإسناد السلطة- الأمر- إليها (وأمرهم شورى بينهم)،أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله . كما يرى أن الإسلام كدين لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الاشتراكية، التى مضمونها التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية ألعامه لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7). أما الدلالات الخاصة المنفردة لمفهوم الديموقراطيه” التي تتضمن المفهوم الليبرالي للديموقراطيه “، ومفهوم الاشتراكية” والتي تتضمن المفهوم الماركسي للاشتراكية ” ، فيرى هذا الموقف ان بعضها يتناقض مع الإسلام وبعضها لا يتناقض معها ، وبالتالي فان الموقف الصحيح منها هو على اخذ وقبول ما لا يتناقض مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة من هذه الدلالات ، ورد ورفض ما يتناقض معهما. هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام ،التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.
\التسيير والتخيير : و الفكر الجمهوري يبنى نظريه تقول بان التخيير يتم من خلال التسيير، وهذه النظرية تنتهي فعليا إلى القول بالجبر ، الذي هو من لوازم مفهوم وحده الوجود ، لأنه يقوم على إفراد الفعل لله، خلافا لمفهوم التوحيد ، الذي يقوم على إفراد الفعل المطلق لله تعالى، فالجبر وافد على الإسلام ، ولا تعبر عن المنهج الاسلامى الذى يجعل العلاقة بين الفعل الالهى المطلق والفعل الانسانى المحدود ،علاقة تحديد وليست علاقة إلغاء.
الفكر الجمهوري والفلسفة الغربية: إن المضمون الاساسى للفكر الجمهوري هو محاوله تطوير نظريه وحده الوجود (عند ابن عربي بصوره أساسيه)، بالاستناد إلى الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة (الهيجليه بصوره أساسيه)، لذا فقد اخذ الفكر الجمهوري الكثير من المفاهيم من الفلسفة الغربية ، فقد اخذ من هيجل مفاهيم الجدل اى التطور من خلال صراع المتناقضات، والمثالية الموضوعية اى القول باولويه الفكر أو الروح على المادة،.كما اخذ من الوجودية عده مفاهيم منها القول بالحرية الفردية المطلقة…كما اخذ من الليبرالية مفاهيم الديمقراطية والفردية.كما اخذ من الماركسية عده مفاهيم منها الاشتراكية،الشيوعية،الصراع الطبقي.وأيضا اخذ من الدارونيه مفاهيم التطور العضوي والصراع من اجل البقاء.أما الفرويديه فقد اخذ منها مفاهيم العقل الظاهر العقل الباطن والكبت… غير أن هذا الأخذ كان على مستوى الأصول ،وليس على مستوى الفروع – لذا يمكن ان نصف الفكر الجمهوري بأنه شكل من أشكال التجديد “المقلوب” – كما انه تم في كثير من الأحيان دون اتخاذ موقف نقدي، يتضمن بيان مدى اتساق أو تناقض هذه المفاهيم مع أصول الدين،فضلا عن مدى صحتها.
مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي : ويرتب الفكر الجمهوري على إقرار علاقة الانتماء الاسلاميه “ذات المضمون الديني- الحضاري ” إلغاء علاقة الانتماء العربية “ذات المضمون اللساني “وليس العرقي” – الحضاري”ورد في رسالة (خطاب إلى جمال)( أن تنفض يدك فوراً من الدعوة الباطلة ـ دعوة القومية العربية ـ وأن ترجع بشعبك إلى الإسلام رجوعا واعياً، وأن تحاول بعث المعاني الإنسانية الرفيعة التي يذخر بها القرآن، وأن تصلح بها قومك أولاً) ، وهذا يعنى ان الفكر الجمهوري يستند الى “مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي”، والقائم على افتراض “خاطئ” مضمونه أن الإسلام كدين ينكر وحدات التكوين الاجتماعي المتعددة، وعلاقات الانتماء اليها ، لأنه يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :الأسرة كما في قوله تعالى ? وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة?، وقوله تعالى ?ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة?.والعشيرة كما فى قوله تعالى ? وانذر عشيرتك الأقربين? .والقبيلة والشعب كما فى قوله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . والامه التي مناط الانتماء اليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ? أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون? ( الممتحنة:9) . كما أن مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي (كعلاقات الانتماء : الاسريه، والعشائرية والقبلية والوطنية والقومية …) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )( الزخرف : 44)، وفى السنة النبوية وردت العديد من الأحاديث التي تشير إلى إقرار علاقات الانتماء المتعددة ما لم تقم على التعصب أو يترتب على الإقرار بها إثم: ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد).
