الطبيعة الثورية للاراده الشعبية السودانية ومظاهرها عبر التاريخ

الطبيعة الثورية للاراده الشعبية السودانية ومظاهرها عبر التاريخ
د.صبري محمد خليل / أستاذ الفلسفة في جامعه الخرطوم
الإرادة الشعبيه السودانيه: الإرادة هي نزوع لتنفيذ فعل معين، فهي مرحله من مراحل تحقيق الإنسان لغاياته “أهدافه” في الواقع. أما الإرادة الشعبية فهي إرادة شعب معين أو أغلبيته، فهي أراده جماعية ، وعلاقتها بالإرادة الفردية كعلاقة الكل بالجزء يحده فيكمله و يغنيه ولكن لا يلغيه ، وهى تتعلق بتحقيق الغايات “الأهداف “- حل المشاكل – المشتركة . أما الإرادة الشعبية السودانية فهي إرادة الشعب السوداني أو أغلبيته، وهى تتعلق بتحقيقه لغاياته ” أهدافه ” – حله لمشاكله- المشتركة- ، وغايات الإرادة الشعبية السودانية – الاساسيه – هي الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة.
الاراده الشعبية قابله للتعطيل وليس الإلغاء: ومنهج المعرفة الاسلامى يثبت حرية الاراده الانسانيه ، ويجعل العلاقة بين الاراده الالهيه الاراده الانسانيه علاقة تكامل وتحديد وليست علاقة تناقض وإلغاء ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله)، كما يثبت الاراده الشعبية بإسناده السلطة”الأمر بالتعبير القرانى” إلى الجماعة “الشعب”( وأمرهم شورى بينهم)ـ. وكل من الإرادة والإرادة الشعبية غير قابلتين للإلغاء- لان حرية الإرادة الانسانيه ” الفردية أو الجماعية ” هي قانون موضوعي – سنه إلهيه بالتعبير القرانى – ولكنهما قابلتين للتعطيل – بعدم الالتزام بشروط تحققهما – والفارق بين تعطيل الاراده و الاراده الشعبية وإلغائهما، أن الأول هو إلغاء مقيد لهما- اى خلال فتره زمنيه معينه، أو على مستوى معين – بينما الثاني هو تعطيل مطلق لهما- اى في كل زمان، وعلى كل المستويات.
تعريف بالسودان: كان اسم السودان في الأصل اسم أطلقه الجغرافيين والمؤرخين العرب لوصف إقليم جغرافي أكثر شمولا من السودان – الوطن- هو إقليم أفريقيا جنوب الصحراء من السنغال غربا إلى الصومال شرقا – و هو ما يتسق مع أسماء قديمه أطلقت عليه ، منها اسم ” إثيوبيا “الوجه المحترق” عند قدماء اليونانيين ، وتانهسو ” بلاد السود” عند قدماء المصريين- ثم أصبح اسم السودان مقصورا على الإقليم الجغرافي المعروف حاليا بهذا الاسم في مراحل تاليه. وهذا الإقليم الجغرافي ذو تاريخ عريق، يمتد إلى عصور ما قبل التاريخ ” العصور الحجرية”، أشار إليه الكثير من المؤرخين القدماء، كما وردت الاشاره إليه في التوراة والإنجيل.
م.وقد كان لهذا الإقليم وجود حضاري قبلي “متعدد ” وشعوبي” نوبي” ، تحول لاحقا من وجود حضاري كلى عام ،إلى وجود حضاري جزئي خاص، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه وجود حضاري عام: وطني”سوداني”، وقومي “عربي”، وديني”اسلامى” ، فالأثر الحضاري الشعوبي النوبي لا يقتصر على القبائل ذات الأصول النوبية، بل يمتد فيشمل كل السودان، لأنه ساهم في تشكيل الشخصية الحضارية السودانبه ككل . والسودان وطن واحد تشد أجزائه روابط موضوعيه “جغرافيه،تاريخية،اجتماعيه،حضارية…”، سابقه فى الوجود على الفتح التركي، والاستعمار البريطاني، فالإقرار بوجود دوافع ذاتية وراء غزو محمد على للسودان1821، ممثله في طموحه الشخصي لتأسيس إمبراطوريه ، لا يعنى عدم وجود هذه الروابط الموضوعية قبل ذلك، كما أن الإقرار بالحقيقة التاريخية التي مضمونها أن الاستعمار البريطاني هو الذي شكل حدود السودان المعروفة الآن، لا يعنى انه قد شكلها طبقا لاهوئه الذاتية فقط ،بل طبقا لاكتشافه هذه الروابط الموضوعية أيضا.
الشخصية الحضارية السودانية وتعدد علاقات انتمائها: والشخصية السودانية كشخصية حضارية عامه، ذات علاقات انتماء متعددة ، ينبغي أن تكون العلاقة بينها علاقة تحديد وتكامل وليس علاقة إلغاء وتناقض ومن هذه العلاقات: أولا: علاقة الانتماء الاسلاميه كعلاقة انتماء ذات مضمون ديني – حضاري ، فإذا كان الإسلام كدين مقصور على السودانيين المسلمين ،فانه كحضارة ” تتضمن العادات والتقاليد..” يشمل السودانيين المسلمين وغير المسلمين . ثانيا:علاقة الانتماء العربية كعلاقة انتماء قوميه ، ذات مضمون لغوى /ثقافي- وليس عرقي – ومضمونها أن الله العربية هي اللغة القومية المشتركة ،للجماعات القبلية والشعوبية السودانية ، بصرف النظر عن أصولها العرقية، ولغاتها الشعوبية ولهجاتها القبلية الخاصة . ثالثا:علاقات انتمائها القبلية والشعوبية الحضارية – التاريخية السابقة على الإسلام، فالإسلام لم يلغى الوجود الحضاري السابق عليه ،بل حدده كما يحد الكل الجزء فيكمله و يغنيه ولكن لا يلغيه “، والدليل على هذا أن العرف مصدر من مصادر التشريع الاسلامى التبعية . رابعا:علاقة انتمائها الافريقيه التي هي ذات مضمون رئيسي هو كونها علاقة انتماء جغرافي –قاري، أما كونها علاقة انتماء حضاري، فهو مضمون ثانوي لها، لان ما هو مشترك بين الجماعات القاطنة فيها “تفاعلها مع بيئه متشابهه نسبيا”لم يبلغ إلى درجه تحولها إلى آمه واحده . خامسا:علاقات انتمائها العرقية المتعددة ، لان الجماعات القبلية والشعوبية السودانية ذات أصول عرقيه متعددة ، وان كان يغلب عليها أنها محصله تفاعل الساميين “العرب ” مع الحاميين “الزنوج” بدرجات متفاوتة، فحاميتها “زنوجتها ” وكذا ساميتها “عروبتها من الناحية العرقية – وليس الناحية اللغوية/ الثقافية- ” نسبيه – مختلطة، وليست مطلقه – خالصة -.
