الاستخلاف العام الثاني للامه في المنظور التنبؤي الاسلامى

 

الاستخلاف العام الثاني للامه في المنظور التنبؤي الاسلامى

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

ملخص شامل للدراسة: تربط الدراسة بين الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها  التكوينية المتعددة ، والذي أشار إليه القران الكريم في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، وغيرها من تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى .

غير أن هذا الربط يقوم على التمييز بين الأشكال المتعددة للاستخلاف المتضمنة في الايه، والتي تفصلها الدراسة ، والأنماط المتعددة لتنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى، فتربط بين الاستخلاف العام الثاني للامه، المتصل بحاضر الامه ، ببعض تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى – ترتبط بالاستخلاف كعلاقة نقيضه لعلاقة طرفيها الاستكبار و الاستضعاف  – وهى، أولا: مرحله معينه من مراحل الاستكبار اليهودي عبر التاريخ التي أشار إليها القران الكريم – على وجه الإجمال – وهى مرحله العود الثاني ، وهو الإفساد الرابع لليهود بقيام دوله إسرائيل  1948 ، وينتهي بتحرير فلسطين عند الالتزام بشروط العود الالهى، أما مرحله العود الأخير وهو الإفساد الأخير لليهود آخر الزمان، والذي ينتهي بانتصار المهدي الأكبر ونزول عيسى (عليه السلام) فتربطه الدراسة بالاستخلاف  العام الأخير للامه. ثانيا: ظهور الائمه المضلين الذين وصفهم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بأنهم الاخوف على الامه من الدجال، وهم كل متبوع بلا دليل شرعي، وهذا الإتباع بلا دليل يلزم منه الضلال والإطلاق البدعى، ومن نماذجه : الإطلاق البدعى للقتال ، الذي يخرج القنال من دائرة الجهاد، ويدخله في دائرة الهرج ، وأصحابه هم الذين يخرج في بقيتهم الدجال ، ويتمثل في ماضي الامه في مذهب الخوارج ،  وفي حاضر الامه في مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة، ثم الإطلاق البدعى للامامه (السلطة)، ويتمثل في ماضي الامه في مذهب الشيعة ،كما يتمثل في حاضر الامه مذهب التفسير السياسي للدين ، والذي يطلق عليه البعض – خطاْ – اسم “الإسلام السياسي”، ثم الإطلاق البدعى للإرجاء ويتمثل في ماضي الامه في مذهب الإرجاء، وفى حاضر الامه  في مذهب الطاعة المطلقة للحاكم . ثالثا: التدمير الالهى لأماره المترفين، كشكل من أشكال الاستكبار الاقتصادي السياسي ، ومن أشكالها النظام الاقتصادي الراسمالى. رابعا: تحقق إمامه المستضعفين . خامسا: استمرار التجديد “على المستويين النظري والعملي ” من خلال استمرار ظهور المجددين ، وهنا تقرر الدراسة أن التجديد  يتضمن معرفه والتزام شروط الاستخلاف الاجتهادية المتغيرة . سادسا: استمرار ظهور الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، والتي تتمثل في أهل السنة بمذاهبهم المتعددة، اى جماعه المسلمين في كل زمان ومكان . سابعا: افتراق الامه باختلافها العقدي على مستوى الأصول . وهنا تشير الدراسة إلى أن مصطلح “الإسلاميين”  – من ناحية لفظيه  – مصطلح محدث وطارئ في تاريخ الامه  ، حيث لم يرد لفظ “اسلامى” أو “إسلاميين” كصيغه نسب لمفرد أو جماعه من البشر في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين ،وان الدلالة البدعيه لهذا المصطلح تقابل مصطلح “الشيع” في القران الكريم ،والذي يدل على الاختلاف ” التعدد” على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص يقينيه الورود قطعيه الدلالة، وهو مضمون التفرق في الدين المنهي عنه ، قال تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104).  ثامنا : وراثة الامه الأرض، والتي تتضمن انتشار الدعوة الاسلاميه في كل إرجاء العالم .

كما تربط  الدراسة الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها باشراط الساعة الصغرى، والظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة قبل آخر الزمان، والمرتبط بهذه الاشراط ، فتربطه بهزيمة الدجال الأصغر، والذي أشارت إليه النصوص في معرض تقريرها ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر، ومنها:  قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)، وهو قد يكون شخص كما في الحديث ، كما قد يكون وصف ” يمكن أن ينطبق على  اى منهج  أو نظام … “،  يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق  من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالحاكميه والتشريع والملكية … لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت)، وهنا تستأنس الدراسة بتفسير العلماء للطاغوت كقول ابن جرير ( والصواب عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه … إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا من كان من شئ) ،وتقدم الدراسة كمثال له  المنهج الليبرالي الذي يقوم على محاوله تحويل الوجود الانسانى “الفردي “- إلى وجود مطلق ، ويسند إليه كثير من صفات الربوبية  كالملكية و ألحاكميه والتشريع… كما تربط الدراسة الاستخلاف العام الثاني للامه بهزيمة ياجوج وماجوج الصغرى ، اى النسل الحضاري لياجوج و ماجوج ،وهم كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ، وهنا تستأنس الدراسة بقول الشيخ/ الشعراوى في تفسيره ( … وياجوج وماجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان) ، وتقدم الدراسة مثال لها الاستعمار بأشكاله المتعددة” الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري،والاستعمار الاستيطاني “الصهيوني” والاستعمار الجديد ” الامبريالي “، والذي يمثل الوجه المتوحش للحضارة الغربية ذات الفلسفة والمنهج الليبرالي ، والنظام الاقتصادي الراسمالى . ثم تشير الدراسة إلى انه قد مضت فترة من الزمان كان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حليفان – موضوعيا-  في قهر الشعوب، إلى أن انسحب الاتحاد السوفيتي من حلبة المنافسة، فشل الذراع الأيسر لقهر الأمم والشعوب .فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن الولايات المتحدة الأمريكية: ومؤشرات ذلك : أولا :المشكلة القومية ومن مظاهرها تصاعد وثيرة الصراع العرقي في أمريكا ،ثانيا:الإرهاب ” الحرب العالمية الثالثة ” ، ثالثا:الأزمات الاقتصادية المتعاقبة ، رابعا: فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد “الامبريالي الصهيوني” وضعف قبضه أمريكا على المنطقة العربية، ثم تشير الدراسة إلى انه ورغم وضوح مؤشرات ضعف الذراع الأيمن لقهر الشعوب للشعوب، إلا إنها خافيه على النظم السياسية ، وانه يجب على هذه النظم عدم الوقوف في وجه التوجه الشعبي المعارض للسياسات الامبريالية لأمريكا في كل إنحاء العالم ، والذي سيكون له دور فاعل في  الانتقال من مرحله التعطيل الجزئي للذراع الأيمن لقهر الشعوب ” ضعف قبضتها” ، إلى مرحله التعطيل النهائي لها  ” القضاء على السياسات الامبريالية للولايات المتحدة”، وهنا تشير الدراسة إلى تشبيه الدكتور عصمت سيف ألدوله  للنظم السياسية العربية في عدم إدراكها لحقيقة  ضعف  قبضه أمريكا ، بالجن الذين لم يعلموا  بموت سليمان (عليه السلام)،  إلا بعد أن أكلت الدابة مِنْسَأَتَهُ كما في الايه . كما تربط الدراسة الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها بالمهدية الصغرى ، والتي أشار إليها العلماء في معرض تقريرهم – استنادا إلى النصوص – ظهور مهديون قبل المهدي الأكبر الذي سيظهر آخر الزمان كقول ابن القيم  (فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)(المنار المنيف،ج1،ص 298)، وتأخذ شكل  الالتزام بشروط الاهتداء التكوينية والتكليفيه، ومن ضمنها تحقيق المفاهيم والقيم والقواعد الكلية الاسلاميه كالعدل والمساواة والشورى… وإسناد ألحاكميه والملكية والتشريع لله تعالى”استنادا إلى مفهوم التوحيد”،واستخلاف الجماعة في إظهارها الأرض، بإسناد السلطة و الانتفاع بالمال وحق الاجتهاد إليها “استنادا إلى مفهوم الاستخلاف”، وأن يكون الحاكم  نائب ووكيل عن الجماعة ،لها حق تعيينه ومراقبته وعزله “استنادا إلى تقرير العلماء أن البيعة عقد مرضاه واختيار”.

أما الاستخلاف العام الأخير للامه المتصل بمستقبل الامه، فتربطه الدراسة باشراط الساعة الكبرى” العظمى” ، والظهور الأكبر لبعض اشراط الساعة  آخر الزمان، والمرتبط  بهذه الاشراط . فتربطه بهزيمة الدجال الأكبر الذي أشارت النصوص إلى أن  ظهوره آخر الزمان من اشراط الساعة الكبرى . كما تربطه بظهور يأجوج وماجوج الكبرى التي أشارت إليها النصوص وربطته بدك السد الذي بناه ذي القرنين. كما تربطه الدراسة بالمهدية الكبرى ، اى المهدي الأكبر الذي أشارت النصوص  إلى أن ظهوره من الاشراط الكبرى الارضيه للساعة. ثم تبين الدراسة انه قد وردت الاشاره إلى الاستخلاف العام الثاني للامه في  أحاديث “ألائمه الاثنا عشر” طبقا للتفسير السني – وليس الشيعي- لها ، ومنها الحديث الذي رواه مسلم والترمذي وأبو داود الذي لفظه  في روايتة “ لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة ”، فترفض تعيين الشيعة الاماميه لهم بأنهم على وذريته إلى حفيده محمد ابن الحسن، وترجح مذهب جمهور أهل السنة  القائم على أن المقصود بهم  الخلفاء الراشدون الاربعه  وعمر بن عبد العزيز عند بعض العلماء (الاستخلاف الراشدي)، وسبعه حكام “خلفاء”، تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا ، ولا يكون ظهورهم على التتابع، بل يتوزع عبر تاريخ الامه ، منذ عهد عمر بن عبد العزيز  والى قيام الساعة ،وأخرهم المهدي الأكبر الذي سيظهر آخر الزمان، ( الاستخلاف العام الثاني  للامه في حاضرها والأخير في مستقبلها) ، وهنا تستأنس الدراسة بقول ابن كثير( ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا ، يقيم الحق ويعدل فيهم ، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم ، بل قد وجد منهم أربعة على نَسَق ، وهم الخلفاء الأربعة .. ومنهم عمر بن عبد العزيز … وبعض بني العباس … والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره ) (تفسير القرآن العظيم: 3/65).

كما تقرر الدراسة أن  الاستخلاف  يستند إلى المنظور القيمى الاسلامى، الذي يجمع بين الجزاء الدنيوي والاخروى ، بعد تقرير أن الأصل في الدنيا أنها دار عمل ، والأصل في الاخره أنها دار حساب- اتساقا مع الفلسفة الاسلاميه في التوازن بين الدنيا والاخره، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا).اتساقا مع هذا فان الدراسة تقرر انه يمكن اعتبار الاستخلاف هو جزاء دنيوي ايجابي “ثواب دنيوي” على الايمان والعمل الصالح “شروط الاستخلاف النصية الذاتية والموضوعية”- بجانب جزاء ايجابي اخروى “الثواب الاخروى” والمتضمن للجنة-كما يمكن اعتبار العلاقة التي طرفيها الاستكبار- الاستضعاف جزاء دنيوي سلبي على عدم الالتزام بهذه الشروط – بجانب جزاء اخروى سلبي “العقاب الاخروى “.بناءا على هذا تربط  الدراسة بين الاستخلاف وأنماط أخرى للجزاء الايجابي الدنيوي الموضوعي :كالأكل من فوق ومن تحت الأرجل و فتح البركات من السماء والأرض و الحياة الطيبة ، والذاتي كاطمئنان القلوب… قررتها النصوص ، وكذلك تربط بين الاستخلاف ومتاع الدنيا الذي أشارت إليه  العديد من النصوص (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) . اتساقا مع  ما سبق تربط  الدراسة بين الاستخلاف  ومفهوم “جنه الدنيا “، الذي أشار إليه بعض  علماء أهل السنة كابن تيميه وابن القيم ، في معرض تقريرهم أن هناك جنه في الدنيا بجانب جنه الاخره – مع ملاحظه أن المعنى هنا مجازى أما المعنى الحقيقي فمقصور على الاخيره – ينقل ابن القيم عن الإمام ابن تيميه (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول” إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة”) (الوابل الصيب: ص 67 )…ويقول ابن القيم (…فله جنتان، لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى.) .ومن سياق هذه الأقوال وغيرها نفهم أن مفهوم جنه الدنيا يتضمن معاني متضمنة في الظهور الصفاتى ذو الصلة الوثيقة بالاستخلاف ، وبناء على هذا تقرر الدراسة أن المفهوم مرتبط بالاستخلاف بمستواه  الفردي- الذاتي- الذي أشار إليه هؤلاء العلماء- ومستواه الاجتماعي – الموضوعي .

