التفكير الجنائزي ” السلبي” ومظاهر تجاوزه عبر تاريخ الامه”

التفكير الجنائزي ” السلبي” ومظاهر تجاوزه عبر تاريخ الامه”
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
دلالات المصطلح:
الدلالة اللغوية: لمصطلح الجَنائِزيّ ( funeral) دلاله عامه – مشتركه (لغويه) ، ومضمونها ” الْمَنْسُوبُ إِلَى الْجِنَازَةِ ، وهى الميت على السرير ” .
الدلالة الفلسفية: ولكن نستخدم مصطلح” التفكير الجنائزي” في هذه الدراسة بدلالتين خاصتين، الدلالة الأولى فلسفيه مضمونها تصور معين للوجود معين الانسانى ، يركز على الموت وما يليه (من حياه آخره ) ويتجاهل الحياة ( الدنيا ) ، ومرجع ذلك انه ينطلق من اعتقادات وفلسفات تتطرف في التأكيد على البعد الروحي للإنسان، إلى درجه إلغاء بعده المادي.
الدلالة المنهجية: أما الدلالة الثانية فهي دلاله منهجيه – وهى دلالته الاساسيه في هذه الدراسة – وهى استعاره المصطلح للدلالة على نمط تفكير الذي يظل أسير المرحلة الأولى من مراحل المنهج الثلاثة ، وهى مرحله المشكلة ، وهى مرحله هدفها معرفه طبيعة المشكلة ، ولا يتجاوزها إلى مرحلتي الحل والتي هدفها وضع حل النظري للمشكلة ، والعمل وهدفها تنفيذ الحل النظري في الواقع بالعمل . وهو بالتالي يساهم في الإبقاء على هذه المشكلة بدون حل، فضلا عن تفاقمها.
.التفكير السلبي”فن تطوير الذات”: وهذه الدلالة المنهجية لمصطلح “التفكير الجنائزي” تقابل أو تقارب مصطلح “التفكير السلبي” في فن تطوير الذات والبرمجة اللغوية العصبية، فللمصطلح الأخير العديد من التعريفات ، التي تتصل بمضمون هذه الدلالة، ومن هذه التعريفات : سلسله متصلة من الأفكار التشاؤمية، التي تسيطر على تفكير الشخص ، والتي مصدرها هذا الشخص نفسه / تفكير يركز على السلبيات التي حدثت في الماضي، وبالتالي يشعر بالقلق والخوف من المستقبل ويواجه الحاضر بأحاسيس واعتقادات سلبية / شكل من أشكال الإيحاء الذاتي ، الذي يقوم به الإنسان تجاه ذاته ، يتضمن التقييم السلبي للذات ، من خلال وصفها بسمات سلبيه كالعجز أو الفشل …
ارتباط التفكير الجنائزي”السلبي” بالاكتئاب”الطب النفسى”: كما ترتبط هذه الدلالة المنهجية لمصطلح التفكير الجنائزي “السلبي” بالاكتئاب ،الذي يصنفه الطب النفسي كاضطراب نفسي وجداني، هذا الارتباط يتضح من خلال ارتباط تعريف الاكتئاب وإعراضه بالتشاؤم واليأس ، وهو من أهم خصائص التفكير الجنائزي ،فضلا عن تضمن طرق علاجه لعلاج نفسي يهدف إلى تغيير طريقه التفكير ألقائمه على التشاؤم.
تعريفه : لغة يقابل مصطلح الاكتئاب في اللغة العربية مصطلح ( mélancolie) في اللغة الاغريقيه ، وهو مركب من كلمتي (melan ) التي تعنى أســــود و (cholia) التي تعنى صفراء، أما في اللغة الانجليزية فيقابل مصطلح (dépression ) وهو مشتق من الفعل (de press) الذي يعنى يكتئب او ينقض . والمصطلح مشتق في اللغة العربية من الفعل الثلاثي “كأب” الذي يشير إلى اسم الكآبة ،التي تعني سوء الحال والانكسار من الحزن . أما اصطلاحا فان الاكتئاب هو اضطراب نفسي وجداني ” اى يتصل بالبعد الإنفعالي لشخصية الإنسان ” يؤثر سلبا على التوازن النفسي والعاطفي والجسدي للإنسان، ويتصف باستمرار المشاعر السلبية كالقلق و الحزن والتشاؤم لفترات طويلة.
أعراضه:وللاكتئاب أعراض متعددة بعضها يمس الوظائف المعرفية العامة والتصورات والتفكير وتتمثل في العديد من المظاهر أهمها الشعور باليأس والتشاؤم .
طرق علاجه :وللاكتئاب نوعين من أنواع العلاج:الأول علاج صيدلاني بأدوية مضادة للاكتئاب ، والثاني علاج نفسي وهو علاج عملي ذهني يركز على التغيير في طريقة التفكير والتصرفات. (عبد الله عثمانية / الاكتئاب و نظرياته 9/ فبراير 2009 ).