هوية التدين الشعبي السودانى: يجب التمييز بين الدين كوضع الهي ثابت ، والتدين ككسب بشرى متغير ، مضمونه معرفه والتزام بشرى بالدين ، أما التدين الشعبي فهو معرفه والتزام شعب معين بالدين، استنادا إلى التعريف السابق فان التدين الشعبي السوداني هو معرفه والتزام شعب معين “الشعب السوداني” بدين معين” هو الدين الاسلامى” ، ذلك أن الإسلام يشكل الهيكل الحضاري للامه العربية بشعوبها المتعددة – ومنها الشعب السوداني- لأنه هو الذي أوجدها كأمه واحده بعد أن كانت قبله قبائل وشعوب متفرقة، فالتدين الشعبي السوداني هو محصله تحديد – وليس إلغاء- الإسلام للوجود الحضاري الشعوبي والقبلي السابق عليه، من خلال إلغائه ما يتناقض معه وإبقائه ما يتسق معه. أما هوية التدين الشعبي السوداني فهي : ا/ سني طبقا لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح “أهل السنة”، ب/ طبقا للمذهب الاشعرى عقديا”كلاميا”، ج/ طبقا للمذهب المالكى”فقهيا”، د/ مع اثر صوفي”عملى” ، فللتصوف ” السني” اثر واضح على التدين الشعبي السوداني- خصوصا على المستوى السلوكي- فقد ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في السودان،وأصبح التصوف وقيمه المعرفية والسلوكية “موضوعيا” أحد مكونات الشخصية الحضارية العامة السودانية، بصرف النظر عن الموقف “الذاتي”منه.
الطبيعة الثورية للاراده الشعبية السودانية:
التغيير: التغير لغة اشتقاق من ماده (غَيَّرَ) والتي تدور على أصليْن: الأول إحْداث شيء لم يكن قبلَه. والثاني انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى أما اصطلاحا فهو تحول بدون اضافه ( تغير)، او من خلال الاضافه (تغيير).وقد اعتبر منهج المعرفة الاسلامى أن التغير هو سنه إلهيه كليه تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف ، ولكنه يأخذ شكل تحول بدون اضافه في الطبيعة المسخرة ( تغير) ،كما يأخذ شكل تحول من خلال الاضافه عند الإنسان المستخلف( تغيير ) وللتغيير نمطين ، الأول هو التغيير الجزئي – التدريجي” الإصلاح”، والثاني هو التغيير الكلى- الفجائي.وقد اقر منهج التغيير الإسلامي نمطي التغيير، لكنه اعتبر أن الأول أصل،والثاني فرع، واشترط في الأخير أن يكون سلميا” قاعدة تحريم الخروج بالسيف على السلطان الجائر”.
تحديد الطبيعة الثورية للشخصيه السودانيه والاراده الشعبية السودانية: ومضمونها خضوع الشخصية السودانية والاراده الشعبية لقانون” سنه إلهيه ” التغيير، وبالتالي فان المقصود بها درجه ثوريتها وكيفيتها- ولبس توافرها أو انعدامها – فهي متوافرة في الإرادات الشعبية لأنها كلها خاضعة لسنه التغيير، وطبقا لهذا نحدد فيما يلي بعض خصائص هذه الكيفية:
ا/ أن الاراده الشعبية السودانية على درجه عاليه من درجات الثورية “الميل للتغيير”،،فلا يكاد تمر بضعه عقود كحد أقصى ، بدون قيامها باحتجاج أو انتفاضه أو ثوره، وما أن يستسلم جيل للواقع ، حتى يظهر جيل جديد يؤمن بالتغيير.ويرجع ذلك لعوامل اجتماعيه وبيئيه وقيميه وثقافيه…متفاعلة.
ب/ وضوح المستوى الذاتي- الباطني- للخاصية التراكمية للثورة في الشخصية السودانية، فهي شخصيه تحاول التحكم بنزوعها للتغيير قدر الإمكان، باحاله هذه النزعة إلى الداخل “الباطن”، ولكن تراكمها لا يلبث أن يصل إلى نقطه الانفجار”الخارجي” ولو بعد حين.
ج/ يتصل بالنقطة السابقة انه يجب التمييز بين الظاهر الهادئ للشخصية السودانية،نتيجة المحاولة المستمرة للتوائم مع الواقع والضوابط الاجتماعية ، والباطن الثوري الذي يميل للتغيير المستمر، لذا وصف بعض العلماء الغربيين هذه الشخصية بأنها كالبحر الذي”تحت سطحه الهادئ، تموج في أعماقه اكثرالموجات ثوريه”.
د/ رغم وضوح دور العوامل ألاقتصاديه في قيام الثورات السودانية”الضرائب الباهظة، غلاء الأسعار..”، إلا أن للعوامل المعنوية” كالاهانه والتحقير” دور رئيسي في قيامها.
ه/ أن للمراه السودانية دور رئيسي وفاعل في كل الثورات السودانية عبر التاريخ.
و/ رغم أن للدين دور اساسى في حياه الشخصية السودانية ورغم تدينها، إلا أن كل محاولات توظيف الدين للقضاء على الطبيعة الثورية للشخصية السودانية والاراده الشعبية السودانية باءت بالفشل،لان التدين الشعبي السوداني يمنح هذه الطبيعة الثورية سندها الديني ، وبالتالي يمثل مناعة روحيه أمام اى محاوله للقضاء عليها.