ثانيا :المستوى الفلسفي: أما مضمون الموقف النقدي من الفكر الجمهوري على المستوى الفلسفي – فينقسم إلى:
أولا: نقد داخلي : مضمونه نتناول مفاهيم هذا الفكر من حيث اتساقها أو تناقضها مع بعضها البعض، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه هناك اتساق بين بعض هذه المفاهيم (وحده الوجود، وحده الأديان…)، كما أن هناك تناقض بين بعضها الأخر( بين الفردية المطلقة والجماعية المطلقة، وبين الليبرالية والماركسية، وبين الذاتية والموضوعية…).
ثانيا: نقد خارجي: و مضمونه تناول مفاهيم هذا الفكر من حيث صدقها الواقعي ،وأوجه الصواب والخطأ فيها .
المثالية الموضوعية: وهنا تخلص هذه القراءة إلى أن أهم أوجه النقد الخارجي أن الفكر الحمهورى باعتباره شكل من أشكال الفلسفة المثالية الموضوعية ، التي تقول بالاولويه المطلقة للفكر أو الروح على المادة،(اى أن للفكر أو الروح وحده وجود حقيقي، أما المادة فوجودها غير حقيقي)،انتهى إلى إلغاء او التقليل من دور الإنسان في التطور الاجتماعي(بقوله بالجبر)، والتركيز على العوامل الفكرية والروحية،مع إلغاء أو التقليل من دور العوامل المادية(كالاقتصاد)،والاجتماعية (كوحدات التكوين الاجتماعي”العشيرة، القبيلة، الشعب،الامه…).
ثانيا:المستوى العملي : أما مضمون هذا الموقف النقدي من الفكر الجمهوري– على المستوى الثاني “العملي” فيتمثل في بيان ما يلزم “موضوعيا” – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لمؤسس المذهب وأنصاره – من نتائج تطبيقيه من مواقف سياسيه،اقتصاديه ،اجتماعيه ، وهنا نشير إلى أن مواقف هذا المذهب يلزم منها الإبقاء على الواقع السوداني خاصة و العربي عامه القائم على الاستبداد “الداخلي “والاستعمار القديم والجديد”الخارجي”، والتجزئة والتفتيت،والظلم الاجتماعي والتبعية ألاقتصاديه بدون تغيير،وأنها تتعارض مع أهداف وغايات الاراده الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه في الحرية والوحدة والعدالة ألاجتماعيه. وأنها تخدم المشاريع الهادفة إلى إلغاء الاراده الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه، ومنها مشروع الشرق الأوسط “الامبريالي الصهيوني”.وفيما يلى تفصيل ذلك
تأييد النظام المايوى:كما اشرنا سابقا فقد أيد الجمهوريين النظام المايوى” نظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميرى” ،واستمر هذا التأييد حتى حدث الصدام معه لاحقا ، وكنت بداية الصدام بتحالف النظام الماويوى مع جماعه الإخوان المسلمين بقياده د. حسن الترابي ،ورفضهم لهذا التحالف ، ثم تلي ذلك من تطبيق النظام لما أطلق عليه اسم “قوانين سبتمبر”واعتراضهم عليه .وقد اصدر الجمهوريين خلال هذه الفترة العديد من المنشورات التي تدافع عن النظام المايوى وتهاجم معارضيه ومنها: كتاب (لماذا نؤيد سلطة مايو؟) ، كتاب (المنشور الخامس – رسالة الى: الصادق والهندي والشيوعيين والبعثيين)، كتاب (المنشور السادس – بيانات نقابة المحامين وجمعية القانون) ، كتاب (هذا لا يكون!! ما يتعلق بأمن البلاد أتقرره النقابات؟! هذا لا يكون أبدا؟! )،ولم ينكر الجمهوريين لاحقا تحالفهم مع النظام المايوى ولكنهم برروه ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول د. عمر القراي ( يقول د. محمد المهدي بشرى ” وحتى عندما بالغ النظام في العداء للشعب السوداني كان محمود وجماعته يدافعون