ثم تبين الدراسة انه أيه الاستخلاف  بينت – على وجه – الإجمال شروط الاستخلاف النصية المطلقة(الذاتية “الإيمان”والموضوعية”العمل الصالح ” )، والمقصود بها شروط استخلاف الامه في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف”،  و كل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الامه ” . أما شروط الاستخلاف الاجتهادية  المقيدة ، اى شروط استخلاف الامه في مكان معين ” الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “حاضر الامه” فمتروكة لاجتهاد المسلمين  يضعونها على الوجه الذي يتفق مع واقعهم المتغير، بشرط عدم شروط الاستخلاف النصية المطلقة،  وعرضت الدراسة لشروط الاستخلاف النصية المطلقة (التي تتمثل في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة)، والاجتهادية المقيده  في الأشكال المتعددة للاستخلاف: ففى الاستخلاف السياسي تقرر الدراسة أنها تتمثل في الحرية – طبقا لمفهومها الاسلامى- وتحرير الاراده الشعبية الوطنية والقومية — كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه” ، والاستيطاني ” ومنه الاحتلال الصهيوني لفلسطين”) ( كمظاهر للاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي). وهنا تشير الدراسة  إلى أن الموقف السليم من الديموقراطيه يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين  من المصطلح، إلى موقف نقدي منه، يميز بين دلالاته المتعددة ، فيقبل دلالاته التي تتسق مع الإسلام ويرفض دلالاته التي تتناقض معه ، وهذا الموقف يرى أن الإسلام كدين – لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة للمصطلح ،الذي مضمونه الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، فضلا عن تقييد مصطلح الديموقراطيه بالمفاهيم والقيم والقواعد الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه كقاعدة الشورى الكلية. أما  في الاستخلاف الاقتصادي فان شروطه الاجتهادية المقيدة تتمثل في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية-طبقا لمفاهيمها الاسلاميه- كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الاقتصادي). وهنا تشير الدراسة إلى أن الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه  تعتبر أن العدالة الاجتماعية هي غاية للنشاط الاقتصادي للمجتمع المسلم – والدولة الاسلاميه كممثل له – كما تشير الدراسة إلى أن هناك ارتباط وثيق بين مصطلحي “العدالة الاجتماعية والاشتراكية” ، وأن هناك من يرفض المصطلح الأخير، وأن هناك آخرون يرون انه لا حرج من استخدام مصطلح الاشتراكية باعتبار أن المصطلح اشتق من لفظ عربي استعمله الرسول (صلى الله عليه وسلم ) والصحابة (رضي الله عنهم ) وذلك في قول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار)، وفى قول أبى عبيد صاحب كتاب الأموال( أن عمر رأى أن كل المسلمين في هذا المال شركاء، وتشير الدراسة إلى انه يمكن حل هذا الخلاف بتقييد دلاله  المصطلح الأخير في حال استخدامه ” فنقول مثلا المذهب الاسلامى في الاشتراكية”، لان بعض دلالاته محل خلاف-  خلافا للمصطلح الأول لان كل دلالاته محل اتفاق . وهنا تشير الدراسة إلى أن الموقف السليم من المصطلح يتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين إلى موقف نقدي يميز بين دلالاته المتعددة، وأن الإسلام كدين لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة للمصطلح، التي مضمونها التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية ألعامه لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7). أما  في الاستخلاف الاجتماعي فان  شروطه النصية المطلقة وتتضمن المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه التي تهدف إلى نقل للمراْه من الاستضعاف – الاستكبار الجاهلي ، القائم على تراتيبيه الافضليه الجاهلية والتي مضمونها الافضليه المطلقة للرجل على المراه ، وترتب على ذلك فرضه لكثير من القيود التي تعوق فاعليه المراْه كعضو فيه، وهضمه لحقوقها. إلى الاستخلاف الاسلامى القائم على ترتيبيه التفاضل ألقرانيه و التي مضمونها  أن الرجال أفضل من النساء في بعض المجالات ، بينما النساء أفضل من الرجال في مجالات أخرى ، وهو ما يستفاد من التعبير القرانى” بما فضل الله بعضكم- أو بعضهم – على بعض”  قال تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء : 32 )، وترتب على ذلك عمله على تحرير المراْه من هذه القيود ، ومنحها كافه حقوقها. أما شروط الاجتهادية المقيده فتتمثل في الوحدة (الوطنية والقومية “العربية” والدينية “الاسلاميه”)- طبقا لمفهوم واقعي – عملي “تدريجي /سلمى /مؤسساتي” – كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت. وهنا ترفض الدراسة المذهب العلماني في العروبة،وتأخذ بالمذهب الاسلامى في العروبة والذي يرى أن العلاقة بين الإسلام والعروبة علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض وإلغاء،وان الإسلام يشكل الهيكل الحضاري للامه العربية، لأنه هو الذي أوجدها كأمه واحده،  بعد أن كانت قبله شعوب وقبائل متفرقة .أما  في الاستخلاف الحضاري فترى الدراسة أن شوطه الاجتهادية المقيده تتمثل في الجمع بين الاصاله والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد – طبقا لمفاهيمه وضوابطه الشرعية- كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود والتغريب الحضاري ( كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الحضاري).

ثم تتناول الدراسة العلاقة بين الاستخلاف ومنهج التغيير، المتضمن لكيفية ومراحل تحقيق الاستخلاف ، وتشير الدراسة  إلى أن هناك مرحلتين أساسيتين للتغير:المرحلة الأولى هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة  (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ). ولهذه المرحلة مستويان : مستوى أصلى هو مستواها الاعتقادى ومستوى فرعى هو مستواها العملي، أما المرحلة الثانية فهي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، وهذه المرحلة لها مستويان مستوى أصلى هو مستواها العملي ، ومستوى فرعي هو مستواها الاعتقادى.

ثم تقرر الدراسة أن غاية الاستخلاف تفعيل الاراده الشعبية ، أما غاية ثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف إلغائها– وهو ما يؤدى إلى تعطيلها وليس إلغائها ،ثم توضح الدراسة مراحل تفعيل وتعطيل الاراده الشعبية العربية عبر مراحل الاستخلاف (أو الاستكبار/الاستضعاف) التكويني “السياسي لامه التكوين”الامه العربية ألمسلمه” وهى: أولا: مرحله الاستخلاف العام الأول للامه وقد تضمنت هذه المرحلة مراحل تعطيل وتفعيل الاراده الشعبية التالية :ا/ التعطيل الاستبدادي”الداخلي “، والمتمثل عدم الالتزام – بدرجات متفاوتة – بقيمه الشورى ،التي كانت متحققة في مرحلتي الاستخلاف النبوي والراشدي،ب/ التعطيل الغزوى “الخارجي” والمتمثل فى تعرض الامه لغزوات متتاليه ج/ التفعيل الزعامي ،وتتمثل  الاخيره في نجاح الاراده الشعبية العربية فى تحقيق أهدافها”، والتي تتضمن نجاحها في مقاومه وهزيمة الغزوات المتتالية ” المغول والتتار، الصليبين، الاستعمار القديم …”من خلال توحدها خلف الزعماء التاريخيين الامه، وآخرهم الزعيم جمال عبد الناصر(رحمه الله تعالى )، وثم تقرر ألدرسه هنا انه وفاته عام 1970 انتهت مرحله التفعيل الزعامي للاراده الشعبية العربية . ثم ترد  الدراسة على من أنكر أن عهده جزء من المستوى السياسي لأخر مرحله من مراحل الاستخلاف العام  للامه ، والذي يشمل كل النظم السياسية التالية للخلافة الراشدة بدأ بالدولة الامويه ثم العباسية … – وليس جزء من المستوى السياسي لثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف” وتورد الادله التالية: :أولا:أن أهم مظهر للمستوى السياسى للاستخلاف في شكله  التكويني ” هو وحده الامه وتوحد الاراده الشعبية – بمعنى اغلبها –  التي يلزم منها تحررها من العدوان الخارجي ، وهو ما كان متحققا في عهده، حيث نجحت الاراده الشعبية العربية بتوحدها خلف زعامته من التحرر من الاستعمار القديم في اقل من عقدين ، ثانيا: تأكيدا لما سبق وضع  بعض العلماء خلفاء بني أميه  ضمن الخلفاء الذين تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا – كما في الحديث – لان وحده الامه كانت متحققه في عهدهم ، رغم ما شاب هذا العهد من مظاهر متعددة للبعد عن الدين،وتعصب لعشيرة “بني أميه”.. وهنا تستدل  الدراسة بقول أبو العباس القرطبي (أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه ، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّه ، ويعني بالدِّين : الملك والولاية ، وهو شرح الحال في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم ، لا على طريق المدح) (المفهم:4/8-9) . ثالثا: لا يغير من هذه الحقيقة  الصراع الذي دار بين الزعيم جمال عبد الناصر وجماعه الإخوان المسلمين لأسباب متعددة ، أهمها  ان هذا الصراع كان سياسي وليس ديني ، وهو الأمر الذي اقره بعض الكتاب المتعاطفين والمنتسبين لجماعه الإخوان منهم الشيح نجاح إبراهيم والدكتور عبد المنعم ابو الفتوح.. كما لم ينفى القران صفه الإيمان عن طوائف المسلمين، التي تختلف مع بعضها الى حد الاقتتال (وان طائفتان من المسلمين اقتتلوا فأصلحوا بينهما). رابعا تم تشويه صوره الزعيم الراحل استنادا إلى دعاوى باطله، ومنها اتهامه بأنه كان شيوعي وعلماني ومناهض للإسلام.. ” من خلال حمله إعلاميه،  يقف  من وراءها أعداء،  الامه بهدف إلغاء الاراده الشعبية العربية ، من خلال تشويه صوره رموزها التاريخية الملهمة. خامسا: اتخذ  الزعيم عبد الناصر موقفا ايجابيا من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ذات مضمون ديني – حضاري للشخصية العربية،على المستويين النظري والعملي، ومن الامثله على المستوى الأخير 1/ زيادة عدد المساجد في مصر ، من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة ، إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ،  وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر. 2/ أنشاء مدينة البعوث الإسلامية ،التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.3/ ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم . 4/ بناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر ، و افتتاح فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية ،بالاضافه إلى بعثات الأزهر لنشر الإسلام في أفريقيا وأسيا· ثانيا:مرحله الاستخلاف العام الثاني  للامه ،وتقرر الدراسة إنها تضمنت مراحل متعددة لتعطيل وتفعيل الاراده الشعبية العربية ،وأهمها مرحله التعطيل الارتدادي، وهذه المرحلة هي مرحله  الانتهاء “الفعلي ” للاستخلاف العام الأول للامه، مع تضمنها مؤشرات لبداية الاستخلاف العام الثاني للامه ، وهى مرحله التي بدأت بتولي الرئيس / محمد أنور السادات السلطة في مصر1970، ودعم الغرب بقياده الولايات المتحدة الامريكيه له في محاولته الارتداد “السياسي “عن مجمل سياسيات الزعيم الراحل- المتسقة مع أهداف الاراده الشعبية العربية –  بانتقاله من مناهضه الاستعمار بكافه أشكاله” القديم والاستيطاني والجديد”الامبريالى”،  إلى التبعية للولايات المتحدة ، ومن مناهضه الكيان الصهيوني إلى توقيع معاهده سلام معه- ما يعنى إعطاء شرعيه للاغتصاب الصهيوني لفلسطين –  ومن التنمية المستقلة إلى تطبيق النظام الراسمالى الربوى  تحت شعار الانفتاح الاقتصادى ، ومن التضامن العربي إلى القطيعة مع الدول العربية… ثم سير عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط . وفى هذه المرحلة تعطلت الاراده الشعبية العربية على المستوى السياسي ، نتيجة لتردى النظام السياسي العربي من التجزئة” الشعوبية ” إلى التفتيت” الطائفي “، وانزلاق بعض أجزاء النظام السياسي العربي نحو الفوضى . ثم تقرر الدراسة أن التعطيل “الارتدادي” للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ، أدى إلى  ظهور الاراده الشعبية العربية على مستوى آخر هو المستوى الشعبي ، فضلا عن انه مهد الطريق أمام انتقال  الاراده الشعبية العربية من مرحله التفعيل الزعامي،  إلى مرحله التفعيل الجماهيري لها ، والتي يدعمها تطور وسائل الإعلام والاتصال وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام.) ، وتشمل هذه المرحلة مرحلتين من مراحل تفعيل الاراده الشعبية العربية  على المستوى الشعبي ، وهما مرحلتي التفعيل التلقائي والتفعيل ألقصدي .