ى/ يغلب على الثورات الشعبية السودانية أنها سلميه،ولم تلجا الاراده الشعبية السودانية للعنق إلا للضرورة المتمثلة في رد العدوان الخارجي أو الدفاع عن النفس.
ل/ رغم فشل كثير من الثورات الشعبية السودانية في تغيير الواقع”بصوره جذريه”، إلا أن محصلتها التراكمية تنجح دائما في تغيير هذا الواقع.
مظاهر الطبيعه الثورية للاراده الشعبيه السودانيه عبر التاريخ: وفيما يلي نعرض لمظاهر الطبيعة الثورية للاراده الشعبية السودانية،والتي مضمونها النزوع المستمر للتحرر من القيود الخارجية(الغزو الخارجي ،استعمار..)،والداخلية (الحكام المستبدين والانظمه الديكتاتورية).
العصر الحضاري الشعوبي النوبي:
طبيعة الحضارة النوبية: إن النوبيون القدماء كانوا عبارة عن شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل، ولكنهم لم يدخلوا الطور القومي ويشكلوا أمه خاصة، فبنهاية العصر المسيحي كان الطور الشعوبي قد استنفذ الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها للتطور الاجتماعي النوبي، وآية هذا أن الدولة النوبية أخذت في الضعف والانقسام، فضلاً عن أن السيطرة الخارجية (الفرعونية مثلا) في فترات سابقه كانت قد عرقلت هذا التطور، ولكن هذا لا يعنى ان الوجود الحضاري الشعوبي النوبي قد انتهى -كما يرى البعض-، بل تحول من وجود حضاري كلى عام ، إلى وجود حضاري جزئي خاص، يحده فيكمله ويغنيه – ولكن لا يلغيه – وجود حضاري عام : وطني(سوداني)، وقومي”لغوى”(عربي) و ديني- حضاري (اسلامى) .
مقاومه الغزو الخارجي:
مقاومه السيطرة الفرعونية الأولى(1950 – 1700 ق.م ) :: غزت الأسرة الفرعونية الثانية عشر النوبة حتى منطقة سمنة ، وبنوا فيها العديد من الحصون والقلاع لتأمين حدودهم الجنوبية ، ومنذ ذلك التاريخ خضعت المجموعة الثالثة للسيطرة الفرعونية الأولى لما يزيد عن قرنين ،ولكن وجدت هذه السيطرة مقاومه حضاريه تمثلت في احتفاظها بخصائصها وهويتها الثقافية الخاصة. وانتهت هذه السيطرة عندما تفككت المملكة الفرعونيه الوسطى وضعفت قوتها، مما شجع مملكة كرمة على مد نفوذها شمالها وضم كل منطقة النوبة السفلى في حدود عام 1700 ق.م.
مقاومه السيطرة الفرعونية الثانية (1550 – 1100 ق.م ) : كما غزت المملكة الفرعونية الحديثة في عهد ” تحتمس الثالث ” النوبة مرة أخري ، وأسست للسيطرة الفرعونية الثانية،التى استمرت لقرون ، ولكن نجح الملك النوبي ” كاشتا ” في استرداد عرش بلاده من الإمبراطورية الفرعونيه، وأقام دولة نوبية كانت عاصمتها في مدينة ” نبتة ” بالقرب من الشلال الرابع ، وسيتمكن لاحقا ابنه بعانخي من توحيد قطري وادي النيل فعليا بعد أن استنجد به المصريون لحماية طيبة في الجنوب من خطر الملك الشمالي تفنخت .
مقاومه الغزو الروماني”الوثنى”: احتل الرومان مصر بعد هزيمة ملكتها كليوباترا ، وكان أول ما فكروا فيه هو مد سلطتهم جنوبا إلى منطقة النوبة بهدف السيطرة على مناجم الذهب والحديد هناك . كانت أولى المحاولات لغزو النوبة في عهد الملكة النوبية أماني ريناس التي تمكنت من التصدي لقوات القائد الروماني بترونيوس في عام 24 ق.م وألحقت به الهزائم المتلاحقة في كل من أسوان والفنتين ، ولكن نسبة لتفوق الجيوش الرومانية لم تتمكن الملكة النوبية من الصمود طويلا فانسحبت جنوبا إلي النوبة العليا تاركة النوبة السفلى في يد الرومان ، ولكن عقد الرومان معاهدة صلح معها في عام 23 ق.م.
غزو مملكه اكسوم الحبشية( 350 ق م): قام عيزانا ملك مملكه اكسوم الحبشية بغزو وإسقاط مملكة مروي النوبية عام 350 م ، ولكن لن تكتب الاستمرارية لسيطرتها السياسية أو تأثيرها الحضاري على المنطقة النوبية،فلاحقا ستظهر في المنطقة النوبية حضارة جديدة عرفت باسم حضارة بلانة (250م – 550م ) نسبة للمكان الذي وجدت فيه آثارها . وقد شهد هذا العصر قيام مملكتين في منطقة النوبة وهما :أولا: مملكة البليمي : و البليمي هم قبائل سكنت شرق النيل وحتى البحر الأحمر ، وهم قبائل البجا الحالية في شرق السودان .تمكن البليمي في أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية في مصر وتدهور مملكة مروي من التوغل في المناطق الجنوبية لمصر والنوبة العليا وأقاموا مملكة قوية جنوب أسوان سميت بمملكة البليمي . ثاني: مملكة النوباديين ( نوباتيا ) :النوباديين هم القبائل المعروفة بالنوبة الآن ، وكانوا يسكنون ضفاف النيل . وقد تمكن النوباديون من تأسيس مملكة قوية على الحدود الشمالية للنوبة حوالي عام 375 م إبان سقوط مملكة مروي .
مقاومه الغزو الرومانى “المسيحي”: استمرت مملكتا البليمي و النوباديين في المنطقة إلى أن أطل الغزو الرومانى المسيحي القادم من الشمال فاتحدت المملكتان لمقاومته ، إلا أن الحملات التبشيرية نجحت في نشر المسيحية في رقعة واسعة من المنطقة ،مهدت لعهد جديد في منطقة النوبة سمى بالعصر المسيحي.