تعارض التفكير الجنائزي مع الدين: والتفكير الجنائزي يتعارض مع الإسلام كدين من عده أوجه:
التعارض مع المنظور الاسلامى للوجود الانسانى : كما سبق ذكره فان الدلالة الفلسفية للمصطلح تنطلق من اعتقادات وفلسفات تتطرف في التأكيد على البعد الروحي للإنسان، إلى درجه إلغاء بعده المادي ، فهو هنا يتعارض مع المنظور الاسلامى للوجود الانسانى، والذي يرفض – استنادا إلى مفهوم الوسطية الذي أشارت إليه العديد من النصوص كقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )(البقرة:143)- التطرف في التأكيد على بعد معين للإنسان إلى درجه إلغاء البعد الأخر، ويقوم على التأكيد على كل أبعاد الإنسان, فهو على سبيل المثال يرفض الاعتقادات والفلسفات التي تتطرف في التأكيد على البعد الروحي للإنسان، إلى درجه إلغاء بعده المادي، – – والتي تنطلق منها الدلالة الفلسفية للمصطلح – قال تعالى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) وقال تعالى(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ)، كما يرفض الاعتقادات والفلسفات، التي تتطرف في التأكيد على البعد المادي للإنسان، لدرجه إلغاء بعده الروحي، وبالتالي تركز على الحياة (الدنيا) وتتجاهل الموت وما يليه (من حياه آخره)، قال تعالى ( ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه) وقال تعالى (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)(الجاثية:24).. ويقوم هذا المفهوم على التأكيد على البعدين الروحي والمادي للإنسان دون إلغاء لأحدهما، باعتبار أن الإنسان وحده نوعيه من الروح والمادة، فالروح والمادة في الإنسان متصلين وغير منفصلين، وبالتالي يدعو إلى تحقيق التوازن بين الحياة (الدنيا) والموت وما يليه(من حياه آخره) كما في قوله تعالى﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(القصص:77) ، وقوله تعالى ( وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وقوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وتقديم الموت على الحياة في هذه الايه هو تقديم ترتيب وليس تقديم تفضيل، ورد في تفسير القرطبي ( … وَقَدَّمَ الْمَوْت عَلَى الْحَيَاة ; لِأَنَّ الْمَوْت إِلَى الْقَهْر أَقْرَب … وَقِيلَ : قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَقْدَم ; لِأَنَّ الْأَشْيَاء فِي الِابْتِدَاء كَانَتْ فِي حُكْم الْمَوْت كَالنُّطْفَةِ وَالتُّرَاب وَنَحْوه … الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة : ” الْمَوْت وَالْحَيَاة ” قَدَّمَ الْمَوْت عَلَى الْحَيَاة , لِأَنَّ أَقْوَى النَّاس دَاعِيًا إِلَى الْعَمَل مَنْ نَصَبَ مَوْته بَيْنَ عَيْنَيْهِ ; فَقُدِّمَ لِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِع إِلَى الْغَرَض الْمَسُوق لَهُ الْآيَة).
مخالفه إثبات منهج المعرفة الاسلامى للاراده الانسانيه: كما أن التفكير الجنائزي-السلبي-ينطلق من فرضيه خاطئة مضمونها إلغاء الاراده الانسانيه – الفردية أو الجماعية-،وهى فرضيه تخالف إثبات لمنهج المعرفة الاسلامى للاراده الانسانيه ، حيث يثبت منهج المعرفة الاسلامى حرية الاراده الانسانيه ، ويجعل العلاقة بين الاراده الالهيه الاراده الانسانيه علاقة تكامل وتحديد وليست علاقة تناقض وإلغاء ، فالأولى تحدد الثانية كما يحدد الكل الجزء ، فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، قال تعالى(و ما تشاءون إلا أن يشاء الله)، فالايه لم تلغى الاراده الانسانيه، بل قيدتها بالاراده الالهيه. اتساقا مع المنهج الاسلامى قرر أهل السنة بفرقهم الكلامية المتعددة أن الفعل الانسانى هو محصله الخلق الالهى والكسب الانسانى .
الاباحه المشروطة للحزن على فراق الأموات: وقد أباح الإسلام الحزن على فراق الأموات ،بشرط أن لا يتم التعبير عن الحزن كعاطفة (ذاتيه) ، من خلال قول أو فعل (موضوعي) ،يتعارض مع الإسلام كعقيدة وشريعة بدليل قوله تعالى( وَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ، ورد في تفسير ابن كثير( كظيم: أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق, قاله قتادة وغيره وقال الضحاك: فهو كظيم كئيب حزين). وفي السنة َقَالَ الرسول(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)( إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ). وهذه الاباحه للحزن على فراق الأموات لا تتصل بالتفكير الجنائزي، لأنها اباحه مشروطة وليست مطلقه.
التفسير الصحيح لحديث ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه):أما قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) فقد اختلف العلماء في معناه: فقال جمهور العلماء: معناه أن من وصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته، فنفذت وصيته ، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه، أما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى )،وقالوا انه كان من عادة العرب الوصية بذلك. وقال بعض العلماء هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح، أو لم يوص بتركهما، فهو يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما ، فأما من وصى بتركهما فلا يعذب بهما. وقال بعض العلماء : معنى الحديث أن العرب كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بما يرونه فخرا، وهو حرام شرعا كالاعتداء على الغير، وقال بعض العلماء : معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ، وقالت عائشة (رضي الله عنها ) معنى الحديث أن الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم. وهكذا فان العلماء رغم اختلافهم في معنى الحديث ، إلا أنهم اتفقوا على أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه مشروط بشروط تتصل بوصية الميت ومضمونها ،أو كيفيه البكاء، أو عمل الميت…)، وبالتالي فان تفسير الحديث بمعنى بتعذيب الميت ببكاء أهله عليه مطلقا، اى بصرف النظر عن كون الميت قد أوصى بذلك أم لا ،أو كون البكاء أهل الميت يتضمن ما هو محرم أم لا،أو بصرف النظر عن عمل الميت.. يخالف جميع تفاسير العلماء للحديث.وبناء على هذا فان التفسير الصحيح للحديث يتعارض مع التفكير الجنائزى-لأنه لا يقول بالاباحه المطلقة للبكاء على الميت كما عند عرب الجاهلية- دون أن يتعارض مع قاعدة”ولاتزر وازره وزر أخرى”.
الاباحه المشروطة لزيارة القبور: وقد أباح الإسلام زيارة القبور ،بشرط أن لا تتضمن الزيارة ما يتعارض مع الدين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ( قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة).وهذه الاباحه لزيارة القبور لا صله لها بالتفكير الجنائزى لأنها مقيده وليست مطلقه .