ثانيا: متن الدراسة التفصيلي:

الوعد الالهى باستخلاف الامه :  أشار القران الكريم إلى الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها  التكوينية المتعددة: قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(النور:55). تتضمن الايه الاشاره إلى أنواع متعددة من الاستخلاف  هي :

أولا: الاستخلاف  الاصلى- المثال – (استخلاف الرسول والخلفاء الراشدين ): النوع الأول من أنواع الاستخلاف الذي تشير إليه الايه هو الاستخلاف الاصلى ،اى الاستخلاف الذي تشير إليه  الدلالة الاصليه للأيه ، وهو استخلاف الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)، وهو المثال (النموذج) لاى استخلاف للامه ، ويتضمن أيضا  نوعين من أنواع الاستخلاف:

ا/ الاستخلاف النبوي(المثال الاتباعى): وهو استخلاف الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وقد أشار إليه المفسرين ، يقول ابن كثير (هَذَا وَعْد مِنْ اللَّه تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ أُمَّته خُلَفَاء الْأَرْض أَيْ أَئِمَّة النَّاس وَالْوُلَاة عَلَيْهِمْ …وَقَدْ فَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة : فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ مَكَّة وَخَيْبَر وَالْبَحْرَيْنِ وَسَائِر جَزِيرَة الْعَرَب… )، وهذا الاستخلاف هو قسم من أقسام الاستخلاف الخاص ،الذي مضمونه استخلاف الله تعالى لفرد معين، و ينفرد به الرسل والأنبياء ، ولا يجوز نسبته إلى غيرهم ، وهو مثال(نموذج)  اتباعى لاى استخلاف  للامه ، اى مثال (نموذج) واجب الإتباع لتحقيق الاستخلاف الاسلامى في اى زمان ومكان، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ (آل عمران: 31، 32)، ومضمون  هذا الإتباع  أن السنة  النبوية هي احد المصادر الاصليه للتشريع الاسلامى” بالاضافه إلى القران الكريم ” ، وان الأحاديث اليقينية الورود القطعية الدلالة مصدر لأصول الدين ، والأحاديث الظنية الورود والدلالة مصدره لفروعه .
ب/الاستخلاف الراشدي(المثال الاقتدائى): وهو استخلاف  الخلفاء الراشدين خاصة والسلف الصالح(الصحابة والتابعين) عامه وقد أشار إليه المفسرين أيضا ، يقول ابن كثير( ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ … قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْده خَلِيفَته أَبُو بَكْر الصِّدِّيق فَلَمَّ شُعْث مَا وَهَى بَعْد مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَ جَزِيرَة الْعَرَب وَمَهَّدَهَا وَبَعَثَ جُيُوش الْإِسْلَام إِلَى بِلَاد فَارِس … وَتَوَفَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْده مِنْ الْكَرَامَة وَمَنَّ عَلَى أَهْل الْإِسْلَام بِأَنْ أَلْهَمَ الصِّدِّيق أَنْ يَسْتَخْلِف عُمَر الْفَارُوق فَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْده قِيَامًا تَامًّا …وَتَمَّ فِي أَيَّامه فَتْح الْبِلَاد الشَّامِيَّة بِكَمَالِهَا وَدِيَار مِصْر إِلَى آخِرهَا وَأَكْثَر إِقْلِيم فَارِس…ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الدَّوْلَة الْعُثْمَانِيَّة اِمْتَدَّتْ الْمَمَالِك الْإِسْلَامِيَّة إِلَى أَقْصَى مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا …)، وهذا الاستخلاف هو اعلي درجات الاستخلاف العام ، وهو مثال ( نموذج ) اقتدائي لاى استخلاف للامه، اى مثال(نموذج) واجب الاقتداء لتحقيق الاستخلاف الاسلامى في اى زمان ومكان،قال تعالى (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)(البقرة: 137)، ومضمون هذا الاقتداء – على مستوى أصول الدين – الالتزام بفهم السلف الصالح للنصوص ، وما تتضمنه من عقائد وعبادات وأصول معاملات، كما أنها قائمه على إلغاء الإضافات التي طرأت علي فهم السلف لهذه الأصول .أما  على مستوى فروع  الدين  فمضمون هذا الاقتداء  هو اعتبار اجتهاد السلف الصالح في  وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، ، تجسيد لماضي الامه وخبرتها، وبالتالي اتخاذه نقطه بداية لاجتهادنا فى وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها ، وليس نقطه نهاية له، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها كما هي ، أو بعد الترجيح بينها ، أو وضع قواعد جديدة استجابة لمشاكل جديدة لم يعايشوها..

ثانيا:الاستخلاف  التبعى (استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة): النوع الثاني من أنواع الاستخلاف الذي تشير إليه الايه هو الاستخلاف التبعى ، اى الاستخلاف الذي تشير إليه الدلالة التبعية للأيه،  وهو الاستخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة ، وهو قسم من أقسام الاستخلاف العام،  وقد أشار إليه المفسرين ، ورد في تفسير الطبري ( يَقُول تَعَالَى ذِكْره ” وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا”بِاللَّهِ وَرَسُوله ” مِنْكُمْ ” أَيّهَا النَّاس , ” وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ” يَقُول : وَأَطَاعُوا اللَّه وَرَسُوله فِيمَا أَمَرَاهُ وَنَهَيَاهُ ; ” لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض ” يَقُول : لَيُوَرِّثَنَّهُمْ اللَّه أَرْض الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَب وَالْعَجَم,فَيَجْعَلهُمْ مُلُوكهَا وَسَاسَتهَا).ويتضمن هذا الاستخلاف أيضا أنواع متعددة من الاستخلاف – تمثل مراحل متعددة للاستخلاف العام للامه منها :

ا/ استخلاف الامه في الماضي(استخلاف الامه الأول): وهو استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة، وقد كان  قائما على الاتصال الزمانى بالاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى”الراشدي”، كما كان قائما على الاتصال المتناقص بالاستخلاف المثال  بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى “الراشدي”، بمعنى انه  تضمن انقطاع قيمي تدريجي عن الاستخلاف  المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى ” الراشدي” ، وقد أشار ابن كثير إلى هذا  الاستخلاف في قوله ( فَالصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَمَّا كَانُوا أَقْوَم النَّاس بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَوَامِر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْوَعهمْ لِلَّهِ كَانَ نَصْرهمْ بِحَسْبِهِمْ … وَلَمَّا قَصَّرَ النَّاس بَعْدهمْ فِي بَعْض الْأَوَامِر نَقَصَ ظُهُورهمْ بِحَسْبِهِمْ).

ب/ استخلاف الامه في الحاضر (استخلاف الامه الثاني):  وهو استخلاف الامه في الحاضر ،  وتحققه يكون بعد انقطاع زماني وقيمي عن الاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى “النبوي ” والاقتدائى “الراشدي” ودليله الحديث ( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (أخرجه أحمد (30/355 حديث 18406)، والبزار والطبراني في الأوسط (6577) ، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط) . وتحقق هذا النوع من أنواع الاستخلاف يتم بشكل تدريجي ، وعبر مرحلتي الاستطاعة ” ما هو ممكن” ، ثم العزم ” ما ينبغي أن يكون” كما سنوضح لاحقا.

ج/ استخلاف الامه في المستقبل(استخلاف الامه الاخير) : وهو استخلاف الامه آخر الزمان، وهو مرتبط بظهور المهدي ونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ، وغيرها من اشراط الساعة الكبرى.

الربط بين  الوعد الالهى باستخلاف الامه وغيرها من تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى :هناك ارتباط وثيق بين الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها  التكوينية المتعددة ، والذي أشارت إليه  ايه الاستخلاف ، وغيرها من تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى . غير أنه يجب تقرير ان هذا الربط ينبغي أن يقوم على التمييز بين الأشكال المتعددة للاستخلاف المتضمنة في الايه – والتي فصلناها أعلاه – والأنماط المتعددة لتنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى.

الربط بين الاستخلاف العام الثاني للامه وبعض تنبؤات المنظور التنبؤي الاسلامى:  فيجب الربط بين الاستخلاف العام الثاني للامه، المتصل بحاضر الامه وبعض تنبؤات المنظور  التنبؤي الاسلامى ، ترتبط بالاستخلاف كعلاقة نقيضه لعلاقة طرفيها الاستكبار – الاستضعاف ، ومن هذه الأنماط:

مراحل الاستكبار اليهودي في القران الكريم : تنبأ القران الكريم بمراحل الاستكبار اليهودي الاساسيه عبر التاريخ فى قوله تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا* فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا *إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا *عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)( الإسراء:4-8)، وفيما يلي نعرض لهذه بايجاز:

(وعد أولاهما ) الإفساد الأول لليهود وبعث جالوت وجنوده : أول مرحل الاستكبار اليهودي هي التي أشار إليها القران الكريم ب” وعد اولاهما ” ، وقد اختلف المفسرين في المقصود بالعباد أولى إلباس الشديد الذين بعثهم الله تعالى عليهم فيها فجاسوا خلال اليار، ولكن اغلب المفسرين قالوا أن المقصود بهم جالوت وجنوده ، يقول ابن كثير ( وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف فِي هَؤُلَاءِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُمْ ؟ فَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة أَنَّهُ جَالُوت الْجَزَرِيّ وَجُنُوده)

(وعد الاخره ) الإفساد الثاني لليهود ومجي بختنصر: ثاني مراحل الاستكبار اليهودي هي التي أشار إليها القران الكريم ب”وعد الاخره” ، وقد اختلف المفسرين أيضا بالمقصود بالذين يسيئوا وجوه اليهود وَِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا ، ولكن اغلب المفسرين قالوا ان المقصود بهم بخنصر وجنوده ، يقول الطبري (وَقَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة } يَقُول : فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْمَرَّة الْآخِرَة مِنْ مَرَّتَيْ إِفْسَادكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْأَرْض فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَة بُخْتَنَصَّرَ الْمَجُوسِيّ الْبَابِلِيّ , أَبْغَض خَلْق اللَّه إِلَيْهِ , فَسَبَى وَقَتَلَ وَخَرَّبَ بَيْت الْمَقْدِس , وَسَامَهُمْ سُوء الْعَذَاب . .. )،وهنا يجب تصحيح عده مفاهيم خاطئة عن هذه المرحلة ، أول هذه المفاهيم أن هذه المرحلة تتحدث عن اشراط الساعة الكبرى وما يصاحبها من مجىْ المهدي ونزول عيسى (عليه السلام)…استنادا إلى أن المقصود بالاخره اليوم الآخر ، وهو تفسير خاطئ لان المقصود بوعد الاخره مرحله الإفساد الثانية ، يقول ابن كثير (وَقَوْله ” فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة ” أَيْ الْكَرَّة الْآخِرَة أَيْ إِذَا أَفْسَدْتُمْ الْكَرَّة الثَّانِيَة )ثاني هذه المفاهيم أن قيام وانهيار دوله إسرائيل مرتبط بهذه المرحلة ، وهو مفهوم خاطئ لان كل المفسرين رغم أنهم اختلوا بالمقصود بالذين يسيئوا وجوه اليهود وَِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا، إلا إنهم اتفقوا على أن كل من مرحلتي وعد أولاهما ووعود الاخره قد انقضيا.