الحكم التركي ” التركية السابقة” ( 1821- 1885) :
تقييم موضوعى لطبيعته: بدا الحكم التركي بإرسال محمد على باشا، والى مصر الخاضع للسيادة الاسمية للدولة التركية ، بارسال ابنه إسماعيل باشا لغزو السودان 1820، بعد أن حصل على فرمان سلطاني، يخوله مهمة ضم سنار وكردفان وملحقاتهما للإمبراطورية العثمانية وانتهى بسقوط الخرطوم في يد الثورة والدولة المهدية 1885. إن التقييم الموضوعي لهذا العصر يقتضى الإقرار بايجابياته وسلبياته معا ، فمن ايجابياته تأسيسه لأول حكومة مركزيه تشمل اغلب إقليم السودان الحالي” فمن قبله تأسست حكومات مركزيه لكنها شملت فقط أجزاء من إقليم السودان الحالي، كالدول النوبية التي ظهرت في العهد النوبي ودوله الفونج في العهد الاسلامى” – مع الإقرار بأن هناك روابط موضوعيه كانت تشد أجزاء هذا الإقليم قبل ذلك- والنهضة العمرانية، وإنشاء نظام ادارى حديث،وانفتاح السودان على العالم الخارجي، وتحقيق شكل من أشكال وحده وادي النيل والوحدة العربية الاسلاميه ، موضوعيا رغم أن دوافع محمد على باشا وراء غزو السودان كانت شخصيه ذاتية ، ممثله في طموحه الشخصي لتأسيس إمبراطوريه، فضلا عن أنها لم تكن مؤسسه على الاراده الشعبية ، وأخذت طابع استعلائي مارسته أسره محمد على باشا وموظفيها – وهو ما كان ضحيته الشعبين السوداني والمصري- ومن سلبياته استخدام العنف المقرض المتضمن للمذابح الجماعية والتهجير – حملات الدفتردار الانتقامية مثالا- ونهب ثروات السودان،وفرض ضرائب باهظة على الشعب السوداني ، مع استخدام أساليب وحشيه في جمعها…..”. وهذا الإقرار يتصل اتصالا وثيقا بالتمييز بين مراحل الحكم التركي المختلفة، فهناك مرحلته الأولى” العسكرية ” والتي تضمنت حكم الدفتردار العسكري ،والتي ارتكب فيه الحكم التركي جرائم وحشيه بحق الشعب السوداني ،وانتهت بعوده الدفتردار إلى مصر عام 1824 بأمر من محمد على باشا، وهناك مرحلته الاداريه ،التي تأسيس فيها نظام أدارى حديث ، وتحققت فيها نهضة عمرانية ،وهناك مرحله التدهور التي ضعفت فيها السلطة المركزية وتنامت سلطه حكام الأقاليم ، فاستبد بهم الجشع وفرضوا ضرائب باهظة على الشعب السوداني، مما أدى إلى قيام العديد من الثورات آخرها الثورة المهدية.
الثورات الشعبية السودانية ضد الحكم التركي:
• اغتيال إسماعيل باشا (1822م) ، فبوصول إسماعيل باشا إلى شندي في ديسمبر 1822م استدعى آلمك نمر زعيم قبيلة الجعليين ، واتهمه بإثارة القلاقل، و أمره بأن يدفع غرامة فادحة ، ولما رد ألمك باستحالة الطلب،أهانه الباشا وضربه بغليونه ، فأظهر ألمك رضوخه ،ودعاه ورجاله إلى عشاء ، ثم اشغل رجاله النار فيهم ، فأرسل محمد علي صهره الدفتردار إلى السودان للانتقام من ألمك نمر ، ولكنه فر إلى حدود الحبشة .
• ثورة شعبيه بقياده الشيخ بدوي في كردفان سنة1844 م، والذي كان يقول أن الحكم التركي يظلم الناس ويقهر بلاده، وقد لجأ إلى جبال النوبة حين سعى الحكم التركي إلى اعتقاله.
• ثورة الجهادية السود في التاكا في سنة 1865م .
• ثورة الشعبية بقياده السلطان “حسب الله” عام 1874م في جبل مرة.
• ثوره شعبيه بقياده الأمير ، بوش بن السلطان محمد الفضل، الذي توجه أهل دارفور سلطانا على دارفور في مارس 1875م ، بعد استسلام السلطان حسب الله للزبير باشا رحمه المكلف بالسيطرة على دارفور، وكلفوه بمواصلة المقاومة ، وخاض الزبير حربا ضارية ضده استمرت خمسة عشر يوما، خسر فيها بوش كثيرا من رجاله وعتاده ،فاضطر للانسحاب من جبل مرة، ثم ما لبث بوش أن قتل أثناء مطاردة الزبير له.
• ثوره شعبيه بقياده السلطان “هارون بن سيف الدين” الذي قتل عام 1880م، كما قامت ثورة أخرى بقيادة الزعيم “مادبو”، كما قامت قبيلة “بني هلبا” بثورة في جنوب دارفور.
• ثورة الفقيه إدريس وجماعة من أنصاره في سنة 1878م على النيل الأبيض، ومقتله في قرية القراصة.
• ثورة سليمان بن الزبير باشا رحمة، الذي كان ضابطا تابعا للحكم التركي في بحر الغزال، لكنه تمرد على قرارات القائد الإنجليزي جوردون، الذي أراد عزله بسبب كثرة الوشايات ضده، إلا أن ثورته فشلت، وقتل بعدما أعطي الأمان وسلم نفسه.
• ثورة شعبيه في دارفور تحت زعامة أحد زعماء القبائل وهو محمد هارون، وقد بذل الحكم التركي جهودا كبيرة في القضاء عليها.
• ثورة بقياده الصباح الذي كان يعمل في جيش الزبير الذي كلفه الحكم التركى لضم دارفور .
• الثورة المهدية بقياده محمد احمد ” المهدي” التي اندلعت عام 1881 ، وتحولت لاحقا إلى دوله بقياده الخليفة عبد الله التعايشى، وأنهت الحكم التركي للسودان 1885
الاستعمار البريطاني(1889- 1956 ) : أطلق البعض على الاستعمار البريطاني اسم الحكم الثنائي”البريطاني-المصري”،وفى واقع الأمر انه كان فعليا استعمار بريطاني لمصر والسودان، مع سيادة شكليه لمصر على السودان ، وفى كل الأحوال فان الاستعمار البريطاني سيسقط هذه السيادة الشكلية لاحقا وينفرد بحكم السودان.
