التوصية النبوية بالأقباط وإيجاب الإسلام حماية الأقليات الدينية وإقرار حقوقها

التوصية النبوية بالأقباط وإيجاب الإسلام حماية الأقليات الدينية وإقرار حقوقها
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد: نشطت في المجتمعات العربية خاصة والمسلمة عامه في الفترة الاخيره ، بعض التنظيمات السياسية ، التي تستند إلى مذهب” الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة “كالتنظيمات القطبية في مصر كالجهاد والجماعة الاسلاميه في السابق ، وحاليا تنظيمات كالقاعدة والدولة الاسلاميه للعراق والشام “داعش” و أنصار الشريعة وبوكو حرام و طالبان…هذه التنظيمات تقوم باستهداف الأقباط والمسيحيين اوغيرهم من أقليات دينيه ، فهي تبيح دماءهم وإعراضهم وأموالهم، وتنكر حقهم في المواطنة ، وتلغى- فعليا وان لم يكن نظريا – اى حقوق دينيه أو سياسيه لهم،وهى تحاول أن تبرر هذا الموقف دينيا ، من خلال فهم خاطئ وجزئى للنصوص والمذاهب وبعض القواعد المنظمة لعلاقة الأقليات الدينية بمجتمعها . وفيما يلي نوضح مفارقه هذه التنظيمات وموقفها من الأقباط والمسيحيين وغيرهم من أقليات دينيه للإسلام كدين ، ومذهب أهل السنه بفرقه الفقهية والكلامية المتعددة – الذي يمثل الفهم الصحيح للدين – والذي ينتمي إليه اغلب المسلمين في العالم.
بدعية مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة: يتضح لنا مفارقه المذهب الذي تستند إليه هذه التنظيمات للإسلام- اى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة – ولمذهب اغلب المسلمين في العالم – اى مذهب أهل السنة بفرقه المتعددة – من خلال كون هذا المذهب يقوم على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير ، ويلزم منها البدعة الثانية وهى استحلال الدماء المحرمة ” كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار..”، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهومي التكفير والقتال ، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية ، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة – الذي يمثل الفهم الصحيح للدين- ، لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين ، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية . كما أن هذا المذهب يتعارض مع قاعدة تحريم الخروج بالسيف، اى التغيير باستخدام القوه المسلحة ، والتي اجمع عليها علماء أهل ألسنه يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقة ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم12/432-433) . وقد اجمع علماء أهل السنة ،على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة – الذي مثله في عصرهم الخوارج – مذهب بدعي ضال ، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة ، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ ْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ … ) ( الفتاوى : 28/518 ). استنادا إلى ما سبق نقرر الاتى: أولا: أن هذه التنظيمات – باستنادها إلى مذهب بدعي ضال بإجماع علماء أهل السنة – لا تمثل الإسلام ولا المسلمين”الذين ينتمي اغلبهم إلى مذهب أهل السنة كما سيق ذكره.ثانيا:أن هذه التنظيمات تشوه صوره الإسلام والمسلمين ، وتضر بالدعوة الاسلاميه، ولا تخدم إلا أعداء المسلمين – بوعي أو بدون وعى- والادله على هذا كثيرة منها: إنها تؤجج الفتنه الطائفية ، وهو ما يخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي الصهيوني، الهادف إلى تحويل الدول العربية إلى دويلات طائفيه ..ثانيا: أن القوى التي تقف وراء هذا المشروع ساهمت – بمساعده من حلفائها في المنطقة- في إنشاء وانتشار هذه التنظيمات بهدف تحقيق أهدافها في المنطقة، لكن هذه التنظيمات خرجت لاحقا عن سيطرتها، وضربت في العمق ذات القوى التي ساهمت في إنشاءها وانتشارها، مما اضطر هذه القوى إلى العمل على تحجيمها دون القضاء عليها نهائيا،إلا في حاله استفاد غرضها.