اباحه رفع القبر بما يكفى للتعرف عليه: ويتصل باباحه زيارة القبور ، اباحه رفع القبر بما يكفى للتعرف عليه، فالسنة أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر ، وأن يجعل مسنّما (اى يجعل كالسنام بحيث يكون وسطه بارزا على أطرافه ) لا مسطحا ، في قول جمهور العلماء ؛ لما روى البخاري (1390) عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا). وروى ابن حبان في صحيحه (6635) والبيهقي في السنن (6527) ـ حسنه الألباني ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُلحد ، ونُصب عليه اللبن نصبا ، ورفع قبره من الأرض نحوا من شبر . قال في “زاد المستقنع” : ” ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنما ” . أما ما رواه مسلم (969) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ ).فالمقصود بالتسوية هنا ، أي تسويته بسائر القبور ، وقد تقدم أنها تكون في حدود الشبر . قال النووي في شرح مسلم (” فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنَّ الْقَبْر لَا يُرْفَع عَلَى الْأَرْض رَفْعًا كَثِيرًا , وَلَا يُسَنَّم , بَلْ يُرْفَع نَحْو شِبْر وَيُسَطَّح , وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ , وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَفْضَل عِنْدهمْ تَسْنِيمهَا وَهُوَ مَذْهَب مَالِك ) . وهذه الاباحه لرفع القبر لا تتصل بالتفكير الجنائزى، لأنها مقيده “بالرفع بما يكفى للتعرف عليه ” وليست مطلقه.
الفن الجنائزي لا يشكل جزء اساسى من آثار الحضارة الاسلاميه : الفن الجنائزى (Funerary art) هو أي تشكيل أو قطعة فنية موضوعة، أو مستودع لرفات الميت. يشمل المصطلح أيضاً القبور الفارغة، النصب التذكارية المشابهة للقبور والتي لا تحتوي على رفات بشرية؛ النصب التذكارية الجماعية للموتى “مثل النصب التذكارية للحروب”، والتي قد تحتوي أو لا تحتوي على رفات بشرية (ويكيبيديا- الموسوعة الحرة)، ورغم وجود مظاهر للفن الجنائزي في آثار الحضارة الاسلاميه،وخاصة في مراحلها الاخيره، إلا انه لا يشكل جزء اساسى من هذه الآثار هذه الحضارة، خلافا لأثار بعض الحضارات القديمة “الشعوبية” ، وهو ما ينهض كدليل آخر على أن الإسلام يرفض التفكير الجنائزي.
تحريم النياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب: ومن مظاهر رفض الإسلام للتفكير الجنائزي تحريمه القاطع للنياحة على الميت ولطم الخد وشق الجيب، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه ) قال: قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) (اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ)(رواه مسلم)..وعن ابن مسعود (رضي الله عنه )قال: قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)(لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)( متفق عليه).. قال الحافظ( وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره. وكأن السبب في ذلك مَا تَضَمَّنَهُ من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين).
علاقة الأحياء بالموتى من السلب” مظاهر التفكير الجنائزى” إلى الإيجاب ” انتفاع الموتى من بعض سعى الأحياء”: فالإسلام ينتقل بالعلاقة بين الأحياء والموتى من شكلها السلبي ممثلا في مظاهر التفكير الجنائزي” كالنياحه ولطم الخد وشق الجيب”، والتي لا ينتفع منها الميت، وقد يتضرر منها”عند وصيته بها”،إلى شكلها الايجابي،الذي ينتفع منه الميت، ممثلا في الدعاء للميت والاستغفار له والتصدق وأداء بعض العبادات بنيه وصول ثوابها له، فقد اتفق أهل السنة على انتفاع الموتى من سعى الأحياء في بعض الأمور كالدعاء والاستغفار والصدقة… ورد في شرح العقيدة الطحاويه ( اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعى الأحياء بأمرين : والثاني دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع فيما يصل إليه ثواب الحج… واختلف أهل السنة في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءه القران والذكر فذهب أبو حنيفه واحمد وجمهور السلف إلى وصولها ،والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها) (ص451).
النهى عن التشاؤم” التطير”: كما نهى الإسلام عن التشاؤم الذي عبر عنه عرب الجاهلية بمصطلح “التطير” – وهو من خصائص التفكير السلبي ” الجنائزي”- فقد نهت النصوص عن الطيرة بشكل قاطع، وعدتها شكل من أشكال الشرك ،لأنها تتعارض مع كون النافع والضار هو الله تعالى-اى كون النفع والضرر من صفات الربوبيه- قال الرسول (صلى الله عليه وسلم )( الطيرة شرك، الطيرة شرك” (سنن أبي داود 3411 ) ،و قال أيضا (من ردّته الطيرة من حاجة فقد أشرك”، قالوا: يا رسول الله! ما كفارة ذلك؟ قال: “أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك” (مسند أحمد 2/220) .
النهى عن اليأس”القنوط”: كما نهت النصوص عن اليأس”القنوط “- وهو من خصائص التفكير الجنائزى- كما في قوله تعالى(قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)(الحجر:55-56) ، وقوله تعالى.(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(الزمر:53) نحو فهم صحيح لمفهوم الحزن: وهناك فهم خاطئ يربط الإسلام كدين بالحزن – وبالتالي بالتفكير الجنائزى- ويستدل أنصار هذا الفهم بأقوال منسوبه لبعض السلف تحث علي الحزن، ومن ذلك ما نُسب لابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال – حين سُئل عن الخائفين : ( قلوبهم بالخوف قرحة ، وأعينهم باكية ، يقولون : كيف نفرح والموت من ورائنا ، والقبر أمامنا ، والقيامة موعدنا ، وعلى جهنم طريقنا ، وبين يدي الله موقفنا ) ، كما ينسب إلى الحسن البصري (رحمه الله) أنه قال : ( الْمُؤْمِنُ يُصْبِحُ حَزِينًا وَيُمْسِي حَزِينًا وَيَتَقَلَّبُ فِي الْحُزْنِ وَيَكْفِيهِ مَا يَكْفِي الْعُنَيْزَةَ ) .