عن سياسات النظام ويسوِّغون لها المبررات” ،والحق إا تأييد الجمهوريين لنظام مايو، إنما كان من أجل الشعب، وخوفهم عليه من تسلط الشيوعيين، مثلما خافوا عليه من تسلط الطائفية والجماعات الإسلامية. .. هذا في حين أن الأستاذ محمود، أيد مايو حين كانت منحازة للشعب، ومهتمة بمصالحه، وساعية للتنمية، وتحقيق السلام، وعارضها، حتى الموت، حين وقفت ضد مصالح الشعب…)( الجمهوريون ومايو ” 3-4″) . وهذا التبرير هو محل نظر ، لان هذا التأييد كان في مرحله خضوع النظام المايوى للسياسات الامبريالية الامريكيه والصهيونية في المنطقة،والتي تهدف إلى تطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد “الامبريالي – الصهيوني”، وما صاحبها من خيانات قوميه “مثل ترحيل اليهود الفلاشا”، وتطبيقه للنظام الراسمالى، بالالتزام بسياسات مؤسسات الراسماليه العالمية كالبنك الدولي صندوق النقد الدولي، وهى السياسات الاقتصادية التي أفقرت الشعب السوداني،وفقدانه لاى تأييد شعبي كان قد كسبه في مرحله سابقه، ولجوءه إلى القمع، والدليل على ذلك أن الشعب السوداني لم يلبث أن اسقط هذا النظام في انتفاضه ابريل 1985.
مناهضه حركه التحرر القومي العربي بقياده الزعيم جمال عبد الناصر : ناهض الجمهوريين حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار بقياده الزعيم الراحل /جمال عبد الناصر(رحمه الله تعالى)، والذي جسد في حياته الاراده الشعبية العربية ، فحققت من خلال توحدها حول زعامته ، خطوات كبيره تجاه الحرية” تنامي حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، مما أدى إلى استقلال اغلب الدول العربية “والوحدة” تنامي الشعور الوحدوي- القومي- مما أدى إلى تحقيق أول وحده عربيه في العصر الحديث “الجمهورية العربية المتحدة ” والعدالة الاجتماعية “تنامي الدعوة إلى محاربه الإقطاع والراسماليه و تطبيق نظام اقتصادي اشتراكي يتوافق مع قيمنا العربية-الاسلاميه مما أدى إلى تحقيق قدر من التنمية المستقلة والتحرر من التبعية ألاقتصاديه للغرب “، وتحول بعد وفاته إلى احد الرموز التاريخية الملهمة للاراده الشعبية العربية، ورغم ما شاب التجربة الناصرية من سلبيات -وأبرزها الركون إلى البيروقراطية في التغيير- بجانب ايجابياتها الكثيرة- إلا أنها أسهمت في ترقيه وتطوير الوعي الشعبي العربي فلم يعد بعدها كما كان قبلها.ومن مظاهر هذه المناهضة:
ا/معارضه تأميم قناة السويس: لا ينكر الجمهوريين أنهم عارضوا تأميم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لقناه السويس، وهو احد أهم انتصارات حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار ، ولاقى تأييد اغلب الشعب العربي، وقد برر الجمهوريين هذه المعارضة بأنها ليست معارضه للتأميم فى ذاته ، ولكن فى طريقه التأميم ( لقد كنا أول من عارض تأميم الثورة لقناة السويس، وذلك غداة تأميمها، ولم يكن إعتراضنا منصباً على التأميم في حد ذاته، بقدر ما كان منصباً على الطريقة التي جرى بها التأميم.. ذلك بأنا كنا موقنين بأن الثورة قد تطرفت في التحدي حتى تجاوزت القصد، وأنها لن تأمن عواقب هذا التطرف مما قد يضطرها إلى إلتماس الحماية عند الشيوعية الدولية، فتقع بذلك في الفخ الذي نصبوه لها عندما سلحوها فوق حاجتها مما أغراها بالتحدي، وأضراها بالمناجزة، ومنّاها بالغلبة، وأعجلها عن اصطناع الأناة، وبعد النظر.).