الثورات الشعبية السودانية ضد الاستعمار البريطانى:
الثورات الشعبية المهدويه: رغم قضاء الاستعمار البريطاني على ألدوله المهدية 1889، إلا أنه ظهرت العديد من الثورات الشعبية ضده، التي تستند إلى الاعتقاد بالمهدي المنتظر ومنها:
• تحرك علي عبد الكريم من أسرة الإمام محمد احمد “المهدي” عام 1900 في إمدرمان ، وقد ادعى المهدية وسمى جماعته “عباد الله” ، وعرفت أيضا بجماعة “ود الكريم” ، وقبض عليه و حكم عليه وأتباعه بالإبعاد و سجن بحلفا .
• تحرك الفكي محمد الخزين الذي ادعى المهدية وأتباعه من البرنو عام 1902 ، والذي قبض عليه لاحقا واعدم.
• ثوره شعبيه بقياده الشيخ عبد القادر ود حبوبة عام 1908 في الحلاوين بالجزيرة ، والذي أعدم في 17 مايو 1908 الحلاوين.
• ثوره شعبيه بقياده أحد أتباعه الفكي عكاشة أحمد بكردفان عام 1912 ، والذي قبض عليه لاحقا و أعدم.
• دعوه الفكي نجم الدين أهالي سنار للثورة على الاستعمار البريطاني عام 1910 ،وتم القبض عليه وإعدامه لاحقا.
الثورات الشعبية العيسوية:كما قامت تحركات وثورات شعبيه تستند إلى الاعتقاد بنزول عيسى “عليه السلام” ومنها تحرك محمد ود آدم الذي ادعى العيسوية وأتباعه في سنار ، والذين هاجموا قوة للبوليس التي أرسلت للقبض عليه، و قتل في الاشتباك. والى ذات الاعتقاد قامت عده تحركات شعبيه بقياده عدد من الزعماء الذين اعدموا جميعا ومنهم ( الشريف مختار ود الشريف من قبيلة الشنابلة عام 1910 و فكي مدني بالنيل الأبيض في نفس العام، و أحمد عمر من قبيلة الفلاتة من سوكوت بدارفور عام 1915، وابن أخت الإمام محمد احمد “المهدي” محمد السيد حامد في مديرية الفونج عام 1919.
مقاومه الاستعمار البريطاني في دارفور بقياده السلطان علي دينار ولد في قرية ” شوية ” بدارفور، على وجه التقريب ما بين عامي 1856م و1870م، وكان أول نشاط عام له في فبراير 1889م عندما ساند عمه السلطان أبو الخيرات في تمرد أبو جميزة، ثم هرب مع عمه بعد هزيمة التمرد. أصبح لاحقا سلطانا على دارفور، ولذا اعترف الإنجليز بسلطته كأمر واقع ، ولكن حاولوا إفهامه أن دارفور تقع ضمن منطقة النفوذ البريطاني. وكان لعلاقة علي دينار بالدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية سببا رئيسيا في تحرك الإنجليز ضده للقضاء عليه وتقويض سلطنته؛ ووقعت عدة معارك داخل أراضي دارفور كان أهمها معركة “برنجيه” هزم فيه جيشه هزيمة ساحقه ، وعندما علم علي دينار بالهزيمة استعد للقتال مرة أخرى للدفاع عن الفاشر، لكن جيشه لم يكن مدربا ولم يكن يمتلك أي أسلحة حديثة، وتم للانجليز السيطرة على الفاشر في 24 مايو 1916م، واغتيل السلطان علي دينار أثناء صلاته الصبح في 6 نوفمبر 1916م..
الثورات الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في جبال النوبة:
قامت ثورات شعبيه ضد الاستعمار البريطانى فى جبال النوبه في جبل الداير عام 1903، وفي جبل براني قرب تلودي عام 1908 و عام 1917 ، و ففي رقيق عام 1910 و 1911و في هيبان 1911 و توقوي 1910 و الطير الأخضر و كادوقلي و شط الضافية و ميري و الدلنج ومندال و كاندرو و فاندو و كيلا كيدو و تيمة و سيبي و ذلمار حتى عام 1929..
الثورات الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب السودان:
• ثارت قبيلة دينكا أجار وقتلت ضابطاً بريطانيا عام 1901، فأرسل الانجليز قوات لتحرق القرى المشاركة في الثورة، و قتلت سلاطينها و صادرت مواشيهم.
• ثارت قبيلة دينكا أتوات على نهر لاو عام 1903 ثم عام 1907 ومجدداً عام 1910.
• ثارت قبيلة الزاندي عام 1903 بقيادة السلطان ريكتا ابن سلطان يامبيو ، و هاجموا فصيلة من الجيش. وقتل السلطان نفسه في عام 1905. والقي القبض على ابن السلطان في 1914 و أبعد إلى الخرطوم حيث توفي عام 1916.
• وثارت قبائل الشلك عام 1915 و النوير أعوام 1913 و 1914 و1917. و الأنواك عام 1913.
ثورة 1924 : هي حركه عسكريه سودانيه، قامت بها الكتيبة الحادية عشرة السودانية عام 1924، وقامت ضد محاوله الاستعمار البريطاني الانفراد بحكم السودان – فعليا- بعد إلغائه للسيادة الشكلية لمصر، بعد اغتيال السير لي ستاك الحاكم العام للسودان في القاهرة، وتم إخمادها بالقوة و إعدام قادتها.
مؤتمر الخريجين (1938): كان ميلاد مؤتمر السودان في عام 1938 م على أيدي خريجي كلية غردون التذكارية – جامعة الخرطوم حاليا- وخريجي الكليات الأجنبية الأخرى. وكان هدفه سياسيا، وفي المقام الأول تحرر السودان من بريطانيا ولما كانت ظروف الموظفين السودانيين لا تسمح لهم بالعمل السياسي جاءت فكرته كهيئة اجتماعية كانت هي النواة التي منها نال السودان استقلاله في 1 يناير 1956 م.