الخلط بين أنواع الحزن: ووجه الخطأ في هذا الفهم انه يخلط بين أنواع الحزن المتعددة بتعدد درجات الحكم التكليفى:
اولا: الحزن المطلوب: وهو الحزن الذي حكمه الطلب “الإيجاب” بدرجتيه الوجوب أو الندب”، وهو تقوى الله تعالى وخشيته، وهو الذي النوع الذي تحث عليه الأقوال المنسوبة للسلف . فعن ابن الأوزاعي قال : ” سئل أبي عن الخشوع ؟ فقال : الحزن (رواه ابن أبي الدنيا فى الهم والحزن :ص 50) ،وعن أبي سعيد البصري قال : المحزون خائف ، ومن خاف اتقى ، ومن اتقى حذر ، ومن حذر حاسب نفسه ” انتهى من ” الهم والحزن ” (نفس المصدر: ص 62) .
ثانيا:الحزن الممنوع: وهو الحزن الذي حكمه المنع بدرجتيه ” التحريم والكراهة” وهو اليأس والتشاؤم ، فقد نهت عنه النصوص: كقوله تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) (آل عمران: 139) ، وقوله تعالى( ( لا تحزن إن الله معنا ) (التوبة: 40) ، وقول الرسول(صلى الله عليه وسلم) ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ).
ثالثا:الحزن المباح: وهو الحزن الذي حكمه الاباحه ” اى لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه”، وهو الانفعال السلبي الانسانى،الذي سببه مصيبة تعرض لها الإنسان، والإسلام لا يدعو إلى إلغائه -لأنه من خصائص النفس الانسانيه – بل ضبطه بالضوابط الشرعية والسيطرة عليه ، وأدلته قوله تعالى ( وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) (يوسف: 84) ، وقوله (صلى الله عليه وسلم) (العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب).
أسباب ودوافع التفكير الجنائزي: وهناك العديد من الأسباب والدوافع التي تقف وراء اخذ الفرد أو المجتمع بالتفكير الجنائزي ومنها:

• تراكم الهزائم والانكسارات، مع عدم بذل الجهد- العلمي – اللازم لتجاوزها ، بمعرفه الأسباب والظروف التي أدت إليها، وتجنبها فى المستقبل ، واتخاذ اى خطوات ممكنة لتجاوز هذه الهزائم.
• شيوع التفكير العاطفي / الانفعالي “الذاتي” نتيجة لأسباب متعدد هاهما شيوع أنماط التفكيرالخرافى والاسطورى.
• سلبيه شخصيه الفرد أو الجماعة،وعدم فاعليتها،ومحاوله الهروب من تحمل المسئولية.
• في كثير من الأحيان يعمل أعداء الامه- وكذا الفرد- إلى تشجيع شيوع التفكير الجنائزي فيها ،بهدف الحيلولة دون تحقيقها لأهدافها، التي تتعارض مع مصالح هؤلاء الأعداء. ونجد الاشاره إلى الدافعين الأخيرين في الحديث النبوي ( إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم). قال الإمام النووي (روي أهلكهم على وجهين مشهورين رفع الكاف وفتحها … الرفع أشهر ومعناها أشدهم هلاكا ….وأما رواية الفتح فمعناها هو جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا في الحقيقة …) (شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 175).
آليات تجاوز التفكير الجنائزي”السلبي”: وهناك العديد من آليات تجاوز التفكير الجنائزي ومنها:
أولا: التحديد – الموضوعي/العقلاني- لطبيعة المشكلة وحدودها، ومحاوله وضع اى حل – نظري – ممكن لهذه المشكلة ، وتنفيذ ما هو ممكن تنفيذه من هذا الحل في الواقع بالعمل.
ثانيا:مقاومه نمط التفكير البدعى،وأنماط التفكير الخرافي والاسطورى المتضمنة فيه،والأخذ بنمط التفكير الاجتهادي، المتضمن للفهم الصحيح للدين ،وأنماط التفكير العلمي والعقلاني التي لا تتناقض مع الوحي.
ثالثا:محاوله تجاوز الذاتية والالتزام بالموضوعية قدر الإمكان.
رابعا:التفاؤل المبنى على إدراك سليم للإمكانيات التي يتيحها الواقع، ونبذ التشاؤم واليأس.
خامسا: الإقرار بان الاراده الانسانيه “الفردية والجماعية” غير قابله للإلغاء وان كانت قابله للتعطيل والفارق بينهما ، أن الإلغاء هو تعطيل مطلق لها(اى في كل زمان، وعلى كل المستويات) ،بينما التعطيل هو إلغاء مقيد لها (اى خلال فتره زمنيه معينه، أو على مستوى معين ).
سادسا: اتساقا مع النقطة السابقة يجب الإقرار بأنه تتوافر للاراده الانسانيه -الفردية والجماعية- دائما امكانيه تغيير اى واقع –فردى او اجتماعي- سىء لواقع أفضل-سواء تغيير جزئي أو كلى- ،بشرط الالتزام بشروط التغيير .والفشل في تغيير هذا الواقع لا يعنى استحالة تغييره ، بل يعنى عدم الالتزام لهذه الشروط،اى تكرار نفس الأخطاء.
سابعا:الإقرار بان اى مشكله- بالتعريف- قابله للحل”اى مضمونها واقع معين قابل للتغيير” ، والفارق بين المشاكل هو أن بعضها سهل الحل والآخر صعب الحل، ولكن لا توجد مشكله مستحيلة الحل ،اى غير القابلة للحل ،لأنها في هذه الحالة ليست مشكله، بل هي جزء من الواقع الذي لا تتوافر امكانيه تغييره ” كمحاوله تغيير الواقع في الماضي مثلا”– وبالمفهوم الديني هي جزء من القضاء والقدر الواجب الإيمان “التسليم”به.