(العود الأول) الإفساد الثالث لليهود وبعث الرسول”صلى الله عليه وسلم” : ثالث مراحل الاستكبار اليهودي ، متضمنة في قوله تعالى (وان عدتم عدنا) ، وفصلها المفسرون فقالوا أن العود اليهودي ( للاستكبار والإفساد في الأرض ) يتمثل فيها في غدر اليهود بالمسلمين ، بنقضهم عهدهم معهم ، في زمن الرسول ” صلى الله عليه وسلم” ، وان العود الالهى ( لمعاقبه اليهود) يتمثل فيها في بعث الله تعالى عليهم الرسول ” صلى الله عليه وسلم” والمسلمين، يقول ابن كثير ( …وَقَالَ قَتَادَة قَدْ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيل فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ)

العود الثاني( الإفساد الرابع لليهود” دوله إسرائيل” وتحرير فلسطين): أما رابع مرحل الاستكبار اليهودي فهي متضمنة أيضا في قوله تعالى (وان عدتم عدنا)، ويتمثل العود اليهودي ” إلى الاستكبار والإفساد في الأرض” يتمثل فى اغتصاب فلسطين ، و قيام دوله الكيان الصهيوني ” اسرائيل ” عام 1948، من خلال تحالف بين المنظمة الصهيونية العالمية وقوى الاستعمار القديم ” بريطانيا” والجديد”الولايات المتحدة الامريكيه ”، أما العود الالهى فيتمثل في تحرير فلسطين ، وتفكيك إسرائيل كدوله قائم على شكل من أشكال الاستكبار اليهودي ” الصهيونية ” ، وهضم الحقوق الوطنية والقومية الاسلاميه للشعب الفلسطيني . وذلك عند الالتزام بشروط العود الالهى وأهمها توحد الاراده الفلسطينية والعربية الاسلاميه، يقول الطبري ( ” وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ” قَالَ : عَادَ الْقَوْم بِشَرِّ مَا يَحْضُرهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَث مِنْ نِقْمَته وَعُقُوبَته . ثُمَّ كَانَ خِتَام ذَلِكَ أَنْ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب , فَهُمْ فِي عَذَاب مِنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَة أُخْرَى ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبّك لِيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة “) . فهذه المرحلة من مراحل الاستكبار اليهودي ترتبط بالاستخلاف العام الثاني للامه في حاضر الامه ، بمعنى أن تحقق الأخير مشروط  بهزيمة الأول، من خلال مرحلتين هما مرحله ما هو ممكن ، ومرحله ما ينبغي أن يكون ، ومن مؤشرات هذه الهزيمه انه رغم نجاح الكيان الصهيوني في التردي بالواقع السياسي العربي إلى مزيد من التجزئة ، بدعمه للحركات الانفصالية “الشعوبية والقبلية والطائفية ..”، و الهاء النظم والقوى العربية … إلا انه فشل في إلغاء الانتماء القومي والديني ومناهضته للصهيونية ، أو إلغاء المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني ومناهضه التطبيع معه ، أو إلغاء الانتماء الوطني والقومي والديني الفلسطيني، فاندلعت الانتفاضات الفلسطينية المتتالية (انتفاضه الحجارة ، انتفاضه الأقصى،ثوره السكاكين،الإضراب العام المساندة لمطالب الاسرى ).

العود الأخير( الإفساد الأخير ” آخر الزمان وظهور اشراط الساعة الكبرى” ) : أما آخر مراحل الاستكبار اليهودي فمتضمنة أيضا في قوله تعالى(وان عدتم عدنا)، وتمثل الإفساد الأخير لليهود ، وتتصل بظهور اشراط الساعة الكبرى من ظهور المهدي ونزول عيسى (عليه السلام)…وهذه المرحلة من مراحل الاستكبار اليهودي ترتبط بالاستخلاف العام الأخير للامه آخر الزمان.

ظهور ألائمه المضلين ( الاخوف على الامه من الدجال) : كما تنبأت العديد من النصوص بظهور الائمه المضلين ، وأشارت بعض هذه النصوص إلى أنهم أخوف على الامه من الدجال ، فقد ورد من حديث عمر بن الخطاب و أبي الدرداء و أبي ذر الغفاري و ثوبان مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) و شداد بن أوس و علي ابن أبي طالب . كنت مخاصر النبي (صلى الله عليه وسلم) يوما إلى منزله فسمعته يقول : غير الدجال أخوف على أمتى من الدجال . فلما خشيت أن يدخل قلت : يا رسول الله أي شيء أخوف على أمتك من الدجال ؟ قال : الأئمة المضلين)( السلسلة الصحيحة – الصفحة أو الرقم: 4/110). كما أشار القران الكريم إلى شيوع ظاهره ألائمه المضلين في الأمم السابقة ، وان هذا الشيوع كان السبب في ضلال هذه الأمم ( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ)

تعريف مفهوم الائمه المضلين : استنادا إلى النصوص السابقة، فان الائمه المضلين هم كل متبوع بلا دليل شرعي، سواء كان عالم أو حاكم أو رئيس فرقه، وهذا الإتباع بلا دليل يلزم منه الضلال والإطلاق البدعى، ومفارقه الهدايه والضبط الشرعي… هذا التعريف مبنى على أن أصل الامامه في اللغة هو مطلق الإتباع ، يقول ابن منظور: (الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين).

نماذج للإطلاق البدعى : وفيما يلي نعرض لبعض نماذج للإطلاق البدعى للمفاهيم والقيم والقواعد، والذي هو مضمون فعل الائمه المضلين :

أولا:الإطلاق البدعى للقتال : فهناك الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، من خلال عدم الالتزام بالضبط الشرعي لهذا المفهوم:

ا/ في ماضي الامه (الخوارج): ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم القتال في ماضي الامه في مذهب الخوارج .

ب/ في حاضر الامه ( مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ): كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، في حاضر الامه ، في مذهب الغلو فى التكفير واستحلال الدماء المحرمة فهو يتفق مع الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، ويخالف أهل السنة في الضبط الشرعى لهما ، والمتمثل في إقرارهم للعديد من الضوابط الشرعية لتكفير والقتال  . والإطلاق البدعى للقتال ، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم … ويكثر الهرج – وهو القتل القتل – ..) (صحيح البخاري – كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء – باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث‏1002‏).كما أن النصوص تنبأت أيضا بان الدجال يخرج في بقيه الخوارج من أصحاب الإطلاق البدعى للقتال، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ( سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع كلما خرج منهم قرن قطع حتى عدها زيادة على عشرة مرات كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم) (مسند احمد : ج 2 – ص 198 – 199) ،

ثانيا:الإطلاق البدعى للسلطة”الامامه”(مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي “): وهناك الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه “السلطة” ، من خلال تحويل الامامه ” بمعنى السلطة ” من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه ” بمعنى السلطة” هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا )(المواقف : ص 395) ، ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) .

ا/ في ماضي الامه (الاماميه “الشيعة”) : ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه ” السلطة” ، من خلال تحويل الامامه ” بمعنى السلطة ” من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله ، في ماضي الامه في مذهب الشيعة.

ب/ في حاضر الامه(مذهب التفسير السياسي للدين “الاسلام السياسي”) :كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه ” السلطة” ، في حاضر الامه في مذهب التفسير السياسي للدين “الذى يطلق عليه البعض – خطا-  اسم الإسلام السياسي “، وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط. فهذا المذهب لا يتسق مع المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط ” وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه – فهو شكل من أشكال الاستكبار الثيوقراطى الذي لا يعبر عن الإسلام كدين “، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة…. .وعلاقة تمييز”وليست علاقة فصل كما في العلمانية” ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ، وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة. وهذا المذهب هو بدعه في ذاته ” اى يستند إلى مفاهيم بدعية “، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بان الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما قرر علماء أهل السنة، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات … ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363). كما أن هذا المذهب بدعه فيما يلزم منه اى يلزم منه مفاهيم بدعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: تكفير المخالف فى المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ثانيا:اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104).. و يلزم من مذهب التفسير السياسي للدين – باعتبار بدعيته – العديد من الفتن التي نهت عنها النصوص وحذر منها علماء الإسلام ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر : أولا: فتنه التفرق في الدين، ثانيا: فتنه الرجل في دينه وبيعه الدين بعرض الدنيا،ثالثا: فتنه الائمه المضلين، رابعا : فتنه الهرج وهو القتل .

ثالثا:الإطلاق البدعى للإرجاء: وهناك الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، من خلال عدم الالتزام بالضبط الشرعي لهذا المفهوم ، حيث أن الإرجاء في الاصل مفهوم شرعي ، أشارت إليه النصوص كما فى قوله تعالى(إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)( إبراهيم :42)، لكنه اكتسب في مراحل تاليه معنى اصطلاحي بدعي ، مخالف للمعنى الذي فهمه السلف الصالح من المفهوم.

ا/ في ماضي الامه (المرجئة) : ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، في ماضي الامه في مذهب المرجئة ، والذي يفصل الإيمان عن العمل ، حيث يقول ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة)،أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة.

ب/ في حاضر الامه (مذهب الطاعة المطلقة للحاكم) : كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، في حاضر الامه – في المجال السياسى – فى مذهب الطاعة المطلقة الذي مضمونه افتراض أن الإسلام اوجب طاعة الحاكم طاعة مطلقه استنادا إلى العديد من الادله كقوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم)،غير أن طاعة أولى الأمر في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه كما يتصور أنصار هذا الموقف ، بل هي مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) يقول ابن تيمية ان أهل السنة : (.. فأهل السنة لا يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً ، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ( صلى الله عليه وسلم )…) (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية :3/387).

التدمير الالهى لاماره المترفين ( انهيار النظام الاقتصادي الراسمالى ) : كما تنبأ القران الكريم بتدمير الله تعالى لاماره المترفين في قوله تعالى (وإذا أردنا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا ) ( الإسراء: 16)، وقد نقل المفسرون اختلاف القراء في قراءه لفظ (أمرنا ) ، والمشهور هو قراءه التخفيف، كما اختلف المفسرون في معنى أمرنا مترفيها ، فقال بعضهم أمرنا مترفيها امرأ قدريا ، وقال بعضهم أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها بمعصية الله، وقال آخرون جعلنا مترفيها أمراء ففسقوا فيها. وفيما نرى فانه لا تعارض بين هذه المعاني فيجوز الجمع بينها ، و أماره المترفين هي شكل من أشكال ثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف الاقتصادي- السياسي، الناتج من إسناد ” الربوبية ” الفعل المطلق” ،وصفاتها ” من ملكيه وحاكميه … لغير الله تعالى، وبناءا على هذا فان المترفين في هذه الايه ليسوا الذين يمتلكون المال فقط ، بل الذين يمتلكون المال ، ويعملون على الإبقاء على الواقع القائم على ثنائيه الاستكبار / الاستضعاف ، ومعارضه تغييره إلى الاستخلاف ، ورد في تفسير ابن كثير (“إِلا قال مترفوها” وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة, قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر). ومن أشكال أماره المترفين ، و التي تأخذ بالتالي حكمه ، في حتمية خضوعه للتدمير الالهى، النظام الاقتصادي الراسمالى الربوى، والذي قانونه الاساسى المنافسة الحرة على الموارد، والبقاء للأقوى ، والذي يستند الى فلسفه طبيعيه ، ومنهج قائم على القانون الطبيعي الذي مضمونه ” ان مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة ” ، وهو جزء من نظام متكامل علماني فى موقفه ومن الدين ، ديموقراطى ليبرالي في موقفه من ألدوله ، فردى في موقفه من الأخلاق …” لان هذا النظام يستند إلى فلسفه تسند ملكيه المال ” وكذا ألحاكميه والتشريع ” للإنسان – الفرد.ومن أدله تحقق هذا التنبؤ ضخامة حجم الأزمات ألاقتصاديه المتعاقبة  الاخيره لهذا النظام،وتقارب فتراتها.

تحقق امامه المستضعفين : كما تنبأت النصوص بتحقق إمامه المستضعفين، كما في قوله تعالى ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(القصص : 5، هذا التنبؤ القرانى يشير إلى سنه إلهيه حتمية التحقق ،عند الالتزام بشروط تحققها ، ومضمونها أن من غايات الاراده الالهيه في التاريخ الانسانى ،إسناد الامامه التي مضمونها السلطة بمفهومها الشامل لأبعادها المتعددة “السياسية ، الاقتصادية، الاجتماعية، الدينية ، الاخلاقيه، الحضارية.” للمستضعفين ، اى الجماعة التي تم إلغاء مقدرتها على الفعل ، وان تحقق هذه الغاية مشروط بمعرفه والتزام هذه الجماعة بشروط تحقق هذه السنة الالهيه . فمفهوم إمامه المستضعفين رغم انه فى الأصل مفهوم سياسي ، إلا انه غير مقصور على المجال السياسي، بل يمتد ليشمل كافه مجالات الحياة (الاقتصادية، الاجتماعية، الدينية ، الاخلاقيه، الحضارية…). لذا فان بعض المفسرين قد اختاروا الاشاره إلى بعده السياسي ، بينما اختار بعضهم الآخر الاشاره إلى أبعاده الأخرى (كالبعد الاخلاقى) . يقول الطبري في تفسير الايه (وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّة” أَيْ وُلَاة وَمُلُوكًا .. ). ويقول القرطبي في تفسيرها ( وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّة ” قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَادَة فِي الْخَيْر مُجَاهِد : دُعَاة إِلَى الْخَيْر . .. ).