النضال السياسى للشعب السودانى بعد الاستقلال:
طبيعه الواقع السياسى السودانى بعد الاستقلال: اتسم الواقع السياسي السوداني بعد الاستقلال بتعاقب انظمه ديمقراطيه – ليبراليه- وعسكريه – ديكتاتوريه- نتيجة لمشكله التخلف الديمقراطي والتي تتمثل في: انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية، وكان حصيلة هذا فشل تطبيق الديمقراطية، ومن أثار هذا الفشل جاءت ظاهرة الانقلابات العسكرية التي تكاد تكون المرحلة التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. كل هذا أدى إلى شيوع العديد من المظاهر السلوكية والفكرية السياسية السلبية،التي عاقت حل مشكله التخلف الديموقراطى.
انحياز الشعب السوداني الى حركه التحرر العربي من الاستعمار بقياده الزعيم عيد الناصر: كما انحاز اغلب الشعب السوداني إلى حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار ، بقياده الزعيم جمال عبد الناصر”رحمه الله تعالى”،الذي استقبله عند حضوره قمه اللاءات الثلاثة “لا صلح لا اعتراف لا تفاوض ” بالخرطوم بعد نكسة 5 يونيو 1967، استقبالا اسطوريا أدهش العالم كله ،فكان الحدث الإعلامي الأول في العالم، ووضعت صور هذا الاستقبال فى الصفحة الأولى في كل صحف أوربا وأمريكا. كما أدهش عبد الناصر نفسه ، فوصف الشعب السوداني لاحقا في خطابه بمناسبة يوم استقلال السودان 1/ 1/1970…بأنه شعب مقاتل و مناضل ومكافح..
انحياز الشعب السوداني إلى الثورة الافريقيه والعالمية ضد الاستعمار القديم والجديد: كما انحاز اغلب الشعب السوداني إلى الثورة الافريفيه ضد الاستعمار القديم واغلب رموزها( بياترس لوممبا،نيكروما،نيلسون مانديلا…)،كما انحاز إلى الثورة العالمية ضد الاستعمار القديم والجديد ورموزها(ماو، كاسترو، تشى جيفارا..) رغم عدم تبنيه لإيديولوجيتهم الماركسية.
الثورات الشعبيه السودانيه ضد الانظمه الديكتاتوريه:
ثوره 21 أكتوبر سنة 1964 : وقامت ضد نظام الرئيس السوداني الراحل الفريق إبراهيم عبود ونجحت في الاطاحه به،وكانت شرارتها مقتل احمد القرشي الطالب بجامعه الخرطوم..
انتفاضة 6 ابريل 1985 : وقامت ضد نظام الرئيس السوداني الراحل/ جعفر محمد نميري ، ونجحت في الاطاحه به، بعد موجة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية وأسعار الوقود، نتيجة لتبنيه لسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .و بعد أن فقد شعبيته التي اكتسبها في مرحلته الأولى، بتبينه لشعارات حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار ، بقياده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومن ثم تحوله من تأييد القضية الفلسطينية، إلى تورطه في فضيحة ترحيل اليهود الفلاشا ” من شعارات ألانتفاضه الفلاشا لن تتلاشى”، ومن معارضته للاستعمار إلى خضوعه للولايات المتحدة وسياساتها الامبريالية في المنطقة ” من شعارات ألانتفاضه لن يحكمنا السى اى ايه” . ومن رفعه لشعار العدالة الاجتماعية وانجازه للعديد من مشاريع التنمية، إلى تبنيه لسياسات المؤسسات الراسماليه العالمية”من شعارات ألانتفاضه لن يحكمنا البنك الدولي”.
الحراك السياسي بعد انقلاب 30 يونيو 1989:
ضرورة التمييز بين الحركات المنبثقة عن جماعه “الأخوان المسلمين” والمنبثقة عن الحركة الوطنية السودانية:
أولا: الحركات المنبثقة عن الحركة الوطنية السودانية ( الاستاذ / بابكر كرار) :هي الحركات السياسية الاسلاميه التي انبثقت – فكريا – عن الحركة الوطنية السودانية،وأخذت خصائصها الفكرية، وبالتالي يمكن اعتبارها جزء لا يتجزأ منها، واهم ممثل لها حركه التحرير الاسلامى، التي أسسها الأستاذ /بابكر كرار في جامعه الخرطوم عام 1949 ، ورغم توثق صله حركة التحرير الاسلامى بجماعه الإخوان المسلمين في البداية ، إلا انه حين انتهى مؤتمر الحركة عام إلى اختبار اسم الإخوان المسلمين، اعترض الأستاذ/ بابكر كرار مؤسس الحركة، وانسحب من المؤتمر مع آخرون ، وكون مع آخرون الجماعة الاسلاميه،وبعد ثوره أكتوبر غيرت اسمها ليصبح الحزب الاشتراكي الاسلامى. حيث اعتبر الأستاذ/ بابكر كرار أن أفكار حركه التحرير الاسلامى ، متمايزة عن أفكار جماعه الأخوان المسلمين ، حيث تدعو الحركة إلى العدالة الاجتماعية والاشتراكية من منطلق اسلامى، بينما تبنى جماعه الأخوان المسلمين – فعليا- الراسماليه، رغم رفعها لشعار الاقتصاد الاسلامى ، كما تلتزم الحركة بالعمل السياسي السلمي الديموقراطى ، بينما تؤمن جماعه الأخوان المسلمين بالديموقراطيه وتجنح إلى العنف والأساليب الانقلابية ، وفيما بعد ستؤيد الحركة الزعيم جمال عبدالناصر “رحمه الله تعالى ” ، في قيادته لحركه التحرر القومي العربي، من الاستعمار القديم والجديد “الامبريالي “والاستيطاني ” الصهيوني” ، بينما ستشن جماعه الأخوان المسلمين حمله شعواء ضده، وتحاول تصويره كديكتاتور وكافر وطاغوت ، وهى الحملة التي ستبدو كنغمه نشاز نسبه لتأييد اغلبيه الشعب السوداني- كسائر الشعوب العربية – للزعيم الراحل.