ثامنا: تفكير الايجابي: أورد خبراء فن تنميه الذات العديد من تعريفات التفكير الايجابي ، أما التعريف الذي نأخذ به فهو تعريفه بأنه كل نمط تفكير يساهم فى تحديد نمط معرفه المشاكل التي يواجهها الإنسان ،أو نمط الفكر اللازم لحلها، أو أسلوب العمل اللازم لتنفيذ هذه الحلول في الواقع .
مهارات التفكير الايجابي:وقد أشار خبراء فن تنميه الذات إلى العديد من مهارات التفكير الايجابي ،وهى لا تخرج عن ثلاثة أنماط: الأول يتصل بنمط معرفه المشاكل التي يواجهها الإنسان ،والثاني يتصل بنمط الفكر اللازم لحلها،والثالث يتصل بأسلوب العمل اللازم لتنفيذ هذه الحلول في الواقع .ومن هذه المهارات: اختيار العبارات الايجابية التي تساعد على النجاح، وتكرارها وكتابتها.اكتساب معارف ومهارات في مجالي فن النجاح وفن التفكير الايجابي.التفاؤل .برمجه العقل الباطن على التفكير الايجابي ، عن طريق تكرار الجمل الايجابية، وعدم تكرار الجمل السلبية، لان العقل الباطن بتبرمج عن طريق التكرار. البحث عن الجوانب الايجابية لكل أمر من أمور الحياة حتى لو كان أمر سلبي .إيجاد جذر المشكلة لان التفكير السلبي قد يكون مصدره عدم حل مشكله معينه ،وهو ما يؤثر سلبا على تفكير و سلوك الإنسان .البحث عن الأدلة بدلا من الاستناد إلى افتراضات لا أساس لها من الصحة.عدم استخدام المطلقات مثل “دائما” و”أبدا”، لأنها تجعل الموقف يبدو أسوأ مما هو عليه..استخدم أسلوب القطع لمكافحة الاجترار، فالاجترار هو التركيز المبالغ فيه على أحداث سلبية، وهو نمط من أنماط التفكير السلبي، لأنه ليس منطقيا أو موجه لحل ولكنه مجرد قلق زائد، لذا يجب مقاطعته بإجبار النفس على فعل شئ مختلف تماما و تغيير البيئة .التحدث إلى الآخرين، بمناقشة المخاوف ودواعي القلق مع صديق او شخص تثق به.توسيع نطاق التفكير والخروج من الدوائر الضيقة.الابتعاد عن الفراغ وشغل النفس بالهوايات و تطوير المهارات .الانتقال من التقييم السلبي للذات إلى التقييم الايجابي لها.
مظاهر تجاوز التفكير الجنائزي”السلبي”عبر تاريخ الامه: “تجاوز الهزائم العسكرية /الرسمية بانتصارات عسكريه وسياسيه وحضاريه وشعبيه”: إن تاريخ الامه العربية الاسلاميه يثبت أنه رغم وجود دعاه للتفكير الجنائزي “السلبي”- الذي يكرس للهزيمة بكل مستوياتها”العسكرية ، السياسية/ الحضارية،الرسمية، الشعبية” في كل العصور، إلا أن الامه كانت دائما تتجاوز هذا النمط من أنماط التفكير”السلبي”-لأنه يتعارض مع الإسلام الذي يشكل هيكلها الحضاري-، فتتجاوز هزائمها العسكرية / الرسمية، بانتصارات عسكريه وسياسيه وحضاريه وشعبيه.
الغزو المغولي – التتارى”هزيمة عسكريه وانتصار عسكري وحضاري”: رغم نجاح المغول والتتار في اجتياح الدولة العربية الاسلاميه ، إلا أن الجيش المصري ” العربي- المسلم” استطاع إيقاف هذا التمدد العسكري في معركة عين جالوت، فضلا عن اندماج المغول والتتار بشكل تدريجي في الحضارة العربية الاسلاميه، وتحولهم إلى الإسلام .
الحروب الصليبية”تجاوز الهز يمه العسكرية بانتصار عسكري”:ورغم نجاح الحملات الصليبية في احتلال فلسطين إلا الجيوش العربية – المسلمه استطاعت لاحقا تحرير فلسطين بقياده صلاح الدين الايوبى.
التحرر من الاستعمار القديم”الاستقلال”: ورغم سيطرة الاستعمار القديم”القائم على الاحتلال العسكرى” على الامه العربية ، وتجزئته لها “سايكس –بيكو”، إلا أن مقاومه الامه له لم تتوقف، وبلغت آخر مراحلها، باستقلال الدول العربية في اقل من عقدين، بدعم من حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، بقياده الزعيم الراحل “جمال عبد الناصر”.
النكسة” 1967″ تجاوز الاراده الشعبية العربيه للهزيمة عسكريه بانتصار سياسي”: في أعقاب هزيمة يونيو 1967 أعلن الزعيم جمال عبد الناصر تحمله مسئوليه الهزيمة ، وتنحيه عن اى وظيفة رسميه “خطاب التنحي” ، فاندلعت مظاهرات شعبية في كافه إرجاء الامه العربية تطالب ببقائه في السلطة ، واستمراره في قياده حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، ودرء أثار النكسة ، واعاده بناء الجيوش العربية… وأثمرت – على المستوى الرسمي : بدء حرب الاستنزاف التي حطمت معنويات جيش الكيان الصهيوني- واعاده بناء الجيش المصري، الذي مهد الطرق أمام نصر أكتوبر 1973، ومؤتمر الخرطوم وشعاراته ” لا صلح لا اعتراف لا تفاوض. إذا فقد استطاعت الاراده الشعبية العربية حينها تجاوز النكسة،وتحول الهزيمة العسكرية إلى انتصار سياسي” سيمهد الطريق لنصر عسكري لاحقا ” 6 اكتوبر 1973″. في ذات الوقت أقام كثير من مثقفي الامه الذين ينتمون إلى مذاهب فكريه متعددة-تندرج تحت إطار التقليد او التغريب – مآتم للعويل والبكاء الامه المهزومة،استمر بعضها حتى لان، لتحقيق أهداف متعددة، منها إثبات صحة أفكارهم،واثبات أن النصر غير ممكن التحقيق إلا بتطبيقها ، متناسين أنهم بذلك يكرسون للهزيمة ، وان مذاهبهم يلزم منها- موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها – إلغاء الاراده الشعبية العربية ، وبالتالي انهزامها .