استمرار التجديد: كما تنبأت النصوص باستمرار التجديد في الامه كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (ان الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (سنن أبى داود:ح رقم 3740 ، والحاكم في المستدرك: 4/522) ، و التجديد الوارد في الحديث هو تجديد لفروع الدين” التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة” ، مقيدا بأصوله ” التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة” ، فالتجديد هو موقف يتجاوز موقفى التقليد” الوقوف عند أصول الدين وفروعه ، والتغريب” رفض أصول الدين وفروعه” .وإذا كان لا خلاف في تعدد المجددين على مدى الزمان (رأس كل قرن) ،  وهناك مذهبين حول وحده او تعدد المجددين في القرن الواحد، الأول يقول بوحدة المجدد في القرن ، التزاما بظاهر الحديث.، أما الثاني فيرى أن نص الحديث لا يمنع القول بتعدد المجددين فى القرن الواحد ، يقول الحافظ ابن حجر في الفتح 13/295 ( لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط ….) ، والمذهب الذي نرجحه هو الجمع بين وحده وتعدد المجددين فى القرن ، بمعنى انه إذا كان المجدد هو المجتهد المطلق فان الاجتهاد المطلق هو أيضا تتفاوت درجاته بتفاوت درجات شموله فى التجديد ، وهنا يكون وصف الوحدة في حق من هو أكثر شمولا في التجديد، كما يكون وصف التعدد فيمن هم اقل شمولا.وللاجتهاد مستويين نظري وعملي، وهو يتضمن معرفه والتزام شروط الاستخلاف الاجتهادية المتغيرة ، في زمان ومكان معينين.

استمرار ظهور الطائفة المنصورة والفرقة الناجيه (أهل السنة بمذاهبهم المتعددة ): كما تنبأت النصوص باستمرار ظهور الطائفة المنصورة ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم )( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) (صحيح البخاري، والطائفة المنصورة والفرقة الناجية هي أهل السنة بمذاهبهم المتعددة: الفقهية : كالمذهب الحنبلي والشافعي والحنفي والمالكي…والاعتقاديه: كالمذهب الحنبلي والاشعرى والماتريدي والطحاوي ومذهب أهل الظاهر … وهنا نستأنس أولا بإيراد الإمام ابن تيمية تعريف عام لأهل السنة يمكن أن ينطبق على اى مذهب من هذه المذاهب حيث يقول (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). كما نستأنس ثانيا بإيراده دلالتين لمصطلح أهل السنة، الدلاله الأولى هي الدلالة العامة له ، ويمكن ان يندرج تحتها اى مذهب من هذه المذاهب،حيث يقول ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221) ، والدلالة الثانية هي الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة ، والتي تتمثل في مذهب معين من مذاهب أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة..) ، وطبقا لما سبق فانه يمكن القول أيضا أن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية هي جماعه المسلمين في كل زمان ومكان ، وليس جماعه من المسلمين في مكان وزمان معينين ، والدليل على هذا أن أهل السنة بمذاهبهم المتعددة يشكلون اغلبيه المسلمين (بأممهم وشعوبهم المتعددة) في العالم …

افتراق الامه (الاختلاف العقدي على مستوى الأصول) : كما تنبأت النصوص بافتراق الامه الاسلاميه ، عن عوف بن مالك أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال(…و الذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث و سبعين فرقة ، فواحدة في الجنة و ثنتين و سبعين في النار ، قيل يا رسول الله من هم ؟ قال : هم الجماعة) ومضمون هذا الافتراق الاختلاف على مستوى الأصول، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، والتي لا يباح مخالفتها او الاتفاق على مخالفتها، وهو ما نهت عنه العديد من النصوص كقوله تعالى(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) .

الدلالة البدعيه لمصطلح “الإسلاميين” كمقابل لمصطلح “الشيع”: وهنا  نشير إلى مصطلح “الإسلاميين ” وهو  – من ناحية لفظيه  – مصطلح محدث وطارئ في تاريخ الامه  ، حيث لم يرد لفظ “اسلامى” أو “إسلاميين” كصيغه نسب لمفرد أو جماعه من البشر في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)، وإذا كان بعض العلماء المسلمين فى مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضى الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة، من هؤلاء العلماء الإمام ابو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين ، وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصرة التى تقتصر على فئه معينه من المسلمين ، فالمسلمين استخدموا المصطلحات ألقرانيه (المسلم المسلمين) في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات، أما الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب الاسلاميه،التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة،فقد نسبوها إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه .. .والدلالة البدعيه لهذا المصطلح تقارب او تقابل مصطلح “الشيع” في القران الكريم ،والذي يدل على الاختلاف ” التعدد” على مستوى اصول الدين ،التى مصدرها النصوص يقينيه الورود قطعيه الدلاله، وهو مضمون التفرق فى الدين المنهى عنه ، قال تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (الأنعام: 159) .

الوعد الالهى بوراثة الامه الارض : اتساقا مع الوعد الالهى باستخلاف الامه ، تنبأت النصوص بوارثه الامه الأرض، قال تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) ، ورد في تفسير الطبري (…وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْل مَنْ قَالَ : { أَنَّ الْأَرْض يَرِثهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ } أَنَّهَا أَرْض الْأُمَم الْكَافِرَة , تَرِثهَا أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .) ، و تتضمن وراثة الأرض انتشار الدعوة الاسلاميه في كل إرجاء العالم.

الربط بين استخلاف الامه العام الثاني والاشراط الصغرى للساعة والظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة:

إثبات  دلالات الأحاديث الواردة في اشراط الساعة بشرط عدم تناقضها مع نص قطعي:  تنطلق هذه الدراسة من إثبات  الدلالات التي تفيدها الأحاديث الواردة في اشراط الساعة، اى إثبات هذه الدلالات ، بشرط عدم تناقضها مع النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، لأنها تثبت حجية أحاديث الآحاد، مع تقييد درجه حجيتها  كالاتى :ا/ إيجاب أحاديث الآحاد المقيد” المشروط” للعلم والعمل، ب/ أحاديث الآحاد مصدر قائم بغيره” حجه بغيرها” لأصول الدين ، وقائم بذاته” حجه بذاتها” لفروع الدين،ج/ إثبات دلالات أحاديث الآحاد التي لا تتناقض مع دلالات النصوص القطعية يقول الإمام النووي ( ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره ) (المجموع شرح المهذب: 4/342 ).

إثبات اشراط الساعة :  وقد أشارت العديد من النصوص إلى اشراط الساعة كقوله تعالى  (… يوم ياتى بعض آيات ربك لا تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قل انتظروا إنا منتظرون) (الأنعام:158 ) ، لذا اجمع علماء أهل السنة بمذاهبهم المختلفة على إثبات اشراط الساعة .

تقسيم  اشراط الساعة : غير انه يجب التمييز بين نوعين من اشراط الساعة : أولا : الاشراط الصغرى: و ظهورها مقترن بالحياة الدنيا (عالم الشهادة) ،خاضع لحتمية السنن التي تضبط حركته.ثانيا: الاشراط الكبرى” العظمى” : و ظهورها مقترن بعالم غيبي غير خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، كما يمكن تقسيم ظهور بعض اشراط الساعة إلى ظهور اكبر آخر الزمان، فهو مرتبط  باشراط الساعة الكبرى ، وظهور اصغر قبل ذلك ، وهو مرتبط باشراط الساعة الصغرى .

الربط:  و هنا نربط  بين الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها، باشراط الساعة الصغرى، والظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة قبل آخر الزمان، والمرتبط بهذه الاشراط ، :

الدجال الأصغر:  حيث يرتبط  هذا الشكل من أشكال الاستخلاف بهزيمة الدجال الأصغر، والذي أشارت إليه النصوص في معرض تقريرها ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر، ومنها:  قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)، وهو قد يكون شخص كما في الحديث ، كما قد يكون وصف ” يمكن أن ينطبق على  اى منهج  أو نظام … “،  يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق  من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالحاكميه والتشريع والملكية … لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت)، وهنا نستأنس بتفسير العلماء للطاغوت كقول ابن جرير ( والصواب عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه … إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا من كان من شئ) ،وتقدم الدراسة كمثال له  المنهج الليبرالي الذي يقوم على محاوله تحويل الوجود الانسانى “الفردي “- إلى وجود مطلق ، ويسند إليه كثير من صفات الربوبية  كالملكية و ألحاكميه والتشريع…

يأجوج وما جوج الصغرى: إذا كان القران الكريم قد قرر أن ياجوج وماجوج قد تم حجزهم خلف السد الذي بناه ذي القرنين، فان عددا من العلماء قد قرر أن لياجوج وماجوج نسل عرقي خارج السد ، أورد  ابن حجر العسقلاني  ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال(يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة ، بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين ” وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد ) ،غير أن هذه الأقوال تتناقض مع ظاهر النصوص ، الذي يفيد أن كل  ياجوج وماجوج قد تم حجزها وراء السد . وإذا كان القول بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج محل رفض ، فان من الممكن القول بأن لهم نسل حضاري “وهم ياجوج وماجوج الصغرى ” ، ويرتبط الاستخلاف العام الثاني للامه بهزيمتهم ، وهم كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ، وهنا نستانس بقول الشيخ/ الشعراوى في تفسيره ( … وياجوج وماجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان) ، و مثال لها الاستعمار بأشكاله المتعددة” الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري،والاستعمار الاستيطاني “الصهيوني” والاستعمار الجديد ” الامبريالي “، والذي يمثل الوجه المتوحش”الخارجي” للحضارة الغربية ذات الفلسفة والمنهج الليبرالي ، والنظام الاقتصادي الراسمالى ، والذي يتناقض مع موجهها الانسانى “الداخلي”

مؤشرات ضعف الذراع الايمن لقهر الشعوب “الامبريالية الامريكيه”: بداية يجب التمييز بين أمريكا كشعب،وأمريكا كنظام امبريالى اى كقائده للنظام الراسمالى الذي نشا في أوربا و أصبحت أمريكا قائدته في مرحله لاحقه، و امتد إلى كل أطراف الأرض، فارضا إرادته على أراده الشعوب والأمم بالسيطرة العسكرية والاقتصادية والثقافية .فقد مضت فترة من الزمان كان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حليفان – موضوعيا-  في قهر الشعوب. غير أن تنافسهما على الاستبداد بالأمم والشعوب والدول كان يتيح للمستضعفين الذين هم كل البشر ثغرة لكسب قدر من الحرية في مقابل أن يكونوا تابعين لأحدهما. إلى أن انسحب الاتحاد السوفيتي من حلبة المنافسة، فشل الذراع الأيسر لقهر الأمم والشعوب .فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن الولايات المتحدة الأمريكية: ومؤشرات ذلك :

المشكلة القومية : أمريكا ليست دولة قومية، بل دولة متعددة الاثنيات، فكل نفر من سكانها ينتمي إلى أمة أو شعب خارجها. فهي معرضه دائما إلى خطر التمزق كدولة إلى عدد من دول كل منها قومية، و قد قامت على أساس أن يتولى البيض الأنجلوسكسون البروتستانت” الواسب” صهر بقية القوميات فيهم لغة و حضارة و مصير ا. ولكن هذا الأساس لقي معارضه متكررة من هذه الجماعات الاثنيه.

الإرهاب”الحرب العالمية الثالثة”: كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي بدأت وأعلنت الحرب العالمية الثالثة ممثله في يمكن تسميته بحرب الإرهاب عام 1984،فضلا عن انها سهمت فى إنشاء كثير من التنظيمات الارهابيه، لتوظيفها في تحقيق مصالحها المنطقة، لكن هذه التنظيمات خرجت عن سيطرتها لاحقا- وهنا لابد من الاشاره إلى أن الإسلام كدين بريء من الارهاب – غير أنه في هذه الحرب كانت الولايات المتحدة هي الخاسر الأول لأنها عاجزة فيها عن استخدام أسلحتها المتطورة وفى ذات الوقت تتيح لخصمها امكانيه الانتصار باستخدام أبسط أدوات التدمير.