إيجاب الإسلام حماية الأقليات الدينية: ان استهداف هذه التنظيمات للأقليات الدينية يتناقض مع إيجاب الإسلام على المسلمين حماية الأقليات الدينية من الاعتداء الخارجي، ينقل الإمام القرافي في كتابه “الفروق” قول الإمام ابن حزم في كتابه “مراتب الإجماع”: “إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة“. (الفروق ج ـ 3 ص 14 – 15 – الفرق التاسع عشر والمائة). كما يتناقض مع إيجاب الإسلام على المسلمين حماية الأقليات الدينية من الاعتداء الداخلي ، يروى عن الرسول (من آذى ذِمِّياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)(رواه الخطيب بإسناد حسن)، ويروى عنه أيضًا(من آذى ذميًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله)(رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن).
إقرار الإسلام حق المواطنة للأقليات الدينية: وإنكار هذه التنظيمات لحق الأقليات الدينية في المواطنة يتعارض مع إقرار الإسلام مفهوم المواطنة، الذي يشمل المسلمين وغير المسلمين، وهو ما يتضح- على المستوى العملي التطبيقى – من خلال وثيقة الصحيفة التي كانت بمثابة دستور لدوله المدينة..ففي ظل الصحيفة تكون “شعب” ، تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم)، ولكن يتوحد الناس فيه “مع اختلاف الدين” في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن)( وأنَّ هود بني عوف أمَّة مع المؤمنين …) ، فمفهوم المواطنة قرره وطبقه الإسلام قبل الفلسفات السياسية الحديثة كالليبيراليه ، والتي فصلته عن الدين- خلافا للإسلام –.
إقرار الإسلام حقوق الأقليات الدينية الدينية والسياسية : كما أن إلغاء هذه التنظيمات للحقوق دينيه و سياسيه للأقليات الدينية يتناقض مع إقرار الإسلام لهذه الحقوق ومنها :
1/ سناد الأعمال” الوظائف العامة”: ففيما يتعلق بإسناد الأعمال” الوظائف العامة” لغير المسلمين ، فإننا إذا كنا نجد في الفقه الاسلامى من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، فإننا نجد أيضا من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء ، حيث يرى ابن العربي( أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به) (ابن العربي: 16،268) ،كما جوز الماوردي وأبو يعلى للرئيس أن يولىه وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض وتاريخيا استعان بهم الخلفاء. والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه” الذميين ” ، وغير المسلمين الأجانب” كالمستأمنين مثلا”، حيث يحق لغير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه إسناد الأعمال” الوظائف العامه” لهم ، مادام شرط الكفائه متوفر فيهم، لأنه جزء من حق المواطنة الذي اقره الإسلام فى وثيقة المدينه، أما غير المسلمين الأجانب فيتوقف إسناد الأعمال لهم على مصلحه الدولة.
2/ الشورى: اما فيما يتعلق بالشورى فانه يجوز الأخذ براى غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه في الشورى، لان مجال الشورى هو الفروع لا الأصول، يقول ابن كثير في تفسير الايه اسألوا أهل الذكر( اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)(3/215)
3/الحريات الدينية :اما فيما يتعلق بالحريات الدينية ، فقد قرر الإسلام الحريات الدينية لغير المسلمين من مواطني ألدوله الاسلاميه ، ومن مظاهرها : إقرار حرية الاعتقاد وحرية العباده وممارسه الشعائر لغير المسلمين وإيجاب حماية معابدهم
ا/ إقرار حرية الاعتقاد: فقد اقر الإسلام حرية الاعتقاد في الكثير من النصوص كقوله تعالى (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)، (البقرة: 256) يقول ابن كثير في تفسير الآية (أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه) .
ب/ إقرار حرية العبادة وحرية ممارسه الشعائر و وإيجاب حماية معابد الأقليات الدينيه : كما اقر الإسلام لغير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه حرية العبادة وحرية ممارسه الشعائر واوجب حماية معابدهم ،فجعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: (أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا). (الحج: 39 – 40).وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) نص على حرمة معابدهم وشعائرهم(هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود . . ) (تاريخ الطبري ط . دار المعارف بمصر ج ـ 3 ص 609).وفي عهد خالد بن الوليد لأهل عانات(ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم)(الخراج لأبي يوسف ص 146).