التبعيه للغرب والصلح مع الكيان الصهيونى “الانهزام السياسي رغم الانتصار العسكرى”: أما خلف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الرئيس محمد أنور السادات فرغم تحقيقه لنصر عسكري في أكتوبر 1973 إلا انه انهزم سياسيا، فارتد عن مجمل سياسيات الزعيم الراحل- المتسقة مع أهداف الاراده الشعبية العربية في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية – بدعم من الغرب بقياده حكومة الولايات المتحدة الامريكيه – بالانتقال من مناهضه الاستعمار القديم والجديد”الامبريالي” والاستيطاني”الصهيوني”، إلى التبعية للولايات المتحدة الامريكيه، وتوقيع اتفاقيه سلام مع الكيان الصهيوني”كامب ديفيد”، من أقامه تنميه مستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ، ومن التضامن العربي إلى قطع العلاقات مع الدول العربية، ثم سير عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط ، فدشن بذلك بداية مرحله التعطيل الارتدادي الاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ،والتي انتهت -حاليا – إلى تردى النظام السياسي العربي من التجزئة” الشعوبية” إلى مزيد من التجزئة” التفتيت” الطائفي “، إلى درجه تزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى، والتي بدأت بالفعل في بعض أجزائه ،التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية أو العشائرية فيها.
مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي بين التكريس وامكانيه التجاوز”هزيمة رسميه وانتصارات شعبيه”:
وببلوغ مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي إلى ادني درجاتها ،يقيم الان كثير من مثقفي الامه الذين ينتمون إلى ذات المذهب الفكرية التي اشرنا إليها أعلاه ،مآتم للبكاء والعويل على موت “إلغاء” الاراده الشعبية العربية ، متناسين – عن قصد أو بدون قصد- أن تعطيل الاراده الشعبية العربية على مستوى معين” المستوى الرسمي” فى هذه المرحلة ،لم يؤدى إلى تعطيلها على كل المستويات اى لم يؤدى إلى إلغائها ،فضلا عن أن هذا التعطيل للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي، قد فتح المجال أمام تفعيلها على مستوى آخر هو المستوى الشعبي .
انتصارات الاراده الشعبية العربية: فقد حققت الاراده الشعبية العربية في هذه المرحلة الكثير من الانتصارات ، بدون أن يمثلها أو يعبر عنها أو يسعى لتحقيق أهدافها اى نظام سياسي معين ، وفيما يلي نعرض لبعض هذه الانتصارات:
1- استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية للكيان الصهيوني وانتزاعها لبعض حقوق الشعب الفلسطيني : استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية لهضم الكيان الصهيوني لحقوق الشعب الفلسطيني ، ممثله في الانتفاضات الشعبية الفلسطينية الثلاثة: انتفاضة أطفال الحجارة عام 1987 والتي أجبرت الكيان الصهيوني على الاعتراف بالسلطة الفلسطينية . ثم انتفاضة الأقصى عام 2000, والتي أدت إلى تعاطف العالم مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وهو ما اثمر اعتراف العديد من الدول بالسلطة الفلسطينية . ثم ثوره السكاكين 2015, والتي أربكت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الكيان الإسرائيلي. ثم أخيرا الإضراب العام في الاراضى الفلسطينية، المؤيد لمطالب الاسرى المضربين عن الطعام في المعتقلات الاسرائيليه، والذي انتهى – حتى ألان- برضوخ سلطه الكيان الصهيوني لمطالبهم .
2- دحر المقاومة الوطنية اللبنانية للاعتداء الصهيوني على لبنان: دحر المقاومة الوطنية اللبنانية للاعتداء الصهيوني على لبنان، والتي شملت أفراد وشخصيات و مؤسسات وكيانات وأحزاب وقوى … لبنانيه متعددة التوجهات الفكرية والسياسية والاجتماعية، و نجحت في طرد الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان عام 2002.
3- المقاومة العراقية الوطنية للاحتلال الامريكى للعراق: المظاهرات الشعبية الرافضة للاحتلال الامريكى للعراق ، والهادف إلى الاستيلاء على احتياطي النفط الضخم في العراق، والقضاء على القوه العسكرية المتنامية للعراق.. ونجاح المقاومة الوطنية العراقية ، في توجيه ضربات قاضمه له ، أدت إلى انسحاب الجيش الامريكى لاحقا- مع بقاء السلطة السياسية”الفعلية” للاحتلال الامريكى ، من خلال إبقاء الكيانات السياسية الطائفية المتعاونة معه في السلطة – قبل أن تعمل أمريكا وحلفائها في المنطقة، على تحويل الصراع من صراع بين محتل ومقاوم ، إلى صراع طائفي بين السنة والشيعة (تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام “داعش” وغيره من مليشيات مسلحه سنيه من جهة، ،والمليشيات الشيعية المسلحة من جهة أخرى).
4- ثوره الشباب العربي قبل تحويل مسارها السلمى: ثوره الشباب العربي التي نجحت في إسقاط عدد من الانظمه العربية الاستبدادية سلميا وبأساليب التغيير السياسي الديموقراطى”تونس ، مصر”، قبل أن تنجح القوى والنظم ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الاراده الشعبية العربية ، في تحويل مسارها في بعض الدول العربية ،من المسار الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح “دموى”، من خلال تسليحها لتنظيمات تستند- فكريا – إلى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة “سوريا، ليبيا،اليمن”، بهدف تشويه صوره هذه الثورة الشعبية السلمية، ومن ثم منع انتقالها إلى دول أخرى .