الأزمات الاقتصادية المتعاقبة:  ترجع جذور الأزمات الاقتصادية المتعاقبة  إلى صميم النظام الاقتصادي الرأسمالي، المستند إلى الليبرالية كمنهج والمستند إلى فكره القانون الطبيعي،اى النظام الاقتصادي القائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاه. وكان تجاوز هذه الأزمات بتدخل الدولة مؤشر على انهيار التظلم الراسمالى  على المستوى النظري، كما أن ضخامة حجم  هذه الأزمات وتقارب فترتها مؤشر على قرب انهيار النظام الراسمالى على المستوى العملي .

فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد “الامبريالي الصهيوني” وضعف قبضه أمريكا على المنطقة العربية: فقد فشل هذا المشروع في إلغاء الاراده الشعبية العربية، رغم نجاحه في تعطيلها. فقد نجح في الارتداد بالنظام السياسي العربي خطوات تجاه التفتيت على أساس طائفي، لكنه فشل في تحكم القوى التي تقف وراءه – وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكيه- في هذا الارتداد ، فافرز عدد من الظواهر،التي تجاوز تأثيرها السلبي النظام السياسي العربي إلى  هذه القوى ، من هذه الظواهر : ظاهره الإرهاب وتدفق أللاجئين على الغرب، والفوضى الناتجة من إسقاط الولايات المتحدة لبعض النظم العربية، ومحاولتها تحويل ثوره الشباب العربي من مسارها الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح فى بعض الدول العربية ، مما اضعف مقدره الولايات المتحدة ذاتها على فرض إرادتها السياسية على النظم السياسية العربية التالية لإسقاط أو سقوط هذه النظم .

التعطيل النهائي : أما التعطيل النهائي لقدره هذا الذراع على قهر الشعوب فمرهون بسعي هذه الشعوب إلى استرداد حريتها، وإلغاء القهر الممارس عليها، بالتدريج، وحسب الإمكانيات المتاحة لها، وبمزيد من التضامن بين هذه الشعوب

خفاء ضعف الذراع الايمن لقهر الشعوب على النظم ودور الشعوب فى بيان ذلك:ورغم وضوح مؤشرات ضعف الذراع الأيمن لقهر الشعوب للشعوب، إلا إنها خافيه على النظم السياسية ،لذا فانه على  الشعوب توعيه أنظمتها بذلك ، زه ما يضمن عدم وقوفها في وجه التوجه الشعبي المعارض للسياسات الامبريالية لأمريكا، في كل أنحاء العالم بما فيها أمريكا ذاتها ، والذي سيكون له دور فاعل في  الانتقال من مرحله التعطيل الجزئي للذراع الايمن لقهر الشعوب “الضعف”، إلى مرحله التعطيل النهائي  له ” بالقضاء على السياسات الامبريالية للولايات المتحدة”،وذلك من خلال التزامه بالعديد من الآليات أهمها: مقاطعه السلع والبضائع الامريكيه،مقاومه التغريب الثقافي الامريكى، فضح السياسات الامبريالية.وخطرها على الشعوب والحكومات أيضا……وهنا نشير إلى تشبيه الدكتور عصمت سيف ألدوله  للنظم السياسية العربية في عدم إدراكها لحقيقة ضعف الولايات المتحدة الامريكيه،ومن ثم خضوعها التام لها، بالجن الذين لم يعلموا  بموت سليمان (عليه السلام)،  إلا بعد أن أكلت الدابة مِنْسَأَتَهُ كما في الايه ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14: سبإ) .

المهدية الصغرى : كما يرتبط  الاستخلاف العام الثاني للامه في حاضرها بالمهدية الصغرى ، والتي أشار إليها العلماء في معرض تقريرهم – استنادا إلى النصوص – ظهور مهديون قبل المهدي الأكبر الذي سيظهر آخر الزمان كقول ابن القيم  (فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)( المنار المنيف،ج1،ص 298)، وتأخذ شكل  الالتزام بشروط الاهتداء التكوينية والتكليفيه، ومن ضمنها تحقيق المفاهيم والقيم والقواعد الكلية الاسلاميه كالعدل والمساواة والشورى… وإسناد ألحاكميه والملكية والتشريع لله تعالى”استنادا إلى مفهوم التوحيد”، و استخلاف الجماعة في إظهارها الأرض، بإسناد السلطة و الانتفاع بالمال وحق الاجتهاد إليها “استنادا إلى مفهوم الاستخلاف”، وأن يكون الحاكم  نائب ووكيل عن الجماعة ،لها حق تعيينه ومراقبته وعزله “استنادا إلى تقرير العلماء أن البيعة عقد مرضاه واختيار”.

ربط الاستخلاف العام الأخير للامه باشراط الساعة الكبرى، والظهور الأكبر لبعض اشراط الساعة : أما الاستخلاف العام الأخير للامه المتصل بمستقبل الامه، فيرتبط باشراط الساعة الكبرى” العظمى” ، والظهور الأكبر لبعض اشراط الساعة  آخر الزمان، والمرتبط  بهذه الاشراط . فتربطه بهزيمة الدجال الأكبر الذي أشارت النصوص إلى أن  ظهوره آخر الزمان من اشراط الساعة الكبرى . كما تربطه بظهور يأجوج وماجوج الكبرى التي أشارت إليها النصوص وربطته بدك السد الذي بناه ذي القرنين. كما تربطه الدراسة بالمهدية الكبرى ، اى المهدي الأكبر الذي أشارت النصوص  إلى أن ظهوره من الاشراط الكبرى “الارضيه” للساعة.

الاشاره إلى الاستخلاف العام الثاني للامه في  أحاديث “ألائمه الاثنا عشر” طبقا للتفسير السني – وليس الشيعي- لها : أشارت بعض الأحاديث إلى انه سيظهر بعد عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) اثني عشر حاكما ” خليفة” ، تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا ، ومن هذه الأحاديث الحديث الذي رواه مسلم والترمذي وأبو داود الذي لفظه  في روايتة “لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة”.وقد عينهم  الشيعة الاماميه بأنهم على وذريته إلى حفيده محمد ابن الحسن، وهو  تعيين مرفوض من أهل السنة ، ومن الدراسة لأنه يخلط بين الاستخلاف الخاص المقصور على الأنبياء والاستخلاف العام الذي يشمل الامه ، وترجح الدراسة مذهب جمهور أهل السنة  القائم على أن المقصود الائمه الاثنا عشر الخلفاء الراشدون الاربعه  وعمر بن عبد العزيز عند بعض العلماء (الاستخلاف الراشدي)، وسبعه حكام “خلفاء”، تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا ، ولا يكون ظهورهم على التتابع، بل يتوزع عبر تاريخ الامه ، منذ عهد عمر بن عبد العزيز  والى قيام الساعة ،وأخرهم المهدي الأكبر الذى سيظهر آخر الزمان، ( الاستخلاف العام الثاني  للامه في حاضرها والأخير في مستقبلها) يقول الحافظ ابن كثير ( ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا ، يقيم الحق ويعدل فيهم ، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم ، بل قد وجد منهم أربعة على نَسَق ، وهم الخلفاء الأربعة .. ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة ، وبعض بني العباس .ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة ، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره ) (تفسير القرآن العظيم: 3/65)، يقول النووي ناقلا عن القاضي عياض ( ويحتمل أن يكون المراد مستحقي الخلافة العادلين ، وقد مضى منهم من عُلم ، ولا بد مِن تمام هذا العدد قبل قيام الساعة )(شرح مسلم:12/202).ويقول الإمام القرطبي ( هم خلفاء العَدْلِ ؛ كالخلفاء الأربعة ، وعمر بن عبد العزيز ، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتهم في إظهار الحق والعدل ، حتى يَكْمُل ذلك العدد ، وهو أولى الأقوال عندي )(المفهم:4/8).

الاستخلاف والجمع بين الجزاء الدنيوي والاخروى: ويستند الاستخلاف إلى المنظور القيمى الاسلامى، والاجابه التي وضعها للسؤال المتصل بطبيعة الجزاء على الأفعال ” الموضوعية ” – وقبلها الاعتقادات الذاتية – والتي ترفض تقرير كونه   دنيوي بحث،أو اخروى بحت، وتجمع بين الجزاء الدنيوي والاخروى ، بعد تقرير أن الأصل في الدنيا أنها دار عمل ، والأصل في الاخره أنها دار حساب- اتساقا مع الفلسفة الاسلاميه فى التوازن بين الدنيا والاخره، قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص:77).اتساقا مع هذا فانه يمكن اعتبار الاستخلاف هو جزاء دنيوي ايجابي “ثواب دنيوي” على الايمان والعمل الصالح “شروط الاستخلاف النصية الذاتية والموضوعية”- بجانب جزاء ايجابي اخروى “الثواب الاخروى” والمتضمن للجنة-كما يمكن اعتبار العلاقة التي طرفيها الاستكبار- الاستضعاف جزاء دنيوي سلبي على عدم الالتزام بهذه الشروط – بجانب جزاء اخروى سلبي “العقاب الاخروى “.بناءا على هذا نربط بين الاستخلاف وأنماط أخرى للجزاء الايجابي الدنيوي قررتها النصوص  الموضوعي : كالأكل من فوق ومن تحت الأرجل و فتح البركات من السماء والأرض و الحياة الطيبة ، والذاتي كاطمئنان القلوب…” قال تعالى( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة: 66]. وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96].وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [النحل: 97]. وقال تعالى(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28). وكذلك نربط بين الاستخلاف ومتاع الدنيا الذى أشارت العديد من النصوص الى انه يشمل المسلم والكافر بجانب نعيم الاخره – المقصور على المسلم قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴿36 البقرة﴾ ،وقال تعالى ( وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ﴿126 البقرة﴾.  اتساقا مع  ما سبق نربط بين الاستخلاف  ومفهوم “جنه الدنيا ” الذي أشار إليه بعض  علماء أهل السنة كابن تيميه وابن القيم في معرض تقريرهم أن هناك جنه في الدنيا بجانب جنه الاخره- مع ملاحظه أن المعنى هنا مجازى أما المعنى الحقيقي فمقصور على الاخيره- ينقل ابن القيم عن الإمام ابن تيميه (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه – يقول”إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة”) (الوابل الصيب: ص 67 )…ويقول ابن القيم (فإنه لا نعيم له ولا لذة، ولا ابتهاج، ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته، والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، كما أن لا نعيم له في الآخرة، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان، لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى.)  .ومن سياق هذه الأقوال وغيرها نفهم أن جنه الدنيا تتضمن : الرضا ومحبه الله والاطمئنان بذكره والفرح بقربه ،وإفراده بالعبادة والعبودية ، وحلاوة الإيمان … وكل هذه المعاني متضمنة في الظهور الصفاتى – التكويني والتكليفى– ذو الصلة الوثيقة بالاستخلاف- لان  مضمونه إظهار الإنسان لصفات الالوهيه والربوبية في الأرض على المستوى الصفاتى –  يقول الإمام ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر ، مظهر الأسماء والصفات ، فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها).بناء على هذا فان المفهوم مرتبط بالاستخلاف ببعديه الفردي/ الذاتي- الذي أشار إليه هؤلاء العلماء- والاجتماعي/ الموضوعي.

شروط الاستخلاف : بينت ايه الاستخلاف  – على وجه – الإجمال شروط الاستخلاف النصية المطلقة(الذاتية “الإيمان”والموضوعية”العمل الصالح ” )، والمقصود بها شروط استخلاف الامه في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف”،  و كل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الامه ” . أما شروط الاستخلاف الاجتهادية  المقيدة ، اى شروط استخلاف الامه في مكان معين ” الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “حاضر الامه” فمتروكة لاجتهاد المسلمين  يضعونها على الوجه الذي يتفق مع واقعهم المتغير، بشرط عدم شروط الاستخلاف النصية المطلقة،  وفيما يلي نعرض لشروط الاستخلاف النصية المطلقة والاجتهادية في الأشكال المتعددة للاستخلاف:

أولا:الاستخلاف السياسي:  

ا/ شروطه النصية المطلقة : وتتمثل في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها: أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية لله : ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة: ثالثا: إقرار قواعد كليه للسلطة كالمساواة و العدل و الشورى. رابعا أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى .

ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة : وتتمثل في الحرية – طبقا لمفهومها الاسلامى- وتحرير الاراده الشعبية الوطنية والقومية — كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية (الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه” ، والاستيطاني ” ومنه الاحتلال الصهيوني لفلسطين”) ( كمظاهر للاستضعاف -الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي). وهنا نشير إلى أن الموقف السليم من الديموقراطيه يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين  من المصطلح، إلى موقف نقدي منه، يميز بين دلالاته المتعددة ، فيقبل دلالاته التي تتسق مع الإسلام ويرفض دلالاته التي تتناقض معه ،هذا الموقف يرى أن الإسلام كدين – لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة للمصطلح ،الذي مضمونه الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، لان الفلسفة السياسية الاسلاميه قائمه-  بعد إسناد ألحاكميه ” السيادة / السلطة المطلقة ” لله تعالى- على استخلاف الجماعة في إظهار حاكميته في الأرض، بإسناد السلطة- الأمر- إليها (وأمرهم شورى بينهم)،أن الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله . أما الدلالات الخاصة المنفردة لمفهوم الديموقراطيه” التي تتضمن المفهوم الليبرالي للديموقراطيه فيرى هذا الموقف أن الموقف الصحيح منها هو اخذ ما لا يتناقض مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة من هذه الدلالات، ورد ما تناقض معهما. فضلا عن تقييد مصطلح الديموقراطيه المفاهيم وال قيم وال قواعد الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه كقاعدة الشورى الكلية.

ثانيا: الاستخلاف الاقتصادي :

ا/ شروطه  النصية المطلقة :  وتتمثل  في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية،  التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ومنها: أولا:إسناد ملكيه المال لله تعالى (واتوهم من مال الله الذي أتاكم) .ثانيا:استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ).

ب/شروطه الاجتهادية المقيدة :  وتتمثل في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية-طبقا لمفاهيمها الاسلاميه- كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي (كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الاقتصادي). وهنا نشير إلى أن الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه  تعتبر أن العدالة الاجتماعية هي غاية للنشاط الاقتصادي للمجتمع المسلم – والدولة الاسلاميه كممثل له – وذلك من خلال تقريرها لشرطي العدالة الاجتماعية : الشرط الأول هو تكافؤ الفرص يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ، وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته) . أما الشرط الثاني فهو عدالة توزيع الثروة الذي يتضمن عدالة الأجور، روي أن أبو عبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأعنهم بالعمالة عن الخيانة )، وهنا نشير إلى أن هناك ارتباط وثيق بين مصطلحي “العدالة الاجتماعية والاشتراكية” ،غير أن من يرفض المصطلح الأخير ، ومرجع هذا الرفض أن مصطلح الاشتراكية اقترن في الأذهان الكثيرين بإحدى دلالاته الخاصة المنفردة ، اى الماركسية التي اتخذت موقفا سلبيا من الدين . غير أن هناك آخرون يرون انه لا حرج من استخدام مصطلح الاشتراكية باعتبار أن المصطلح اشتق من لفظ عربي استعمله الرسول (صلى الله عليه وسلم ) والصحابة (رضي الله عنهم ) وذلك في قول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار)، وفى قول أبى عبيد صاحب كتاب الأموال( أن عمر رأى أن كل المسلمين في هذا المال شركاء،وهنا يمكن حل هذا الخلاف بتقييد دلاله  المصطلح الأخير في حال استخدامه ” فنقول مثلا المذهب الاسلامى في الاشتراكية”، لان بعض دلالاته محل خلاف- خلافا للمصطلح الأول لان كل دلالاته محل اتفاق . وهنا نرى ان الموقف السليم من المصطلح يتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين إلى موقف نقدي يميز بين دلالاته المتعددة، وأن الإسلام كدين لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة للمصطلح، التي مضمونها التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية ألعامه لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7). أما الدلالات الخاصة للمصطلح “والتي تتضمن المفهوم الماركسي للاشتراكية  ، ” فان الموقف الصحيح منها هو على اخذ ما لا يتناقض مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة من هذه الدلالات،ورد ما تناقض معهما.

ثالثا:الاستخلاف الاجتماعي : 

ا/ شروطه النصية المطلقة : وتتمثل في أصول المنظور الاجتماعي الاسلامى، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،وتتضمن المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه التي تهدف إلى نقل للمراْه من الاستضعاف – الاستكبار الجاهلي ، القائم على تراتبيه الافضليه الجاهلية والتي مضمونها الافضليه المطلقة للرجل على المراه ، وترتب على ذلك فرضه لكثير من القيود التي تعوق فاعليه المراْه كعضو فيه، وهضمه لحقوقها. إلى الاستخلاف الاسلامى القائم على ترتيبيه التفاضل ألقرانيه و التي مضمونها  أن الرجال أفضل من النساء في بعض المجالات ، بينما النساء أفضل من الرجال في مجالات أخرى ، وهو ما يستفاد من التعبير القرانى” بما فضل الله بعضكم- أو بعضهم – على بعض”  قال تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء : 32 )، وقال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ )، وترتب على ذلك عمله على تحرير المراْه من هذه القيود ، ومنحها كافه حقوقها.غير انه فى مراحل تاليه ونسبة لظروف خارجية  وداخليه  متفاعلة  تخلت المجتمعات المسلمة- جزئيا وبدرجات متفاوتة – عن التراتيبيه ألقرانيه، وتبنت تراتيبيه عرفيه “مصدرها العادات والتقاليد “، تختلط فيها التراتيبيه ألقرانيه بالتراتيبيه الجاهلية ،وترتب على ذلك فرض هذه المجتمعات قيود على فاعليه المراْه كعضو فيها ،وهضم كثير من حقوقها،خلافا للموقف الحقيقي- الايجابي – للإسلام كدين من هذه الحقوق.

ب/شروط الاجتهادية المقيده : و تتمثل في الوحدة (الوطنية والقومية “العربية” والدينية “الاسلاميه”)- طبقا لمفهوم واقعي – عملي “تدريجي /سلمى /مؤسساتي” – كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت. وهنا نرفض مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، والقائم على افتراض خاطئ مضمونه أن الإسلام ينكر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي، ويلغى علاقات الانتماء إليها ، لان هذا المذهب يتناقض مع إقرار القران الكريم لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى:الأسرة﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾.والعشيرة :﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾و القبيلة والشعب﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾، و الأمة التي مناط الانتماء إليها اللسان لا النسب والأرض الخاصة (اى الديار بتعبير القران ) قال(صلى الها عليه وسلم )( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، وقال تعالى﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8) ، كما يتناقض مع ان موقف الإسلام من علاقات الانتماء المتعددة (القبلية ،الوطنية، القومية…) لوحدات (أطوار) التكوين الاجتماعي السابقة هي علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض إلغاء، سأل واثله الرسول (ص) قال: يا رسول الله امن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم”. (رواه بن ماجه واحمد). وهنا نرفض المذهب العلماني في العروبة،ونأخذ بالمذهب الاسلامى في العروبة والذي يرى أن العلاقة بين الإسلام والعروبة علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض وإلغاء،وان الإسلام يشكل الهيكل الحضاري للامه العربية، لأنه هو الذي أوجدها كأمه واحده،  بعد أن كانت قبله شعوب وقبائل متفرقة .

رابعا:الاستخلاف الحضاري : 

ا/ شروطه  النصية المطلقة : وتتمثل  في أصول المنظور الحضاري الاسلامى، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.

ب/شروطه الاجتهادية المقيدة:   وتتمثل في الجمع بين الاصاله والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد – طبقا لمفاهيمه وضوابطه الشرعية- كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود والتغريب الحضاري ( كمظاهر للاستضعاف – الاستكبار الحضاري).

الاستخلاف ومنهج التغيير ” كيفيه ومراحل تحقيق الاستخلاف “: يهدف منهج التغيير الإسلامي إلى الانتقال بالمسلمين، في كل زمان ومكان،من الواقع القائم على ثنائيه الاستضعاف- الاستكبار: السياسي،الاقتصادي  ،الاجتماعي …  والذي يمثل ما هو كائن ، إلى الاستخلاف بكل أشكاله: السياسية ،الاقتصادية ،الاجتماعية … والذي يمثل ما ينبغي آن يكون. وهناك مرحلتين أساسيتين للتغير:

أولا: مرحله الممكن( الاستطاعة):المرحلة الأولى هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد: أولا: الاستطاعة  (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ). ثانيا: رفع الحرج (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ثالثا:الوسع (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).وهذه المرحلة لها مستويان:

ا/ المستوى الاعتقادى:  وهو المستوى الاصلى لهذه المرحلة ، ذلك أن منهج المعرفة الإسلامي قائم على اسبقيه المعرفة على الفعل ، والإيمان على العمل (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات), ولهذا المستوى بعد نافى هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى “المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى” ، كما أن له بعد مثبت هو تبنى نمط التفكير الاجتهادي ” المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي” ( على المستوى الفكري) ، والاجتهاد في وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع(على المستوى الاشكالى)،والتحديد  النظري لأهداف الامه(على المستوى الغائي) ..

ب/ المستوى العملي:  وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة ، ومضمونه الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن، والممكن هنا هو تنفيذ ما يتيح الواقع تنفيذه ، من حلول نظريه للمشاكل التي يطرحها الواقع ،وبعبارة أخرى اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه تحقيق أهداف الامه .
ثانيا: مرحلة ما ينبغي أن يكون( العزم) : أما المرحلة الثانية فهي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ  لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) ، وهذه المرحلة لها مستويان :

ا/ المستوى العملي: وهو المستوى الاصلى  لهذه المرحلة، ومضمونه الانتقال مما هو ممكن إلى مرحله ما ينبغي أن يكون ،وما ينبغي أن يكون هنا هو تنفيذ كل الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها الواقع ، وبعبارة أخرى التحقيق  الكامل لكل أهداف الامه.
ب/المستوى الاعتقادى: وهو المستوى الفرعي لهذه المرحلة، ومضمونه الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل الجديدة التي يطرحها الواقع بعد تغييره، أو تحديد الأهداف الجديدة للامه بعد تحقق الأهداف السابقة.فهو تعبير عن استمرار الاجتهاد.

ثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف وتعطيل الاراده الشعبيه والاستخلاف وتفعيلها ومراحلها: يثبت المنظور السياسي الاسلامى الاراده الشعبية، لأنه يسند السلطة “المقيدة” – بعد إسناده ألحاكميه :السيادة “السلطة المطلقة “لله تعالى – إلى الجماعة – بموجب الاستخلاف العام قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 )، بناءا على ما سبق فإننا نقرر أن غاية الاستخلاف تفعيل الاراده الشعبية،أما غاية ثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف إلغائها (اى تعطيلها في كل زمان ومكان وعلى كل المستويات) – وهو ما يؤدى إلى تعطيلها(في زمان ومكان معينين و على مستويات معينه) وليس إلغائها – لأنه مستحيل- اتساقا مع هذا نوضح فيما يلي مراحل تفعيل وتعطيل الاراده الشعبية العربية عبر مراحل استخلاف – آو استكبار/استضعاف – امه التكوين”الامه العربية المسلمة” ، مع التركيز على المستوى السياسي.

مرحله الاستخلاف العام الاول للامه ومراحل تفعيل وتعطيل الاراده الشعبيه العربيه : كما ذكرنا سابقا فان هذه المرحلة هي مرحله استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة، وقد كانت  قائمه على الاتصال الزمانى بالاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى”الراشدي”، كما و الاتصال  القيمى المتناقص بالاستخلاف المثال  بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى “الراشدي”، بمعنى إنها  تضمنت انقطاع قيمي تدريجي عن الاستخلاف  المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى ” الراشدي” .وقد تضمنت هذه المرحلة المراحل التالية  لتفعيل أو تعطيل الاراده الشعبية العربيه:

التعطيل الاستبدادى”الداخلى “: فقد تضمنت تلك المرحلة التعطيل الاستبدادي(الداخلي) الاراده الشعبية العربية،  لأنها تضمنت عدم الالتزام – بدرجات متفاوتة – بقيمه الشورى التي كانت متحققة في مرحله الاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى ” النبوي” والاقتدائى ” الراشدي” . والى ذلك أشار الحديث ( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون…) (أخرجه أحمد (30/355 حديث 18406)،فقد تضمن الحديث اشاره إلى أنماط متعددة من التعطيل الاستبدادي للاراده الشعبية “الملك العاض والملك الجبرى”.