الفهم الصحيح لبعض القواعد المنظمة لعلاقة الأقليات الدينيه بمجتمعها : وكما سبق ذكره فان هذه التنظيمات تستند إلى فهم خاطئ لبعض القواعد المنظمة لعلاقة الأقليات الدينية بمجتمعها ومن هذه القواعد:
ا/ التمييز حكم تاريخي مشروط غير مجمع عليه ، وليس قاعدة عامه مطلقه مجمع عليها :ان تمييز غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه” الذميين “عن المسلمين – بصوره عامه – لم يقل به احد من العلماء المتقدمين ، وقال به بعض العلماء في مرحله تاريخية لاحقه، لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمين، فهو ليس قاعدة عامه /مطلقه /مجمع عليها، بل حكم تاريخي/ مشروط بظروف معينه /وليس محل اجماع (عبد العزيز كامل، معامله غير المسلمين ج1، ص199)
ب/ الفهم الصحيح لمفهوم الذمة: اما عن مفهوم أهل الذمة ، فان الذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان(الفيروز ابادى، القاموس المحيط، 4/115)، أما اصطلاحا فعرفها العلماء بأنها ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم ،والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم)( أبو زهره المجتمع الانسانى، ص 194)، فمضمون هذا المفهوم إذا هو تقرير حقوق المواطنة، لغير المسلمين في الدولة الاسلاميه (اليهود أمه مع المؤمنين)، مع احتفاظهم بحريتهم الدينية على المستوى الدستوري ( في ذمه الله ورسوله)، ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه المسلمة ،ما داموا قائمين بواجباتها.
ج/الفهم الصحيح لمفهوم الجزية : أما الجزية فهي حكم من أحكام الحرب ، كبدل لإعفاء غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه من الجندية ،ورد في الصلح مع نصارى نجران( ليس على أهل الذمة مباشره قتال وإنما أعطوا الذمة على أن لا يكلفوا ذلك)، لذا لا تؤخذ في حاله أداء غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه الخدمة العسكرية كما في الدولة الحديثة، إلي هذا ذهب رشيد رضا ووهبه الزحيلى (أثار الحرب،ص698) وعبد الكريم زيدان ( الفرد والدولة،ص98) ، وهناك سوابق تاريخية تؤيد ذلك ، ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه ( أنهم طلبوا الأمان والصلح فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وان لا يؤخذوا بالجزية)( البلاذردى، فتوح البلدان،ج1، ص217) ، ومع أهل ارمينه ( أن ينفروا لكل غاره… على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلي ذلك)( الطبري، تاريخ الأمم، ج 5، ص257.).
د/ الأصل في العلاقة مع غير المسلمين السلم وليس الحرب : كما ان مذهب الغلو فى التكفير واستحلال الدماء المعصومة- الذي تستند إليه هذه التنظيمات- ينطلق من مذهب يجعل الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هى الحرب والصراع،وهوما يتعارض مع كون الإسلام لم يوجب قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).