5- فشل المشاريع التي تهدف غالى إلغاء الاراده الشعبية العربية : ومن انتصارات الاراده الشعبية العربية ، أن المشاريع التي تهدف إلى إلغائها قد انتهت إلى الفشل في إلغائها ، وان نجحت في تعطيلها، ومن هذه المشاريع مشروع الشرق الأوسط الجديد” الامبريالي – الصهيوني”،والذي يهدف إلى الارتداد بالنظام السياسي العربي من مرحله التجزئة على أساس شعوبي ” الدول الوطنية العربية “، بعد اتفاقيه “سيكس بيكو”، بين قوى الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) ، إلى مرحله التفتيت على أساس طائفي / قبلي – عشائري”الدويلات الطائفية “، مع بقاء إسرائيل كحارس لهذا التفتيت في هذه المرحلة ، كما كانت حارسه للتجزئة في المرحلة السابقة ،ورغم نجاح هذا المشروع في تحقيق مزيد من التجزئة “التفتيت”على المستوى الرسمي”السياسي ، إلا انه فشل في إلغاء الروابط الموضوعية “التاريخية ، الحضارية ، الدينية ، الجغرافية ..” التي تربط أجزاء الامه العربية وتشدها إلى بعض, اى فشل في إلغاء الوحدة العربية على المستوى الشعبي- رغم نجاحه في إلغائها على المستوى الرسمي.
نماذج للتفكير الجنائزي ” السلبي” في تاريخ الامه:ورغم تعارض التفكير الجنائزي”السلبي “مع الإسلام الذي يشكل الهيكل الحضاري للامه، وتجاوز الامه المستمر لهذا النمط من أنماط التفكير ،إلا أننا نجد نماذج- معزوله- للتفكير الجنائزي”السلبي”،ومنها:
طقوس التعبير عن الحزن على آل البيت فى المذهب الشيعي الامامى الاثنى عشري: ينطلق المذهب الشيعي الامامى الاثنى عشري من جمله من الأصول منها حصر الامامه في على(رضي الله عنه) وذريته،حتى حفيده “محمد بن الحسن الملقب بالعسكري” (الائمه الاثنا عشر) بالنص والتعيين، وترتب على هذا الأصل استمرار الحزن على القتل والاضطهاد الذي طال بعض هؤلاء الائمه على يد الدولة الامويه،ولاحقا الدولة العباسية، رغم تطاول القرون على هذه الأحداث،وتم تقنين هذا الحزن المستمر في هذا المذهب فى شكل طقوس وشعائر صارت تميز هذا المذهب، فقد (تميز المذهب الإمامي على المذاهب الإسلامية بأن له سمةً شعائريةً، وان إشاعة مشاعر الحزن واضحة في مناسبات عديدة ، كوفيات الأئمة الطاهرين وذراريهم «صلوات الله عليهم أجمعين» ، ومن اظهر هذه المناسبات الموسم العاشورائي الذي يمتد الى قرابة الشهرين من كل سنة.) (مفهوم الحزن والفرح في فكر الشيعة الامامية / تلخيص لمحاضرة صوتية للسيد/ منير الخباز )،وقد دعي بعض علماء المذهب والعديد من المفكرين الشيعة إلى رفض هذه الطقوس والشعائر منهم المفكر الايرانى على شريعتي.
لوم النفس فى المذهب الملاماتى: الملاماتيه هي فرقة من فرق الصوفية، ظهرت بمدينة نيسابور بخرسان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وقد اختارت لنفسها اسم الملامة التي هي تأنيب النفس ، في مقابل اسم الصوفية لأنهم كانوا ثائرين على الكثير مما كان مقرراً عند الصوفية.فقد اشتق أنصار هذا المذهب اسمه من مفهوم اللوم الوارد في القرآن كقوله تعالى (ولا أقسم بالنفس اللوامة) ، غير أن مضمون تفسير المذهب لهذا المفهوم ” لوم النفس القائم على أن لا يرى الملاماتي لنفسه حظاً على الإطلاق، ولا يطمئن إلى عمل ، ظناً منه أن النفس شر محض) وهو تفسير يخالف تقرير النصوص أن النفس تتضمن امكانيه للشر وامكانيه للخير(ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقوها) ، وهذا الانحراف عن المنظور الاسلامى الصحيح لطبيعة الوجود الانسانى، لزم منه تحول المذهب لاحقا إلى مجرد أداه “مذهبيه” لتبرير الاباحيه، وعدم الالتزام بأوامر ونواهي الدين، والمجاهرة بالمعاصي .
التركيز على الاخره وتجاهل الدنيا في بعض مناهج الوعظ :كذلك تركز بعض مناهج الوعظ على الحياة الاخره والموت وتتجاهل الحياة الدنيا والحث على تعمير الأرض، وهى بذلك تخالف المفهوم الاسلامى للوجود الانسانى ، والقائم على تحقيق التوازن بين الحياة (الدنيا) والموت وما يليه (من حياه آخره) كما في قوله تعالى﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(القصص:77).