التعطيل الغزوى “الخارجى”: كما تضمنت  تلك المرحلة التعطيل الغزوى( الخارجي) للاراده الشعبية العربيه،فقد تعرضت الامه لغزوات متتالية من المغول والتتار ثم الصليبين ثم الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري:

التفعيل الزعامي: في ذات الوقت تضمنت هذه المرحلة للتفعيل الزعامي للاراده الشعبية العربية ،ويتمثل في نجاح الاراده الشعبية العربية في تحقيق أهدافها- والتي تتضمن نجاحها فى مقاومه وهزيمة هذه الغزوات المتتالية – من خلال توحدها خلف الزعماء التاريخيين الامه، وأخرهم الزعيم جمال عبد الناصر(رحمه الله تعالى )، وبوفاته عام 1970 انتهت مرحله التفعيل الزعامي للاراده الشعبية العربية، وبدأت مرحله جديده من مراحل تفعيل الاراده الشعبية العربية هي مرحله التفعيل الجماهيري، التي يدعمها تطور وسائل الإعلام والاتصال ، وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام كما سنوضح أدناه  . وفيما يلى نرد على من أنكر أن عهده جزء من المستوى السياسي لأخر مرحله من مراحل الاستخلاف العام الأول للامه ، والذي يشمل كل النظم السياسية التالية للخلافة الراشدة بدأ بالدولة الامويه ثم العباسية … – وليس جزء من المستوى السياسي لثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف” أولا:أن أهم مظهر للاستخلاف  التكويني “السياسي” هو وحده الامه وتوحد الاراده الشعبية ، فضلا عن تحررها من العدوان الخارجى  ، وهو ما تحقق في عهده ، فقد توحدت الاراده الشعبية العربية خلف زعامته، وتحررت من الاستعمار القديم .  ثانيا: لذا فقد  ضمن بعض العلماء الخلفاء الذين تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا – كما في الحديث – خلفاء بني أميه لأنهم حققوا وحده الامه، رغم ما شاب عهدهم من عدوان على بعض ال البيت وبعض الصحابة والتابعين.. يقول الحافظ ابن حجر (فالأولى أن يحمل قوله “يكون بعدي اثنا عشر خليفة” على حقيقة البعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصديق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لم تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما … وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمة وإن وجد في بعض مدتهم خلاف ذلك، فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر والله أعلم) ( فتح الباري 13/260)،  ويقول أبو العباس القرطبي (أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه ، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّه ، ويعني بالدِّين : الملك والولاية ، وهو شرح الحال في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم ، لا على طريق المدح) (المفهم:4/8-9) . ثالثا:لا يغير من هذه الحقيقة الصراع الذي دار بين الزعيم جمال عبد الناصر وجماعه الإخوان المسلمين للاتي أولا:أن هذا الصراع لم يكن مع جماعه الإخوان المسلمين”اى كل المنتسبين إليها” ، بل مع بعض المنتسبين إليها ،من أنصار مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي”، في صيغته القائمة على التكفير المعلن سواء من أعضاء التنظيم الخاص أو مؤيدي سيد قطب في مرحلته الفكرية المتاخره التكفيرية ، وهذا المذهب رفضه الإمام المؤسس”حسن ألبنا “، ونقده عندما ظهرت بوادره في أواخر أيام حياته،لان هذا المذهب بدعه في ذاته وفيما يلزم منه.ثانيا:أن سبب الصراع أن أنصار مذهب التفسير السياسي”الإسلام السياسي”من المنتسبين إلى جماعه الإخوان المسلمين، اختاروا الصدام المسلح مع الدولة في عهد عبد الناصر ،في ذات الوقت الذي كانت هذه الدولة تحارب الكيان الصهيوني، والاستعمار وتدعم الدول العربية الأخرى على التحرر من الاستعمار. ومع ما هو معلوم من إجماع علماء أهل السنة على تعدد فرقهم الكلامية والفقهية على تحريم الخروج بالسيف على الحاكم حتى لو كان جائر. ثالثا: كما أن هذا القول قائم على افتراض أن الصراع هو صراع دينى “بين مسلمين وكفار”، بينما هو صراع سياسي حول مواقف سياسيه،وتحويل هذا الصراع السياسي إلى صراع ديني يخالف المبادئ الاسلاميه التالية: ا/إجماع علماء أهل السنة أن الامامه “بمعنى السلطة “من فروع الدين الاجتهادية ،وليست من أصوله النصية “خلافا للمذهب الشيعي”،ب/ إجماع علماء أهل السنة انه يجوز تكفير المخالف في المذهب”خلافا لمذهب الخوارج البدعى”، ج/ لم ينفى القران صفه الإيمان عن طوائف المسلمين، التي تختلف مع بعضها الى حد الاقتتال (وان طائفتان من المسلمين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)،وقد اقر بعض الكتاب المتعاطفين والمنتسبين لجماعه الإخوان أن الصراع سياسي وليس ديني منهم الشيح نجاح إبراهيم والدكتور عبد المنعم ابو الفتوح..رابعا تم تشويه صوره الزعيم الراحل استنادا الى دعاوى تخالف الواقع والمنطق”ومنها اتهامه بأنه كان شيوعي وعلماني ومناهض للإسلام.. ” من خلال حمله إعلاميه يقف ورائها أعداء الامه بهدف إلغاء الاراده الشعبية العربية من خلال تشويه صوره رموزها التاريخية .خامسا: اتخذ  الزعيم عبد الناصر موقفا ايجابيا من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ذات مضمون ديني – حضاري للشخصية العربية،على المستويين النظري والعملي:

ا/المستوى النظري: وقد تمثل هذا الموقف الايجابي لعبد الناصر ، من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ،على المستوى النظري ، في الكثير من أراء وأقوال وخطب جمال عبد الناصر، ومنها: تقرير جمال عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو (إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية، التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسانية في كل زمان ومكان)( الميثاق الوطني ، 1962 ، الباب الأول). وكذلك تقريره أن الإسلام هو الذى وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة – الإسلام – وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عبادة إلى الحق) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958). كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها، (الدوائر العربية والأفريقية والإسلامية).. كما يرى جمال عبد الناصر ان الإسلام هو الحل الأول والأخير لمشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع ( … ومشكلة الفرد والجماعة التي حيرت المفكرين والفلاسفة في أوروبا منذ قرون ، وجدت الحل الصحيح في بلادنا العربية والإسلامية منذ ألف وثلاثمائة سنة ، منذ نزل القرآن على محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وسلم)) (مقال بعنوان “الحل الأول هو الحل الأخير”، العدد 5 من سلسلة اخترنا لك “العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد”، أول يوليو 1954، طبع دار المعارف)

ب /المستوى التطبيقي: كما تمثل الموقف الايجابي لعبد الناصر من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ، على المستوى العملي في الكثير من المظاهر، ومنها : 1/ زيادة عدد المساجد في مصر ، من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة ، إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، ( عشرة ألاف مسجد ) ، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر. 2/ جعل مادة التربية الدينية مادة إجبارية، يتوقف عليها النجاح أو الرسوب ،كباقي المواد لأول مرة في تاريخ مصر. 3/ أنشاء مدينة البعوث الإسلامية ،التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.4/ أنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية . 5/ ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم . 6/ إنشاء إذاعة القرآن الكريم. 7 / تسجيل القرآن كاملا على أسطوانات وشرائط للمرة الأولى في التاريخ ، و توزيع القرآن مسجلا في كل أنحاء العالم .8 / وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي  9/ بناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر ، و افتتاح فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية،بالاضافه إلى بعثات الأزهر لنشر الإسلام في أفريقيا وأسيا· (الدين والدولة والثورة : رفعت سيد أحمد. النبي والفرعون : جيل كيبل . المؤامرة ومعركة المصير : سعد جمعة. تقرير مجلس الكنائس العالمي لعام 1974،تقرير الحالة الدينية في مصر عام1982 . الإسلام في عهد جمال عبد الناصر : عمرو صابح).

مرحله الاستخلاف العام الثاني  للامه ومراحل تفعيل وتعطيل الاراده الشعبيه العربيه: كما ذكرنا سابقا فان هذه المرحلة هي مرحله استخلاف الامه  في الحاضر ،  وتحققها يكون بعد انقطاع زماني وقيمي عن الاستخلاف المثال بنوعيه الاتباعى “النبوي ” والاقتدائى “الراشدي” ودليله الحديث ( … ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (أخرجه أحمد (30/355 حديث 18406)، والبزار والطبراني في الأوسط (6577) ، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط) . وتحقق هذا النوع من أنواع الاستخلاف سيتم بشكل تدريجي ، وعبر مرحلتي الاستطاعة ” ما هو ممكن” ، ثم العزم ” ما ينبغي أن يكون” كما ذكرنا سابقا ،وفيما يلى نعرض لمراحل تعطيل وتفعيل الاراده الشعبية العربية  فيها:

مرحله التعطيل الارتدادي: وهذه المرحلة هي مرحله  الانتهاء “الفعلي ” لمرحله الاستخلاف العام الأول للامه، في مستواها السياسي ، مع تضمنها مؤشرات لبدايه الاستخلاف العام الثاني للامه ، وهى مرحله التي بدأت بتولي الرئيس / محمد أنور السادات السلطة في مصر1970، ودعم الغرب بقياده الولايات المتحدة الامريكيه له في محاولته الارتداد “السياسي “عن مجمل سياسيات الزعيم الراحل- المتسقة مع أهداف الاراده الشعبية العربية – بانتقاله من مناهضهالاستعماربكافه أشكاله “القديم والاستيطاني والجديد “، إلى التبعية للولايات المتحدة الامريكيه “تحت شعار 99 في المائة من أوراق اللعب بيد أمريكا”، والخضوع التام لسياستها الامبريالية في المنطقة، ومن مناهضه  الكيان الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية ، إلى توقيع اتفاقيه سلام مع الكيان الصهيوني”كامب ديفيد” ، ما يعنى إعطاء شرعيه للاغتصاب الصهيوني لفلسطين ،وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني ، ومن السعي لاقامه تنميه مستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى الربوى، تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ،ومن التضامن العربي ، إلى قطع العلاقات مع الدول العربية، ثم سير عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط. وفى هذه المرحلة تعطلت الاراده الشعبية العربية على المستوى السياسي ، نتيجة لتردى النظام السياسي العربي من التجزئة” الشعوبية ” إلى التفتيت” الطائفي “.

مرحلتى” ظهور” الاراده الشعبية العربية على المستوى الشعبي (التفعيل الجماهيرى): غير أن مرحله التعطيل “الارتدادي” للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ، هي ذات مرحله” ظهور” الاراده الشعبية العربية على مستوى آخر هو المستوى الشعبي ، ذلك أن  هذا التعطيل لم يؤدى إلى تعطيلها على كل المستويات، بل أدى إلى تعطيلها على  هذا المستوى فقط. كما أن هذا التعطيل للاراده الشعبية العربية على هذا المستوى ، فتح المجال أمام تفعيلها على المستوى الشعبي ، وفى ذات الوقت مهد الطريق إمام انتقالها من مرحله التفعيل الزعامي إلى مرحله التفعيل الجماهيري ، والتي يدعمها تطور وسائل الإعلام الاتصال ،وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام. ،  وتشمل  هذه المرحلة مرحلتين من مراحل تفعيل الاراده الشعبية العربية  على المستوى الشعبي هما  :

ا/ التفعيل التلقائي:  و قد أخذت هذه المرحلة شكل رد الفعل العاطفي الانفعالي ضد مظاهر تردى النظام السياسي العربي ، ومراحل تطبيق المشاريع ، التي تهدف إلى – أو يلزم منها – إلغاء الإرادة الشعبية العربية.

ب/ التفعيل ألقصدي: إن تردى النظام السياسي العربي نحو مزيد من التجزئة “التفتيت”، يزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى – وخاصة أجزائه التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية أو العشائرية فيها – وهذا ما يقتضى ضرورة انتقال الاراده الشعبية العربية، إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها، وهى المرحلة ألقصديه ، والتي تتجاوز رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت- إلى الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي “اى القائم على تأسيس مؤسسات ،هيئات ، منظمات،لجان ….شعبيه، تعبر عن الاراده الشعبية في كل المستويات “، والذي يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من خطوات ، تجاه أهداف الاراده الشعبية العربية ، بأساليب سلميه.

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s