ثانيا: الحركات المنبثقة عن جماعه الأخوان المسلمين ( د. حسن عبد الله الترابى): : وهي الحركات السياسية التي انبثقت عن جماعه الإخوان المسلمين السودانية،والتي كانت في بدايتها امتداد سوداني لجماعه الأخوان المسلمين الأم في مصر، حيث تشكلت أساسا من الطلاب السودانيين الذين درسوا في مصر ، وقد تبنت – بدرجات متفاوتة – أفكار الجماعة في صيغتها القطبية ” نسبه لسيد قطب” ،والتي هي شكل من أشكال مذهب التفسير السياسي للدين”الإسلام السياسي” ،الذي يلزم منه التكفير” المعلن أو المضمر”، ولم تلتزم بافكارالجماعه في صيغتها البنائية ” نسبه لمؤسسها حسن ألبنا” ، والتي تقوم على عدم تكفير المجتمع والتركيز على التربية الروحية.
جبهة الميثاق الإسلامي : في مرحله تاليه تم انتخاب د. حسن عبد الله الترابي أمينا عاما لجماعة الإخوان المسلمين.. واعترض على انتخابه عدد من قيادات الجماعة.. أسس د. الترابي لاحقا جبهة الميثاق الاسلامى، وهو تحالف بين الإخوان المسلمين وبعض السلفيين ، لخوض الانتخابات بعد ثوره 21أكتوبر الشعبية ضد حكم الرئيس عبود 1964 ، وحصلت على ثلاثة مقاعد في البرلمان فقط الاتجاه الاسلامى: بعد فشل محاوله الغزو العسكري للسودان من ليبيا ،بقياده العميد محمد نور سعد ، والذي شكل قاعدته أنصار حزب الأمة “بقياده الصادق المهدي” والحزب الاتحادي الديمقراطي و جماعه الإخوان المسلمون ” بقياده الترابي” عام 1976 ، عقد الرئيس جعفر محمد نميرى مع هذه الأحزاب ما عرف باسم المصالحة الوطنية ، فانخرطت هذه الأحزاب معه الحكم ، وتولى قادتها مناصب قياديه ، وتولى د. الترابى منصب وزير العدل ،وقام بحل جماعه الإخوان المسلمين، إلا أن قطاع من الجماعة رفض الانخراط في الحكم مع الرئيس نميري، واستمر بذات الاسم”جماعه الأخوان المسلمين”،بقياده الشيخ / صادق عبد الله عبد الماجد الذي أصبح المراقب العام للجماعة . كما عارض كل من الغزو العسكري والانخراط في حكم نميرى .استمرت الجماعة في تحالفها مع الرئيس نميرى بعد أن تراجعت شعبيته،وخلال هذه الفترة اخترقت الجماعة مؤسسات الدولة والجيش والنقابات، وأسست مؤسسات اقتصاديه خاصة بها، ونشطت فى الاتحادات الطلابية تحت اسم الاتجاه الاسلامى.
الجبهة الاسلاميه القومية :وبعد ثوره 6 ابريل الشعبية ضد نظام الرئيس نميرى 1996،أسس د. الترابى الجبهة القومية الاسلاميه لخوض الانتخابات البرلمانية ، ورغم اختراقها لمؤسسات الدولة والنقابات والاتحادات الطلابية فى الفترة الاخيره من حكم الرئيس نميرى، إلا أن ترتيبها جاء الثالث بعد حزبي الامه “المستند إلى طائفة الأنصار ” والحزب الاتحادي الديموقراطى ” المستند إلى طائفة الختميه “، كما فشل د. الترابى في الفوز في الدائرة الانتخابية التي ترشح فيها
حزب المؤتمر الوطني : قامت الجبهة الاسلاميه القومية بتدبير انقلاب عسكري عام 1989 ، ضد الحكومة الديمقراطية المنتخبة ، أطلقت عليه اسم ” ثوره الإنقاذ الوطني “، وتم لاحقا تحويل اسم الجبهة الاسلاميه القومية إلى حزب المؤتمر الوطني .كما قام د. الترابى بحل الحركة الاسلاميه السودانية
حزب المؤتمر الشعبي : وفى عام 199 حدث خلاف بين د. الترابى رئيس المجلس الوطني ومنظر الإنقاذ وعرابها ، ورئيس الجمهورية /عمر البشير فيما عرف بالمفاصلة ، انتهى بتجريد د. الترابي من منصبه كرئيس للمجلس الوطني، وزج به في السجن عده مرات ، فأسس حزب المؤتمر الشعبي المعارض. واتهم د.الترابي خلال هذه الفترة قيادات الإنقاذ بالفساد والاستبداد ، إلا انه انضم إلى الحوار الوطنى الذي دعت إليه الحكومة قبل وفاته.
تقييم: رغم نجاح هذه الحركات في الوصول إلى السلطة – عبر انقلاب عسكري – واستمرارها في الحكم ما يزيد الربع قرن، إلا أنها فشلت في حل مشاكل السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية… وفشلت الحفاظ على وحده البلاد ( انفصال الجنوب) ، وأيضا فشلت في تطبيق النظام القانوني الاسلامى، وأسهمت في تعميق الاستقطاب “الصراع”السياسي،الاقتصادي،الاجتماعي…في السودان من خلال أخذها بجمله من السياسات التي تكرس لهذا الاستقطاب ومنها : في المجال السياسي احتكار الحزب الحاكم للسلطة ، وفى المجال الاقتصادي تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى الربوى- تحت شعار التحرير الاقتصادي- بحجه انه سيحقق التقدم الاقتصادي ، مع تجاهل حقيقة أن الذي يستفيد منه هم الاقليه وليس الاغلبيه – و رغم ما يفرزه هذا النظام الاقتصادي من فساد و قيم سلبيه وانهيار اخلاقى في كافه مجالات الحياة، ورغم تعارضه مع الاقتصاد الاسلامى ، الذي ظلت الجماعة تدعو له عندما كانت فى المعارضة، ورغم الأزمات الاقتصادية العالمية التي تعصف بالنظام الراسمالى العالمي ،والتي يمكن اعتبارها مؤشر لبدايه نهايته.و في المجال القانوني الاستمرار في الأخذ بمقياس خاص واستثنائي للاستقرار غير المقياس القانوني له”قانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية”، واستمرار هذا الاستقطاب سيؤدى (موضوعيا) إلى اكتمال نضح الشروط الذاتية للثورة –بعد أن توافرت شروطها الموضوعية – ومن ثم حتمية قيامها، بصرف النظر عن النوايا (الذاتية) .