محاوله مذهب “الإسلام السياسي” تحويل الصراع السياسي بين الزعيم جمال عبد الناصر و أنصار المذهب إلى كربلاء ثانيه: ومن مظاهر التفكير الجنائزي”السلبي”في تاريخ الامه المعاصر محاوله مذهب التفسير السياسي” – الذي يطلق عليه البعض خطا اسم”الإسلام السياسي”- تحويل الصراع السياسي – التاريخي- الذي دار بين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وأنصار هذا المذهب “في صيغته القائمة على التكفير- المعلن “، إلى كربلاء ثانيه في الفضاء السني، من خلال تكرارهم المستمر للقول بأن عبد الناصر قام باضطهاد جماعه الإخوان المسلمين، وقتل وسجن وعذب وشرد أعضائها، بدون اى ذنب اقترفوه ، اى لمجرد أنهم مسلمين أو يدعون إلى الإسلام،لأنه مناهض للإسلام كدين. وهذا القول يخالف الحقائق التاريخية، ويستند إلى عدد كبير من المغالطات ومنها:
أولا:أن هذا الصراع لم يكن مع جماعه الإخوان المسلمين”اى كل المنتسبين إليها” ، بل مع بعض المنتسبين إليها ،من أنصار مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي”، في صيغته القائمة على التكفير المعلن سواء من أعضاء التنظيم الخاص أو مؤيدي سيد قطب في مرحلته الفكرية المتاخره التكفيرية ، وهذا المذهب رفضه الإمام المؤسس”حسن ألبنا “، ونقده عندما ظهرت بوادره في أواخر أيام حياته،لان هذا المذهب بدعه في ذاته وفيما يلزم منه، حيث يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة خلط”دمج” بينما الإسلام يجعلها علاقة ارتباط وتمييز، ويساوى بين الدين والدولة”والسلطة” في الدرجة ،او يجعل الدين مجرد وسيله لهما ، فهو يختزل الدين في الدولة ، ثم يختزل ألدوله في السلطة، ثم يختزل السلطة في سلطه أنصاره . ويدل على هذا :ا/هذا أن كثير من منتسبى الجماعة أيدوا عبد الناصر في الكثير من مواقفه الوطنية والقومية، بل وتولى بعضهم مناصب هامه في الدولة في عهده”كحسين الشافعي عضو مجلس قياده الثورة،والدكتور عبد العزيز كامل والشيخ الباقورى..”، ب/أن مجلس قياده الثورة حل جميع الأحزاب الا جماعه الإخوان المسلمين، وأيدت الجماعة الثورة في بدايتها، حتى دب الخلاف بسبب مواقف وأفكار سيد قطب والتيار المؤيد له داخل الجماعة.
ثانيا:أن سبب الصراع أن أنصار مذهب التفسير السياسي”الإسلام السياسي”من المنتسبين إلى جماعه الإخوان المسلمين، اختاروا الصدام المسلح مع الدولة في عهد عبد الناصر ،في ذات الوقت الذي كانت هذه الدولة تحارب الكيان الصهيوني، والاستعمار وتدعم الدول العربية الأخرى على التحرر من الاستعمار. ومع ما هو معلوم من إجماع علماء أهل السنة على تعدد فرقهم الكلامية والفقهية على تحريم الخروج بالسيف على الحاكم حتى لو كان جائر.وقد اقر سيد قطب انه أسس تنظيم سرى مسلح وان هذا التنظيم صنع متفجرات ،وانه أباح له استخدام القوه “فى حاله تعرضه للاعتداء”. كما اقر عدد من الكتاب الإسلاميين أن التنظيم الخاص حاول اغتيال عبد الناصر حقيقة “كالشيخ /نجاح إبراهيم القيادي بالجماعة الاسلاميه”.
ثالثا: كما أن هذا القول قائم على افتراض أن الصراع هو صراع دينى “بين مسلمين وكفار”، بينما هو صراع سياسي حول مواقف سياسيه،وتحويل هذا الصراع السياسي إلى صراع ديني يخالف المبادئ الاسلاميه التالية: ا/إجماع علماء أهل السنة أن الامامه “بمعنى السلطة “من فروع الدين الاجتهادية ،وليست من أصوله النصية “خلافا للمذهب الشيعي”،ب/ إجماع علماء أهل السنة انه يجوز تكفير المخالف في المذهب”خلافا لمذهب الخوارج البدعى”، ج/ لم ينفى القران صفه الإيمان عن طوائف المسلمين، التي تختلف مع بعضها الى حد الاقتتال (وان طائفتان من المسلمين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)،وقد اقر بعض الكتاب المتعاطفين والمنتسبين لجماعه الإخوان أن الصراع سياسي وليس ديني منهم الشيح نجاح إبراهيم والدكتور عبد المنعم ابو الفتوح..وأخيرا فان تكفير الزعيم عبد الناصر هو تكفير لأغلب الشعب العربي لأنه أيده في اغلب مواقفه الوطنية والقومية، فأنصار هذا المذهب في الحقيقة يكفرون كل المسلمين حكاما ومحكومين.
رابعا:أراد أنصار مذهب “الإسلام السياسي” من تكرار هذا القول تبرئه أنفسهم من الأخطاء التي ارتكبوها،ولعب دور الضحية، بهدف دفع الجماهير العربية إلى التعاطف معهم، ومن ثم تأييدهم في محاولاتهم الوصول إلى السلطة،وقد نجحوا في إقناع بعض الجماهير العربية،وبعض الدول العربية التي آوت بعضهم ” بصحة هذا القول، ولكن اثبت واقعنا المعاصر – عمليا- خطا هذا القول، عندما أكد أن الدين عند أنصار هذا المذهب ليس غاية في ذاته ، بل هو مجرد وسيله لغاية أخرى هي السلطة ، وهو ما ثبت بالسياسات الاقصائيه التي مارسها بعض أنصار المذهب عند وصولهم إلى السلطة في بعض الدول العربية، ومحاوله بعض أنصار المذهب ممن تم إيوائهم في بعض الدول العربية”الخليجيه” ، تأسيس تنظيمات سريه تهدف إلى قلب نظام الحكم في هذه الدول ، وتحويل بعضهم المقاومة الوطنية للاحتلال الامريكى في العراق،ومحاولات التغيير السياسي السلمي الجماهيري لبعض الانظمه الاستبدادية في بعض الدول العربية، إلى صراع طائفي مسلح، مخرب لهذه الدول، ومهدد لوجود ووحده مجتمعاتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s