الرد على مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً: اتساقا مع ما سبق نقرر خطا مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً ، الذي ينطلق منه هذا المذهب، والذي قال به بعض منظري بعض الجماعات التي تنسب نفسها للإسلام ( كسيد قطب في مرحلته الفكرية المتاخره التكفيرية ) ، استنادا إلى قراءه معزولة عن سياقها التاريخي ، لأقوال بعض الفقهاء، و مضمون هذا المذهب هو أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً) ، وغزو العالم كله لنشر الدعوة .وقد قرر كثير من العلماء يرون أن هؤلاء الفقهاء بنوا موقفهم هذا على أساس أن واقع العالم في زمانهم (واقع الدولة غير ثابتة الحدود ) لم يكن يسمح – إلا قليلا- بان تكون علاقة المسلمين مع غيرهم هي علاقة سلم ، ما لم تتوافر شروط الجهاد، أو علاقة حرب في حاله توافر شروط الجهاد ، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم(…ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم، وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت) (العلاقات الدولية في الإسلام ،الدار القومية،القاهرة ، 1384م، ص78-79) ، ويدل على هذا أن هناك علماء خالفوا ما قرره هؤلاء الفقهاء، حيث نجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر(وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصودة أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة ” كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم” فلا يقتل عند جمهور العلماء ، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب ، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وفي السنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازية، قد وقف الناس عليها، فقال “ما كانت هذه لتقاتل”، وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً “، وفيها أيضاً عنه (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة”. وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى “والفتنة أشد من القتل”، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله ، لم يكن كفره إلا على نفسه)
التفسير الصحيح لايه السيف: و قد اسند أنصارهذا المذهب إلى القول بأن آية السيف ناسخة لكل الآيات التي تدعو للسلم ، والمقصود بها الآيات: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 5). و( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29). غير أن هذه الآيات لا تفيد قتال غير المسلمين إطلاقاً، وبالتالي تنسخ الآيات الداعية للسلم، بل هي مقيدة بالحالات التي أباح الإسلام فيها قتال غير المسلمين (إخراج المسلمين من ديارهم ،أو إكراههم على الردة على دينهم) ، يقول الشيخ محمد الغزالي (يشيع بين المفسرين أن آية السيف نسخت ما جاء قبلها، وعند التحقيق لا يوجد ما يسمى آية السيف، وإنما هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام أو في مقاتلتهم ،أحياناً لأسباب لا يختلف المشرعون قديماً وحديثاً على وجاهتها ، وعلى أنها لا تنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات)، ويرى الشيخ رشيد رضا : أن آية السيف تتراوح الآية الخامسة من سورة التوبة الداعية إلى قتال المشركين كافة كيفما يقاتلون المسلمين كافة، وإنها غير ناسخة لغيرها من الآيات ، ويستشهد بما قاله السيوطي من أن أياً من الآيتين ليس ناسخاً لغيرها من الآيات التي تتناول علاقة المسلمين بالمشركين ، ولكن لكل منها حكماً يسري في ظرف معين، ويرى أن الدعوة إلى مقاتلة المشركين هو رد على مبادأة المشركين القتال، وأن المقصود بالآيتين مشاركي جزيرة العرب وليس مشركين الأرض، أما الآية 29 الخاصة بأهل الكتاب فإن نزولها جاء تمهيداً للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام ، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ ..)
التوصية النبوية بقبط مصر: كما أن استهداف بعض هذه التنظيمات للأقباط في مصر يناقض مع الأمر الذي وجهه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) للمسلمين بان يستوصوا بالقبط خيرا “وهو ما يعنى تحريم الاعتداء على أرواحهم وممتلكاتهم واعراضهم” :أولا: روى مسلم في صحيحة عن أبي ذر قال: قال رسول الله “صلى الله عليه وسلم”( إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما) .ثانيا:روى الطبراني والحاكم عن كعب بن مالك مرفوعا ( إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما.)( صححه الألباني): ا/ قال ابن الأثير في النهاية ( معنى قوله: فإن لهم ذمة ورحما. أي أن هاجر أم إسماعيل عليه السلام كانت قبطية من أهل مصر)، ب/ روى ابن الجوزي في كشف المشكل أن سفيان سئل عن قوله “فإن لهم ذمة ورحما” فقال( من الناس من يقول هاجر كانت قبطية وهي أم إسماعيل، ومن الناس من يقول كانت مارية أم إبراهيم قبطية) ، ج/ وقال المناوي في فيض القدير: (فإن لهم ذمة) ذماما وحرمة وأمانا من جهة إبراهيم بن المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن أمه مارية منهم (ورحما): قرابة، لأن هاجر أم إسماعيل منهم).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s