الحراك الشعبي بعد 30 يونيو 1989:
الاحتجاجات الشعبيه الفئوية (1989- 2011): قامت العديد من الاحتجاجات الشعبية منذ 30 يونيو 1989، ولكنها كانت محصورة في فئات أو مؤسسات أو مناطق جغرافيه معينه،ومنها –على سبيل المثال لا الحصر:إضراب عمال السكة حديد في عطبره 1989، سلسله المظاهرات التي اندلعت في الجامعات السودانية”وأهمها جامعه الخرطوم” ومناطق متعددة)
الاحتجاجات الشعبية 30 يناير2011: وهي احتجاجات شعبية طالبت بالقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ، كما نادى بعضها بتغيير النظام، بعض هذه الاحتجاجات دعا إليها طلبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت مثل فيسبوك.
هبه سبتمبر 2013 : وكانت شرارتها اتخاذ الحكومة قرار لخفض دعم المحروقات وزيادة تعريفة حافلات الركاب، ما أدى إلى تظاهرات واسعة في العاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان، وسقط خلالها نحو 200 قتيل.
العصيان المدنى 27نوفمبر 2016 : وكانت جماعات معارضة قد دعت إلى إضراب “وطني” ضد قرار الحكومة خفض دعم الوقود. وقد نجح في أول أيامه، ولكن لم يكتب لهذا النجاح الاستمرار.
الاحتجاجات الشعبية 19 ديسمبر 2018:وكانت شرارتها مظاهره قام بها طلاب مدرسه عطبره الصناعية ، احتجاجا على انعدام الخبز،وانضم لهم اهالى الطلاب واهالى المدينة، ثم انضمت إليها لاحقا اغلب المدن السودانية ، وقطاع كبير من الشباب، وقطاعات من المهنيين، وانضمت إليها أخيرا اغلب الأحزاب السياسية المعارضة.
الحراك الشعبي السوداني وثوره الشباب العربي: يرى بعض المحللين أن الحراك الشعبي السوداني أتى في فتره متاخره من فترات ثوره الشباب العربي وهذا الراى خاطئ مرجعه سببين : الأول هو الجهل بالتاريخ الثوري للاراده الشعبية السودانية،نتيجة لأسباب متعددة أهمها أن وسائل الاتصال والإعلام لم تكن متطوره بما يكفى للتعريف بهذا التاريخ الثوري، السبب الثاني هو عدم إدراك أن لثوره الشباب العربي موجتان:
الموجه الأولى: وتتمثل في سلسله الانتفاضات الشعبية العربية شبه المتزامنة ، التي كان طليعتها الشباب ، وكانت أداه الإعلام بها والتعبئة فيها الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فيه ، والتي اندلعت شرارتها الأولى في تونس ( ثوره الياسمين 011 2 ) ومنها انتقلت إلى مصر(ثوره 25 يناير 2011)، والتي نجحت في إسقاط عدد من الانظمه العربية الاستبدادية سلميا ،وبأساليب التغيير السياسي الديموقراطى، قبل أن تنجح القوى والنظم ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الاراده الشعبية العربية ، في تحويل مسارها في دول عربية أخرى ، من المسار الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح “دموي (سوريا، ليبيا،اليمن)، بهدف تشويه صوره هذه الثورة الشعبية السلمية، ومن ثم منع انتقالها إلى دول أخرى. وهذه الموجه هي تتويج لمرحله التفعيل التلقائي للاراده الشعبية العربية ، ذلك أن مرحله التعطيل “الارتدادي ” للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي – والتي بدأت بتولي السادات السلطة فى مصر بعد وفاه الزعيم جمال عبد الناصر عام 1970،وارتداده عن سياساته المجسدة للاراده الشعبية العربية وأهدافها – هي ذات مرحله” ظهور”الاراده الشعبية العربية على المستوى الشعبي ، فتعطيل الاراده الشعبية العربية على المستوى السياسي ، قد فتح المجال أمام تفعيلها على المستوى الشعبي ، وفى ذات الوقت مهد الطريق إمام انتقالها من مرحله التفعيل الزعامي إلى مرحله التفعيل الجماهيري ، والتي يدعمها تطور وسائل الإعلام الاتصال ،وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام. وتشمل هذه المرحلة مرحلتين من مراحل تفعيل الاراده الشعبية العربية على المستوى الشعبي المرحلة الأولى هي مرحله التفعيل التلقائي ، والتي أخذت شكل رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت ضد مظاهر تردى النظام السياسي العربي، ومشاريع محاوله إلغاء الاراده الشعبية العربية.
الموجه الثانية : وتتمثل في انتقال الاراده الشعبية العربية إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها، وهى المرحلة ألقصديه والتي تتجاوز رد الفعل التلقائي – إلى الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي ،الذي يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من أهداف الاراده الشعبية العربية في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والاصاله والمعاصرة. وهذا الانتقال ضروري لضمان حفاظ الاراده الشعبية العربية على الانتصارات التي حققتها في مرحله التفعيل التلقائي ، وعدم إجهاض أعداء الامه لهذه الانتصارات، فضلا عن تحقيقها لمزيد من الانتصارات . وارتقاء الاراده الشعبية العربية إلى مرحله التفعيل ألقصدي لا يتحقق إلا بالالتزام بشروط تفعيلها ، والتي تمثل خصائص الموجه الثانية من ثوره الشباب العربي.
وياتى الحراك الشعبي السوداني في مرحلته المبكرة (ثورتي أكتوبر 1964 وابريل 1085) في فتره متقدمه من فترات الموجه الأولى لثوره الشباب العربي، بينما باتى الحراك الشعبي السوداني في مرحلته المتاخره (الاحتجاجات الشعبية 19 ديسمبر 2019 ) في فتره متقدمه من فترات الموجه الثانية لثورة الشباب العربي .مع وجوب تقرير أن التقدم الزمني لاى حراك ثوري لا يعنى بالضرورة التقدم القيمى، بل يتصل بتوافر شروطه الذاتية والموضوعية.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s