ب/ رفض سياسة ” الحياد الايجابى” : كما رفض الجمهوريين سياسة الحياد الايجابي التي تبنى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع زعماء آخرون “نكروما، تيتو.. “بهدف تأسيس كتله ثالثه ازاء الكتلتين الشرقية والغربية ، وقد برروا هذا الرفض بأنه تصحيح لرأى ناصر للمفهوم ، لأنه تضمن العداء للغرب بقياده أمريكا، ولان هذا المفهوم يجب أن يقوم على فلسفه الإسلام ( أن تصحح رأيك في الحياد الإيجابي.. فإنك، لن تستطيع الحياد إذا أسرفت في عداوة فريق من الفريقين. فإن الإسراف لا يورث الإعتدال ـ فأنت لا تجني من الشوك العنب.. وإنك لن تستطيع أن تكون “إيجابياً” في حيادك إلا إذا كنت تملك الفلسفة الإيجابية.. وما نرى لك فلسفة، بإزاء الرأسمالية، والشيوعية، غير الإسلام.) نصيحة الجمهوريين لجمال ، وهذا الراى يتجاهل ان الحياد الايجابي هو حلف بين مسلمين”دول عربيه واسلاميه ” ، وغير مسلمين “دول العالم الثالث غير المسلمة “- وهو الأمر الذي اقره الرسول (صلى الله عليه مسلم)- اى جواز حلف المسلمين مع غير المسلمين لتحقيق غايات تتسق مع قيم الإسلام فى الحق والخير ورد الظلم..- ،وانه لا يمكن ان يتحقق الحياد الايجابي إلا بالتحرر من الاستعمار القديم والجديد .
تأييد الرئيس / محمد أنور السادات والتطبيع مع الكيان الصهيوني : كما أيد الجمهوريين الرئيس /محمد أنور السادات الذي تولى السلطة في مصر1970، والذي تبنى – بدعم من الغرب بقياده امريكا- سياسه تقوم على محاوله الارتداد عن مجمل سياسيات الزعيم الراحل من مناهضه الاستعمار القديم والجديد والاستيطاني، إلى التبعية للولايات المتحدة الامريكيه،وتوقيع اتفاقيه سلام مع الكيان الصهيوني”كامب ديفيد”، ومن اقامه تنميه مستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ،ومن التضامن العربي، إلى قطع العلاقات مع الدول العربية،ثم سارت عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط.وشكل كل هذا مرحله هامه من مراحل تطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد “الامبريالي الصهيوني، والذي نحج أخيرا ، في الارتداد بالنظام السياسي العربي خطوات تجاه التفتيت على أساس طائفي ،فضلا عن انزلاق بعض أجزائه نحو الفوضى.
التفسير اللاهوتي لطبيعة القضية الفلسطينية: ويتبنى الفكر الجمهوري التفسير اللاهوتى لطبيعة القضية الفلسطينيه، وهو تفسير قائم على أن الصراع الذي تثيره مشكله فلسطين قائم بين المسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى لمجرد أنهم يهود، فهي مشكله صراع بين الأديان. وانه قال بهذا التفسير الكنيسة الكاثولوكيه في أوربا في العصور الوسطي خلال فتره الحملات الصليبية.كما يمكن اعتبار التفسير الصهيوني شكل من أشكال هذا التفسير .. حين سُئِلَ محمود محمد طه عن مفهومه في قول الرسول “إنه سيأتي يوم سنقاتل فيه اليهود وسينطق الحجر ويقول للمسلم أنَّ ورائي يهوديًا فاقتله”، قال: . لا. نحن لن نقاتل اليهود لأن اليهود سيصبحون مسلمين! حلُّ المشكلة هو أن اليهود وكل الملل سيصبحون مسلمين. إسرائيل ستصبح دولة مسلمة. يقول تعالى: “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا” الله سيهدي الناس كلهم. حلُّ مشكلة فلسطين في أن يسلم اليهود). واخذ الفكر الجمهوري بهذا التفسير يفسر لنا ان الجمهوريين كانوا من أوائل الجماعات التي جاهرت بالدعوة إلى الاعتراف بإسرائيل – وهى الدعوة التي يترتب عليها الاقرار بمشروعيه اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين ،ونفى وجود اى حقوق وطنيه او قوميه أو دينيه للشعب الفلسطيني –لذا انه بعد عقود من اعتراف الفلسطينيين واغلب العرب بإسرائيل لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه ولم تحل القضية الفلسطينية . فتبنى بعض المسلمين لهذا التفسير اعتقادا منهم انه يمثل الفهم الاسلامى الصحيح للمشكلة وطبيعة الصراع التي تثيره وهو غير صحيح، لان الإسلام لم يأذن للمسلمين بقتال غير المسلمين إلا في حالتي إكراههم على الردة أو إخراجهم من ديارهم فالإسلام يحرم الاعتداء ولو كان من مسلم ويوجب قتاله ﴿ وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾. أما الاحتجاج بكون الصراع ديني بلعن الله اليهود، فان الله تعالى قد حكم على اليهود بان لا يكونوا امة تختص بديار لأنه حكم تاريخي ينصب على سائر اليهود، أما لعنة الله لليهود فتنصب على من استكبر منهم بدليل تمييز القرآن بينهم. ﴿ ومن أهل الكتاب من أن تؤمنه بقنطار يؤده إليك ومن ان تامنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما ﴾. (آل عمران : 75). وتحريفهم العقيدة الصحيحة لم يحول دون أن يقبل الرسول أن يكونوا مواطنين في دولة المدينة ( أن اليهود من بني عوف امة مع المؤمنين). فقضيه الصراع حول ارض فلسطين قضية المسلمين في جميع إنحاء الأرض لأنه صراع يتصل بمشروعية الفتح الإسلامي وحق المسلمين في العيش على الأرض التي اسلموا فيها أو حملهم إليها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا. كما أن الإسلام أوجب على جميع المسلمين الجهاد إذا حدث اعتداء على ديار المسلمين.
التناقض بين الإقرار “النظري” بالشيوعية والرفض المطلق “العملي” لها: يبنى الفكر الجمهوري الشيوعية – على المستوى النظري – استنادا إلى تقريره أن آية الزكاة الكبرى (الأصلية) هي قوله تعالى” يسألونك ماذا ينفقون قل العفو” – وهو يكاد ينفرد بهذا الموقف بين المذاهب الاسلاميه – إذ إن هناك حركات إسلاميه أقرت بالاشتراكية، ولكن لا توجد حركه إسلاميه أقرت بالشيوعية ، ورغم ذلك اتخذ الفكر الجمهوري -على المستوى العملي – موقف الرفض المطلق للحركة الشيوعية العالمية (الكتلة الشرقية بقياده الاتحاد السوفياتى سابقا) ،والمحلية ( الحزب الشيوعي السوداني )،وقد أصدروا العديد من المنشورات التى تبين هذا الموقف ومنها:كتاب “الماركسية فى الميزان ، كتاب : (المنشور الرابع – خذوا حذركم الشيوعية الدولية هى الاستعمار الجديد)، (المنشور الأول – ناقوس الخطر- السودان مستهدف من الشيوعية الدولية)..
ضرورة المراجعة الشاملة : بعد العرض النقدي الشامل للفكر الجمهوري المذكور أعلاه نخلص إلى ضرورة إجراء أنصار الفكر الجمهوري لمراجعه شامله تشمل مستواه النظري” تضمن ضبط مفاهيمه النظرية بالضوابط الشرعية، ليتحول من مذهب في التصوف الفلسفي الى مذهب فى التصوف السني – وبهذا يلغى تناقضه الموضوعي مع التدين الشعبي السوداني- كما تشمل هذه المراجعة تصحيح مواقفه التطبيقية لتتسق عن غايات الاراده الشعبية السودانية خاصة والعربية عامه ،والممثلة في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية.
_________________________

للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
1/ الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2/ د. صبري محمد خليل Google Sites
https://sites.google.com/site/sabriymkh/‏

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s